قراءة رواية (سالب عائلة) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سالب عائلة)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( هاجر التركي ) | الفصل: ( 5 )
لطالما كرهت فكرة الحدود التي يحاوط الإنسان نفسه بها كعُلّاقة يرفع عليها سلبيته، أن يكون محدودًا في أي شيء؛ في تفكيره، في طريقة عيشه، في خياراته، في نظرته لنفسه وللحياة... وحياتها بصحبة «عادل» كانت عبارة عن كل ما سبق. تدريجيًا، وجدت نفسها دون وعي تتحول إلى أخرى غريبة عنها.
تنظر إلى المرآة فلا ترى انعكاسها، ذلك الانعكاس لا يشبهها... ليست «جميلة»! بل نسخة مختلفة، مجردة من شغفها وروحها المرحة المفعمة بحب الحياة، والتي تملك قدرًا كبيرًا من الرضا والامتنان.
أما هذه، فكل شاغلها أن تلقى معاملة جيدة من زوجها، تبذل جهدًا لا يصب إلا في ضررها النفسي، فقط لتحصل على فتات اهتمامه وحبه المعدوم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وأين زوجها؟ رحل، أليس كذلك؟ لأول مرة تشعر فعليًا بأنه رحل... رحل عن كيانها وعن الحياة بأكملها. يبدو أن كلمات «ناهد» أيقظت بداخلها عدة مشاعر انفجرت في وقت واحد، فشتتت تفكيرها.
لكن أهم ما استطاعت أن تتمسك به من هذه الأفكار أنها حرة... وللأبد. إذن، لن تكون حبيسة الظروف مرة أخرى.
انتهت «جميلة» من جمع متعلقاتها الشخصية الصغيرة داخل حقيبة ظهر متوسطة الحجم. ولحسن الحظ، كانت قد جهزت حقائبها جميعًا سابقًا، مما سهّل عليها اتخاذ القرار.
_"ماما أخد اللعبة ديه معايا ولا أسيبها لما أرجع ألعب بيها؟"
نطق بذلك ببراءة أجفلتها لثوانٍ، ثم أجابته بنبرة واهنة، تراقب لعبة الطائرة الكبيرة التي يقلبها بين كفيه الصغيرين... سحبتها منه بلطف.
_"سيبها هنا يا سيف يا حبيبي، لما نروح عند تيتة جيلان هتجيب لك أحلى وأكبر منها بكتير."
هي نفسها لا تعرف إن كانت فعلًا ستبدأ حياة أفضل أم لا، لكنها تبيع له الأمان بالكلمات؛ تحتاجه أن يكون مطمئنًا.
هز رأسه راضيًا، ثم عاد أدراجه إلى كومة الألعاب المتراكمة، يلقي بها في حقيبته الصغيرة تحت نظرات أمه المشتتة... رفعت الحقيبة عن الفراش، لتضعها أرضًا بجوار باقي الحقائب.
_"سيف خلاص يلا متبهدلش لبسك، خلاص ماشيين."
بأدب، نهض ينفض الغبار غير الموجود عن ملابسه، ثم ابتسم لوالدته، وكأنه يخبرها أنه لا يزال نظيفًا ومرتبًا ومستعدًا للمغادرة. تعلقت يده الصغيرة بكفها، فاحتوته بحنان.
ضغط على كفها يسألها، وعقله الصغير غير واعٍ للإجابة القاسية التي طالما هربت هي منها:
_"ماما هو احنا هنروح عند تيتة... جيلان، هي.. هي تيتة زوزو مش هتروح معانا؟"
الكوكب كله اجتمع على مقتها، إلا هذا البريء، يراها ملاكًا متعلقًا بها، أو على ما يبدو أنها تحصل على عطلة نهاية الأسبوع من مهنة الشيطنة، وتتحول إلى سيدة حنونة مع حفيدها الوحيد... بالطبع، بعد أن تكون قد مسحت بهم الأرضية سبًّا وقذفًا باقي الأسبوع.
تركت يده تنخفض إلى موضعها، وربتت على كتفيه كأنه بالغ... ترى فيه الرجل الخاص بها، حاميها.
_"شوف، هنتفق اتفاق حلو، دلوقتي إحنا هنروح عند تيتة وجدو، اللي بيودوك الملاهي كل شوية ويلعبوا معاك كتير كتير، ولما تبقى شطور خالص وتسمع الكلام، هجيبك عند تيتة زوزو هنا، اتفقنا يا بطل؟"
بالرغم من عدم الاقتناع بحيلتها الفاشلة، فإنه هز رأسه بطاعة، حتى لا تغضب منه وتبكي، كما تبكي كل ليلة في الخفاء.
_"اتفقنا."
غادرا الشقة كليًا، ونزلا سويًا إلى الأسفل. كان الصالون فارغًا، جيد... لا تحبذ لحظات الوداع، بالرغم من أنها لا تحب سكان هذا البيت، وذلك كان متبادلًا من كلا الطرفين، إلا أن تلك المشاعر الهشة الرقيقة لا تستطيع السيطرة عليها.
ساعدها السائق في تنزيل الحقائب من الأعلى، بوجه حزين يودعها في صمت. تنهدت، ثم صعدت إلى السيارة التي ستقلها إلى المطار... وما إن أُغلقت السيارة وانطلقت، حتى قال «سيف» بنبرة باكية:
_"ماما، هما مش بيحبوني، علشان كده سابوني أمشي صح؟"
كانت جملته تمثل القشة التي قسمت ظهر البعير. لم تحتمل المشاعر الجياشة التي هاجمتها، فانخرطت في بكاء لم تستطع السيطرة عليه للحظة حتى.
❈-❈-❈
تعلمت بالطريقة الصعبة أن الحياة نادرًا ما تصبح مرتبة بالكامل، لذا لن تؤجل فرحتها لحين وصولها إلى أرض «الولايات المتحدة الأمريكية»، وطنها الأم ومسقط رأسها. ستترك قلبها يبتسم، مغلفًا بالشغف إلى الحياة القديمة...
استقرت على المقعد الحديدي في صالة الانتظار بمطار القاهرة الدولي، تنتظر رحلتها... رفعت ساعتها عند معصمها تتفقدها... جيد، تبقى نصف ساعة على إقلاع الطائرة.
وبجانبها استقر صغيرها هادئًا شاردًا. لا تدري هل يتأمل المكان حولهما، أم أن تأثير انهياره قبل قليل لم يزل. أشفقت عليه؛ لقد حُرمت هي سابقًا من العيش وسط بلدها، وتعرف طعم الغربة، والآن تذيقها لابنها بالقدر نفسه.
انتشلها من دوامة أفكارها قبل أن تسحبها إلى نقطة سوداء رنة هاتفها، الذي أضاء باسم والدتها. استقبلت المكالمة برحابة تنافي انطفاء وجهها.
_"ماما حبيبتي.."
_"مش مصدقه إنك جاية بجد يا عمري، وهتفضلي في حضني على طول إنتِ وحبيب قلب تيتة."
لفت ذراعيها حول جسده الصغير، تداعب خصلاته الطويلة.
_"وهو كمان متحمس إنه يشوفك يا ماما."
_"المحامي كلمك وخلص الموضوع ولا لسه؟ أنا مش عايزاك تيجي، وكل المشاكل تسيبيها وراكِ في مصر."
تنهدت.
_"لا لسه، يومين بالكتير، أنا موصية سميرة على كل حاجة... الو.. ماما؟"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
سمعت أصوات هواء، وصوت والدتها مكتوم، لتقول:
_"ماما سمعاني؟ يا ماما... يوه بقى."
نهضت تحاول أن تقف في مكان ما تكون شبكة الاتصالات فيه جيدة. لا تعرف أين العطل، من الهاتف أم الشبكة...
_"يا ماما... أيوه كده يا حبيبتي سمعاكِ."
وبعد دقائق قصيرة جدًا، أنهت المكالمة وعادت أدراجها إلى مكان الانتظار. في الأصل، لم تبتعد كثيرًا، فقد قطعت بعض السنتيمترات فقط.
_"تيتة مجهزالك كمية ألعاب جديدة يا سي..."
بترت جملتها في المنتصف.
المقعد كان شاغرًا...
«سيف» غير موجود!
شهقت بفزع، تبحث عنه بعينيها هنا وهناك، لعله قريب، لكنها لم تجد له أثرًا، وكأن الأرض انشقت وابتلعته بداخلها.
كما ابتلعت لسانها الذي بُترت من فوقه الحروف، وعجزت عن الحديث كما عجز عقلها عن الاستيعاب.
❈-❈-❈
بدأت في عرض مجموعة متنوعة تضم أفخم وأرقى قاعات المناسبات والاحتفالات، واحدة تلو الأخرى، بعينين لامعتين تتأمل الصور باهتمام بالغ. لم تكن من محبي التفاخر بالثراء، أو مصابة بهوس الكمال كأختها «هدير».
_"ها إيه رأيك؟"
سألته بفضول واهتمام، تنتظر إجابته على أحر من الجمر، كطفلة صغيرة تنتظر أن يمدح والدها تفوقها. وبالطبع، قبل أن تعرض عليه الاقتراحات، قامت ببحث سريع عن مواقع الأماكن ومميزاتها.
ألقى نظرة سريعة لم تمكنه حتى من تمييز الألوان على نحو صحيح، ثم قال بابتسامة صغيرة بدت متكلفة:
_"حلوين يا حبيبتي، اختاري اللي يعجبك أنتِ."
أغلقت الهاتف، وقد خبت اللمعة في عينيها وانطفأت، ثم تركته جانبًا وجلست على العشب في الحديقة الملحقة بمنزلها، بجواره، لتقول بإحباط انتقل إليها بالتبعية:
_"يعني إيه؟ مش معقول مفيش حاجة منهم عجبتك، دول أحلى وأفخم القاعات في البلد."
_"أديكي قولتي، يعني مش محتاجة تحتاري، كلهم حلوين."
قال ذلك بينما تعلقت عيناه بهاتفه الساكن بجواره في سلام، وكرر الأمر لمرات متتالية دون أن ينتبه، مما جعلها تنفخ أوداجها بغيظ مكتوم.
_"مالك يا عزيز، من لما جيت وأنت عمال تبص في تليفونك كل دقيقة والتانية، مستني حاجة مهمة أو معطلاك عن حاجة؟"
للتو انتبه، فتنهد وربت على كفها القابع بجواره، يقول بلطف متداركًا:
_"حقك عليا، شغل بس."
دفعت كفه بعيدًا، واستقامت في وقفتها متحفزة.
_"شغل إيه؟ أنت بقالك يومين مش معبرني، ولما اتكرمت عليا وجيت تشوفني، مشغول بالتليفون، مش فرحنا اللي أنا بجهزله ده، ولا فرحي لوحدي وأنت ضيف شرف؟"
ألقت كلماتها دفعة واحدة، وتحركت مغادرة وجسدها يهتز من الغضب. هي خطيبته، وبعد أسابيع ستكون زوجته، لها الأولوية الأولى في حياته، وأي شيء يأتي من بعدها غير مهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لحق هو خطواتها بخطواته الواسعة، يجذبها من ذراعها العاري الذي كشفت عنه كنزتها ذات الأكمام القصيرة بلونها الكريمي الباهت، يجبرها على التوقف.
_"أنتِ إمتى بقى عقلك صغير كده، أسيب يعني الشغل يخرب فوق دماغي وأقعد أراضي فيكِ؟ مترميش ودانك لهدير، هتبقي هي السبب في خراب علاقتنا."
بنبرة منفعلة، صاح بها دون مراعاة لبساطة الموقف، فترقرقت طبقة شفافة من الدمع داخل عينيها... لكنها تماسكت، تقول بنبرة غلفها العتاب رغمًا عنها:
_"لا مش برمي وداني لهدير يا عزيز، ما هي دي سياستك يا بش مهندس، كل ما تلاقي نفسك غلطان تقلب عليا الترابيزة وأنا أبقى غلطانة وأعتذر كمان."
_"آه غلطانة يا ميرنا، لازم تراعي ظروف شغلي، وتقدري إن كل حاجة فوق دماغي وتقفي جنبي."
طالعته بنظرة مصدومة. أهذا «عزيز» حبيبها الذي كان يبذل قصارى جهده في محاولة مراضاتها مهما كلفه الثمن؟
نزعت قبضته عن ذراعها، تقول بنبرة باهتة:
_"أنت إمتى بقيت كده، فين عزيز بتاع زمان، اتغيرت ليه؟"
_"آه عزيز العيل الهايف، اللي كان ليل نهار ورد ودباديب، برضو تفكيرك المحدود مش مخليكي مستوعبة الأوضاع اتغيرت إزاي.."
قطع كلماته إشعار بمكالمة واردة، وأضاءت الشاشة برقم ما. سرعان ما نسي الموقف بأكمله وفتح الخط، يجيب قائلًا:
_"ها، إيه الأخبار؟"
اتسعت ابتسامته تدريجيًا وهو يستمع إلى كلمات الطرف الآخر. أنهى المكالمة بعدما ظفر بما يريد، وأطرب سمعه تنفيذ أوامره بدقة كما أوصى. وضع الهاتف في جيب سرواله، وغادر من أمامها متعجلًا، وكأنها لم تكن على وشك البكاء أمامه قبل قليل تعاتبه، أو كأنه لم يصرخ بها للتو.
_"همشي دلوقتي.. هشوفك بعدين، ونتكلم ونعمل كل اللي أنتِ عايزاه."
لكن قبل أن يتخطاها كليًا، صاحت به بنبرة مرتفعة، مما جعله يتوقف في مكانه:
_"فين دبلتك يا عزيز؟"
❈-❈-❈
تكاد لا تشعر بخطوات أقدامها السريعة على الأرضية الرخامية للمدخل الأمامي للمنزل الكبير. تهرول باندفاع، وجسدها بالكامل ينتفض مع بكائها غير المنقطع. لم تنتظر أن تضغط الجرس.
بدأت تضرب بعنف على البوابة الخشبية الداخلية، حتى كادت تدمي كفيها، بينما في الداخل كانت الأسرة قد اجتمعت حول مائدة الغداء، وشقت الطرقات المفزعة سكون مجلسهم.
فهرولت الخادمة تحت ذهول الجميع، الذين انتفضوا من أماكنهم في فزع. وما إن فتحت الخادمة الباب، حتى دفعته «جميلة» دون تمهل، وهرولت إليهم بوجه يحاكي وجوه الموتى في شحوبه.
وسرعان ما انقضت على «فوزية»، والتفتت أصابعها فورًا حول عنقها، بقلب محترق تصرخ بها:
_"ابني فين؟ انطقي، أقسم بالله أوديكم في ستين داهية..... ابني فين؟"
حاولوا فض الاشتباك، لكن محاولاتهم باءت بالفشل تحت صفعات «جميلة» العنيدة، التي وجهتها بعشوائية لكل من اعترض طريقها. صرخت بها «هدير»، مفزوعة من هول الموقف:
_"أنتِ اتجننتي ولا إيه، سيبيها هتموتيها، ابعدي إيدك دي عنها..."
تجرأت واقتربت، تحاول جذبها من ملابسها من الخلف، إلا أن الأخرى، بحركة سريعة، كانت قد تركت عنق «فوزية»، التي أخذت تسعل بقوة، وتدلك رقبتها التي تلونت بخطوط عرضية حمراء.
ثم قبضت جميلة على خصلات «هدير»، تلفها حول أصابعها:
_"أنتِ تخرسي خالص. ده أنا هوديكم في ستين داهية لو ما قلتوش ابني فين يا شوية عصابة!"
كانت «تسنيم» في غرفتها، قد عزفت عن تناول طعام الغداء لانشغالها بعزف مقطوعة جديدة تعلمتها قبل أيام. كان كل ما يملأ الغرفة صوت الألحان العذبة، بينما هي مندمجة كليًا مع اللحن، إلا أنه اختلط بأصوات صراخ عالية جعلتها تنتفض من مكانها، وتلقي بالآلة أرضًا، ثم تهرول إلى الأسفل حيث مصدر الصوت.
تفاجأت بالمشهد الدامي أمامها، فصرخت بفزع:
_"في إيه؟ جميلة بتعملي إيه، سيبيها، إيه اللي حصل بس؟"
وكانت قواها قد خارت، فحررت شعر الأخرى، التي غالبًا ما علقت بعض الخصلات في أصابعها، وانهارت باكية من جديد، والكحل الأسود قد لطخ وجهها الأبيض.
_"سيف ضاع يا تسنيم، مش لقياه.. سيف اتخطف."
هرولت تسنيم تحتضنها وسط النظرات الحارقة والمخترقة.
_"بتقولي إيه؟ يعني إيه اتخطف؟"
شهقت وسط بكائها، تقول بحروف متقطعة عجزت عن ترتيبها حتى:
_"أنا... أنا سبته، كنت لا... اتكلمت في التليفون.. ورجعت ملقتهوش، كأنه فص ملح وداب."
نهضت «فوزية» تصرخ بها:
_"حفيدي فين؟ ده أنا اللي هوديك في ستين داهية! ضيعتي الواد وجاية تعيطي، حفيدي فين؟"
_"اهدي يا خالتو."
قالتها «هدير» بنبرة شبه هازئة، تربت على ظهر خالتها بمواساة كاذبة. وبطرف أكمامها مسحت دموعها، ثم قالت بتهديد، مشيرة بإصبعها في وجه جميلة:
_"أقسم بالله لو طلعتي أنتِ اللي ورا اللي حصل لابني، أنا هموتك بنفسي، معقولة كرهك ليا يخليكي تأذي حفيدك بالبشاعة دي؟"
_"أنتِ الظاهر عقلك فلت منك، ده حفيدي يا متخلفة أنتِ، يعني بحبه أكتر منك شخصيًا، مستحيل أأذيه."
كادت «فوزية» تشتبك معها مرة أخرى، إلا أن يد «تسنيم» لحقتها ووقفت كحائل بينهما، تقول بتعقل افتقر إليه الموقف:
_"يا جماعة اهدوا، خلينا نفكر كلنا.. سيف ضايع وأنتوا ماسكين في خناق بعض، أنتِ اللي خطفتيه وأنتِ اللي خطفتيه؟"
كانت كلماتها كالماء فوق النيران، وشبه نجحت في إخماد ثورة غضبهم، لكنها لم تنجح في إطفاء الحريق المشتعل في النظرات المتبادلة بينهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رجعت «فوزية» إلى الخلف وجلست، بينما ساندتها «تسنيم» حتى أقرب أريكة، تدعوها إلى الجلوس لتهدأ أعصابها التالفة.
حاولت الاتصال مرات متتالية بشقيقها الأكبر «علي»، إلا أن هاتفه كان خارج نطاق التغطية، كعادته في الأوقات الصعبة، وفي عز احتياجهم إليه.
انتقلت سريعًا إلى «عزيز»، تتصل به، ثم انسحبت بعيدًا ما إن أجاب، لتلقي على مسامعه الكارثة... وقد أخبرها أنه في طريقه إليهم.
❈-❈-❈
بعد مرور ساعة
كان الصمت والترقب المميت سيدي المكان داخل غرفة المكتب، حيث اصطف الجميع بجوار بعضهم على الأرائك، ينتظرون أن ينهي «عزيز» مكالمته العاشرة على أحر من الجمر.
بينما كان هو يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا، والهاتف ملتصق بأذنيه منذ نصف ساعة. ينتهي من مكالمة، ويبدأ في التالية دون فاصل، حتى انتهت هذه المكالمة أيضًا... انتظروا بترقب النتيجة.
لكن النتيجة أتت في صورة تنهيدة طويلة خرجت منه، تبعتها مسحة على وجهه بعجز واضح... وُئدت بادرة الأمل بداخلهم.
_"سيف لازم ياخد علاجه دلوقتي، معاده عدى من بدري."
رشقته "جميلة" بنظرات غاضبة وكانه هو من اضاعه...مهلاً هل من الممكن أن يكون هو؟، سريعا طردت الفكرة من رأسها، كان لوقع نظراتهم عليها هينة أمام سهام نظراته هو، والتي جعلتها تنكمش على ذاتها.. تشعر بالخذي وكأنها المذنبة الأولي.
هي أمه، وبالطبع تكاد تموت رعبًا على طفلها. ألا يقدر ذلك؟ ولا يكتفي بهذا، بل يحدق بها كل دقيقة والأخرى بنظرات جهلت ترجمة معناها. كل ما استطاعت فهمه أنها نظرات غاضبة محتقرة.
اقترب منها أكثر، يدنو نحوها، وبنبرة دبت الرعب في أوصالها، نبس بكلماته:
_"سيف يرجع لحضننا... وبعدها مش هتلمحيه تاني، وكله بالقانون يا جميلة!"
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (هاجر التركي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
