قراءة رواية (سالب عائلة) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سالب عائلة)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( هاجر التركي ) | الفصل: ( 4 )
تصادف دخوله إلى المنزل مع خطوات شقيقه، الذي كان يتأبط ذراع زوجته في زهو من قِبلها، وبعينيها نظرات واثقة. ألقى عليهما تحية مقتضبة، قبل أن يسبق خطواتهما ويدخل أولًا إلى غرفة جدته.
وكما توقع، دخل «علي» في إثره، وبالفعل ظلت زوجته متعلقة بذراعه، تفرض وجودها غير المرغوب فيه بتاتًا... تحديدًا في جلسة الرجال، لكن العتب لا يُوجَّه لها.
بل لزوجها الذي يسير خلفها أعمى، وكأنها هي عكازه، لكن عكازًا خبيثًا يقوده إلى المهالك لا محال.
كانت السيدة «ناهد» قد أنهت للتو تأدية صلاتها، نزعت عنها حجاب رأسها، وأشارت إليهم للجلوس بجوارها بإشارة صامتة.
وأول من فتح فمه لافتتاح الحوار كانت «هدير»، حين قالت بنبرة فضولية:
_"إيه اللي حصل يا نانة ومجمعانا ليه؟"
عقدت «ناهد» حاجبيها، واخترقت "هدير" بأسهم نظراتها التي تصرخ اعتراضًا على وجودها، ثم أجابتها بهدوء مدروس وكلمات متقنة:
_"أنا مجمعة أحفادي، أنتِ بقا بتعملي إيه يا حبيبتي؟"
اشتعلت عيناها، وشعرت بالحرج يتصاعد إلى وجنتيها. نظرت إلى زوجها بنظرات ذات مغزى، ثم لكزته في ذراعه خفية، لكن «عزيز» كان قد التقطها بالفعل، وهز رأسه في قلة حيلة.
بينما اندفع «علي» قائلًا بنبرة دفاعية يعرف جيدًا أنها في غير موضعها:
_"هدير قلقت جدًا يا نانة، وصممت تنزل معايا علشان تطمن."
وزعت «ناهد» نظراتها الهازئة بينهما بالتتالي، قبل أن تقول:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
_"لا اطمني يا هدير، مفيش حاجة، عايزة رجالة البيت في كلمتين بس، تقدري تتفضلي."
كانت كلمات السيدة «ناهد» مهذبة، بينما في باطنها شيء آخر. الجميع وصل إليه هدفها، حتى «هدير» نفسها، لذلك أخذت تنظر إلى زوجها أولًا، تنتظر منه أن يرد نيابة عنها، وأن يرد لها كرامتها التي أهدرتها جدته بكلماتها ورفضها الصريح لوجودها معهم، متغاضية بالطبع عن انعدام أحقيتها في المشاركة.
لكن «علي» ربت على كفها، في إشارة إلى أنه يوافق جدته.
نهضت تضرب الأرض أسفل خطواتها، تتوعده بما ستفعله معه ما إن يصعد إليها.
وما إن أغلقت الباب من خلفها، حتى زفرت «ناهد» الهواء براحة، وكأن شيئًا كان يجثم على صدرها، ثم قالت بصراحة:
_"بومة زي أمكم. مش عارفة أنت مستحملها إزاي."
رغمًا عنهما انفجرا بالضحك، وسرعان ما شاركتهما هي الأخرى، متمنية في داخلها الراحة لهما، واستدامة بسمتهما على وجهيهما الحبيبين.
حمحمت، ثم قالت بجدية:
_"طيب طبعًا بتسألوا أنا عايزاكم ليه؟.. اسمعوا، دلوقتي زي ما أنتوا شايفين، من لما مات عادل، والبيت اتقلب، خصوصًا بين جميلة وأمكم، وآخرهم خناقة النهارده، خلت الواد يتعب ومش قادر يستحمل."
عقد «عزيز» حاجبيه، وقال مستنكرًا:
_"ماما عملت كده، إزاي محدش قال لي؟"
_"يا حبيبي هو أنت في إيه ولا إيه؟ بس كفاية إنك شايل شغلنا كله فوق دماغك وبترجع كل يوم مش شايف قدامك."
كان حديثها صحيحًا، فبعد أن كان «عزيز» الفتى المدلل للعائلة منذ طفولته حتى مراهقته، ثم تبعها شبابه، تحول دون تمهيد إلى مدير شركات «العيسوي جروب».
وتدافعت عليه المسؤوليات، مجردة إياه من فرصة للراحة أو الاستيعاب، فتحول، رغمًا عنه، إلى آلة عمل. قبل ذلك كان يلقي المسؤولية على عاتق شقيقه الأكبر، وذلك ساعده على أن يواكب حياته الطبيعية ثم يدمج معها العمل.
ولكن بعد رحيله، أصبحت المسؤولية كاملة على كاهله.
تنهد قائلًا:
_"يا نانة، ماما مش مقدرة الظروف اللي إحنا فيها، إحنا طالعين من مصيبة الشركات اللي كانت هتنهار فوق دماغنا، ومفيش حد وقف جنبنا حتى، وقبلها موت عادل الله يرحمه، وهي برضو بتفكر في حاجات ملهاش أي لازمة."
تململ «علي» في جلسته بغير راحة، كان يلتقط مغزى «عزيز» من بين كلماته المتلوية، والتي يقصد بها عزوفه عن المشاركة في إدارة الشركة أو أعمالها، وهم في أمس الحاجة إليه في ظل ظروف لا يثقون فيها بأي شخص آخر.
_"طيب سيبنا من الكلام ده، جميلة عايزة تمشي وتسيب البيت وتاخد سيف، وأنا عارفة إنه حقها، ولو ده حصل أنا ممكن أروح فيها، أنا روحي في الواد ده، بشوف أبوه فيه."
_"بعد الشر عنك يا نانة."
_"أنا مش عايزاها تمشي، لازم نعمل حاجة تريحها وفي نفس الوقت متبعدش عننا الولد، ويتربى وسط أعمامه وأهله، وبرضو تكون هي مرتاحة، كفاية اللي فوزية بتعمله فيها."
اعتدل «عزيز» في جلسته، يعبث بساعة يده الفضية، مفكرًا، ثم اقترح بهدوء وحكمة اكتسبهما مؤخرًا بفضل المسؤوليات:
_"ممكن نشتري لها بيت جنبنا، بس تكون لوحدها يعني."
استحسنت الفكرة، لكن هكذا لن تُحل المشكلة؛ فبقيت المشكلة الأساسية في وجود «سيف» بالقرب منهم.
عارضته بهدوء:
_"لا مش هينفع، أنا عندي اقتراح تاني... بس، بس ياريت تفهموني وتتفهموا الوضع اللي إحنا فيه؟"
تطلعوا إليها في ترقب، قبل أن تقول هي، بينما توزع نظراتها عليهم، وكأنها تختبر الأرض قبل أن تلقي عليها ذلك الحمل الثقيل:
_"لازم حد فيكم يتجوز جميلة."
❈-❈-❈
لطالما كان "عزيز" شقيق زوجها الأصغر، بمثابة أخٍ صغيرٍ لها، اعتبرته كذلك منذ أن وطئت قدماها بوابة هذا المنزل، حينها كان لا يزال مراهقًا لم يُنبت شاربه حتى، شبهَ تربي أمام ناظريها عبر ست سنوات انقضت معهم وهي زوجة لـ"عادل" شقيقه الأكبر.
شاركت في تربيته حتى أصبح يفوقها طولًا، لسرعة نموه الجسدي مقارنة بأقرانه ممن هم في نفس مرحلته العمرية. تنتظر أن تُزف إليه عروسته في القريب العاجل بفرحة صادقة.
إلا أنها لم تتوقع، حتى في أكثر أحلامها هذيانًا، أن تكون هي صاحبة اللقب، العروس... بين ليلة وضحاها انقلب كل شيء رأسًا على عقب، بما لا يستوعبه عقل.
"عزيز" الصغير -كما تراه-، يُدفع هكذا فجأة ليصبح في خانة الزوج، بل ومطالبة بأن تتعامل معه كزوجة، وتلبي كافة احتياجاته ورغباته كرجل بالغ... كيف تراها رجلًا بالغًا اليوم، بينما بالأمس كانت تساعده في مذاكرة دروسه وتوبخه على إهماله للطعام الصحي؟.
أنتفضت"جميلة "من مجلسها كـ من لدغتها حيّة، جسدها متحفزًا تهرب الدماء منه، تصيح باحتجاج قوي:
_" أي اللي حضرتك بتقوليه ده يا نانة، اتجوز عزيز؟ عزيز اللي مربياه؟؟ بجد مش قادره اصدق انكم فكرتوا فيا بالشكل ده، وهو ازاي اصلا يشوفني كده أنا مرات اخوه وهفضل مرات اخوه لحد ما أموت ".
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تركتها" ناهد"تخرج ما بجعبتها بكل ارياحية، تقدر جيدا وقع الصدمة عليها، وتتفهم وضعها بالكامل، لطالما شعرت بالشفقة عليها منذ أن وطئت قدميها للمنزل.. معاناتها القاسية مع "عادل" تشفع لها مهما كانت امرأة سيئة.
تمهلت تزن الكلمات قبل أن تتفوه بهم، متداركة أن الحوار التالي في غاية الحساسيه:
_"عارفه أن اللي بقوله صعب، بس ده علشانك وعلشان سيف، يا جميلة انتي لسه صغيره وفي عز شبابك، ليه تدفني نفسك بالحيا عادل حفيدي الله يرحمه، وأنا بنفسي اللي بقولك شوفي حياتك".
قاطعتها بمرارة، ساخرة:
_'بس مش مع عزيز؟ ".
_" أنا فاهمه انك شايفة عزيز صغير، بس عزيز راجل و".
قاطعتها بحدة تنفر من الفكرة نفسها لا تستطع أن تدخلها إلي عقلها انشً واحد حتى:
_"و أنا مش شيفاه راجل ".
صمت لثواني، تتنهد مسترسلة:
_" عزيز أنا دخلت البيت ده وهو عيل مراهق لسه، بجد مش فاهمه اي اللي انتو بتقولوه ده مش قادره استوعب مش قادره ".
سقطت جالسا في مكانها بانهيار تام، لا تنفك أن تتخلص من كارثة، تأتي الكارثة الاخري في اقدامها ملاصقة تماما.. أين المفر؟؟
_" يا حبيبتي علشان خاطري اهدي، أنتي عارفه معزتك عندي يا جميلة، مش أنتي بتثقي فيا؟ ".
رفعت لها رأسها، وبعد تردد دام لثواني قصيرة، هزت رأسها بالايجاب:
_" ايوه".
_"خلاص أثقي فيا المره ديه، أنتي شايف عزيز صغير أو أو... عزيز دلوقتي راجل البيت وأنت شايفة أنه شايل الشغل والبيت علي دماغه،مكنتش أحب اقول كده، بس علي اللي المفروض أكبر منه، عايش خيال مآته جمب مراته "
من بداية الجلسة، لم تقفز الفكرة إلي رأسها إلا الآن، شهقت بخفوت متذكرة"ميرنا"، حبيبته وخطيبته والأدهي أنها ابنه خالته.. حماتها لن تتركها تنفد بفعلتها الشنيعة بالطبع وستقيم عليها الحد لا شك،هذا أن تركتها حيّة؟
كيف تقبل علي نفسها أن تصبح المصدر الرئيسي في تدمير علاقة قائمة ومشروعا للزواج، لقد ذاقت قهرة القلب مرار، ولا تقبلها علي اخري وبسببها أيضا.
_"وميرنا؟.. ازاي اعمل فيها كده أنا ماشوفتش منها حاجه وحشه، ازاي هخرب بيتها بالشكل ده،وأفكر في مصلحتي، أنا كده أبقي انانية ".
كانت علي دارية مسبقة بالفعل بهذا السؤال، وحضرت أجابته، فاجابتها سريعا دون تفكير:
_" عزيز هيتصرف معاها وهيقنعها وهي هتتفهم الوضع".
وضع؟ أي وضع تقصد؟ هل تطلب منها أن تعيد نفس تجربتها الأولي ولكن اشد قسوة، اليست امرأة؟... اليس لها قلبا واحساسًا؟ هل يرونها صلبة كالحجارة الصامتة لا تشعر؟؟
من قلب الألم غرست ضحكة مقهورة أكثر منها متهكمة تُشير إلي نفسها بكلتا يديها:
_"هو أنا مش بني آدمة؟ هقبل علي نفسي اعيش مع واحد قلبه وعقله مع واحدة تانية لا والمطلوب مني ارضي؟ ".
ستتحول من لقب أرملة، إلي زوجة مع وقف النفيذ.. لا بل الادق والاكثر سخرية، زوجة فوق الرف، تتآكل مع الغبار والاتربة، عظيم اليس لقبا يستحق العناء فعلاً؟ لماذا تتذمر هي الآن؟
وبأي حق؟ يكفي أن يكون هناك رجلا تكتب علي أسمه، يحميها.. ومِن مَن؟ بطش جدة ابنها، الملجأ؟؟
نهضت تزيح دمعة خانة فرت إلي خديها الذي تلونا باللون الأحمر نتيجه غضبها المكبوت، تملم كبرياءها المهدور، قائلة بنبرة حاسة لانها الوحيدة هنا صاحبة القرار الأول والأخير:
_" مع احترامي لحضرتك أنا مش هعمل الهبل ده اطلاقا، وهسافر، وابني هاخده لو مش بالرضا يبقي بالقانون ".
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (هاجر التركي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
