سم الحروف - الفصل 12 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (12)



بعد وصول كارما ووالدتها للمنزل، صعدت كارما لغرفتها، بينما اتجهت كاميليا لغرفة المكتب. نظرت بعينيها في أرجاء الغرفة كأنها تبحث عن شيء، حتى وجدت ضالتها على الطاولة؛ التقطتها بيدها ونظرت إليها مطولًا، ثم اتخذت قرارها الأخير وألقت بالكاميرا بقوة على الأرض.

عادت كارما لغرفة المكتب لتفقد ما تفعله والدتها، فتجمدت في مكانها ونظرت بصدمة للكاميرا التي تحولت إلى بقايا متناثرة. هتفت بحزن:

ـ ليه يا ماما؟!

نظرت إليها كاميليا بجمود وقالت بنبرة حادة:

ـ من النهاردة تنسي شغلك في الصحافة، وتنسي علاقتك بـ نور يا كارما.. وإلا تنسي إني أمك.

حاولت كارما الاعتراض بكلماتٍ مرتجفة، لكن كاميليا لم تمنحها فرصة، وتركتها وغادرت الغرفة صاعدةً نحو غرفتها.

انحنت كارما ببطء، وبدأت تجمع بقايا الكاميرا المحطمة بين يديها المرتجفتين، متجاهلة الجروح الطفيفة التي خلفتها الأجزاء الحادة في كفيها. جمعت كل قطعة استطاعت العثور عليها، ونهضت متجهة نحو غرفتها بخطوات ثقيلة.

بمجرد أن أغلقت باب غرفتها على نفسها، وضعت الحطام على مكتبها وجلست تحدق فيه بصمت، بينما كان عقلها في مكان آخر تمامًا. كل فكرة كانت تهاجمها بقسوة:

هل ستعود نور فعلًا؟ أم أن هذا الحطام الملقى أمامي هو النهاية الحقيقية لكل أمل؟ هل أصبحت صديقتي مجرد رقم جديد في ملف مدحت غانم وابنه المظلم؟

استرجعت كارما تلك الساعات القليلة التي قضتها في حوزتهم، وكيف شعرت بالاختناق وضيق التنفس، وكيف كانت الجدران تبدو وكأنها تنطبق على صدرها. ارتجفت أوصالها وهي تتخيل حال نور؛ تلك الفتاة التي قضت قرابة الشهرين في هذا الجحيم. تسلل غضب عارم إلى قلبها، غضب لم تعرف له مثيلًا من قبل تجاه مدحت وطارق؛ غضبٌ لا يطلب العدالة القانونية فحسب، بل يتوق لرؤيتهم يذوقون ولو جزءًا بسيطًا من الرعب الذي عاشته نور.

مسحت دمعة حارة سقطت على يدها، وقبضت على قطعة من الكاميرا المحطمة بقوة، وقررت في سرها أنها لن تلتزم بتهديد والدتها، ولن تنسى.


وصل شاكر مع علياء إلى منزله. ضغط شاكر على جرس الباب، ففتحت الخادمة؛ اتسعت عيناها بذهول وتراجعت للخلف وهي تراه أمامها.

سمعت ميار الحركة في الخارج فخرجت لتستكشف الأمر، فتجمدت في مكانها وهي ترى أخاها، فقد كانت آخر التطورات الخاصة بخروجه غائبة عنها تمامًا. وفي المقابل، كان شاكر يتأملها بدهشة، فهو الآخر لم يكن يعلم بوجودها هناك.

تبادلا نظرات الصدمة، قبل أن يكسر شاكر الجمود ويشير إلى علياء:

ـ ميار.. دي علياء، المحامية اللي خرجتني.

ابتسمت ميار بارتباك، ورحبت بـ علياء بتهذيب، ودعتهم للدخول. جلسوا جميعًا في الصالة، وكانت نظرات ميار تتنقل بين أخيها والمحامية، تحاول استيعاب كيف خرج بهذه السرعة وما الذي يحدث.

بحث شاكر بعينيه في أرجاء الصالة، فتملكه القلق، وهتف وهو ينظر لشقيقته:

ـ فين سوسن؟ ونور كمان؟ ويارا؟ أنا مش فاهم حاجة.. هو في إيه؟

نظرت ميار إلى علياء بقلق شديد، ثم أجابت بارتباك:

ـ يارا مع مراد في الشركة، وسوسن جوه في أوضتها، تعبانة شوية.

تعجب شاكر من توتر شقيقته، لم ينتظر ردًا آخر، واتجه بخطوات سريعة نحو غرفته. فتح الباب، وجد زوجته تجلس على الفراش وتمسك صورة تجمعها به وبابنتهما، كانت تنظر للصورة بجمود ولا تلاحظ وجوده. اقترب منها، بينما كانت ميار تقف عند باب الغرفة، خائفة من أن يعرف شقيقها الحقيقة.

اقترب شاكر من زوجته ووضع يده برفق على وجهها، رفعت بصرها ونظرت إليه نظرة مطولة لم تحمل أي بريق فرحة، بل كانت مليئة بكسرة نفس، ثم سحب الصورة من يدها بهدوء، يراقب ملامحها الشاحبة بتعجب شديد من حالتها التي لم يعتدها.

نطقت سوسن بصوت ضعيف ومبحوح:

ـ سيبتنا ليه؟

وقف شاكر متجمداً في مكانه، صوته خانه ولم يستطع الرد، بينما كانت ميار تقف عند باب الغرفة، تنظر إليهما بقلب مقبوض، خائفة من اللحظة التي سيسأل فيها عن نور بوضوح أكبر، وعن السبب الحقيقي الذي جعل سوسن في هذه الحالة.

تعلقت عينا شاكر بـ ميار التي كانت تحاول جاهدة حبس أنفاسها، اقترب منها بخطوات متسارعة، وصوته يتردد في أرجاء الغرفة محملاً بالذعر:

ـ سوسن مش بترد عليا، وانتي بتترعشي وخايفة.. في إيه يا ميار؟ فين نور؟ ليه الكل بيتعامل كأن في مصيبة حصلت؟ اتكلمي.. فين بنتي؟

لم تستطع ميار تحمل نظراته الحادة، انهمرت دموعها دون استئذان، ونظرت للأرض وهي تحاول استجماع شجاعتها لتخبره، ثم هتفت بصوت متقطع:

ـ يا شاكر.. نور.. نور مش موجودة.

ترك شاكر زوجته التي ظلت في مكانها كالتمثال، واندفع نحو ميار بلهفة وقلق يكادان يفتكان به:

ـ يعني إيه مش موجودة؟ خرجت؟ طيب راحت فين؟ انطقي، هي فين؟

طلبت ميار من شاكر أن يتوجها للخارج بسبب حالة سوسن، فخرج معها وهبطا للأسفل. بمجرد أن وصلا إلى الصالة، التفت شاكر إلى شقيقته بحدة، وقد احتقن وجهه بالدماء:

ـ فين نور يا ميار؟ اتكلمي، بنتي فين؟

حاولت علياء التدخل بحذر وهي تتقدم خطوة للأمام:

ـ أستاذ شاكر، لو سمحت أهدى.

هتف شاكر بغضب:

ـ أهدى إيه؟! بنتي فين؟!

في تلك اللحظة، فُتح باب المنزل ودخلت يارا برفقة مراد قادمين من الشركة. توقفت يارا في مكانها وهي ترى عمها يقف أمامها، اتسعت عيناها بذهول، ثم ركضت نحوه بدموعٍ انهمرت على وجهها، وارتمت في أحضانه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بعد لحظات، أبعد شاكر "يارا" عنه برفق، مسح دموعها بكفيه ثم نظر في عينيها مباشرة وهتف بصوت يملؤه الوجع والحدة:

ـ نور فين يا يارا؟ أظن انتي اللي هتتكلمي.. إيه اللي حصل في غيابي؟ إيه اللي وصل سوسن للحالة دي؟ وفين نور؟

تراجعت يارا خطوة للخلف، ارتجفت شفتاها وهي تحاول النطق، ثم هتفت بصوت مخنوق بالدموع:

ـ نور مختفية يا عمو.. ومش عارفين أي حاجة عنها.

تجمدت ملامح شاكر، واتسعت عيناه بصدمة وكأن الأرض تميد من تحته، ثم هتف بذهول وصوت مرتجف:

ـ بتقولي إيه؟! يعني إيه مختفية؟ نور فين؟

في تلك اللحظة، تدخلت علياء قائلة بجدية وحزم:

ـ يا أستاذ شاكر، لو سمحت أهدى.. بصراحة نور مفقودة من حوالي شهر ونص، وقدمنا بلاغ في القسم، والشرطة لسه بتدور عليها.

ساد صمتٌ ثقيل في أرجاء المكان، صمتٌ لم يقطعه سوى أنفاس شاكر المتلاحقة. تراجعت نظراته عن وجوه الجميع لتستقر في الفراغ، وقد انطفأ بريق الغضب في عينيه ليحل محله ذهولٌ قاتل. لم يصرخ، ولم يثر، بل وقف كأنما تلقى طعنة غائرة في الصميم شلت قدرته على الحركة.

حاول أن يبلع غصته، فتحركت تفاحة آدم في حنجرته بصعوبة بالغة. كانت يداه ترتجفان بجانبه، وكأن جسده يرفض تصديق ما ألقته علياء في وجهه. نظر إلى ميار، ثم إلى يارا، وكأنه يرى في ملامحهم تداعيات انهيار عالمه بالكامل.

أخيرًا، ارتجفت شفتاه بكلمات خرجت مخنوقة ومرعبة:

ـ شهر ونص.. شهر ونص وأنا في السجن، مش عارف إيه اللي بيجرى بره.

ثم نظر إلى الفراغ مرة أخرى، وتابع بصوتٍ مبحوح يملؤه القهر:

ـ مفقودة.. يعني إيه مفقودة؟ أنتوا كنتم بتعملوا إيه كل الوقت ده؟

هتفت علياء بثبات رغم حزنها وهي تتقدم منه خطوة:

ـ يا أستاذ شاكر، أول ما الموضوع حصل قدمنا بلاغ في القسم فورًا، والشرطة مش ساكتين، فيه تحقيقات مستمرة ومحدش فينا أهمل لحظة في الموضوع، بس للأسف لحد دلوقتي مفيش خيط يوصلنا ليها.

ساد صمتٌ خانق، نظر خلاله شاكر إلى علياء بعيونٍ تملؤها نظرة منكسرة ومذعورة في آنٍ واحد، وكأنه يحاول استيعاب وقع كلماتها على قلبه الذي يرفض التصديق.

تراجعت أنفاسه لتخرج متهدجة، ثم عقد حاجبيه بعنف وكأن فكرة شيطانية قد قفزت إلى ذهنه فجأة، فالتفت إلى يارا التي كانت تقف بجانبه ترتجف، وسألها بصوتٍ خافتٍ ولكنه يحمل نبرة تهديد:

ـ قولي يا يارا.. قولتوا للشرطة على مدحت وابنه؟ هل سألوهم؟ هل ليهم علاقة باختفاء بنتي؟

وقبل أن تنطق يارا بكلمة، قاطعتها علياء بصوتٍ جازم وهي تتقدم لتتحمل هي مسؤولية الإجابة:

ـ يا أستاذ شاكر، احنا ما سكتناش. فعلاً وجهنا أصابع الاتهام ليهم، والشرطة قبضت عليهم بالفعل وهما دلوقتي تحت التحقيق، بس لسه مفيش اعتراف منهم يوصلنا لمكانها.

ارتجف جسد شاكر، وبدا وكأن الخبر نزل عليه كالصاعقة، فرغم القبض عليهم، لا يزال الغموض يكتنف مصير ابنته.

استوعبت علياء أن الغضب وحده لن يأتي بنتيجة، وأن شاكر في حالة انهيار عصبي يحتاج فيها إلى استجماع قواه لا الانفـ.ـجار. اقتربت منه أكثر، وحاولت نبرة صوتها أن تكون أكثر هدوءًا وثباتًا:

ـ أستاذ شاكر، أنا مقدرة حالتك، ومحدش فينا يقدر يتخيل النار اللي في قلبك. بس أرجوك، الانفعال دلوقتي مش هيرجعها، ده هيأذيك أنت. أنت لسه خارج من ظروف صعبة ومحتاج تستجمع قوتك عشان تقدر تتابع معانا.

توقفت لحظة لتتأكد من وصول رسالتها، ثم تابعت بحزمٍ مطمئن:

ـ سيب التحقيق للناس اللي شغالة، أنا متابعة مع المباحث لحظة بلحظة، وأول ما يظهر أي خيط جديد، أو يطلع منهم أي اعتراف، هكون أول واحدة تبلغك. دلوقتي الأهم إنك ترتاح.. نور محتاجة تلاقي أبوها واقف على رجله لما ترجع.

ألقت نظرة أخيرة على يارا لتبلغها بصمتٍ أن تترك له مساحة، ثم استدارت بوقارٍ واتجهت نحو الباب، تاركةً خلفها صمتًا ثقيلًا، ومساحةً لشاكر ليتجرع وقع الأخبار بمفرده.

بعد أن غادرت علياء الفيلا، تاركه خلفها التوتر الذي أعقب المواجهة، لم ينتظر شاكر طويلًا. كان يخطو في الردهة بخطواتٍ متثاقلة، كأن جسده يحمل أثقال سنوات السجن التي انصبت كلها في لحظات الغياب تلك. قادته قدماه مباشرة إلى غرفته، حيث كانت سوسن تنتظره، غارقةً في صمتٍ مريب لا يكسره سوى نوبات بكائها المكتوم.

دفع شاكر الباب ببطء، ليجد سوسن جالسة على طرف الفراش، يداها تعبثان بطرف طرحتها بعصبية واضحة، وكأنها تحاول التشبث بأي خيط يربطها بالواقع. حين وقعت عيناها عليه، لم تستطع تمالك نفسها، فغصت عبراتها في حنجرتها.

تنهد شاكر بعمق، محاولاً كبت بركان الغضب الذي يعتمل في صدره ليظهر لها وجهاً أكثر تماسكاً؛ فهو يعلم أنها لا تتحمل المزيد من الانهيار. جلس بجانبها، ووضع يده على كتفها بحذر، محاولاً امتصاص ذعرها.

ـ سوسن..

نادى بصوتٍ مبحوح، ثم تابع بنبرة حاولت أن تكون هادئة رغم قسوتها:

ـ خلاص يا حبيبتي، الأستاذه علياء كانت لسه بتطمني وبتقولي إن الشرطة ماسكين الخيوط، والكل بيتحرك.

رفعت سوسن وجهها الذي أرهقه البكاء، وعيناها مليئتان بالانكسار:

ـ أنا مش قادرة يا شاكر.. البيت بقى ضلمة من غيرها، وكل ركن فيه بيفكرني بيها.. لو جرالها حاجة أنا مش هقدر أعيش.

أحكم شاكر قبضته على كتفها، واستجمع كل ما بقي في قلبه من ثبات ليرد عليها:

ـ محدش هيجرى له حاجة، أنا رجعت، يعني مفيش حد يقدر يمس شعرة منها طول ما أنا موجود. ارتاحي يا سوسن، عشان تقدري تكملي معايا، إحنا محتاجين نكون أقوى من كده علشان خاطرها.

تنهدت سوسن بعمق، ورغم أن الدموع لم تجف في عينيها، إلا أن نظرة شاكر القوية منحتها شعورًا ضئيلًا بالأمان. أومأت برأسها ببطء، مستسلمة لطلبه، واستلقت على الفراش بينما ظل شاكر يجلس بجانبها، يراقب الفراغ بعينين تقدحان شررًا، وعقله لا يتوقف عن رسم سيناريوهات الانتقام.

انتظر حتى غطت في نومٍ متقطعٍ من فرط الإنهاك، ثم نهض ببطء، وسار نحو النافذة المطلة على الحديقة. كان الليل يلف المكان بغموضه، لكن شاكر لم يكن يرى الليل؛ كان يرى وجه مدحت وهو يبتسم له في آخر لقاء قبل سجنه. قبض على حافة النافذة بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وهمس لنفسه بنبرة لا تحمل سوى وعيدٍ صامت:

ـ لو كنتوا أنتوا اللي عملتوها.. لا الحكومة ولا السجن هيحميكم مني.

بهذه الكلمات، أسدل شاكر الستار على ليلته الأولى في الحرية، وبدأ يغوص في تفاصيل الخطة القادمة.

❈-❈-❈


عاد حمزة إلى المنزل، كان منهكًا بعد يوم طويل في مقر المكافحة. بمجرد دخوله، لمحت كاميليا وصوله؛ وقفت في الردهة، وعيناها تشتعل غضبًا وعتابًا. لم يكن غضبها عاديًا، بل كان غضب أم رأت ابنتها كارما تُسحب إلى خطر لا ناقة لها فيه ولا جمل، فقط لأنهم استغلوها لتساعدهم في القبض على "مدحت وابنه". أدارت ظهرها له فور رؤيته، تعبيرًا عن رفضها القاطع لهذا الطريق الذي جروا فيه كارما، ورفضها التام لأن يتحول بيتهم لساحة عمليات.

تجاهل حمزة تجاهلها، وصعد الدرج بخطوات سريعة متجهاً لغرفته، لكنه قرر المرور على كارما ليطمئن. طرق الباب ودخل، ليصدمه المشهد؛ كانت كارما تجلس على طرف السرير، جسدها يرتجف بحدة، وأمامها على الفراش تناثرت قطع كاميرتها المحببة.. محطمة تماماً.

توقف حمزة، وشعر ببرودة تسري في أوصاله وهو يرى انكسار أخته. اقترب منها ببطء، ووضع يده على كتفها بحذر، بينما صوته خرج محتقناً بالقلق:

ـ كارما.. إيه اللي حصل؟ مين اللي كسر الكاميرا؟

رفعت كارما وجهها المبتل بالدموع، ونظرت إليه بنظرة خيبة أمل وقهر، وكأنها كانت تنتظر هذا السؤال منه تحديدًا، وكأن تحطم الكاميرا لم يكن إلا انعكاسًا لتحطم ثقتها فيهم جميعًا بعد ما فعلوه بها.

رفعت كارما وجهها المبتل بالدموع، وقالت بصوت متقطع:

ـ ماما هي اللي كسرتها يا حمزة.. قالتلي مش هنزل الجريدة تاني.

تنهد حمزة بعمق، وشعر بثقل المسؤولية، ثم حاول تهدئتها بهدوء ليهتف:

ـ متزعليش من ماما يا كارما، شوية وهتهدى.. هي خايفة عليكي، أهدى دلوقتي.

ظل حمزة معها بعض الوقت، يربت على كتفها حتى بدأت شهقاتها تهدأ، ثم تركها لتستريح وخرج متجهاً إلى غرفته.

مر الوقت ثقيلًا وبطيئًا في أرجاء المنزل. عاد ياسين أخيرًا، صعد إلى غرفته ليغير ملابسه، ثم نزلوا جميعًا لتناول العشاء. ساد صمت مطبق على الطاولة، لم يقطعه سوى صوت الأواني.

خلال العشاء، لاحظ ياسين حال كارما؛ كانت شاردة، عيناها متورمتان، وبدا عليها الحزن والقلق الواضح على صديقتها "نور". أنهى ياسين طعامه سريعًا ودخل إلى غرفة المكتب، بينما فضل حمزة البقاء مع كارما في الصالة.

جلسا معًا في صمت، لم يفتح حمزة أي حديث، بل ظل بجانبها يراقب حزنها. مرت بقية الليلة في هدوء تام، حتى انتهى اليوم وانصرف الجميع إلى غرفهم، وظل الصمت سيد الموقف.

❈-❈-❈

مرت ثلاثة أيام ورفض طارق ومدحت الاعتراف بأي شيء رغم وجود محامي معهم؛ ليشعر حمزة باليأس الشديد، وبدأ يقتنع أنهم قتلوا نور كما ادعوا في أقوالهم.


مرت الأيام على نور وهي لا تشعر بأي شيء، لكنها بدأت تشعر بالألم بسبب عدم أخذها للجرعة. اتجهت خارج الغرفة بحذر لتبحث عن أحد، فهم لم يتركوا لها في الغرفة سوى زجاجات مياه، وحين فشلت في العثور على أحد وجدت باب المخزن مفتوحًا، لتتجه للخارج بحذر وتضع يدها على رأسها بسبب أشعة الشمس.

سارت نور في قلب الصحراء، خطواتها واهنة، وجسدها يرتجف من ألم الانسحاب. كانت تائهة، لا تدري في أي بقاع الأرض هي، ومع اشتداد حرارة الشمس التي كانت تلسع بشرتها، خارت قواها تمامًا، ولم تجد سوى الرمال لتسقط عليها، فاقدة للوعي، كأنها جزء من سراب المكان.

في تلك اللحظة، كانت سيارة العمل تشق طريقها القادم من المطار، يترأسها ريان. وسط رتابة الطريق، لفت انتباهه خيال غريب ملقى على الرمال الساكنة.

تصلب جسد ريان، وأشار لصديقه الجالس بجواره بهمس مشوب بالقلق:

ـ بص هناك.. فيه حاجة مرمية على الرمل.

نظر مازن في اتجاه إصبع ريان، ثم أجاب بلامبالاة:

ـ ده مجرد خيال أو سراب من الشمس، سيبك منها وكمل طريقنا.

هز ريان رأسه برفض قاطع وطلب من السائق بصوت حازم:

ـ اقف هنا يا أسطى.. لازم ننزل نشوف في إيه.

نظر السائق في المرآة بتردد وخوف من المكان المقطوع:

ـ يا باشا الطريق مقطوع ومخيف، خلينا نكمل أحسن.

قاطعه ريان بحدة لا تقبل النقاش:

ـ بقولك اقف.. مش هتحرك من هنا غير لما أتأكد إن اللي مرمي ده مش بني آدم محتاج مساعدة.

لم يجد السائق أمام إصرار ريان إلا أن يضغط على المكابح، لتتوقف السيارة وسط صمت الصحراء الموحش.

نزل ريان من السيارة بخطوات سريعة، رمال الصحراء تتطاير من تحت قدميه مع كل خطوة يخطوها نحو ذلك الجسد الساكن. ترك السائق في السيارة وهو يحاول طمأنة المضيفات المذعورات، بينما ظل مازن صديقه يتبعه بقلق.

اقترب ريان من الفتاة وجثا على ركبتيه بجانبها. كانت نور ملقاة في وضعية توحي بالانكسار، وجهها شاحب كالموتى، خصلات شعرها ملتصقة بجبينها بفعل العرق والتراب. كانت ترتدي ملابس رثة لا تليق ببرد الصحراء أو قسوتها، مجرد ثياب باهتة وممزقة عند الأطراف، توحي بأنها كانت محتجزة أو تعيش ظروفًا قاسية جدًا. تنفسها كان مسموعًا، ضعيفًا ومتقطعًا، ويديها المرتخيتين على الرمال بدتا نحيلتين بشكل مفزع.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر ريان إلى حالتها بصدمة، ثم التفت إلى مازن بنبرة حادة ممزوجة بالخوف:

ـ مازن، اطلب واحدة من المضيفات بسرعة.. المكان هنا مش أمان، ونحتاج حد يعرف يتعامل مع حالة إغماء زي دي، لازم نفهم إيه اللي وصلها للحال ده في وسط الصحراء!

تراجع مازن خطوة وهو يخرج هاتفه، بينما ظل ريان يراقب وجه نور، محاولًا العثور على أي ملامح مألوفة أو إجابة وسط هذا الصمت المطبق.

وصلت المضيفة مسرعة، جثت بجوار نور وبدأت بفحص نبضها وتفقد ملامحها، ثم رفعت عينيها نحو ريان بقلق وقالت:

ـ دي مش طبيعية خالص يا ريان، جسمها بارد جدًا ونبضها ضعيف، الواضح إنها كانت بتتعرض لتعذيب أو إهمال شديد.

مازن الذي كان يراقب من بعيد، اقترب منهما وقال بنبرة تحذيرية:

ـ ريان، الموضوع مش بسيط.. الحالة دي مشبوهة، والافضل نمشي ونسيبنا من المتاهات دي قبل ما نلاقي نفسنا في ورطة ملهاش أول ولا آخر.

رفض ريان كلماته بحزم، وعيناه لا تزال معلقة بوجه نور:

ـ مستحيل أمشي وأسيبها، هناخدها معانا للمستشفى فورًا.

رد مازن بغضب:

ـ أنت بتهزر؟ إحنا لا نعرف هي مين ولا إيه قصتها، أنت كدة بتعرضنا لخطر حقيقي.. إحنا معانا مسؤوليات تانية يا ريان!

وقف ريان، وتوجه نحو السيارة بخطوات واثقة ليأخذ حقيبته الشخصية، ثم التفت إليهم وقال بصوت حاد لا يقبل الجدال:

ـ أنا مش هسيبها تموت لوحدها في الصحرا، اللي عايز يكمل يكمل، أنا هاخدها ونشوف أقرب مستشفى.. سلام.

حاول ريان الاتصال بحمزة، ثم بوالده، لكن محاولاته باءت بالفشل؛ فالصحراء كانت تبتلع الإشارة، والشبكة تكاد تكون منعدمة. زفر ريان بضيق، وهو ينظر إلى هاتفه بقلة حيلة، مدركًا أن حمزة أو والده هما الوحيدان القادران على فهم ما يحدث وتقديم المساعدة في هذا الموقف المعقد.

بأصابع مرتعشة من التوتر، كتب ريان رسالة سريعة لحمزة، يشرح فيها باختصار وجوده على الطريق الصحراوي وطلبه العاجل للمساعدة، ثم ضغط على "إرسال" ووقف ينتظر، عيناه لا تغادران شاشة الهاتف التي توضح حالة "جاري الإرسال" ببطء مستفز، حتى أُرسلت أخيرًا.

في تلك اللحظة، كان حمزة داخل غرفة التحقيق، الأجواء مشحونة بالتوتر والدخان المتصاعد، وهو يواجه طارق بأسئلته الحادة والمباشرة. فجأة، اهتز هاتفه الموجود على الطاولة أمامه. نظر حمزة للشاشة بضيق، فإذا بها رسالة من ريان.

قرأ حمزة الكلمات الأولى، فتصلب جسده، وارتسمت على وجهه علامات القلق الذي حاول جاهداً إخفاءه عن طارق، الذي كان يراقب ردة فعله بخبث. أدرك حمزة فورًا أن الأمر يتجاوز مجرد اتصال عابر، وأن ريان في مأزق، بينما كانت الساعة تدق ببطء، ونور لا تزال غائبة عن الوعي بجوار ريان في قلب الصحراء.

أنهى حمزة التحقيق بحدة، وخرج من الغرفة بخطوات مضطربة متوجهًا إلى مكتب والده. وضع الهاتف أمام ياسين وقال بصوتٍ يملؤه التوتر:

ـ يا بابا، ريان بعت رسالة إنه في الطريق الصحراوي ومحتاج مساعدة عاجلة.

شحب وجه ياسين، وقام من مقعده بقلقٍ ظاهر:

ـ في إيه يا حمزة؟ ريان ماله؟

أجاب حمزة بنبرةٍ متقطعة:

ـ مش عارف، الرسالة مقتضبة جدًا.. أنا طالع فوراً أشوف إيه الحكاية.

وضع ياسين يده على كتف ابنه، وعيناه تلمعان بقلقٍ:

ـ روح وشوفه، وطمني أول ما توصل.

انطلق حمزة بسيارته بسرعةٍ جنونية، يقطع الطريق الصحراوي الموحش. وبعد وقتٍ بدا كأنه دهر، لمح ريان واقفًا وحيدًا وسط الخلاء، بجانبه حقيبته الشخصية، وعلى مقربة منه كانت نور ملقاة على الأرض، جسدها ساكن تمامًا وسط الرمال.

توقف حمزة، وتجمد في مكانه للحظة وهو يرى المشهد. نظر إلى ريان، ثم نظر إلى الفتاة، وداهمته فكرة شيطانية لا إرادية:

هل ريان متورطٌ مع هذه الفتاة؟ وهل ثمة علاقةٌ خفيةٌ تجمعهما؟

اقترب حمزة منهما ببطء، وعيناه لا تفارقان نور، ثم التفت إلى ريان بنظراتٍ مريبة وقال بصوتٍ منخفض:

ـ ريان.. إيه اللي بيحصل هنا؟ ومين البنت دي؟

نظر إليه ريان بذهول، وكأنه لم يتوقع أن يصله حمزة بهذه السرعة، ثم أجاب بصوتٍ متهدج:

ـ مش عارف يا حمزة.. لقيتها مرمية هنا، وماقدرتش أسيبها وأمشي.

ضيق حمزة عينيه ونظر إلى الفتاة مرة أخرى، ثم عاد ليسأل ريان بنبرةٍ حادة:

ـ لقيتها؟ أنت متأكد؟ دي مرمية في نص الصحرا، أنت متورط معاها في حاجة؟ قول الحقيقة!

رد ريان بصدمة وهو ينظر لشقيقه:

ـ متورط؟ أنت بتفكر في إيه يا حمزة؟ أنا بكلمك وبقولك لقيتها مغمى عليها، دي حياة بني آدمة!

اقترب حمزة من الفتاة الملقاة على الرمال، حاول جاهدًا تبين ملامحها، لكن شحوب وجهها الغريب وتغطية التراب لتقاسيمها جعلا من المستحيل التعرف عليها. رفع بصره إلى ريان؛ كان يعرف أخاه جيدًا، يعرف نقاء سريرته واستحالة أن يتورط في أمرٍ كهذا، فتبددت شكوكه فورًا وحل محلها شعور بالمسؤولية.

تنهد حمزة بنبرة هادئة، وقال:

ـ يا ريان، لازم نتحرك بحذر، الصحراء دي مكان مشبوه. أنا هتصل بالإسعاف دلوقتي علشان نتحرك بشكل قانوني، ومحدش يلومنا على وجودنا هنا أو وجودها معانا.

أومأ ريان بالموافقة فورًا، فقد كان كل ما يهمه هو إنقاذ حياتها. أجرى حمزة الاتصال، وبعد وقتٍ ليس بالطويل، وصلت سيارة الإسعاف لتنقل نور. انطلق حمزة بسيارته، وخلفه سيارة الإسعاف التي يرافقها ريان، حتى وصلوا إلى المستشفى.

بمجرد وصولهم، أدخلت نور إلى غرفة الكشف، وبعد فترة من الفحص الدقيق، خرج الطبيب وهو يمسح نظارته بوقار، وتوجه نحو حمزة وريان.

سأله ريان بلهفة:

ـ طمني يا دكتور، إيه وضعها؟

أجاب الطبيب بجدية:

ـ هي حاليًا تعاني من إجهاد حاد وجفاف شديد، بالإضافة إلى هبوط عام في الدورة الدموية. ضغطها منخفض جدًا، ونبضها غير منتظم. احنا بدأنا نعلق لها محاليل لتعويض السوائل.

قاطعه حمزة متسائلاً:

ـ هل تقدر تعرف سبب الحالة دي؟ هل هي مجرد إجهاد شمس؟

رد الطبيب بتريث:

ـ من خلال الفحص الأولي، الحالة توحي بأكثر من مجرد إجهاد. سحبنا عينات دم للتحاليل الشاملة، وبمجرد ما تفوق وتتحسن وظائفها الحيوية، التحاليل هتوضح لنا إذا كان فيه أي مواد غريبة في جسمها، سواء كانت مخدرات أو سموم، لأن الأعراض الظاهرة عليها حاليًا مش طبيعية تمامًا.

وقف ريان ينتظر بفارغ الصبر، يراقب من خلال زجاج الغرفة تلك الفتاة التي قلبت يومه رأسًا على عقب، بانتظار أن تستعيد وعيها لتكشف لهم لغز وجودها هناك.

أخرج حمزة هاتفه واتصل بوالده، وبمجرد أن أتاه صوت ياسين، قال حمزة بصوتٍ منخفض:

ـ بابا، إحنا دلوقتي في المستشفى.. لقيت ريان ومعاه بنت لقيها في الصحراء، حالتها مش مستقرة والدكاترة بيعملوا لها الفحوصات اللازمة عشان نعرف إيه سبب فقدانها للوعي.

ساد صمتٌ قصير على الطرف الآخر، قبل أن يأتيه صوت ياسين الحازم والقلق في آنٍ واحد:

ـ مفهوم.. أنا جاي لكم حالًا، خليك مع ريان وما تسيبوش المكان لحد ما أوصل.

أغلق حمزة الخط، ووضع هاتفه في جيبه، ثم اتجه بخطواتٍ هادئة نحو ريان الذي كان يقف أمام زجاج الغرفة، وعيناه معلقتان بجسد نور الساكن في الداخل.

وقف حمزة بجواره، ونظر إلى ريان نظرة مليئة بالتفهم، ثم وضع يده على كتفه وقال بهدوء:

ـ بابا عرف باللي حصل، وهو في الطريق دلوقتي.. حاول تهدي نفسك شوية يا ريان، إحنا عملنا اللي علينا، والباقي دلوقتي في إيد الدكاترة.

نظر ريان إلى حمزة بامتنان، وظلا واقفين معًا في صمتٍ يقطعه فقط صوت ممرات المستشفى الهادئة، بانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

بعد وصول ياسين إلى المستشفى، ساد صمتٌ ثقيلٌ في الممر، لم يقطعه سوى صوت خطواته الواثقة التي كانت تتردد في أرجاء المكان. توقف ياسين أمام ابنه، ونظر إلى ريان نظرةً فاحصةً، ثم وجه حديثه إلى حمزة:

ـ هي فين البنت دي؟

أشار حمزة إلى الغرفة من خلف الزجاج، فألقى ياسين نظرة طويلة على نور، ثم التفت إلى ريان وسأل بنبرةٍ هادئة لكنها تخترق الصمت:

ـ ريان.. أنت متأكد إنك ما شفتش البنت دي قبل كدة؟ متأكد إن الموضوع صدفة؟

شعر ريان بضغط والده، فأجاب بصدق:

ـ يا بابا والله ما أعرفها.. لقيتها مرمية وسط الصحرا، كان ممكن تموت لو سبتها!

تنهد ياسين، ونظر إلى حمزة الذي كان يقف يراقب الموقف، ثم قال:

ـ في دنيتنا دي، الصدف بتبقى فخاخ.. خلونا نستنى لما الدكاترة يخلصوا، وبعدين هنقرر هنعمل إيه..

وقف الثلاثة أمام الزجاج في ترقبٍ شديد، صمتٌ يلف المكان، بينما كانت أنفاس نور في الداخل لا تزال ثقيلة، وكأنها تحمل في طياتها سراً سيغير مسارهم جميعًا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

داخل الغرفة، كانت الغرفة غارقة في صمتٍ مريب، إلا من صوت دقات جهاز مراقبة القلب المنتظم الذي يكسر سكون المكان. كانت نور مستلقية على السرير، وجهها الشاحب يغطيه عرقٌ بارد، وجسدها يرتجف بارتعاشاتٍ خفيفة غير إرادية.

كانت الممرضة بجانبها تحاول تثبيت المحلول، وفجأة، بدأت جفون نور تتحرك ببطءٍ شديد. لم تفتح عينيها تمامًا في البداية، بل بدأت تتقلب بعنف على السرير، وأنفاسها تسارعت بشكلٍ جنوني. وفجأة، انتفضت بجسدها محاولةً النهوض، لكن قواها خذلتها، فانفـ.جرت في نوبة بكاء هستيرية وصراخٍ مكتوم. كانت تحاول دفع الهواء بيديها وكأنها تحمي نفسها من عدوٍ وهمي، جسدها ينتفض بقوة في حالة انهيار عصبي كامل، ودموعها تنهمر دون توقف، غير قادرة على النطق بكلمة واحدة، فقط صرخات متقطعة تعبر عن رعبٍ لا حدود له.

ارتبكت الممرضة وحاولت السيطرة على حركتها حتى لا تؤذي نفسها أو تنزع الأنابيب المتصلة بها، ثم خرجت من الغرفة مسرعة والذعر يملأ عينيها، لتجد ريان وحمزة وياسين ينتظرون. نظرت إليهم وقالت بصوتٍ متهدج:

ـ المريضة بدأت تفوق، بس دخلت في نوبة انهيار عصبي حاد.. مش عارفة أسيطر عليها، لازم الدكتور يتدخل فورًا!

انطلق ريان مسرعاً نحو مكتب الأطباء وهو يصرخ:

ـ دكتور! من فضلك، البنت اللي في أوضة 302 دخلت في نوبة انهيار، بسرعة!

في تلك الأثناء، دخلت الممرضة مسرعة إلى الغرفة، حاولت أن تضم نور التي كانت تصرخ وتنتفض بعنف، محاولةً تثبيت جسدها المرتعش على السرير لكي لا تؤذي نفسها. لم تمر لحظات حتى وصل الطبيب بخطوات سريعة، وبيده حقنة مهدئة، دخل إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه.

وقف ياسين، حمزة، وريان في الردهة يراقبون المشهد خلف الزجاج بقلوبٍ وجلة. كانوا يشاهدون الطبيب وهو يحاول التعامل مع نوبة الصراخ والانتفاض، حتى تمكن أخيرًا من إعطائها المهدئ. تدريجيًا، بدأت حدة انتفاضات نور تخف، وتلاشت صرخاتها، حتى خمدت تماماً وعادت للهدوء التام تحت تأثير الدواء.

خرج الطبيب من الغرفة بعد قليل، يمسح العرق عن جبينه، ونظر إليهم بجدية:

ـ هي دلوقتي دخلت في نوم عميق. النوبة دي كانت عنيفة جدًا، والأعراض اللي ظهرت عليها من تشنجات واتساع في حدقة العين وهذيان، بتخلينا نشك بنسبة كبيرة إنها متعرضة لمواد مخدرة قوية أو سموم. سحبنا عينات للتحاليل، والنتيجة هتأكد لنا خلال ساعات.

أومأ ياسين برأسه للطبيب، ثم التفت لابنيه وقال بصوتٍ منخفض:

ـ خلاص، مفيش قدامنا غير إننا ننتظر.. يا ريان، روح ارتاح شوية، واضح إنك منهك من اللي حصل.

رد ريان بضيق:

ـ مش هقدر يا بابا، قلبي مش مطاوعني أسيبها لوحدها.

اقترب حمزة من والده وريان، محاولًا بث بعض الهدوء في الأجواء المتوترة، وقال بنبرة عملية:

ـ يا جماعة، مفيش فايدة من وقفتنا دي. البنت دلوقتي تحت تأثير المهدئ، والممرضة موجودة معاها، والدكاترة مش هيسيبوها.

التفت حمزة إلى الطبيب الذي كان لا يزال واقفاً بجوارهم، وسأله بلباقة:

ـ يا دكتور، لو حصل أي تطور أو البنت فاقت، يا ريت تبلغنا فورًا.

أخرج الطبيب هاتفه، فأملاه حمزة رقم هاتف ياسين، ثم أضاف:

ـ ده رقم الوالد، أي حاجة تحصل، طمنا.

أومأ الطبيب بالموافقة، ثم نظر ياسين إلى ريان، الذي كان لا يزال يرفض الابتعاد عن زجاج الغرفة، وقال بحزمٍ أبوي:

ـ يا ريان، اسمع كلام أخوك. وضعنا هنا ملوش لازمة، خلينا نروح البيت، ولما يكلمونا هنرجع تاني.

استسلم ريان أخيرًا لرغبة والده، وألقى نظرة أخيرة على نور الساكنة خلف الزجاج، ثم تبع والده وحمزة خارجين من المستشفى. غادروا المبنى بهدوء، بينما كان كل واحد منهم غارقًا في صمته، يفكر في لغز تلك الفتاة التي اقتحمت حياتهم فجأة، بانتظار اتصالٍ قد يقلب كل موازينهم.

وصل ياسين، حمزة، وريان إلى المنزل، وكانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل. بمجرد دخولهم من باب الفيلا، كانت كاميليا تنتظر في الردهة، وعلامات القلق والترقب واضحة على وجهها.

ما إن وقعت عيناها على ريان وهو يدخل برفقة والده وأخيه في هذا الوقت المتأخر، حتى اتسعت عيناها بذهول. اندفعت نحوه بخطوات سريعة، وأمسكت بذراعه بقوة وهي تسأل بحدة:

ـ ريان؟! إيه اللي حصل؟ وليه جاي معاهم في الوقت ده؟ إيه الحكاية بالظبط؟

لم ينتظر ريان حتى يرد، فقد كانت كاميليا قد استدارت فجأة نحو ياسين، ووجهت له سهام اتهامها بصرامة لم يعتدها أحد منها:

ـ وإنت يا ياسين.. قول لي بقى ورطوا ريان هو كمان في إيه؟ كفاية اللي بيحصل، مش هسمح لكم تدمروا حياة ابني في حساباتكم!

ساد صمتٌ خانق في المكان. تجمد الجميع في أماكنهم؛ حمزة اتسعت عيناه بصدمة من جرأة كاميليا، وريان كان يراقب الموقف بحيرة، أما ياسين، فقد تسمر في مكانه، وارتسمت على وجهه علامات الذهول والغضب المكتوم. لم يكن يتوقع هذا الهجوم العلني والمباشر من كاميليا، خاصة أمام أبنائه، وكأنها تزيح الستار عن هواجس كانت تخفيها طويلًا.

نظر ياسين إليها بعينين تشتعلان، وقال بصوتٍ منخفضٍ وهادئ بشكلٍ مرعب:

ـ كاميليا.. اختاري كلامك كويس قبل ما تنطقي كلمة تانية.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل