قراءة رواية (سالب عائلة) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سالب عائلة)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( هاجر التركي ) | الفصل: ( 3 )
تلقت اتصالًا هاتفيًا من «سميرة»، تخبرها بإيجاز أن المحامي ينتظرها منذ قليل. سريعًا ما بدلت ثياب نومها، بالرغم من انعدام الطاقة في جسدها، أو الرغبة في بدء يوم جديد.
إلا أنها ضغطت على نفسها، متمنية أن تنتهي من مشكلة المطعم، ثم ببساطة تغادر، وتنتهي الحكاية. جمعت خصلاتها البنية الطويلة في ربطة محكمة، ثم حملت حقيبتها الصغيرة باللون الأسود وغادرت.
كان الوقت لا يزال مبكرًا، ولم يستيقظ أي فرد من أفراد المنزل. طرقت باب غرفة «تسنيم» المغلقة، وأيقظتها من نومها، لتترك صغيرها بصحبتها. رحبت تسنيم بذلك، وضمت الصغير إلى أحضانها، ثم عادا إلى النوم.
بالنسبة إليها، كانت «تسنيم» الوحيدة التي تأتمنها على ابنها في هذا المنزل. حينما انقلب المنزل فوق رأسها عقب وفاة زوجها، كانت الوحيدة التي قدّرت محنتها، واحترمت ضعفها، ولم تستغله.
كلما اقتربت من موقع المطعم، كانت تشعر بالراحة والضيق في آنٍ واحد؛ الراحة لأنها ستتخلص من المشاكل المتعلقة بالمطعم، وبالتالي ستتمكن من السفر سريعًا... إلا أن الضيق كان أشد وطأة عليها.
لم تكن ترتبط بالمطعم بالشكل التقليدي؛ مكانًا وهي مالكته، بل ارتبطت به ذكريات قريبة إلى قلبها، علقت بداخلها، حتى باتت ملتصقة به، كماضٍ أعاد تشكيل شخصيتها وحياتها.
تنهدت بثقل يجثم على قلبها، ورفعت يدها تدلّك موضع قلبها، لعلها تهدأ، بينما أخذت تتنفس بصوت مسموع، تمنع دمعات عالقة بمحجريها... دمعات تحسر على ما تنوي الإقدام عليه.
ارتفع رنين هاتفها. بذهن شارد، بحثت عنه بداخل محتويات حقيبتها. كانت تستطيع، دون أن تقرأ اسم المتصل، أن تحدد هويته لضيق دائرة معارفها، التي اقتصرت على «سميرة» مساعدتها، و«تسنيم».
وكانت بالفعل هي.أجابتها سريعًا، تقول بنبرة واهنة:
_"إيه يا تسنيم، سيف كويس؟"
باغتتها «تسنيم» بكلماتها:
_"إنتِ فين يا جميلة؟ تعالي بسرعة... البيت والع بسببك! إنتِ فين؟"
ارتعشت أناملها حول الهاتف، وقد تسلل التوجس إليها في جزء من الثانية:
_"في إيه؟ في حاجة حصلت؟"
_"تعالي بالله عليكِ، ماما قالبة الدنيا، وشكل اليوم مش هيعدي على خير."
_"حاضر، حاضر."
أغلقت المكالمة، وقد زاد القلق بداخلها. حاولت أن تتنبأ بما ينتظرها في المنزل، إلا أنها حتمًا لم تستطع حتى التخمين... فوالدة زوجها لا تكف عن افتعال المصائب، لذا يصعب تحديد أي كارثة قد افتعلتها هذه المرة.
❈-❈-❈
طوال طريق العودة، تدفقت إلى رأسها أبشع السيناريوهات المؤلمة، سواء ما ارتبط بابنها، أو بشيء يخص عائلتها.. رُسمت على محياها بسمة شبه ساخرة. عائلتها، كلمة بسيطة مكونة من عدة أحرف.. بإمكانها أن ترفعك إلى سابع سماء محلّقًا، وأيضًا تخسف بك الأرض بلا رحمة، ولسوء حظها، حظيت بالنوع الثاني!
ترجلت من سيارة الأجرة بعد أن توقفت أمام المنزل الضخم، وناولَت السائق النقود بوهن، دون أن تلتفت حتى إلى الباقي. بقيت في مكانها، وبعينين ذابلتين، صوبت نظراتها نحو المنزل الذي احتل مساحة شاسعة من الأرض.
هل هذا هو المنزل الذي حلمت يومًا أن تكون سيدته؟
انقبض قلبها لبشاعة انقلاب الأدوار.. فالآن، كل ما تتمناه أن تخرج سالمة على قدميها كما دخلته.هرولت نحوها الخادمة بملابسها المرتبة، وبادرت بجذبها إلى أحضانها بحميمية أثارت دهشة الأخرى:
_"الحمدلله إنك رجعتي، حمدالله على سلامتك يا ست هانم."
هانم؟ أي هانم؟كانت ترغب في أن تصرخ بها: أنتِ الهانم هنا! على الأقل تتلقين معاملة حسنة، غير مجردة من الإنسانية، كتلك التي تتلقاها هي وسطهم...
أخرجت نفسها من أحضانها، واتخذت خطوة إلى الخلف:
_"هو في إيه؟"
انخفض صوت الخادمة، بينما دنت منها:
_"الست فوزية شايطة جوا على الآخر، ربنا يستر والبيت ميولعش بينا."
ثم ضيقت عينيها، تسألها بفضول فشلت في منعه:
_"إلا صحيح ياست هانم، هو إنتِ هتسافري فين؟"
_"امشي من وشي يا حمدية، امشي من وشي."
دفعتها بعيدًا، وهرولت إلى الداخل بخطوات متعجلة، بينما تركت حمدية خلفها، ترشقها بنظرات يملؤها الغيظ، قائلة بتشفٍّ:
_"يختي مقدرتش على الحمار... يلا، يكش تولعوا في بعض ونخلص من الهم ده."
انتظرت "جميلة "لثوانٍ قليلة أمام البوابة الداخلية، تضبط وتيرة أنفاسها المتلاحقة، وتستجمع نفسها قبل أن تدخل. كان عليها أن ترفع سقف توقعاتها، حتى لا تسمح لنفسها بالدهشة من أي فعل يصدر عن شيطانة الإنس التي تنتظرها بالداخل.
كان الباب مواربًا، فوصل إلى مسامعها بعض كلماتها الوقحة، تطعنها بها بلا رأفة.
تركت جميلة حقيبتها جانبًا، وما إن وقعت عينا فوزية عليها، حتى انفجرت في وجهها بوابل من الكلمات اللاذعة والسباب:
_"أخيرًا شرفتي."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رسمت على وجهها ابتسامة صلفة باردة، وردت عليها بهدوء لا شك أنه سيزيد من غليانها:
_"إنتوا مستنيني من بدري ولا إيه؟.. سوري يا ماما، الطريق كان زحمة."
وبالفعل، لم تكذب خبرًا، إذ اندفعت نحوها تصرخ بأعلى صوتها:
_"لا، ألف حمدالله على السلامة! إنتِ يا بت فاكرة إن شغل التلات وراقات دول هيدخل عليا؟ أنا من أول ما طليتي عليا مع ابني عادل، وأنا قلت البت دي مش سهلة، دي تربية خواجات. فضلتي تتمسكني لحد ما تتمكني.. علي البيت كله، إلا عليا؟"
على ما يبدو أن "فوزية" كانت تبذل جهدًا جهيدًا في منع نفسها من جذبها من خصلاتها، إلا أنها أمهلت نفسها قليلًا؛ إذ يبدو أن ذلك سيحدث قريبًا، لكن ليس الآن.
ابتعدت" جميلة" عن مرماها، وجلست على أقرب مقعد، تنزع حذاءها ذي الكعب العالي.
_"إنتِ يا بت، إنتِ مصنوعة من إيه؟ مكفاكيش إنك قصفتي عمر عادل وموتيه بحسرته؟ إيه، جه الدور على سيف ولا إيه؟"
رفَّ جفنها لجزء من الثانية عند ذكر زوجها الراحل، لكنها تماسكت ونهضت في مواجهتها:
_"شكلك ناسية إن سيف ابني."
_"وحفيدي يا حبيبتي، ولو رجلك عتبت برا عتبة البيت بيه، هطلعك من غيرها. ده الحاجة الوحيدة اللي فاضلالي من عادل، ومش هسمح لا ليكِ ولا لمخلوق على وجه الأرض يلمسه، حتى إنتِ، فاهمة؟"
بأي وجه حق تقف في وجهها وتطالب بحقها في حفيدها؟ متى حتى اعتبرته حفيدًا لها؟
ابتسمت بسخرية، ورفعت حاجبيها:
_"وأنا للأسف مش هسيبه يكمل بقية عمره وسط عيلة بتكرهه وبتكره أمه."
_"نكره أمه آه، إنما نكرهه دي بعيدة شوية. أنا مش بتفاوض معاكي يا جميلة، أنا بس ببلغك بردة فعلي لو عملتي حاجة مش على كيفي."
ارتفعت وتيرة أنفاسها، لتصيح بها بصوت عالٍ، وقد فاض بها الكيل:
_"ما كفاية بقى! إيه، عايزة تعملي فينا إيه تاني؟ كفاية اللي عملتيه، حرام عليكي! هتروحي بجبروتك ده في..."
لم تمهلها حتى تكمل كلماتها، واندفعت صوبها، تجذبها من خصلاتها، تكاد تقتلعها من جذورها كلما جذبتها نحوها بقوة:
_"صوتك ميعلاش عليا يا بنت الخواجات.. إنتِ لا ليكِ أصل، ولا ليكِ عين تتكلمي؟"
كانت تتلوى أسفل قبضتها، تحاول التملص، بينما اندفع من في المنزل بهلع. اقتربت تسنيم من والدتها، تحاول أن تنتزع خصلات المسكينة من يدها، وتصيح بها مستنكرة:
_"إيه اللي بتعمليه ده يا ماما؟ سبيها، يا ماما سبيها بقولك!"
لكنها كانت تقبض عليها بقوة، قوة سيطر عليها الغل، وكادت جميلة تبكي لشعورها بأن خصلاتها تُنتزع من جذورها بلا رحمة.
_"ماما؟"
نطق بها ذلك الصغير الذي لم يتخطَّ عمره الأربع سنوات، باكيًا بفزع.فورًا، أرخَت فوزية قبضتها حتى ابتعدت نهائيًا.
وما إن تحررت جميلة، حتى هرولت إلى صغيرها، تضمه إلى أحضانها بقوة، منهارة هي الأخرى، واختلط بكاؤها ببكائه.
_"متخافش يا حبيبي، مفيش حاجة... متخافش، هنمشي من هنا قريب، والله هنمشي."
ألقت تسنيم نظرات معاتبة على والدتها، قبل أن تبتعد وتتجه ناحية ابن شقيقها الصغير.. تهدهده بحنان، وتقف في مؤازرة أمه، تربت على جسده الصغير الذي أخذ يرتعش بقوة، حتى سقط لا حول له ولا قوة.
❈-❈-❈
شقت السيارة سكون الطريق شبه الخالي، أثناء عودته في منتصف النهار. ثبتت يمناه على عجلة القيادة، بينما امتدت يده الحرة إلى مسجل السيارة، فاختار أغنية بعينها، وامتلأت المقصورة بصوت الموسيقى.
وبعد ثوانٍ، انسجم مع اللحن والكلمات العذبة، وأخذت أصابعه تتراقص فوق المقود، بينما يدندن مع الأغنية بمزاج رائق.
قطع ذلك رنين هاتفه فوق تابلوه السيارة، فخفض صوت الموسيقى قليلًا، ورُسمت ابتسامة واسعة على محياه، بينما يستقبل المكالمة قائلًا ببحة رجولية مميزة:
— «كنت لسه بفكر فيكِ!»
ومن دون أن يراها، عرف تلقائيًا أن ابتسامة خجولة قد ارتسمت على وجهها الناعم الآن، فأجابته بتساؤل ماكر:
— «بجد؟ طيب كنت بتفكر فيا في إيه بقى؟»
استقرت عيناه على الطريق أمامه، بينما قال:
— «بتخيلك لابسة الهدية اللي بعتها لكِ.»
شهقت بخفوت، ورفعت كفها إلى شفتيها، قبل أن تنفجر ضاحكة:
— «أنت عرفت إزاي إن الهدية وصلت يا عزيز؟»
— «مش أنا اللي باعتها يا عيون عزيز؟»
وبالفعل، كان الصندوق مستقرًا في حجرها، متوسط الحجم، مغلفًا بطريقة ظريفة، بتلك الشرائط الحمراء، لونها المفضل.
لم تفتحه بعد، بالرغم من فضولها القاتل لمعرفة محتواه، وبما أنه شبه صرّح بما بداخله، خمنت ما قد يكون، لذا سألته وهي تقلب الصندوق بين يديها:
— «أفهم من كده إنها حاجة بتتلبس، صح؟»
— «صح... هتفتحيه في ليلتك دي ولا هتحنطيه؟»
وضعته جانبًا، وقالت بنبرة غارقة في الحماس:
— «استنى، هفتح الكاميرا وأفتحها قدامك.»
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم تستطع أن ترى الابتسامة اللعوب التي ارتسمت على وجهه الأسمر ذي التقاسيم الحادة. أخذت ثوانٍ قليلة حتى عدلت من خصلات شعرها، ووضعت الهاتف في زاوية مناسبة، ففعل هو المثل، مثبتًا هاتفه أمامه مباشرة، ويده على المقود مستمرة في القيادة بهدوء.
— «متحمسة موت... لما أشوفها هلبسها وأتصور وأوريك، اتفقنا؟»
— «وأنا هموت والله وتوريني.»
لم تأخذ تعليقه على محمل الجد، فبدأت تزيح الشرائط عن الصندوق، ثم أوراق التغليف. وما إن تنتهي من مرحلة حتى تنظر إليه عبر الهاتف، وابتسامتها لا تفارق وجهها.
بحماس طفولي، نقرت نقرتين على الصندوق، قبل أن ترفع غطاءه بفضول.
عقدت حاجبيها، تدقق النظر إلى محتواه، ثم راحت تروح بنظراتها بينه وبين ما بداخل الصندوق، قبل أن ترفع حاجبًا وتقول:
— «أنت جايب إيه؟ متقوليش لبس للكراتيه يا بايخ، أنا والله غلطانة إني حكيت لك عن عقدتي منه.»
— «لا، مش ده... طلعيه طيب وهتشوفي.»
أطلقت زفيرًا حانقًا، ثم أخرجت القطعة ورفعتها عاليًا، قبل أن تشهق بخفوت، وتفتح عينيها على وسعهما، بينما زحفت حمرة طفيفة إلى خديها.
وسريعًا ما أغلقت الكاميرا، وبدأت توبخه بحنق بالغ:
— «إيه ده؟ بدلة رقص يا عزيز؟ أنت بتهزر؟!»
ضحك بخفة، وأجابها بنبرة عابثة:
— «مالك؟ أنا قلت أشاركك هواياتك، بما إنكم إنتوا البنات بتحبوا الحاجات دي.»
رفعت الهاتف إلى أذنها، بينما باليد الأخرى رفعت القماشة أمام عينيها، وهزت رأسها بيأس.
لن يتغير أبدًا... لن يتغير.
— «عزيز، مين قالك إن دي من هواياتي؟ أنا معنديش هوايات أصلًا! يا ربي منك بجد... إزاي تروح تشتري حاجة زي كده؟»
أجابها بنبرة عابثة مستمتعة:
— «بفكر في مستقبلي. إنتِ مش ناوية تدلعيني ولا إيه؟ نهارك مش فايت، لا أنا خلاص هتراجع عن الجوازة دي.»
— «عزيز، أنا أصلًا مبعرفش أرقص.»
هتف بإصرار عجيب:
— «تتعلمي.»
ألقت القطعة جانبًا، ثم نهضت من فوق السرير، وقالت بغيظ مكبوت:
— «عزيز، أنت بلدي أوي وبيئة أوي! رقص إيه اللي أتعلمه؟»
— «هبلة وعبيطة ومش بتفهمي حاجة... فكري فيها بس كده. بترقصيلي وإنتِ بترصيلي حجر الشيشة، هحبك أضعاف أضعاف.»
قلّبت عينيها بملل، ساخرة من أحلامه العبثية:
— «شيشة آه... حبيبي، أنت بتشرق من السجاير.»
كاد يُجيبها، إلا أن مكالمة أخرى من جدته ظهرت على شاشة هاتفه، وكان اتصالًا للمرة الثانية، بينما لم ينتبه إليه في البداية.
نظر إلى الشاشة للحظة، ثم قال لميرنا:
— «حبيبتي، هرجع لكِ تاني كام دقيقة بس.»
أجابته بهدوء:
— «ماشي.»
أنهى المكالمة، وسريعًا ما فتح الخط الآخر، ليأتيه صوت جدته المتعب:
— «أنت فين يا عزيز؟»
— «في الطريق أهو، في حاجة ولا إيه؟»
تنهدت بثقل، ثم قالت بنبرة زادت من قلقه:
— «لما توصل، تعالَ عندي الأول... عايزة أتكلم معاك في موضوع ضروري.»
بالرغم من استغرابه، وافق بهدوء، وأنهى المكالمة، بينما بدأت الأفكار تتزاحم في رأسه.هل حدث شيء؟
❈-❈-❈
جلست «هدير» على طرف الفراش، واضعة ساقًا فوق الأخرى في هيئة تحمل قدرًا واضحًا من الخيلاء، وكأنها لم تكن مجرد زوجة تنتظر زوجها حتى ينتهي من استعداداته، بل صاحبة رأي تعرف جيدًا كيف تمرر كلماتها إلى رأسه دون أن تبدو وكأنها تفرض عليه شيئًا... وتنتظر الوقت المناسب
بين أصابعها استقر مبرد أظافر معدني حاد، تحركه ببطء على أطراف أظافرها الطويلة، تصقلها بعناية واندماج واضح، بينما كانت عيناها بين الحين والآخر ترتفعان نحو المرآة أمامها، تراقبان انعكاس زوجها في الخلف.
لم تكن منشغلة بأظافرها وحدها كما قد يظن من يراها للمرة الأولى.
كانت تتابعه.
منذ اللحظة التي بدأ فيها ارتداء ملابسه، وعيناها تلتقطان تفاصيل حركاته،
كان «علي» قد انتهى تقريبًا من ارتداء ملابسه، يرتدي قميصه وسرواله الأنيق، بينما يستعد للخروج لمقابلة جدته. بدا هادئًا من الخارج، لكن ذهنه كان منشغلًا بسبب الاستدعاء المفاجئ، الأمر الذي لم يخفَ عن زوجته لحظة واحدة.
رفعت "هدير" المبرد عن ظفرها، ثم رفعت كفها عاليًا أمام عينيها، تفحص النتيجة شبه النهائية بتركيز شديد، قبل أن ترسم ابتسامة صغيرة على شفتيها، وكأنها رضيت عما وصلت إليه.
ثم، دون أن تنظر إليه مباشرة، سألته بفضول بدا بريئًا في ظاهره:
— «تفتكر نانة ناهد عايزاك في إيه؟»
كان «علي» قد انتهى بالفعل من ارتداء ملابسه كاملة، فجلس منحنياً قليلًا فوق حافة الفراش، وأخذ ينتعل حذاءه، يضغط كعبه إلى الداخل حتى استقر في مكانه، قبل أن يرفع رأسه إليها.
ظل لثوانٍ يفكر في السؤال، ثم أجابها بصوت عالٍ، وكأنه يحاول معها الوصول إلى تفسير منطقي:
— «مش عارفه، تفتكري حاجه تخص جميلة وخناقتها مع ماما النهاردة؟!»
تركت" هدير "المبرد جانبًا فوق طاولة الزينة، ثم نهضت عن الفراش ببطء، وسوّت طرف ثوبها بحركة عابرة، قبل أن تتجه نحوه.
لم يكن في خطواتها ما يوحي بالعجلة، بل كانت تسير بهدوء محسوب، حتى وقفت بالقرب منه، وأمالت رأسها قليلًا وهي تنظر إلى وجهه بنظرة ذات مغزى، وكأنها تحمل في جعبتها استنتاجًا أخطر مما قاله هو.
قالت:
— «افتكر إيه أنا متاكدة كمان، أكيد جميلة بتطالب بالورث بتعاها هي وسيف في عادل الله يرحمه، علشان تسافر».
رفع" علي" عينيه إليها، وبدا أنه لم يكن قد فكر في الأمر من هذه الزاوية.
أخذ نفسًا هادئًا، ثم أدار وجهه للحظة نحو المرآة، قبل أن يقول وهو يثبت طرف قميصه:
— «أنا مش عارف هي عايزة تسافر ليه، دي كانت بتحب اسكندرية جدا.»
رفعت هدير حاجبيها في اللحظة نفسها.نظرة قصيرة فقط.لكنها كانت كافية لتفضح أن الجملة لفتت انتباهها أكثر مما أظهرت.
ثم التفتت إليه بكامل جسدها، وقالت بنبرة تحمل استفهامًا ساخرًا، وقد ضاقت عيناها قليلًا:
— «وأنت عرفت منين أنها بتحب اسكندرية أن شاءلله؟..»
توقفت حركة علي للحظة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كانت يده قد ارتفعت إلى رابطة عنقه، أخذ يعبث بعقدتها دون حاجة حقيقية إلى تعديلها، يحاول أن يجد إجابة تبدو طبيعية، لكن التلعثم الذي تسلل إلى كلماته فضحه أكثر:
— «يعني سابت بلدها وجات هنا وعاشت مع عادل اخويا، أكيد يعني حابة المكان.»
منحته هدير نظرة طويلة مشككة، لم تجبه فورًا.
اكتفت برفع حاجب واحد، وكأنها سجلت إجابته في عقلها، ثم أدارت ظهرها له واتجهت نحو طاولة الزينة.
جلست أمام المرآة، وأخذت تعدل هندام شعرها القصير بأطراف أصابعها، تمررها بين الخصلات في عناية متعمدة، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة لم يرها "علي."
— «آه... اسمع بقي اما اقولك، أنت هنا الكبير بعد عادل الله يرحمه، يعني كبير البيت مفيش حاجه تحصل إلا برضاك وشورتك أنت.»
توقفت أصابع "علي" عن العبث برابطة عنقه.
نظر إليها من خلال المرآة، وكأنه شعر منذ اللحظة الأولى إلى أين تريد أن تصل، فقال محاولًا إنهاء الأمر قبل أن يتضخم:
— «يا هدير الموضوع مش مستاهل، هي ليها حق وهتاخده، وكده كده حقها معروف.»
التفتت إليه ببطء.كانت عيناها ثابتتين عليه، تحملان شيئًا من الاستنكار المصطنع، ثم قالت:
— «نعم.. ولو برضو، لازم أنت اللي تحدد، وتراجع مع المحامي واللي ميعجبكش متوافقش عليه»
لم يكن يحب الدخول في مثل هذه التفاصيل، ولا يحب أن يبدو وكأنه يقف ضد حق امرأة ، لكنه في الوقت ذاته كان يعرف أن زوجته لا تترك أمرًا إلا وتحاول أن تضع يدها عليه بطريقة أو بأخرى.اقترب منها خطوتين، ثم وقف خلفها، محاولًا أن يجعل الأمر يبدو أبسط مما تصوره هي.
قال بتردد واضح:
— «هاكل حقها يعني يا هدير»
رفعت هدير عينيها إليه عبر المرآة.
نظرة طويلة.
ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة، تلك الابتسامة التي كانت تظهر كلما أرادت أن تبدو منصفة وهي في الحقيقة تدفعه إلى الاتجاه الذي تريده.
— «لا معاذ الله، كله إلا الحرام.. أنا بس بوعيك، عزيز حاله متدهول أصلا في ترتيبات جوازه، وبعدين ده الصغير يعني رأيه ملوش لازمة.. أنت الكل في الكل»
خفض عينيه قليلًا، ثم رفع يده إلى رابطة عنقه مرة أخرى، يعدلها للمرة التي فقد معها حتى عدد المرات التي عبث بها.
كان واضحًا أنه لم يقتنع تمامًا، لكنه لم يكن يمتلك الحدة الكافية ليجادلها طويلًا، ولا الرغبة في الدخول معها في مواجهة يعلم مسبقًا أنها ستنتهي بتنازل منه.
_"يلا أنا هنزل معاك يا حبيبي"
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (هاجر التركي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
