سالب عائلة - الفصل 1 | هاجر التركي

قراءة رواية (سالب عائلة) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سالب عائلة)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( هاجر التركي ) | الفصل: ( 1 )



استقرت شمس النهار في كبد السماء، ورويدًا رويدًا تنحدر ناحية الأرض، يصاحب ذلك ارتفاع في درجة الحرارة الصيفية في شهر أغسطس الحار.. وغطّت مدينة الإسكندرية، عروس البحر المتوسط، موجات ساخنة، خفّت الأقدام حول الشاطئ الرملي، تجنبًا لضربات الشمس المُلتهبة، إلا بعض الأطفال الصغار يركضون هنا وهناك بجاروفات الرمال البلاستيكية الصغيرة بين أيديهم.


وبالفعل كان المطعم الصغير، الذي تطل واجهته الزجاجية الواسعة على البحر الممتد مباشرةً، شاغرًا من الزوار في هذه الساعة من النهار.. وللمحزن أن ذلك لم يكن اليوم فقط من أجل ارتفاع الحرارة.


قد سبق ذلك بكثير، تدريجيًا وفي خلال ستة أشهر خفّت الأقدام عن زيارة المطعم، بعد أن تراجعت جودته في الفترة الأخيرة، سواء في الخدمات أو الوجبات المقدمة.


لسعتها حرارة الشمس، مستقرةً فوق جلد ظهرها العاري، بعد أن انحرف الشال القصير عنها بينما هي شاردة في منظر البحر أمامها، رفعته سريعًا متنهدة بحرارة.. تضمه إليها بقوة، وكأنها تحتضن نفسها في مواساة صامتة.. كان البحر صامتًا، زادت مياهه قتامةً وكأنه حزين يودعها.


_"مدام جميلة؟... يا مدام جميلة."


لم تنتبه إلى النداءات المتكررة، وكأنها تأتي من مكان ما بعيد تجهله، أو هي التي ذهبت إلى مكان بعيد. ارتفع النداء مرة أخرى، ولكن بصوتٍ مرتفع، يزداد وضوحًا كلما اقتربت من موقعها على الشاطئ الرملي.


لفتت انتباهها "سميرة"، مساعدتها الخاصة بالمطعم، تقترب منها بقامتها القصيرة ووزنها شبه الزائد. تهرول على الأرضية الرملية المختلطة بالمياه، وقد تلطخ ثوبها، وعلقت به الرمال، تنبأت بحديثها القادم، فسألتها مباشرةً:


_"المحامي جه؟"


هزت "سميرة" رأسها نافية،  بداخلها  تمني يكاد يكون دعاء، بألا يأتي المحامي اليوم.... بل ألا يأتي إطلاقًا وقد تح تبعتها إجابتها المقتضبة، بينما ترفع كفها للأعلى تحجب أشعة الشمس عن نظارتها الطبية العريضة:


_"لا لسه، تحبي نقفل المطعم دلوقتي ونرجع على بليل؟"

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تنهيدة حارة محملة بثقل كبير أخرجتها "جميلة" من صدرها، وملامحها الأوروبية غرقت في حزن عميق لا تواسيه أي كلمات، نظرة طويلة ألقتها على واجهة المطعم الزجاجية، والتي عُلّقت فوقها لافتة عريضة، اختلطت ألوانها ما بين اللون الأزرق المماثل لزرقة البحر، واللون الذهبي... وقد تقشر طلاؤها وبهت.


غرقت في صمت طويل تراقب المقاعد الشاغرة من خلف الزجاج، اقتربت منها مساعدتها، تربت على كتفيها بحنوٍ، تقول مواسية بصدق:


_"يا مدام لسه قُدامنا فرصة، أتصل بالمحامي وأبلغه أننا خلاص مش هنبيع، والموضوع يخلص."


قاطعتها سريعًا تنفي اقتراحها من جذوره، معنى التفكير في احتمالية ذلك.. لن يؤدي سوى إلى امتداد المدة وبالتالي تراكم المشاكل والديون، أحكمت الشال الأسود حول بشرتها الصافية حتى لا تحرقها الشمس...


بادرت بالانصراف دون رد، فتبعتها "سميرة" بوجه قلق وغارق في الأسى، حتى وصلتا إلى الداخل، نزعت عنها الشال تُلقيه على أقرب مقعد وكأنه حمل ثقيل لا يطيقه جسدها، ترفع خصلاتها البندقية من ثم تدفعها للخلف.


واستقرت على كرسي قريب تلقي نظرات متفرقة مودعة على أرجاء المكان، مبتسمة بمرارة:


_"عارفة يا سميرة، المكان ده غالي على قلبي أوي. كل ركن فيه أنا اللي اخترته بإيدي.. سهرت كتير وأنا بتخيله قبل ما يبقى حقيقي وواقع."


وكأنها أمسكت طرف الخيط، استغلت لحظة تأثرها، وأخذت تحاول إقناعها بشتى الطرق وأقربها إلى قلبها:


_"أحنا لسه فيها، بلاش تسيبيه وتمشي، والله المكان واللي فيه متعلقين بيكِ يمكن أكتر منك.. عارفة، العُمال مش زعلانين على قطع عيشهم قد ما زعلانين على فراقك يا مدام جميلة."


اغرورقت زرقاويتا عينيها بالدمع.


العُمال.


أي قطع عيشٍ هذا؟ لا تتذكر آخر مرة استلموا فيها رواتبهم كاملة، مستحقاتهم الشهرية متوقفة منذ أربعة أشهر، وبالرغم من ذلك يوميًا متواجدين بالمطعم بالرغم من انعدام الزبائن وحتى المنتجات.


صمتت لثوانٍ تراقب تأثير كلماتها، ثم استأنفت تضرب في مقتلٍ:


_" متنسيش أن ده آخر حاجة فاضلة من ريحة المرحوم."


وبالفعل، زلزلت الذكرى ثباتها الهش جدًا، لتصيح مستنكرة بغصة مريرة تكونت في حلقها تكاد تخنقها بلا رحمة:


_"مش قادرة، مش هقدر يا سميرة... مش هقدر."


ختمت حديثها لتنخرط بعد ذلك في بكاء مرير، ينفطر له الحجر، لقد قضت الليلة الماضية في التفكير المستمر، لم تجد إلا ذلك حلًا مناسبًا، بالرغم من المبلغ الضعيف في المقابل والذي لا يساوي نصف قيمته حتى.


إلا أنها اتخذت قرارها، ما إن تستلم المبلغ، أولًا ستدفع كل ما تأخر على العاملين من رواتب، بالإضافة إلى مكافأة بسيطة، تعرف أنها لا تساوي جهدهم وصبرهم عليها، لكن أفضل من لا شيء.


سحبتها "سميرة" إلى أحضانها بعفوية وحنان لم تبخل به عليها يومًا، تعتبرها أكثر من ابنتها وتكن لها حبًا واحترامًا مضاعفًا، أخذت تربت على ظهرها العاري لارتدائها فستانًا صيفيًا قصيرًا، أسود اللون، ذو فتحة ظهر دائرية واسعة.


❈-❈-❈


أخيرًا انتهى من اجتماعه مع رئيس الشركة الإيطالية ومعاونيه، نهض يودعهم بحفاوة، ورافقهم بصحبة مساعده حتى وصلوا إلى المصعد الكهربائي. طلب من مساعده أن يرافقهم حتى الأسفل، ففعل، بينما عاد هو أدراجه إلى حيث غرفة مكتبه في نهاية الممر الطويل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يتخطَّ عتبة الغرفة الداخلية للمكتب، إلا أن طاقة تحمله لتلك البدلة الرسمية الخانقة قد نفدت. سريعًا ما حرر رقبته، نزع ربطة عنقه وألقاها بإهمال، تبعها معطفه الرمادي اللون، ثم ترك أول ثلاثة أزرار من قميصه ناصع البياض مفتوحة، كاشفًا عن عضلات صدر صلبة تفرقت عليها بعض الشعيرات الخفيفة نسبيًا.


_"كده أنام مرتاح.. ضمنا الشركة في جيبنا."


نطق بذلك "حسن"، الذي دخل للتو دون استئذان مسبق؛ تقريبًا لا يوجد في قاموسه شيء يدعى طرق الباب. ألقى بجسده على المقعد المقابل لمكتب "عزيز" الضخم، بينما استند الآخر إلى المقعد المتحرك بأريحية:


_"قولتلك مش هياخد في إيدي غلوة، أنا عارف طلبهم المهم إيه، ووفرته فأول الاهتمامات."


_"كويس، ربنا يستر ونمضي العقود على خير.. ماهو مش أنت تاخد إجازة وتروح هاني مون، وأنا أتسوح هنا معاهم."


رُسمت على محياه بسمة هادئة مستفزة، ليقول بعبثية أثارت استفزاز الآخر أكثر:


_"يا ابني الحاجات دي أرزاق وبالنيات، وأنت ما شاء الله نياتك طالعة في السما، مفيش واحدة معمرة معاك شهر على بعضه."


رفع حسن حاجبه في استنكار واضح، ثم مال بجسده إلى الخلف مستندًا بظهره إلى المقعد، واضعًا ساقًا فوق الأخرى، وكأنه ألقى لتوه أعظم اكتشاف في تاريخ البشرية.


_"وأنت مالك يا عم؟ ما أنا عايش حياتي أهو، لا بظلم حد ولا بوعد حد بحاجة."


رفع "عزيز" عينيه إليه ببطء، وقد استند بمرفقيه إلى حافة المكتب، ثم شبك أصابعه أمامه، يحدق فيه بنظرة طويلة تحمل قدرًا واضحًا من عدم الاقتناع.


_"آه، عايش حياتك... يعني كل شهرين واحدة جديدة، ده أنت بتغير عربيتك كل سنة مرة؟"


هز"حسن "رأسه وكأنه يقر بحقيقة لا تستحق النقاش، ثم مد يده ليلتقط زجاجة المياه الموضوعة فوق الطاولة الجانبية، فتحها دون استعجال، وارتشف منها قبل أن يجيبه:


_"ما هو يا سيدي الواحد بيجرب حظه."


_"بتجرب حظك من أيام الجامعة... جامعة إيه، من أيام ثانوي، فاكر... فاكر بنت الجيران."


_"والحمد لله لسه بجرب... مش زيك رايح أدبس نفسي بكامل قواي العقلية."


هز "عزيز" رأسه بيأس مصطنع، ثم عاد بظهره إلى المقعد، يمرر يده في خصلاته السوداء التي بعثرتها ساعات العمل الطويلة، قبل أن يقول بنبرة جادة أخيرًا:


_"المهم، خلينا في الشغل. العقد ده لو اتمضى الأسبوع ده هيحل لنا مشاكل كتير، خصوصًا بعد ما الشركة الإيطالية وافقت على الشروط الجديدة."


أومأ "حسن" موافقًا، وقد اختفت ابتسامته العابثة تدريجيًا لتحل محلها ملامح أكثر جدية.


_"أنا متابع الموضوع من أوله، وعارف إن الصفقة دي مهمة. بس أنت اللي شايل الملف كله فوق دماغك من أول ما بدأنا نتفاوض."


_"عشان لازم حد يشيله."


_"طب ما أنا موجود."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفع "عزيز" حاجبه.


_"موجود؟"


_"أيوه."


_"فين؟"


ساد الصمت لثانية. نظر "حسن" إلى السقف وكأنه يسترجع تاريخًا طويلًا من الإنجازات العظيمة، ثم أجاب بكل ثقة:


_"موجود معنويًا."


ضحك "عزيز" رغمًا عنه، وهز رأسه غير مصدق، ثم تناول القلم الموضوع أمامه وألقاه نحوه، فأمسكه "حسن" قبل أن يصيبه قائلا: 


_"يا عم ارحمني، أنا شريكك مش موظف عندك."


_"للأسف."


رفع حاجبيه مستنكرًا:


_"للأسف؟!"


_"لأن لو كنت موظف عندي كان زمانك نايم في بيتكم، بعد ما أكون رفدتك طبعًا."


كاد يسدد له ضربة من الكلمات اللاذعة كما فعل معه، إلا أن رنين هاتف "عزيز" أخذ يدق بإلحاح. التقط "حسن" سريعًا التغير الكلي في تعبيرات وجه صديقه، ما إن وقعت عيناه على كنية المتصل.


سريعًا ما فتح الخط، ينهض مبتعدًا عن "حسن" ليجيب ببسمة واسعة استقرت على وجهه الأسمر:


_"صباح الفل."


داهمته بصياحها العصبي:


_"صباح الفل الظهر صح، أنت فين يا عزيز؟ برن عليك من ساعتين، طيب عبرني برسالة حتى، مش سايبني متكدرة في الشقة مع العمال."


اندفعت الكلمات منها في تتابع لا يتوقف ثانية، وكأنها مبرمجة على ذلك، حتى إنها لم تعطِ له فرصة في حق الرد، ليقاطعها قبل أن تبدأ حلقة جديدة:


_"استني على رزقك طيب، وأديني فرصة أدافع عن نفسي حتى."


وصله زفيرها الحانق لتقول على مضض:


_"اتفضل."


_"كان عندي اجتماع مهم، ما أنا قولتلك من امبارح، وطوّل شوية غصب عني، يادوب كنت هشرب قهوتي وأتحرك."


استسلمت قائلة:


_"طيب، نص ساعة وتكون قدامي يا عزيز، وإلا..."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قاطعها ضاحكًا:


_"من غير إلا، قبل النص ساعة كمان يا حياتي."


أغلق المكالمة بالطبع بعد العديد من كلمات الغزل لتلطيف الأجواء، حتى لا تلقي به من أقرب شرفة عندما يصل إليها بعد قليل.


عاد أدراجه إلى حيث ترك "حسن" يعبث بأي شيء فوق طاولة المكتب بملل، وما إن طلع عليه، حتى اعتدل في جلسته، وابتسم بخبث، كمن وجد أخيرًا ما سيقوم بتسليته لبعض الوقت.


قال بغمزة مشاكسة من عينيه الزيتونيتين:


_"قالك متزعلش على الراجل لو مات.... أزعل عليه لو خاب يا صاحبي، بقت حُرمة اللي بتتحكم فيك."


_"حُرمة تاخدك يا حيوان، اتكلم عنها عدل، أومال لو مكانتش أختك كنت قولت عليها إيه؟"


_"ما هي علشان أختي بقولك احذر منها، دي ولية قادرة."


لملم أغراضه في استعجال، وقال بينما يغادر:


_"يا حمار، الستات بتيجي بالحنين.. وأخوك بقى ميتوصاش بالحنين ده!"


غادر، بينما تركه خلفه يضرب كفًا بالآخر، أعبث علاقة عاطفية شهدها، بين أعبث شخصين على الكوكب.


❈-❈-❈



وصلها اتصالٌ من السيد «جمال»، المحامي الخاص بعائلة زوجها، يعتذر فيه عن مخالفته للموعد المتفق عليه مسبقًا، وعدم الحضور لأسباب قسرية. تقبلت اعتذاره بهدوء، وبادرت بإنهاء المكالمة في إيجاز.


كانت قد غادرت المطعم بعد أن أوصت بإغلاقه جيدًا، غادرت شاردة، خطواتها تكاد لا تشعر بها على الأرضية من حولها... قلبها لم يطمئن بعد، ويبدو أن اختيار «سميرة» لـ«جمال» محاميًا، يساعدها في إنهاء الإجراءات اللازمة لإتمام عملية البيع بعد أن يجد مشتريًا مناسبًا، كان فكرة سيئة.


في البداية رحب بالأمر، وبشّرها بوجود مشترٍ يقدّر قيمة المكان وموقعه المتميز. تهللت أساريرها، ولأول مرة منذ سنة رأت نافذة أمل، ولو صغيرة... إشارة صغيرة تشير إلى مغادرتها من هنا في القريب العاجل.


إلا أنه بعد ذلك بدأ بالتملص منها، ولكن بمراوغة؛ يعطيها موعدًا ولا يحضر، أو يؤجل من الأساس لضرورة أمرٍ ما آخر... إلى أن سئمت منه وفاض بها، فتحدثت إليه صراحة بأنها بالفعل لاحظت مراوغته، وحددت معه موعدًا نهائيًا، والذي كان من المفترض أنه اليوم... وها هو راوغ مرة أخرى.


لو كانت تملك مالًا كافيًا، لأتت بمحامٍ آخر وانتهى الأمر، فهو محامي العائلة منذ وقت طويل، وبالطبع لن يطالبها بأي أتعاب، كونها فردًا من العائلة... يا لها من سخرية! المحامي يعتبرها فردًا من العائلة وجزءًا لا يتجزأ منها، بينما العائلة نفسها تنبذها حتى بعد مرور كل هذه السنوات وسطهم.


❈-❈-❈


اجتمعت السيدات بالمنزل، في صالون المنزل الواسع، استقرت كل واحدة منهن على مقعد، وتناثرت حولهن الكثير من الثياب بمختلف الألوان والتصاميم.. وقد امتلأت الطاولة العريضة بالفساتين الراقية. بينما وقفت الفتاة العاملة، وقد كانت من إحدى بيوت الأزياء الشهيرة، هنا لمساعدتهن في اختيار ما يناسبهن من فساتين سهرة فخمة.


بينما كانت السيدة «فوزية» تقلب صفحات المجلة بين يديها، وعلى وجهها ملامح امتعاض وازدراء من الفساتين المعروضة أمامها...


_"إيه الفساتين ديه، لا لا توني بدأ يجري ورا الترندات، فين القطع الفخمة اللي كان بيعملها؟"


ابتلعت الفتاة العاملة الإهانة في صمت، متجاهلة صلف تلك المرأة، والتي أرهقتها فعليًا معها في عرض أكثر من ثلاثين قطعة حتى الآن، ولم ينل استحسانها ولا قطعة حتى، وأخذت تبحث في الحقيبة الكبيرة عن فستان آخر، لعله ينال إعجابها وتنتهي.


خرجت «تسنيم» من الغرفة تسير حافية الأقدام، وما زالت تهندم الفستان على جسدها، وتتفقّده جيدًا، ثم ترفعه عن الأرض، واقتربت منهم قائلة ببسمة واسعة:


_"ها إيه رأيكم؟ حلو مش كده؟"


وصلتها الإجابة سريعًا من زوجة أخيها، تقول بإعجاب صريح:


_"تحفة يا تسنيم، مش قولتلك الفساتين الطويلة عليكِ أحلى."


_"بس يا بيئة، أنتِ مبتفهميش حاجة، بالعكس دا بلدي جدًا، وألوانه مش مريحة للعين... لفي كده يا تسنيم."


زفرت حانقة، وبدأت بالدوران حول نفسها باستعراض، بينما استقرت يداها فوق خصرها، ولوحت لها والدتها بيدها في عدم رضا:


_"لا روحي أقلعيه.. هشوفلك أنا واحد على ذوقي، أنتِ أخت العريس لازم تبقي أحلى واحدة في الموجودين."


بحثت سريعًا بعينيها عن فستان بعينه قد رأته أثناء بحثها قبل قليل، لتلتقطه وترفعه أمامها قائلة:


_"بصي ده، جميل أوي كلاسيك كده، ولونه راقي."


_"بس أنا اللون الأحمر مش بيبقى حلو فيا أوي."


أطرقت برأسها مفكرة لثوانٍ قصيرة، قبل أن تلقيه بإهمال:


_"أيوه صح، علشان أنتِ سمرا، الأحمر بيسمرك أكتر وأنتِ مش ناقصة."


لم تبالِ لتأثير كلماتها التي ألجمت «تسنيم» في مكانها دون حركة، وقد أصابتها كلماتها في مقتل، فاهتزت أصابعها فوق القماش، وسريعًا ما غادرت المجلس....


راقبتها «هدير» بحزن، لتقول معاتبة:


_"ليه كده بس يا خالتو؟ زعلتيها منك."


_"إيه اللي يزعلها، هو أنا بكذب، أي يعني سمرا، ده حتى السمار نص الجمال... سيبك منها، وريني أنتِ اخترتي إيه."


مدت لها المجلة، مفتوحة على صفحة احتلها فستان منفرد، وما إن وقعت عيناها عليه حتى صاحت بها بصلف بالغ:


_"أنتِ اتجننتي يا هدير، هتجيبي فستان أبيض أمال أختك تلبس إيه وهي العروسة؟ أنتِ لسة فيكِ خصلة الغيرة ديه، مش كبرتوا؟"


لم تمهلها فرصة للرد حتى، بل صرفت نظرها عنها، بعد أن بثت سمها في عروقها دون مبالاة ولو لثانية، لتنشغل بعد ذلك بالبحث مرة أخرى، ثم وبخت الفتاة العاملة:


_"بقالك ساعة مشوفناش لحد الآن فستان يشدني ويعجبني."


_"عندي فستان، لسه موديله جديد السنة دي ومحدش لحق يلبسه، نازل لونين منه وبس."


_"وريني، أشوف."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وقبل أن تخرج الفستان، دخلت «جميلة» بخطواتها الهادئة، وتعبيرات وجهها أيضًا هادئة، بها لمحة من الحزن. تعمدت تجاهلهم تمامًا، وكادت تصعد إلى الأعلى حتى أوقفتها كلمات «فوزية»:


_"البُومة جاية منين؟.. أنا مش قولتلك تغيري أم اللبس الأسود ده؟"


_"في إيه يا طنط، مش فاهمة لبسي مضايق حضرتك في إيه؟"


_"إحنا يا حبيبتي عندنا فرح، وعايزين نفرح، رايح جاية قدامنا، بالأسود في أسود ده بتفولي علينا."


تعرف أن الشجار سيمتد، وهذه رغبة «فوزية» بالفعل، فهزت رأسها في صمت، وتابعت صعود درجات السلم، حتى وصل إلى مسامعها كلماتها المتهكمة:


_"وكأنك مقهورة عليه أوي، يا بجاحتك، تقتل القتيل وتمشي في جنازته."


جلست مرة أخرى، وقالت للفتاة:


_"عكننت عليا، الله يعكنن عليها، وريني يا بنتي الفستان."


أخرجت لها فستانًا، كانت تنوي من البداية أن تعطيه إلى الآنسة «تسنيم»؛ لنعومة تصميمه ورقته، إذ سيناسب كثيرًا قوامها النحيل، بلونه البسيط والخالي من الزخارف المبهرجة.


لكنه كان آخر فستان معها، فتحته أمامها، وللغريب، انبهرت به «فوزية»، ولم تكتفِ بذلك، بل صرحت بإعجابها به قائلة:


_"جميل جدًا، كنتي مخبياه فين ده.. هاتي هقوم أقيسه."


سحبته منها سريعًا، وكادت تغادر، لكن الفتاة أوقفتها قائلة في توتر:


_"بس يا هانم... ده يعني صغير و..."


_"قصدك إيه؟ شايفني يعني ماسكة العكاز؟"


_"لا لا والله، أقصد مقاسه صغير، طالما عجب حضرتك ممكن أجهزلك واحد زيه بس مقاس أكبر."


_"آه ماشي.". 



« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (هاجر التركي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل