سم الحروف - الفصل 14 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (14)



وصل ريان وحمزة وكاميليا إلى قسم الشرطة. دخل الثلاثة إلى مكتب الضابط المسؤول، حيث كانت الأجواء رسمية ومشحونة بالجدية.

أشار الضابط إليهم بالجلوس، وبادرت كاميليا بتقديم هويتها المهنية وقالت بلهجة عملية:

ـ سيادة الضابط، إحنا جايين نعمل محضر عثور على مصابة. لقيناها في الطريق الصحراوي فاقدة للوعي، ونقلناها فورًا للمستشفى لإسعافها.

نظر الضابط إليهم بتفحص، ثم وجه حديثه لريان:

ـ تمام.. احكي لي تفاصيل العثور عليها، وكنت بتعمل إيه في المكان ده؟

أجاب ريان بثبات:

ـ كنت راجع من المطار، وفي الطريق شفتها مغمى عليها في قلب الصحراء. مكنش ينفع أسيبها، اتصلت بحمزة فورًا وساعدني ننقلها للمستشفى لأن حالتها كانت تستدعي تدخل طبي سريع.

أضاف حمزة مؤكدًا كلامه:

ـ بالظبط، وصلنا المستشفى في أقل وقت ممكن علشان يلحقوها.

سجل الضابط المعلومات وهو يهز رأسه، ثم سأل:

ـ هل كان فيه أي أثر لعربية تانية أو أي حد كان معاها في المكان؟

ردت كاميليا بهدوء:

ـ لا يا فندم، هما لقوها لوحدها تمامًا. هما مجرد مواطنين صادفوا الموقف وقرروا يساعدوا، وده اللي يهمنا في المحضر حاليًا.

نظر الضابط إلى الأوراق أمامه، ثم رفع نظره نحوهم مجددًا بنظرات فاحصة وكأنه يحاول استجلاء أي ثغرة في روايتهم، قبل أن يقرر المضي قدمًا في الإجراءات.

أمسك الضابط بالقلم وقال بنبرة جادة:

ـ تمام، البيانات الشخصية للمصابة هتقدروا توفروها؟ ولا نستنى لما تفوق ونسألها بنفسنا؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت كاميليا إلى ريان وحمزة، ثم التفتت للضابط وقالت:

ـ أهلها في الطريق للمستشفى دلوقتي، أكيد هيكون معاهم إثبات شخصيتها وهيقدروا يوضحوا تفاصيل أكتر.

أومأ الضابط برأسه وهو يدوّن الملاحظة:

ـ مظبوط، ده أفضل. دلوقتي محتاج توقيعكم على أقوالكم دي، ولو استجد أي شيء أو احتاجناكم في استكمال التحقيقات هنبلغكم فورًا.

تقدم ريان وحمزة ووقعا على المحضر، بينما تابعت كاميليا الإجراءات بمهنية عالية، متأكدة من أن كل شيء يسير وفق الخطة. بمجرد الانتهاء، وقفت كاميليا وألقت التحية:

ـ شكراً لتعاونك يا سيادة الضابط، هنتظر منك إخطار بأي جديد يخص الحالة.

خرج الثلاثة من مكتب الضابط، وبمجرد أن أصبحوا في الممر الخارجي، أخرج ريان تنهيدة ثقيلة، ونظر لحمزة وكاميليا وقال بصوت خافت:

ـ خلصنا المهمة دي، دلوقتي لازم نطمن على اللي بيحصل في المستشفى.. أنا قلبي مش مطمن من رد فعل أهلها لما يوصلوا.

نظرت إليه كاميليا بهدوء، ثم وضعت يدها على كتفه في إشارة مطمئنة، وقالت بثقة:

ـ اطمن يا ريان، إحنا عملنا اللي علينا وزيادة، وبوجود ياسين هناك الأمور هتفضل تحت السيطرة. وبعدين، دي أوقات صعبة على أي أهل، لكن المهم إنها بقت في أمان دلوقتي.. خليك واثق إننا ماشيين في الطريق الصح.

أومأ ريان برأسه متأثرًا بكلماتها، بينما تابع حمزة الحديث بنبرة أكثر تماسكًا:

ـ ماما عندها حق، خلينا نتحرك ونروح المستشفى، يمكن وجودنا يكون ليه لزمة هناك.

غادر ريان، وحمزة، وكاميليا مبنى القسم، واستقلوا سيارة حمزة وانطلقوا بها مسرعين نحو المستشفى.

وفي تلك الأثناء، توقفت سيارة شاكر بحدة أمام مدخل الطوارئ. ترجل شاكر بخطوات ثقيلة ومضطربة، تتبعه يارا، بينما أحاطت بها ميار وسوسن في حالة من الذهول والانهيار الصامت. وبمجرد وصولهم إلى ممر الغرفة، كانت علياء وياسين في انتظارهم.

ما إن وقعت عينا شاكر على علياء حتى اندفع نحوها وسألها بصوت متهدج:

ـ أستاذة علياء، طمنيني.. نور عاملة إيه؟

أجابت علياء بنبرة هادئة وحازمة وهي تفتح باب الغرفة:

ـ اطمن يا شاكر بيه، هي بقت أحسن ودلوقتي حالتها مستقرة.

دخلوا جميعًا إلى الغرفة، حيث كانت كارما تقف بجوار والدها. ما إن وقعت عينا شاكر على كارما حتى تجمد في مكانه بذهول، وقال:

ـ كارما! إنتي كمان هنا؟

هتفت كارما بصوت هادئ:

ـ أيوه يا عمو.. أنا اللي عرفت نور لما وصلت المستشفى، الصدفة هي اللي جمعتني بيها.

بينما كان الحوار دائرًا، تجاهلت سوسن الجميع تمامًا، واندفعت بخطوات مرتعشة نحو السرير الذي تستلقي عليه ابنتها. توقفت هناك، تنظر إلى وجه نور الشاحب، وعيناها تغرورقان بدموع حارة، وقلبها ينفطر لرؤيتها بهذا الحال.

التفت شاكر إلى علياء، وعلامات الحيرة والذهول تملأ ملامحه، وقال بنبرة مختنقة:

ـ أنا مش فاهم حاجة.. عرفتي نور إزاي يا كارما؟

تنهدت علياء، وبدأت تقص عليه ما حدث منذ البداية، موضحةً أن من استطاع العثور على نور وإنقاذها هو ريان، شقيق كارما، وابن اللواء ياسين الشاذلي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

صمت شاكر للحظات وهو يستوعب حجم الموقف، ثم رفع بصره نحو ياسين وكارما، ونظر إليهما بنظرة مليئة بالتقدير والامتنان، وقال بصوت يرتجف من التأثر:

ـ أنا مش عارف أشكركم إزاي.. لولاكم كان ممكن يحصل اللي لا يُحمد عقباه. أنتوا أنقذتوا حياة نور، وجميلكم ده فوق راسي من فوق.

ابتسم ياسين بهدوء وهو يربت على كتف شاكر، وقال بنبرة دافئة:

ـ يا شاكر بيه، اعتبر الموضوع منتهي. من لحظة ما شفت نور امبارح، وهي خدت مكانة بنتي بالظبط زي كارما.. فمش محتاج تشكرني، ده كان واجبي.

في تلك اللحظة، كانت يارا تقف بجوار سرير نور، تراقب وجهها الشاحب، وفجأة لم تتحمل المشهد، فانفـ.ـجرت في بكاء مرير واندفعت خارجة من الغرفة بخطوات سريعة. وفي الممر، اصطدمت بقوة بحمزة الذي كان يتأهب للدخول بصحبة ريان ووالدته. لم تتوقف يارا ولم تلتفت، بل واصلت ركضها للخارج وألمها يسبقها.

توقف حمزة مذهولًا للحظات يراقب أثرها، قبل أن يدخل مع ريان وكاميليا إلى الغرفة، حيث اتجهت أنظار الجميع نحوهم.

دخل ريان وكاميليا إلى الغرفة، فبادرت علياء بالتعريف بهما لشاكر، وقالت بجدية:

ـ شاكر بيه، دول أستاذ ريان ومدام كاميليا، دول اللي كان ليهم الفضل الكبير في إننا نوصل لنور.

اقترب شاكر من ريان، وبدت على وجهه علامات الامتنان الشديد، وقال بصوت متأثر:

ـ أنا مش عارف أشكرك إزاي يا أستاذ ريان.. لولا توفيق ربنا ثم تدخلك وإنقاذك لنور، ما كنتش أعرف إيه كان ممكن يحصل. جميلك ده في رقبتي.

في هذه الأثناء، ظل حمزة واقفًا عند باب الغرفة، لم يدخل معهما، بل بقي في الممر يغالب حيرته، وعقله عالق بصورة يارا وهي تصطدم به، ويفكر: 

مين البنت دي؟ وليه حالتها كانت بالشكل ده؟

وقبل أن يجيب ريان أو يتسع الحوار، قاطعهم صوت حركة سريعة في الممر، وظهر الطبيب ومعه الممرضة متوجهين نحو الغرفة لفحص حالة نور، فتنحى الجميع جانبًا لإفساح المجال للفريق الطبي.

بدأ الطبيب بفحص نور بدقة، بينما كان الجميع يراقب في صمت وترقب. بعد لحظات، اعتدل الطبيب ونظر إلى شاكر وسوسن، ثم سأل بجدية:

ـ مين المسؤول عن الحالة هنا؟

تقدم شاكر بخطوات متهالكة وقال بصوت مخنوق:

ـ أنا والدها.. طمني يا دكتور، إيه اللي وصل بنتي للحالة دي؟ ليه مش قادرة تتكلم؟

نظر الطبيب لشاكر وسوسن بنظرة يملؤها الأسى المهني، وقال:

ـ للأسف يا فندم، التحاليل وضحت إن نور اتعرضت لجرعة مخدر من نوع خاص، قوية جدًا. هي اللي سببت لها الصدمة النفسية الحادة اللي أدت لانهيارها العصبي وفقدانها للنطق.

شهقت سوسن وسقطت دموعها بغزارة وهي تحاول كتم صرختها، بينما تجمد شاكر في مكانه، واتسعت عيناه بصدمة لم يتخيلها يومًا. نظر إلى ابنته النائمة، ثم التفت للطبيب بصوت متهدج ومضطرب:

ـ مخدرات؟ بنتي نور؟ أنا مش قادر أستوعب.. دكتور، لازم أسفرها فورًا، أي مصحة متخصصة بره مصر، المهم تتعالج وترجع طبيعية.. أرجوك، اعمل أي حاجة.

قبل أن يرد الطبيب، تدخلت علياء بحزم وهي تقترب من شاكر:

ـ شاكر بيه، أنا مقدرة جدًا خوفك عليها، بس للأسف الموضوع مش بالسهولة دي. نور حاليًا هي الشاهد الوحيد والمهم في القضية، ومطلوب منها شهادتها عشان نقدر نوصل للجناة. سفرها في التوقيت ده صعب جدًا قانونيًا، لأنها تحت حماية أمنية مشددة، ومكانها هنا لحد ما حالتها تسمح بإننا ناخد أقوالها.

ساد صمت ثقيل في الغرفة، وظهر العجز واضحًا على وجه شاكر، بينما كان حمزة لا يزال واقفاً عند الباب، يراقب المشهد بتركيز، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا، شارد في تلك الفتاة التي اصطدمت به في الممر.

التفت شاكر إلى الطبيب مرة أخرى، محاولًا التشبث بأي أمل وسط عاصفة العجز التي يشعر بها، وقال بصوت متقطع:

ـ يا دكتور.. لو مش بره مصر، طيب ممكن أنقلها لمصحة نفسية متخصصة هنا؟ مكان يكون أهدى ومجهز لحالتها دي بعيد عن جو المستشفى ده؟

هز الطبيب رأسه بالرفض، وقال بنبرة عملية لا تقبل الجدال:

ـ يا فندم، حالتها حاليًا لا تسمح بأي نقل. هي تحت تأثير آثار المخدر لسه، ومحتاجة مراقبة طبية دقيقة لوظائفها الحيوية ومتابعة من قسم المخ والأعصاب بشكل مباشر. أي حركة لنور في الوقت ده ممكن تعرضها لانتكاسة عصبية أو مضاعفات جسدية لا قدر الله. المستشفى هنا هي المكان الوحيد اللي يوفر لها الرعاية اللي هي محتاجاها دلوقتي.

أطبق شاكر قبضته على طرف غطاء السرير، وأحس بضيق في صدره وكأنه يختنق، فالتفت إلى سوسن التي كانت تغطي وجهها بيديها وتنتحب بانهيار، وحاول أن يضع يده على كتفها ليواسيها، لكنه كان هو نفسه يحتاج لمن يشد من أزره.

في تلك اللحظة، كان حمزة لا يزال واقفًا عند الباب، يراقب كل تفصيلة بتركيز. لاحظ كيف انكسر شاكر أمام حزم علياء ورأي الطبيب، وكيف تحولت الغرفة لساحة من الألم المكتوم. تنهد حمزة تنهيدة طويلة، ثم قرر أن وجوده لم يعد ضروريًا داخل الغرفة، خاصة مع وجود الطبيب والشرطة. استدار بهدوء وخرج من الغرفة، مغلقًا الباب خلفه برفق، ليعود الممر فارغًا إلا من خطواته التي بدأت تأخذه بعيدًا عن الغرفة، متجهًا بفكره إلى يارا التي لم تفارق مخيلته.

سار حمزة في الممرات حتى وصل إلى الباب الزجاجي الكبير الذي يؤدي إلى حديقة المستشفى الخلفية. دفع الباب وخرج، ليلفه نسيم الصيف الحار قليلًا.

لم يكد يقطع بضع خطوات في الممر الضيق الذي يشق الحديقة، حتى لمحها. كانت تجلس على مقعد خشبي منعزل تحت شجرة كبيرة، تضم ساقيها إلى صدرها، وتنظر إلى الفراغ بعينين غائرتين من كثرة البكاء.

توقف حمزة للحظة، دار صراع قصير في عقله بين التراجع احترامًا لخصوصيتها وبين رغبته العارمة في معرفة ما يحدث. استنشق بعمق، ثم بدأ يقترب ببطء، متعمدًا إحداث صوت خفيف بخطواته على الأرض الحجرية حتى لا يفاجئها.

عندما أصبح على بعد خطوات منها، توقف وقال بصوت هادئ ومتحفظ:

ـ أنا عارف إن ده مش وقت أسئلة.. بس، إنتي كويسة؟

تجمدت يارا في مكانها، وببطء شديد رفعت رأسها لتنظر إليه، وبريق الدموع لا يزال يلمع في عينيها.

ظلت صامتة لعدة دقائق، كانت أنفاسها لا تزال مضطربة، قبل أن تومئ برأسها موافقة، وهتفت بصوت مبحوح:

ـ أيوه.. كويسة، شكرًا.

جلس حمزة بجوارها على طرف المقعد الخشبي، تاركًا مسافة احترام بينهما. ساد صمت ثقيل في الحديقة، لم يقطعه سوى صوت حفيف الأشجار البعيد. وبعد دقائق، التفتت إليه يارا، وبنبرة ممزوجة بمرارة لا توصف، قالت:

ـ أصعب شيء إنك تعيش خسارة اللي بتحبهم وإنت واقف عاجز.. عاجز تمامًا إنك تقدم لهم أي مساعدة. وكأن الحياة والقدر قرروا إنك تعيش موجوع لباقي حياتك، ذنبك الوحيد إنك كنت موجود.

لم تنتظر يارا منه ردًا؛ وقفت بسرعة، مسحت بقايا دموعها بطرف يديها، واتجهت بخطوات سريعة نحو باب المستشفى، تاركة حمزة خلفها في حالة من الذهول والدهشة.

بقي حمزة مكانه، يتابع طيفها وهو يبتعد حتى اختفى داخل المبنى. غرق في حيرة عميقة؛ من تكون هذه الفتاة؟ ولماذا كانت تبكي بهذا الانهيار؟ وكيف وجدت نفسها هنا في هذا التوقيت تحديدًا؟

لم يمتلك حمزة أي إجابات، فكل ما يعرفه أن كلماتها لم تكن كلمات شخص غريب، بل كلمات شخص يحمل ثقلًا يخص ما يدور خلف تلك الجدران، لكنه ظل جاهلًا تمامًا بأي رابط يجمعها بنور أو بعائلة شاكر.

أخرج تنهيدة طويلة، ونظر إلى السماء بذهن شاردًا، محاولًا ربط الخيوط ببعضها، لكنها كانت تتشابك أكثر في عقله، تاركًا إياه أمام لغز جديد يضاف إلى يومه الثقيل 

في الداخل، وقف ياسين يراقب المشهد بصمت لثوانٍ، ثم التفت إلى شاكر وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:

ـ شاكر بيه، إحنا هنستأذن دلوقتي علشان نور محتاجة الراحة التامة والرعاية الطبية. طبعاً المكان هنا تحت حراسة أمنية مشددة، ومفيش أي حد هيقدر يقرب من غرفتها، اطمنوا تمامًا.

ثم أخرج كارت خاصًا به وأعطاه لشاكر وأضاف:

ـ ده رقمي الشخصي، أي حاجة تحتاجوها في أي وقت، كلموني فورًا.

أومأ شاكر برأسه وهو يمسك الكارت بامتنان، بينما اقتربت كارما من سوسن، وضمتها بحنان قائلة بصوت منخفض ومواسي:

ـ يا طنط، أنا هكون هنا كل يوم، مش هسيب نور لحظة لغاية ما حالتها تتحسن وتخرج بالسلامة، اعتبريني موجودة هنا دايمًا لو احتجتي أي شيء.

في هذه الأثناء، كان ريان لا يزال واقفًا عند السرير، عينيه معلقتين بـ نور بتركيز شديد، وكأنه يحاول استيعاب ما حدث لها بنظراته فقط، لم ينطق بكلمة واحدة، لكن ملامحه كانت تحمل ثقلًا كبيرًا.

استأذن ياسين وكاميليا، وتبعهما ريان وكارما ببطء. خرجوا جميعًا من الغرفة ليعم الهدوء المكان، متجهين نحو ساحة المستشفى استعدادًا للعودة إلى البيت.

بمجرد أن خرج ياسين وأسرته من باب المستشفى، وقعت عينا حمزة عليهم فورًا. كان التوتر مازال يسيطر على الأجواء، ليقطع ياسين هذا الصمت بصوته الهادئ المعتاد: 

ـ يلا روحوا ارتاحوا في البيت.

تصلبت ملامح حمزة، وبصوت مشوب بنبرة عتاب ممزوجة بقلق لم يستطع إخفاءه، هتف: 

ـ وحضرتك هتروح فين يا بابا؟

اتجهت الأنظار إلى كاميليا التي كانت تقف بجوار ياسين، نظرت إلى حمزة بعينين تملؤهما الحزن؛ فقد كانت تدرك تمامًا أن جروح المواجهة الأخيرة بينها وبين ياسين لم تلتئم بعد، وأن حمزة يرى هذا الشرخ في علاقتهم بوضوح.

لم تترك كارما الفرصة للتوتر ليتصاعد أكثر، فاندفعت نحو والدها، ممسكة بيده بتوسل حقيقي وهي تهتف: 

ـ أرجوك ارجع معانا يا بابا.. كلنا محتاجينك، مش عايزة حد فينا يقعد لوحده بعد اللي حصل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر ياسين إلى أولاده بهدوء، وتلاقت نظراته مع كاميليا لثوانٍ تحمل الكثير من العتاب والصمت، ثم تنهد تنهيدة خفيفة قبل أن يهتف بنبرة هادئة وحازمة: 

ـ يلا بينا.

اتسعت ابتسامة كارما التي شعرت بانتصار صغير، فسارعت بضم والدها بقوة، ثم اتجهت لتركب معه في سيارته. أما كاميليا، فقد تحركت بصمت واتجهت نحو سيارة ريان، ولحق بها حمزة الذي ركب في المقعد الخلفي.

تحركت السيارات بهدوء خارج ساحة المستشفى، تاركة خلفها الكثير من الأسئلة المعلقة، متجهة نحو المنزل الذي بات يبدو أكثر احتياجًا لوجودهم جميعًا معًا في هذه الأوقات الصعبة.

❈-❈-❈

دخلت السيارات إلى باحة الفيلا، وعمَّ صمت ثقيل بين الجميع. لم ينتظر ياسين أحداً؛ ترجل من سيارته بخطوات واسعة واتجه مباشرة نحو غرفة مكتبه، مغلقًا الباب خلفه وكأنه يعزل نفسه عن العالم وعن كل ما يحيط به من أوجاع.

داخل المكتب، كان ياسين يجلس خلف مكتبه الخشبي الضخم، يحدق في الفراغ. كانت أفكاره تتلاطم كأمواج عاتية؛ يسترجع كل ما تعرضت له أسرته في الفترة الأخيرة، وكأنها سلسلة من الاختبارات القاسية التي وُضعت في طريقه واحداً تلو الآخر. تنهد بعمق، مقتنعاً في قرارة نفسه أن عليه تقبل كل ما سيأتي، مهما كانت النتائج وخيمة أو مؤلمة.

في الخارج، كانت كاميليا تتابع أثره بنظرات حزينة، لكنها لم تكن تنوي الاستسلام لهذا الحاجز الذي بناه حول نفسه. تنهدت بهدوء، مستجمعة قواها؛ فهي لن تسمح لمزيد من الشروخ أن تصيب علاقتها بياسين، خاصة في هذا الوقت العصيب.

طرقت الباب بخفة، وما إن جاءها الصمت المعتاد حتى فتحته وولجت إلى الداخل. كانت خطواتها مترددة، لكن نظراتها كانت تحمل إصرارًا على المواجهة. اقتربت من المكتب وجلست في الكرسي المقابل له، مكتفية بالنظر إليه في صمت، منتظرة منه أن يبدأ هو الحديث، أو أن تبدأ هي بكسر هذا الجليد.

في الخارج، صعد حمزة وريان وكارما لتبديل ملابسهم، تاركين الفيلا في صمتٍ ثقيل، بينما كانت الأنفاس محبوسة خلف باب مكتب ياسين.

قطعت كاميليا الصمت أخيرًا، مالت بجسدها للأمام، ونبرة الندم تتسرب من كلماتها:

ـ ياسين، أنا عارفة إني غلطت، بس صدقني غصب عني. أنا خوفت.. خوفت لما شفت ريان راجع معاك أنت وحمزة، الرعب كان مالي قلبي. أنا كل يوم بعد خروجكم لشغلكم بحس بخوف عليكم كلكم، مش هتحمل خسارة حد فيكم.. أنتم كل عيلتي دلوقتي.

نظر إليها ياسين نظرة مطولة، ملامحه كانت مزيجًا من الإنهاك والصرامة، ثم تنفس ببطء ليهتف بصوت خافت لكنه مشحون بكل ما في قلبه:

ـ أظن يا كاميليا محدش هيخاف على ولادي قدي.. مش ريان وكارما بس، حمزة كمان. أنا لما فكرت إن كارما تساعدنا في كشف مدحت وابنه، كنت خايف عليها أكتر من أي شخص في الدنيا، رغم إني كنت مأمنها جدًا.. كنت مرعوب يحصل حاجة غلط والعملية تفشل.

صمت لثوانٍ قبل أن يكمل بنبرة تملؤها المرارة:

ـ أنا أب قبل أي شيء، ومش هضحي بأولادي مهما كان التمن. على الأقل كارما رجعت كويسة.. لكن نور؟ نور راجعة منتهية بعد اللي عاشته، شهرين كاملين بيدوها مخدرات عشان يضيعوها.. وعلى فكرة، لولا القدر كانت ماتت بجد. لو مكنش ريان شافها وهو راجع، كانت انتهت.

انكمشت ملامح كاميليا أمام قسوة الحقيقة التي وضعها ياسين أمامها، بينما ساد المكتب صمت أثقل من ذي قبل.

لم تستطع كاميليا الرد، غصت الكلمات في حلقها وهي تدرك تمامًا حجم الهوة التي خلقتها بتصرفاتها الليلة الماضية، وشعرت أن كلمات ياسين لم تكن مجرد عتاب، بل كانت مرآة لكل مخاوفه التي لم يشاركه فيها أحد.

وقف ياسين من خلف مكتبه ببطء، اقترب منها بخطوات هادئة، ثم مد يديه وضمها إلى صدره بحنوٍ لم تتوقعه رغم حدة حديثه قبل لحظات. بمجرد أن شعرت بدفء احتضانه، انهار كل حصون الصمود التي بنتها، لتنفـ.ـجر في نوبة بكاء مرير، وكأنها تفرغ فيها كل ذنبها وخوفها على هذه العائلة التي باتت روحها المعلقة.

شدد ياسين من احتضانه لها، واضعًا يده على رأسها بحنان، وبدأ يربت على ظهرها بهدوء، محاولًا امتصاص كل تلك المشاعر المشحونة. لم ينطق بكلمة، فقد كان يعلم أن الوقت الآن ليس للحديث أو العتاب، بل للطمأنة التي افتقداها وسط كل هذا الصخب والوجع الذي أحاط بهم.

ظل المكان ساكنًا، لا يقطعه إلا صوت شهقاتها المكتومة وصدره الذي يعلو ويهبط ببطء، وكأن هذا العناق هو المحطة الوحيدة التي يستطيعان فيها التقاط أنفاسهما قبل العودة لمواجهة العاصفة بالخارج.

هدأت نوبة بكاء كاميليا تدريجيًا، وبدأت أنفاسها تنتظم وهي تبتعد قليلًا عن صدر ياسين، ماسحةً دموعها بيديها. نظرت في عينيه بثبات وإصرار جديد، وهتفت بصوتٍ بدا أكثر قوة:

ـ أنا هكلم محامية نور بكرة، وهكون معاها خطوة بخطوة يا ياسين. البنت دي حقها لازم يرجع، ومستحيل طارق وأبوه يفلتوا من العقاب.. هما بجد يستحقوا الإعدام على كل الجرايم اللي ارتكبوها.

ابتسم ياسين ابتسامة خفيفة، لم تكن مجرد ابتسامة عادية، بل كانت نظرة فخر ممزوجة بالارتياح. أمسك يدها وضغط عليها بقوة، وقال بصوت عميق:

ـ كده تبقى انتي كاميليا اللي عرفتها أول مرة.. كاميليا اللي مبيسكتش ليها صوت قدام الظلم.

أكملت كاميليا وهي تسترجع ملامح نور في ذاكرتها:

ـ ياسين، أنا من أول ما شوفت نور حسيت بشيء غريب.. كأني أعرفها من زمان، وكأن فيه رابط خفي بيني وبينها. البنت دي اتأذت كتير أوي من وقت ما بدأت شغلها في الصحافة، ولازم حقها ييجي، مش بس عشانها.. بس عشان العصابات دي تتراجع وتعرف إن فيه قوة واقفة قدامهم.

أومأ ياسين برأسه مؤيدًا، وزفر بضيق قبل أن يضيف:

ـ نور مش ضحيتهم الوحيدة، أنا واثق إن فيه ضحايا كتير غيرها، بس الخوف سادد أفواههم. إحنا بنحاول نوصل للناس المشبوهة دي بكل طاقتنا، وبنحاول نجمع أي خيط يوصلنا ليهم، بس الطريق طويل.. والحمد لله إن نور كانت هي الخيط اللي بدأنا نمسك طرفه.

صمت الاثنان للحظة، بينما كان صوت خطوات أبنائهما في الخارج يكسر حدة الصمت داخل الغرفة، إيذاناً ببدء صفحة جديدة من المواجهة.

فتحت كاميليا باب المكتب، وخرجت هي وياسين لتجد أبناءها الثلاثة في الصالة. كان الصمت سيد الموقف، لكن ملامح كاميليا كانت قد تبدلت تمامًا؛ اختفى الحزن والانكسار وحلت محلهما نظرة إصرار.

بمجرد أن وقعت أعين كارما عليهما، لاحظت التغير في والدتها، لتهتف كاميليا بصوت هادئ وثابت:

ـ يا ولاد، أنا فكرت كويس.. وقررت إني مش هقف أتفرج. بكرة الصبح هكلم محامية نور، وهكون موجودة معاها. البنت دي لازم حقها يرجع، وطارق ومدحت لازم يدفعوا تمن اللي عملوه.

لم تتمالك كارما نفسها، فتهللت أساريرها واندفعت نحو والدتها لتقبلها بحماس وفرحة:

ـ بجد يا ماما؟ دي أحلى حاجة سمعتها! نور فعلًا محتاجة حد يقف جنبها، وفرحت جدًا إنك قررتي تساعديها.

في تلك اللحظة، لاحظ ريان أن الأجواء مازالت مشحونة، خاصة مع نظرات حمزة المترقبة والمنشغلة دائمًا بتفاصيل القضية. قرر ريان التدخل لتخفيف هذا الثقل، فابتسم بهدوء وقال بنبرة مرحة محاولًا تلطيف الأجواء:

ـ خلاص كده؟ يعني أخيرًا بقى عندنا وزيرة دفاع في البيت! أنا بقول يا حمزة لو محتاج حد يشهد في التحقيقات غيري، ماما شكلها ناوية تقتحم القسم بكرة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضحك حمزة ضحكة خفيفة على تعليق ريان، وبدا أن ملامحه الصارمة قد لانت قليلًا. نظر حمزة إلى كاميليا وقال بتقدير:

ـ خطوة شجاعة يا ماما، ومساعدتك دي هتسهل عليا حاجات كتير.. وجودك كطرف محايد وقوي في القضية ممكن يضغط أكتر.

أومأ ياسين برأسه بالموافقة، بينما شعرت كاميليا لأول مرة منذ فترة طويلة أن عائلتها بدأت تستعيد توازنها، وأنهم أصبحوا فريقًا واحدًا يواجهون العاصفة معًا.

ابتسم ياسين وهو يرى التناغم الذي بدأ يسود بين أبنائه وكاميليا، فوضع يده على كتف حمزة وقال بنبرة هادئة:

ـ كل واحد فينا له دوره يا حمزة، وأنت دورك هو الأهم في القسم.. المهم إننا نفضل صف واحد.

نظرت كاميليا إلى أبنائها بابتسامة حانية، ثم أضافت بتصميم:

ـ بكرة الصبح بدري، هكون عند نور في المستشفى. كفاية الوقت اللي ضاع وهي وحيدة.

أومأ الجميع بالموافقة، وساد نوع من الهدوء المريح الذي غاب عنهم طويلًا. وبعد تبادل أطراف الحديث حول الترتيبات البسيطة، قرر الجميع الخلود للنوم ليكونوا على أتم الاستعداد لما يحمله الغد من تحديات.


في المستشفى، كانت سوسن تجلس ملاصقة لفراش ابنتها، لا تزيح عينيها عنها. نظر إليها شاكر بتعب، وقال بصوت خافت:

ـ يا سوسن، كفاية كده.. ارجعي البيت استريحي وجربي تنامي، وأنا هفضل موجود جنبها.

نظرت إليه سوسن بحدة ورفضت قائلة:

ـ مش هسيب بنتي يا شاكر، مهما قلت مش همشي من هنا.

تنهد شاكر محاولًا إقناعها بلطف:

ـ أنا عارف خوفك، بس أنتِ كمان محتاجة ترتاحي عشان تقدري تكملي.

ردت عليه بصوت متهدج ومتمسك بموقفها:

ـ مش هرتاح غير لما نور تخرج من هنا، ونخلص من الكابوس اللي إحنا فيه ده.

التفت شاكر نحو يارا وأخته، وقال بحزم:

ـ يارا، خدي عمتك وروحوا ارتاحوا، وتعالوا الصبح.

وقفت يارا مكانها بتردد، فهي لا تريد ترك عمها وزوجة عمها في هذه الحالة، لكن عمتها لمست ذراعها لتشجعها على المغادرة. أومأت يارا برأسها وقالت بصوت خافت:

ـ حاضر يا عمي.

غادرت يارا وعمتها الغرفة، وبقي شاكر وسوسن في صمتٍ ثقيل، يراقبان نور في انتظار الفجر.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، اتصلت كاميليا بـ علياء وأخبرتها أنها ستتابع القضية بنفسها، واتفقتا على التوجه للمستشفى لأن وكيل النيابة سيذهب لأخذ أقوال نور.

بعد تناول الإفطار، قالت كارما لوالدتها:

ـ يا ماما، أنا هروح أشوف نور، تعالي معايا.

في هذه الأثناء، خرج ياسين وحمزة متجهين لعملهما. أما ريان فكان يفكر في طريقة للذهاب للاطمئنان على نور، فقال لوالدته وكارما:

ـ أنا هروح معاكم عشان ما تروحوش لوحدكم.

توجهت كاميليا بصحبة ريان وكارما إلى المستشفى. وفي تلك الأثناء، كانت علياء قد وصلت بالفعل، حيث طمأنت شاكر وسوسن بأن كاميليا ستتولى المساعدة في القضية قانونيًا.

وما إن وصل وكيل النيابة حتى سارع للبدء في إجراءات التحقيق مع نور. حاولت علياء توضيح حالتها الصحية والنفسية الصعبة له، لكنه أجابها بحزم:

ـ أنا مقدر وضعها يا مدام علياء، بس القانون بيلزمني أسمع أقوالها، ولازم تقرير طبي رسمي يحدد قدرتها على الكلام.

دخل الطبيب بصحبة وكيل النيابة إلى غرفة نور لتقييم حالتها. وبعد معاينته لها، كتب التقرير الطبي الذي يؤكد تعذر أخذ أقوالها في الوقت الراهن، ثم غادر وكيل النيابة المستشفى.

وفي تلك اللحظة، وصلت كاميليا وريان وكارما. فور وصولهم، التقت بهم علياء وأخبرتهم بما دار مع وكيل النيابة وما توصل إليه الطبيب. نظرت كاميليا إلى الجميع واقترحت قائلة:

ـ بما إن التحقيق وقف دلوقتي لحد ما حالتها تستقر، خلينا نروح على مكتبي

وفي تلك اللحظة، وصلت كاميليا وريان وكارما. فور وصولهم، التقت بهم علياء وأخبرتهم بما دار مع وكيل النيابة وما توصل إليه الطبيب. نظرت كاميليا إلى الجميع واقترحت قائلة:

ـ بما إن التحقيق وقف دلوقتي لحد ما حالتها تستقر، خلينا نروح على مكتبي، عشان نرتب أوراقنا ونجهز خطتنا للقضية بعيداً عن دوشة المستشفى.

وافقت كاميليا على اقتراح علياء، واتفقتا على الذهاب معًا إلى مكتبها للبدء في ترتيب خطوات القضية. في هذه الأثناء، ظلت كارما في المستشفى برفقة ريان، فنظرت إلى سوسن وشاكر اللذين غلبهما التعب وقالت بهدوء:

ـ عمو، طنط.. روحوا ارتاحوا شوية، أنا هنا مع نور ومش هسيبها، أنتم كمان محتاجين ترتاحوا.

في تلك اللحظة، وصلت يارا إلى المستشفى، وما إن رأت حالتهما حتى أيدت حديث كارما قائلة:

ـ يا طنط اسمعي كلام كارما، أنا موجودة ومش هسيب نور لوحدها أبدًا، روحوا أنتم ارتاحوا شوية علشان تقدروا تكملوا.

بعد إصرار كارما ويارا، وافق شاكر وسوسن على المغادرة. حينها اقترح ريان أن يتولى توصيلهم للمنزل، فوافقوا وشكروه وغادروا معه. وبعد أن خلت الساحة، اتجهت كارما برفقة يارا إلى غرفة نور.

عاد ريان للمستشفى بعد أن قام بتوصيل شاكر وسوسن للمنزل، وطرق باب الغرفة ليجد كارما تجلس مع يارا يتحدثون معًا، بينما كانت نور جالسة في عالمها الخاص، جسدها متصلب ونظراتها غائبة تمامًا، فاقدة للنطق بعد الانهيار العصبي الذي أصابها.

أخبرهم ريان أنه أحضر لهم الطعام من أحد المطاعم، فشكرته يارا وأخبرتهم أنها ستذهب لتحضر مياه من الخارج، فذهبت كارما معها لتتركا ريان مع نور.

اقترب ريان ببطء من نور، جلس بالقرب منها، ولاحظ كيف انكمشت على نفسها ونظرت له بذعر، وكأنها ترى في ملامح أي شخص ظلال طارق. لم تخرج منها أي كلمة، فقط كانت أنفاسها متسارعة، وصمتها كان يصرخ بألم أكبر من أي كلام.

اقترب ريان أكثر، خفض صوته ليصبح همساً صادقاً وسط سكون الغرفة القاتل:

ـ أنا عارف إنك مش قادرة تتكلمي، وعارف إن اللي جوه عقلك أكبر من إن أي لسان يوصفه.. بس أنا حاسس بيكِ.

تنهد بأسى وهو يراقب ارتعاش يديها، ثم أكمل بصوت منكسر:

ـ كنت فاكر إني طيار، بشوف الدنيا من فوق وبتحكم في المسارات.. لكن من وقت ما دخلتِ حياتي بقيت تايه. ولا عمري تخيلت إني ممكن أحب حد من أول نظرة.. بس اللي أنا شايفه في عينيكِ دلوقتي كسر كل حساباتي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ظلت نور كما هي، جامدة، لا تستجيب لأي من كلماته، وكأنها في حصنٍ منيع من الصمت والانهيار، تحمي نفسها من أي اتصال بالعالم الخارجي.

سمع ريان خطوات كارما ويارا تقترب من الغرفة، فابتعد قليلًا واستعاد ملامحه الجادة، بينما ظلت نور في عالمها، غائبة عن كل ما دار حولها.

عادت كارما ويارا للغرفة ومعهم زجاجات المياه، وانضموا لتناول الغداء الذي أحضره ريان. تعمد ريان أن يغير الأجواء تمامًا، وبدأ بأسلوبه المرح يلقي بعض المواقف الطريفة والمضحكة التي واجهها في عمله كطيار، محاولّا بكل قوته تذويب الجليد الذي يغلف المكان.

نجحت محاولاته؛ فبدأت يارا تضحك على تعليقاته، بينما كانت كارما تتابع الموقف بارتياح وهي ترى هذا التغيير في الجو العام. وسط هذا الضحك، التفت ريان نحو نور ليرى تأثير كلامه عليها، وفوجئ بنور وقد ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة، كانت حقيقية ونابعة من القلب هذه المرة.

بادلها ريان الابتسامة بنظرة دافئة ومطمئنة، كانت لغة تواصل صامتة بينهما، لحظة خاصة جدًا لم يلاحظها أحد غيرهما، وكأنها كانت نقطة ارتكاز لنور لتثبت فيها أقدامها بعيدًا عن أي انهيارات.

في المساء، خيم الهدوء على أروقة المستشفى، وانكسر حاجز الصمت بدخول شاكر وسوسن. كان التعب واضحاً على ملامحهما، لكنهما تنفسا الصعداء حين وجدا ابنتهما في حالة مستقرة نسبيًا.

توجه شاكر نحو ريان وكارما بامتنان غامر، وقال بصوت متهدج: 

ـ مش عارف أشكركم إزاي على وقفتكم معانا.. أنتم كنتوا السند.

ابتسم ريان بتواضع، ثم ألقى نظرة سريعة على نور التي كانت تنظر إليه، ليرد بتقدير: 

ـ ده واجبنا يا أستاذ شاكر، ونور زي أختي وكارما زميلتها، إحنا تحت أمركم في أي حاجة تعوزوها.

بعد تبادل كلمات الوداع، اقترح ريان أن يتولى هو توصيل يارا للمنزل، لتطمئن سوسن ويوافق شاكر على الاقتراح. غادر ريان ويارا الغرفة، تاركين شاكر وسوسن مع ابنتهما.

جلس شاكر بجوار سرير نور، أمسك بيدها التي كانت لا تزال باردة، وهمس بحنان الأب المكسور: 

ـ يا نور.. أنا عارف إن الحروف جوه صدرك محبوسة، بس أنا موجود.. سوسن وأنا هنا، مفيش قوة في الدنيا هتاخدك مننا تاني.

سوسن، التي كانت تحاول إخفاء دموعها، اقتربت من الناحية الأخرى ووضعت يدها على كتف ابنتها، بينما كانت نور تنظر لوالديها، وتلك الابتسامة التي انتزعها ريان قبل ساعات لا تزال عالقة في ذاكرتها، ربما كانت هي الخيط الذي تتمسك به الآن لتبدأ رحلة استعادة نفسها.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل