قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (11)
استكمل حمزة حديثه وهو يحاول إخفاء توتره:
ـ يا فندم، أنا ناوي أبدأ التحقيق مع مدحت وطارق فوراً، مش عايز أضيع دقيقة واحدة عشان نعرف أي معلومة بخصوص نور.
نظر إليه ياسين بصرامة، ثم قال بلهجة حاسمة:
ـ لا يا حمزة، سيبهم الليلة دي في الضلمة. أنا عايزهم يفضلوا تحت ضغط نفسي وعصبي من غير ما حد يكلمهم، ده هيخليهم ينهاروا أسرع بكتير. التحقيق هيكمل الصبح بدري، وقتها هيكونوا وصلوا لمرحلة يقدروا فيها يتكلموا.
ثم التفت ياسين إلى كارما، التي كانت تقف بصمت، ملامح وجهها تظهر مدى حزنها وقلقها؛ فبالرغم من كل ما حدث، لا تزال تفتقر لأي معلومة حقيقية عن نور. تابع ياسين بنبرة أكثر هدوءاً:
ـ يالا بينا، البيت أولى بينا دلوقتي.. كفاية كده النهاردة، والصبح ربك يحلها.
غادر الثلاثة مكتب ياسين متوجهين إلى السيارة. طوال الطريق، كان الصمت هو سيد الموقف، بينما كانت كارما تنظر من نافذة السيارة بأسى، فكل ما يشغل بالها هو نور ومصيرها المجهول الذي لم تنجح في كشفه بعد.
توقفت السيارة في باحة الفيلا، وهبط منها ياسين وحمزة، تتبعهما كارما التي كانت تبدو كأنها جسدٌ بلا روح، ملامحها شاحبة وعيناها غائرتان من فرط الإنهاك. ما إن ولجوا من باب الفيلا، حتى استقبلتهم كاميليا التي كانت تنتظر عودتهم بقلبٍ ينهشه القلق. تجمدت ملامحها فجأة حين وقعت عيناها على ابنتها كارما أمامها؛ اتسعت حدقتاها بذهول، ووضعت يدها على صدرها وهي تهتف بصوتٍ متقطع:
ـ كارما؟! مش معقول.. إنتي مش كنتِ في تونس؟ إيه اللي جابك هنا في الوقت ده؟ وشك أصفر وعينيكي دبلانة كده ليه؟ إيه اللي حصل يا ياسين؟
وقفت كارما في مكانها، تائهة بين نظرات والدها وشقيقها، كانت ترتجف ولا تقوى على الحديث، فنظرت إليهما بقلقٍ مريب. تقدم ياسين بخطوات ثقيلة نحو كاميليا، محاولًا تدارك الموقف قبل أن ينهار الجميع، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها متماسكة:
ـ اهدي يا كاميليا.. خلينا نقعد الأول، الموضوع مش بسيط.
جلس الجميع في قاعة الجلوس، وساد صمتٌ خانق لم يقطعه سوى أنفاسهم المتسارعة. بدأ ياسين بسرد ما حدث، شارحًا كيف أُجبروا على اصطحاب كارما معهم وكيف انتهى بهم المطاف في ذلك المخزن الموحش. ما إن توقف ياسين عن الحديث، حتى انفـ.ـجرت كاميليا؛ لم تكن مجرد صدمة، بل كان زلزالًا من الغضب والقهوة. وقفت وهي ترتجف، ونظرت إليهما باحتقار ممزوج بالوجع:
ـ أنتوا اتجننتوا؟ كارما بنتي.. حتة مني! إزاي تجرؤوا تأخدوها لمكان زي ده؟ إزاي يطاوعكم قلبكم تحطوها في وش النار؟ لو حصلها حاجة، كنتوا هتعملوا إيه؟ بتضحكوا على مين باللي عملتوه ده؟ دي حياة بني آدمة، مش ورقة بتلعبوا بيها!
التفتت نحو حمزة الذي كان يقف كمن تلقى صفعة، وصرخت بمرارة:
ـ أنت يا حمزة؟ بدل ما تحمي أختك وتكون أول واحد خايف عليها، واخدها معاك للموت؟ أنا ما ربيتكوش على كده، ولا ربيتكم تستهتروا بحياة بعض!
سقطت دموعها قهرًا لا ضعفًا، وتابعت بصوتٍ مخنوق:
ـ اللي حصل ده مش رجولة ولا شجاعة.. ده غباء وتهور، وأنا لا يمكن أقبل إن بيتي يتحول لمكان بيقامر فيه الأب والابن بحياة بنتهم وأختهم!
حاول ياسين التقدم خطوة نحوها، مادًا يده بأسف محاولًا احتواء غضبها:
ـ يا كاميليا اسمعيني بس، الموضوع مكنش فيه خيار تاني، كان لازم...
قاطعته كاميليا بحركة حادة من يدها، ونظراتها تطلق نيران الغضب:
ـ مش عايزة أسمع حاجة! اللي حصل حصل، وكفاية لحد كده.
اقتربت من كارما التي كانت تقف شاردة، وأمسكت يدها بقوة وكأنها تحميها من عالمهم، ثم سحبتها معها متجهة نحو السلالم دون أن تلتفت خلفها، لتصعد بها نحو غرفتها وتغلق الباب خلفهما بقوة.
ساد صمتٌ ثقيل في الردهة، التفت حمزة نحو والده ونظرات القلق تملأ عينيه، وهو يرى أسرته تتفكك وتتداعى أمام عينيه. زفر ياسين بضيق شديد، ثم مسح وجهه بيده محاولاً استجماع شتات عقله، وقال بصوت خافت منهك:
ـ اطلع ارتاح يا حمزة، محتاجين نكون فايقين.. بكره يوم طويل جدًا. وكارما لازم تيجي تقول أقوالها.. ابقى كلم علياء المهدي محامية شاكر عبدالرحمن الصبح عرفها بكل المستجدات علشان نكون جاهزين.
أومأ حمزة برأسه في صمت وغادر متوجهًا لغرفته. بقي ياسين وحيدًا في الصالة، أطفأ الأنوار ببطء، وصعد الدرجات بخطوات ثقيلة، يجر خلفه ثقل الهموم، ليدلف إلى غرفته محاولًا الحصول على قسطٍ من الراحة قبل عاصفة الغد.
صعد ياسين إلى غرفته، وما إن فتح الباب حتى وجدها خاويةً تماماً؛ كانت غرفةً موحشةً تفتقد حضورها، فأدرك حينها أن كاميليا لم تعد، وأنها فضلت البقاء بجوار ابنتهم كارما في غرفتها. زفر ياسين بضيقٍ ومرارة، ثم جلس على حافة السرير يراجع ما حدث في عقله، وأيقن في قرارة نفسه أنها محقة تمامًا في غضبها، وأن صمتها في تلك اللحظة أبلغ من أي حوار قد يخوضه معها الليلة. فقرر أن يؤجل الحديث معها إلى صباح اليوم التالي، لعل العاصفة تهدأ قليلًا.
وفي غرفتها، كانت كارما تجلس على طرف السرير، جسدها يرتجف وذهنها عالق في تلك اللحظات القاسية التي عاشتها. كانت كاميليا بجانبها لا تفارقها، تحتضنها بقوة وتمسح على شعرها بحنانٍ تملؤه اللهفة، تراقب بقلبٍ يعتصره الألم انكسار ابنتها وانهيارها الذي لم تستطع إخفاءه بعد كل ما مرت به.
همست كاميليا بصوتٍ خافت، وهي تحاول بث الطمأنينة في روح ابنتها:
ـ خلاص يا حبيبتي، أنا جنبك.. مفيش حاجة تانية هتحصل، نامي وارتاحي يا قلبي.
ظلت كاميليا مستيقظةً تراقب أنفاس كارما، حتى غلب التعب على كارما واستسلمت للنوم وهي متمسكة بيد والدتها. حينها، مددت كاميليا جسدها بجوار ابنتها، ضمتها إليها بقوة، وأغمضت عينيها وهي تدعو الله أن يحميها من قسوة الأيام وما تخبئه لهم في الغد.
في تلك الأثناء، داخل المخزن الموحش الذي تفوح منه رائحة الرطوبة، كانت نور قابعة في زاويةٍ مظلمة، غارقةً في حالةٍ من الغياب التام. لم يكن سكونها نابعًا من الهدوء، بل كان نتيجةً للمخدرات التي حقنوها بها لضمان استسلامها؛ كانت عيناها شبه مغلقتين، وأنفاسها ثقيلة ومتقطعة، وعقلها يسبح في دوامة من الهذيان لا تدرك معها ما يدور حولها.
كان الذعر قد سيطر على رجال طارق في الخارج؛ فما إن وصلهم خبر القبض على زعيمهم حتى دب الرعب في أوصالهم، وأدركوا أن الوقت بدأ ينفد وأن الشرطة قد تداهم المكان في أي لحظة. تعالت أصواتهم المتوترة بالهمس والصياح المكتوم، واتخذوا قرارًا سريعًا بالفرار والنجاة بأنفسهم، تاركين خلفهم كل ما قد يربطهم بالمكان.
في غمرة هذا الارتباك، وبدافع الخوف من إضاعة أي ثانية، تركوا باب المخزن مشرعًا على مصراعيه وهم يندفعون نحو سياراتهم، هاربين من المصير الذي ينتظرهم.
بقيت نور في الداخل، جسدها هامِد تحت تأثير المادة المخدرة التي شلت حركتها وأفقدتها الوعي بالزمان والمكان. كان الباب مفتوحًا، يرسل خيوطًا ضئيلة من ضوء القمر الباهت إلى الداخل، لكنها لم تكن تشعر بشيء؛ كانت غائبةً تمامًا عن الواقع، وعن الفرصة التي فُتحت لها بالصدفة مع رحيلهم، غارقةً في غيبوبتها بانتظار مصيرٍ لا تملك القدرة على مواجهته أو حتى إدراكه.
❈-❈-❈
استيقظ ياسين في صباح اليوم التالي، وجد الغرفة ساكنة والسرير مرتبًا بجهة كاميليا، فأدرك أنها لم تعد طوال الليل وأنها قضت ليلتها تراقب كارما. تنهد بعمق، مدركًا أن عاصفة الأمس لم تهدأ، وأن غضب كاميليا مازال موقدًا.
ارتدى ياسين ملابسه على عجل، وبدت على وجهه علامات الإجهاد. هبط درجات السلم بخطوات متزنة، ليجد كاميليا في المطبخ، منهمكة في إعداد الإفطار، لكن ملامحها كانت قاسية، وعيناها تلمعان بغضبٍ مكتوم.
لحق به حمزة إلى الأسفل، حاول الاقتراب من والدته والتحدث معها، لكن كاميليا قابلته بصدٍّ حاد، وتجاهلت وجوده تماماً وكأنه غير موجود، مفضلةً الصمت الذي يحمل في طياته الكثير من اللوم.
وقف ياسين عند باب الخروج، التفت نحو حمزة بنظرة حادة، وقال بنبرة جافة لا تقبل الجدال قبل أن يهم بالمغادرة:
ـ هات كارما معاك علشان النيابة تاخد أقوالها.
لم ينتظر ياسين ردًا، ولم يلتفت ليرى نظرة كاميليا التي توقفت عن الحركة فجأة، ورمقته بنظرة مليئة بالاستنكار والغضب الذي لا يلين، بل غادر المنزل سريعًا دون أن يلمس الإفطار، تاركًا خلفه توترًا شديدًا يشحن أرجاء البيت.
بعد مرور فترة وجيزة، نزلت كارما إلى الأسفل بخطوات متثاقلة، وانضم الجميع إلى مائدة الإفطار التي خيّم عليها صمتٌ ثقيل، لم يقطعه سوى صوت الأواني المعدنية.
بينما كان الجميع ينهي طعامه دون اكتراث، نظر حمزة إلى كارما وقال بنبرة هادئة ومحذرة:
ـ كارما، اطلعي بدلي لبسك وجهزي نفسك، لازم تروحي معانا دلوقتي عشان تدلي بأقوالك.
لم تكن كارما في وضع يسمح لها بالاعتراض، فأومأت برأسها في صمت واستعدت للقيام، لكن صوت كاميليا الحاد انطلق كالصاعقة وهو يقطع الجمود:
ـ أنا جاية معاكم.. بصفتي محاميتها، ولا عندك اعتراض يا حضرة الضابط؟
ساد صمتٌ مطبق. نظر حمزة إلى والدته، ورأى في عينيها تحديًا لا يلين، فأدرك بحكمته أن أي كلمة سيقولها ستنقلب ضده وتزيد من اشتعال الموقف. لم ينبس ببنت شفة، بل اكتفى بإيماءة بسيطة تعني الموافقة.
صعدت كاميليا إلى الأعلى بملامح حازمة، وبعد وقت قصير عادت وقد استعدت تمامًا، وهي تمسك بيد ابنتها كارما بقوة كأنها درعها الوحيد. خرج الجميع من المنزل، واتجهوا في صمتٍ مريب نحو مقر مكافحة المخدرات، بينما كانت كارما تتوارى خلف والدتها، محاولةً الهروب من نظرات المحيطين بها.
وصلوا إلى مقر مكافحة المخدرات، وبخطواتٍ واثقة أدخلهم حمزة إلى مكتبه. كان المكان يضج بحركة الضباط وأصوات أجهزة اللاسلكي، مما زاد من توتر كارما التي بدت وكأنها على وشك الانهيار مجددًا.
ما إن استقروا في المكتب، حتى استأذن حمزة بلباقةٍ باردة، ثم أخرج هاتفه ليتصل بـ علياء. بمجرد أن جاءه ردها، تحدث بصوتٍ منخفض وحازم، موجزًا لها آخر المستجدات في القضية والخطوات التي سيتم اتخاذها، مع التأكيد على ضرورة التنسيق التام في كل تفصيل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أغلق حمزة الهاتف والتفت إلى كارما، وبنبرةٍ حاول أن يجعلها عمليةً ومطَمئنة في آنٍ واحد، قال:
ـ يا كارما، وكيل النيابة هيحقق معاكي هنا في مكتبي عشان نوفر عليكي مشقة الانتقال لمبنى النيابة، وكمان عشان نضمن خصوصيتك.
نظر إلى كاميليا التي كانت تراقب كل حركةٍ يقوم بها، ثم أضاف بجدية:
ـ هسيبكم ترتاحوا شوية وتستوعبوا الموقف.. دقايق وراجع لكم.
خرج حمزة من المكتب تاركًا إياهما في صمتٍ ثقيل، بينما جلست كارما على طرف المقعد، تعيد ترتيب أفكارها المشتتة، وكاميليا بجانبها كالحارس الأمين، تترقب وصول وكيل النيابة وبدء التحقيق.
دلف حمزة إلى مكتب والده، فأشار إليه ياسين بالاقتراب وأغلق الباب خلفه بإحكام، لينهال عليه بالتعليمات بصوتٍ منخفض وحازم:
ـ يا حمزة، التحقيق مع كارما لازم تحضر فيه بصفتك الضابط المسؤول. مش عايزها تحس إنها بتتحقق معاها، عايزك تكون جنبها عشان تحسسها بالأمان، وتمنع أي حد يقسى عليها بأسئلة تفكرها باللي شافته.
سكت ياسين لثوانٍ ثم أردف بحدة وهو يرمي ملفاً أمامه:
ـ وبعد ما تخلص، مش عايز أي تأخير، تبدأ التحقيق مع طارق فورًا. شغل له التسجيلات.. عايزك تسمعه صوته وهو بيعترف إنه اللي حط المخدرات في مخزن شاكر عبد الرحمن، وخطته في خطف نور. عايز أشوف رد فعله لما يواجه بالحقيقة دي، ولازم ينهار قدامك.
أدى حمزة التحية العسكرية لوالده، وخرج من المكتب متوجهًا إلى مكتبه، حيث كان وكيل النيابة في انتظاره. بدأ التحقيق في أجواء رسمية، وكان حمزة يتابع كل كلمة باهتمام، بينما ظلت كاميليا بجانب ابنتها، تتدخل بذكاء في كل مرة تشعر فيها أن الأسئلة بدأت ترهق كارما. سردت كارما تفاصيل ليلة اختطافها، وكان صوتها يرتجف وهي تصف ما رأته في المخزن، بينما كان وكيل النيابة يدون أقوالها بدقة.
بعد انتهاء التحقيق، خرج الجميع من المكتب. نظر حمزة إلى كارما وكاميليا وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:
ـ يا جماعة، اطمنوا.. أنا مخصص حراسة معاكم من اللحظة دي، وملازمة ليكم في كل حتة لحد ما القضية دي تخلص والحكم يصدر.
نظرت كارما إلى حمزة وقالت بصوت خافت:
ـ حمزة.. أنا محتاجة أشوف بابا، ممكن؟
فهم حمزة رغبتها، ونظر إلى كاميليا ثم قال:
ـ طبعاً يا كارما، اتفضلي معايا.
طلب حمزة من كاميليا أن تنتظر أمام باب المكتب، ثم دخل بكارما إلى مكتب والده ياسين. وما إن رآها ياسين، حتى ترك ما في يده ونهض عن مقعده. نظر حمزة إليهما، ثم قال بصوت هادئ:
ـ كارما عايزة تشوفك يا بابا.
أشار ياسين لحمزة بالموافقة ليسمح لها بالدخول. اقتربت كارما من والدها لتهتف بحزن:
ـ بابا.. عرفتوا مكان نور ولا لسه؟ أرجوك طمني.
نظر ياسين لحمزة، ليهتف بعد أن نظر لكارما مجددًا:
ـ لسه هنبدأ تحقيقات يا كارما.. اطمني، روحي ارتاحي دلوقتي وهنتكلم الليلة.. يلا ارتاحي.
أومأت بموافقة لتخرج من المكتب وتغادر برفقة والدتها.
بعد أن غادرت كاميليا وكارما مقر التحقيق، انتبه حمزة لعلياء وهي تقف أمام مكتبه، فاقترب منها بهدوء.
هتفت علياء بقلق:
ـ طمني يا سيادة الرائد، فيه جديد؟
تنهد حمزة وأجابها بنبرة هادئة:
ـ لسه هبدأ التحقيق مع طارق، اتفضلي استنيني في مكتبي.
فتح حمزة باب مكتبه وسمح لها بالدخول، ثم اتجه بخطوات حازمة نحو غرفة التحقيق. بمجرد دخوله، وجد طارق يجلس بهدوء، فابتسم له حمزة ابتسامة ذات مغزى وجلس مقابله، بينما كان ياسين يراقب مجريات التحقيق عبر أجهزة الكمبيوتر من غرفة المراقبة.
هتف حمزة بنبرة هادئة:
ـ تحب نبدأ منين؟
نظر إليه طارق بكبرياء، وأجاب بتعالٍ:
ـ إحنا مش هنبدأ يا حضرة الضابط.. الليلة هكون خارج من هنا، وحسابي هيبدأ معاك.
تجاهل حمزة نبرة التحدي، وفتح ملفه الخاص بطارق، ثم قال ببرود:
ـ سيبك من الكلام ده يا طارق، وركز معايا في اللي يخصك. أنا هنا عشان أواجهك أنت شخصياً، وبكل الأدلة اللي بتورطك في العمليات المشبوهة اللي كنت بتديرها بعيداً عن أي غطاء قانوني.
صمت حمزة لحظة، ثم اقترب بجسده أكثر من طارق وأكمل بنبرة لا تقبل الشك:
ـ أنا عندي شهود، وعندي تفريغات، واعترافات بتورطك الشخصي في الجرائم اللي ارتكبتها. كنت فاكر إنك ممكن تخرج وتلعب دور الضحية؟ لا يا طارق، أنا جاي أواجهك باللي هيقضي على مستقبلك بالكامل. فبلاش تضيع وقتنا، وأظن إنت فاهم كويس إحنا وصلنا لإيه بالظبط.
في غرفة المراقبة، ضغط ياسين على جهاز التواصل وقال لحمزة بصوت منخفض:
ـ حمزة، طارق بدأ يغير ملامحه، استمر في الضغط عليه بنفس الطريقة.
نظر طارق إلى حمزة بنظرة حذرة، وبدأ بريق الغرور في عينيه يخفت قليلًا حين أدرك أن حمزة يمسك بخيوط قوية، وأن تهديداته لن تنفعه في شيء.
لم يترك حمزة لطارق فرصة لاستعادة توازنه، بل أردف بلهجة حادة:
ـ بلاش تمثل دور الواثق ده يا طارق، لأنك عارف إن كروت اللعبة كلها في إيدي دلوقتي. ولا لسه فاكر إنك ممكن تنكر كل حاجة؟
ضحك طارق بسخرية باهتة، وحاول استجماع شتات نفسه، وقال:
ـ اتهامات من غير أدلة يا سيادة الرائد، أنا لا أعرف عن اللي بتقوله ده أي حاجة، وكل ده كلام ملوش أساس من الصحة.
ضيق حمزة عينيه ونظر لطارق بحدة، ثم قال بصوت أجش:
ـ بتنكر؟ طيب إيه رأيك في خطف 'نور شاكر' و'حبيبة عمرو'؟ لسه هتفضل تنكر وتدعي البراءة؟
تصلب جسد طارق، وسكت تمامًا، وبدا أن الكلمات قد خانته أمام مباشرة حمزة له بأسماء الضحايا، فتبدلت ملامح الغرور في وجهه إلى صمت مرتاب.
استغل حمزة لحظة التردد تلك، وأخرج جهاز تسجيل صغير وضعه على الطاولة، ثم ضغط زر التشغيل. علا صوت طارق في الغرفة بوضوح وهو يتحدث مع والده بنبرة شيطانية:
ـ نور شاكر لازم تتخلص منها يا بابا وتقتلها، وجودها بقى خطر كبير علينا.. وبخصوص المخدرات اللي زرعناها في شركة شاكر عبد الرحمن، كل حاجة ماشية زي ما خططنا.. واتفقنا خلاص على خطف حبيبة عمرو، هتكون هي الورقة اللي نضغط بيها على الكل عشان يمشوا كلامنا.
انتهى التسجيل، وخيم صمت ثقيل على الغرفة، لم يقطعه سوى أنفاس طارق المضطربة وهو ينظر إلى الجهاز بصدمة، مدركاً أن كل شيء قد انتهى.
تنهد حمزة بحدة، ثم انحنى نحو طارق وقال بنبرة جادة:
ـ الأفضل تعترف وتقول فين نور، أنت كده كده مش خارج من هنا. محتاج محامي ذكي عشان يخفف العقوبة من الإعدام للمؤبد، وده مش هيحصل غير لو تعاونت معانا.
نظر إليه طارق بسخرية، ثم هتف بتحدٍ:
ـ أظن التسجيلات فيها كل حاجة.. أنا قتلت نور ورميتها في الصحراء.
في غرفة المراقبة، كان ياسين يتابع المشهد عبر الشاشات بتركيز شديد. فور أن نطق طارق باعترافه بدم بارد، ضيق ياسين عينيه وضرب بيده على الطاولة بحدة قائلًا:
ـ مجرم متبلد المشاعر.. بيعترف بجريمته وكأنه بيوصف حالة الطقس.
وما إن خرج حمزة من الغرفة، حتى ضغط ياسين على جهاز اللاسلكي فورًا وبدأ في التنسيق مع القوات بنبرة صارمة:
ـ كل الوحدات تتحرك فوراً لمحيط الصحراء.. طارق اعترف بالقتل بس رفض يحدد المكان، ابدأوا المسح الشامل للمنطقة، لازم نلاقي الجثة بأي تمن.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
داخل غرفة المراقبة، كان ياسين يتابع انفعالات طارق على الشاشة بتركيز، ثم ضغط على جهاز الاتصال الداخلي ليتحدث مع حمزة الذي كان لا يزال داخل غرفة التحقيق:
ـ حمزة، كفاية كده النهاردة. طارق مش هينطق بأي تفاصيل تانية، استنزافه أكتر من كده مش هيفيدنا في حاجة، أنهي الجلسة دلوقتي.
أومأ حمزة برأسه وهو ينظر للكاميرا، ثم نهض وخرج من غرفة التحقيق وتوجه مباشرة إلى غرفة المراقبة. بمجرد أن دخل، قابله ياسين بنظرة جادة وهو يشير بيده نحو الشاشات التي تعرض لقطات لمدحت، وقال:
ـ ارتاح دقايق يا حمزة، وبعدها جهز نفسك.. لازم نبدأ التحقيق مع مدحت، مفيش وقت نضيعه.
دخل حمزة غرفة المراقبة، ونظر إلى ياسين الذي كان يجلس أمام جهاز اللاسلكي يتابع تقارير القوات المنتشرة في الصحراء، وقال بضيق:
ـ طارق اعترف يا فندم، بس كالعادة بيحاول يضللنا.. بيقول إنه خلص عليها ورمى جثتها في الصحراء.
رد ياسين وهو يضع جهاز اللاسلكي على الطاولة، وعيناه تلمعان بحدة:
ـ أنا عارف، والقوات دلوقتي بتمشط المنطقة هناك بحثًا عن أي أثر، مش هسيبه يخرج من هنا إلا لما نعرف الحقيقة كاملة.. المهم دلوقتي مدحت، ده مفتاح تاني خالص وممكن يكون هو اللي شايل بلاوي تانية.
صمت حمزة قليلًا، ثم تذكر وجود علياء في الخارج، وقال:
ـ يا فندم، علياء المهدي موجودة في مكتبي.. هي اللي ماسكة قضية شاكر ونور، وأنا بلغتها بالتطورات زي ما طلبت مني، ومستنياني عشان تعرف إيه اللي وصلناله.
تصلبت ملامح ياسين، والتفت إلى حمزة بنظرة حادة، وقال بحزم:
ـ تمام.. بس اسمعني كويس يا حمزة، بلاش تعرفها أي تفاصيل عن اعتراف طارق الأخير بخصوص نور دلوقتي. مش عاوزين أي معلومة تطلع غير لما نتأكد بنفسنا أو نلاقي دليل مادي يثبت كلامه.. مفهوم؟
هز حمزة رأسه بالموافقة، ثم استدار وخرج من الغرفة متوجهًا إلى مكتبه، وهو يفكر في الطريقة التي سيتعامل بها مع علياء دون أن يكشف لها أوراقهم.
اتجه حمزة إلى مكتبه، وبمجرد دخوله وجد علياء تجلس في انتظار، وقد ارتسمت على وجهها ملامح توتر واضحة. أغلق الباب خلفه بهدوء ثم قال بلهجة معتذرة:
ـ بعتذر جدًا على التأخير يا أستاذة علياء، بس حضرتك عارفة نظام التحقيق وضغطه، خاصة إننا مش أمام قضية عادية.
أومأت علياء برأسها في تفهم، فجلس حمزة خلف مكتبه وأكمل بنبرة أكثر جدية:
ـ بالنسبة لموقف شاكر عبد الرحمن القانوني، فالتسجيلات اللي حصلنا عليها قلبت الموازين تمامًا، لأن فيها اعترافات واضحة من طارق ومدحت بأنهم هما اللي زرعوا المخدرات في المخزن بتاعه، وده طبعًا هيدينا فرصة قوية لتبرئته.
سألته علياء بلهجة مباشرة ومقتضبة:
ـ وبالنسبة لنور؟ هل فيه أي جديد بخصوص مكانها؟
أجابها حمزة بجدية:
ـ التحقيقات شغالة على قدم وساق يا أستاذة علياء، وبمجرد ما نوصل لأي معلومة مؤكدة عن مكانها، هبلغك فورًا.
أكمل حمزة بنبرة هادئة ومطمئنة:
ـ بصي يا أستاذة علياء، أنا حاليًا داخل أحقق مع مدحت، وبمجرد ما أخلص، هحول أقواله واعترافاته للنيابة فورًا. المعطيات دي قوية جدًا، ومتفائل إنها هتخلي النيابة تطلب إخلاء سبيل شاكر بكفالة لحين الفصل في الحكم.. يعني إن شاء الله يخرج قريب جدًا.
تنفسّت علياء الصعداء، وبدت ملامح وجهها أكثر استرخاءً بعد أن سمعت هذا الخبر، فقالت:
ـ دي أخبار كويسة جدًا.. شكرًا يا سيادة الرائد، أنا هفضل هنا في المكتب متابعة لحد ما الأمور توضح أكتر.
أومأ حمزة برأسه، ثم استأذنها وخرج متوجهًا إلى غرفة التحقيق. دخل ليجد مدحت يجلس بانتظاره، وبمجرد أن وقعت عيناه على حمزة، تراجع للخلف بوضوح وبانت عليه علامات الخوف، في انتظار المواجهة التي ستُنهي كل شيء.
جلس حمزة على الكرسي أمام مدحت، ونظر إليه بنظرة حادة قبل أن يهتف:
ـ قدامك حل من اتنين؛ يا تعترف بكل اللي عملته وتوفر على نفسك وعلينا وقت طويل، يا تنكر.. وفي الحالتين الأدلة ضدك مكتملة. اعترافك أنت وابنك بخصوص المخدرات اللي اتزرعت في مخزن شاكر، وخطفكم لنور، ده غير خطف حبيبة عمرو، وقتلكم لعوض السواق اللي شحن البضاعة.. كل ده موثق.
هتف مدحت بصوت مهزوز:
ـ مش هتكلم غير في وجود محامي.
ابتسم حمزة بسخرية، وقال:
ـ ما عنديش مشكلة، المحامي بتاعك هيتواجد معاك في النيابة لما نحولك. المهم دلوقتي.. قول لي دفنتوا جثة نور فين؟
هتف مدحت بنبرة مرتجفة:
ـ نور مين؟ معرفش حد بالاسم ده!
لم يتردد حمزة، فتح التسجيل الذي يحتوي على اعترافات مدحت بصوت واضح يملأ الغرفة، وما إن ارتفع صوته بالتسجيل حتى ظهرت علامات الصدمة الشديدة على وجه مدحت، الذي تراجع بظهره وهو يهتف مجدداً:
ـ مش هتكلم غير في وجود محامي معايا!
أكمل حمزة ببرود وهو يلقي بملفٍ سميك أمام مدحت:
ـ التقارير دي مش مجرد ورق، دي بتوثق كل 'العمليات' اللي تمت في المخازن بعيد عن أعين القانون. إنت وابنك حولتوا الدنيا لمسلخ بشري، وده مش هيحتاج وقت في المحكمة.. ده حكمه الميدان.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
توقف حمزة قليلًا ليراقب انهيار مدحت، ثم ضغط عليه بحدة:
ـ دلوقتي قدامك اختيارين؛ يا إما تفتح بوقك وتدلنا على مكان نور والضحايا التانية قبل ما الملف ده يروح للنيابة وتتحول القضية لقضية رأي عام، يا إما تروح للنيابة وأنت 'تاجر أعضاء' بدل ما تكون مجرد متهم بقتل. فكر بسرعة.. ابنك طارق محبوس في الأوضة اللي جنبك، ولا هو سائل فيك ولا بيحاول يدافع عنك، وعارف كويس إنك لو اتكلمت هتوديه في داهية معاك، فهل ناوي تشيل الليلة لوحدك؟
نهض حمزة ببطء من مقعده، ألقى نظرة أخيرة باردة على مدحت الذي بدا كمن فقد القدرة على النطق، ثم خرج من الغرفة دون أن يلتفت خلفه. بمجرد أن أغلق الباب، زفر بحنق وترك الحارس يقف بالخارج.
توجه حمزة مباشرة إلى مكتب والده، الذي كان يراجع بعض الأوراق بتركيز. بمجرد دخول حمزة، رفع ياسين رأسه وسأله بنظرة متفحصة:
ـ عملت إيه مع مدحت؟
أجاب حمزة بضيق:
ـ مراوغ، لسه متمسك بوجود المحامي وبيرفض يتكلم تماماً. بس أنا واجهته بتهمة تجارة الأعضاء، والملف بدأ يخليه يهتز.
تنهد ياسين وأغلق الملف الذي بين يديه، ثم قال بحزم:
ـ موقف شاكر بقى حساس جدًا ومحتاجين ننهي وضعه ده في أسرع وقت. ابعت كل التسجيلات اللي معاك للنيابة فورًا، دي هتكون الورقة اللي تنهي حبسه احتياطيًا.
أومأ حمزة بالموافقة، فأكمل ياسين بنبرة أكثر هدوءًا:
ـ وبالنسبة لعلياء.. لازم تبلغها فورًا. طمنها إننا بننهي إجراءات الإفراج عن شاكر بضمان محل إقامته، ده أقل شيء نقدر نعمله دلوقتي عشان نرفع الضغط عنهم.
استعد حمزة للتحرك، فسأله ياسين قبل أن يغادر المكتب:
ـ مدحت ده لو ما نطقش في الساعات الجاية، إيه خطتك التانية؟
توقف حمزة عند باب المكتب، وضع يده على المقبض واستدار ببطء نحو ياسين، ملامحه كانت صارمة لا تعرف التردد.
ـ الخطة بسيطة يا سيادة اللواء.. لو مدحت فضل متمسك بصمته، يبقى لازم نغير القواعد. هسيب طارق يسمع جزء من اعترافات أبوه اللي سجلناها، وأفهمه إن أبوه بدأ يبيع كل حاجة عشان ينقذ نفسه، وإن طارق هو اللي هيكون الكبش اللي هيتحمل كل التهم لوحده.
ضيّق ياسين عينيه متسائلاً:
ـ تفتكر طارق هيصدق ده بسهولة؟
رد حمزة بابتسامة خبيثة:
ـ الخوف بيخلي الواحد يصدق أي حاجة. بمجرد ما طارق يتخيل إن أبوه قرر يضحي بيه، هيبدأ هو كمان يرمي بلاويه على أبوه، ووقتها هيتفك الحصار اللي هما عاملينه حوالين نفسهم. الاتنين هيبدأوا ينهشوا في بعض، وساعتها الحقيقة هتطلع لوحدها من غير ما نحتاج نضغط أكتر.
أضاف حمزة قبل أن يفتح الباب:
ـ المهم دلوقتي أطمن علياء وأخلص موضوع شاكر، وبعدها هروح لطارق وأبدأ لعبتي معاه.
غادر حمزة مكتب اللواء ياسين بعد أن أنهى التنسيق معه، وسار في الممرات بخطوات سريعة ومدروسة حتى وصل إلى مكتبه. دفع الباب بهدوء ليجد علياء في انتظاره، كانت ملامحها تحمل مزيجًا من القلق والتركيز الذي يليق بمحامية تدافع عن قضية مصيرية.
بمجرد أن رآها، ألقى التحية باحترام، ثم اقترب من مكتبه وجلس أمامها مباشرة ليعطيها انتباهه الكامل:
ـ أستاذة علياء، بعتذر على التأخير، بس كنت لسه خارج من عند سيادة اللواء. عندي أخبار مطمئنة بخصوص شاكر؛ الإجراءات بدأت تتحرك في المسار الصحيح.
أومأت علياء برأسها منتظرة التفاصيل، فتابع حمزة بنبرة مهنية:
ـ إحنا في المراحل النهائية للإفراج عنه بضمان محل إقامته. المطلوب دلوقتي عشان ننهي الموضوع ده في النيابة فوراً، هو إخطار رسمي بانتهاء التحقيقات الأولية اللي بتبرئ ساحة شاكر، ومحضر تفريغ التسجيلات اللي أثبتت براءته. بصفتك المحامية بتاعته، توقيعك على طلب الإخلاء مع الأوراق دي هو اللي هيسرع قرار المحامي العام.
أضاف حمزة بجدية:
ـ أنا جهزت المذكرة مع سيادة اللواء، وكل اللي ناقص هو لمساتك القانونية عشان نضمن إن الطلب يتوافق عليه من غير أي تعقيدات.
أخذت علياء الملف من أمامه، وبدأت في مراجعته بدقة، عيناها المحامية تتحركان بسرعة فوق الأوراق، تتفحص الثغرات وتتأكد من سلامة الصيغة القانونية. بعد لحظات، وضعت القلم على المكتب وقالت بثبات:
ـ الصيغة القانونية في المذكرة دي محكمة، يا حضرة الضابط. بس قبل ما أوقع، فيه نقطة مهمة.. إيه آخر التطورات بخصوص نور؟ أنا مش بس مهتمة بإتمام إجراءات إخلاء سبيل شاكر، أنا مهتمة جدًا بإننا نلاقي نور ونعرف مكانها فين، دي حياة إنسانة مخطوفة ومصيرها معلق على اعترافاتهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر إليها حمزة بتقدير، وأجابها بصوت واثق:
ـ سؤالك في محله يا أستاذة علياء، وده جزء أصيل من خطتي. أنا حاليًا مركز في إنهاء إجراءات إخلاء سبيل شاكر عشان نرفع الضغط عنكم، وبكرة هيكون ليا مواجهة تانية تماماً مع طارق عشان نخليه ينهار ويعترف بمكان نور، وبكل اللي ارتكبوه. وقتها بس، النيابة هيكون معاها كل الخيوط مش بس عشان ننهي إجراءات إخلاء سبيل شاكر، لكن عشان نحاسبهم على كل روح أذوها.
أومأت علياء برأسها، وقالت وهي توقع على الأوراق:
ـ تمام. أنا هتابع مع النيابة إجراءات حبس مدحت احتياطيًا وتوجيه تهمة تجارة الأعضاء له، وبمجرد ما ينهار ويعترف بمكان نور، عايزة إخطار رسمي بكل اللي توصلت له.. مش هسيكم تضيعوا الوقت، وما عنديش مانع أضغط من ناحيتي بكل السبل القانونية عشان الحقيقة تظهر ونلاقيها.
أخذ حمزة الأوراق الموقعة من علياء، ونهض من خلف مكتبه في حركة عسكرية منضبطة. نظر إليها بعينين تحملان تقديراً صادقاً لثباتها وقوتها في هذا الموقف الصعب، وقال بنبرة هادئة وحازمة:
ـ أستاذة علياء، الورق ده دلوقتي هو طوق النجاة لشاكر. هتوجه فورًا للمحامي العام لإنهاء إجراءات الإخلاء، ومن هناك على القسم مباشرة عشان نضمن خروجه قبل ما اليوم يخلص.
أومأت علياء برأسها، وبدت وكأنها تستجمع بقايا صبرها، ثم قالت وهي تلملم حقيبتها القانونية:
ـ أنا هروح النيابة أتابع باقي الإجراءات هناك بنفسي، وأتأكد إن أمر الإخلاء وصل للقسم ومافيش أي 'تعطيلات' إدارية ممكن تقابلنا. شاكر محتاج يخرج من جو الحبس ده في أسرع وقت، حالته النفسية مش هتتحمل أكتر من كده.
توقف حمزة عند باب المكتب قبل أن يخرج، والتفت إليها ليضيف بجدية:
ـ اعتبريه حصل. بكرة، وأول ما الشمس تطلع، هيكون ليّ كلام تاني خالص مع طارق. هجيبه على الوش اللي يخليه ينطق بمكان نور، وأول ما يفتح بقه، هكون أول واحد يبلغك.
غادرت علياء المكتب بخطوات واثقة، متجهة إلى النيابة لمتابعة المعركة القانونية، بينما سلك حمزة الطريق المؤدي لمكتب المحامي العام، حاملاً في يده الأوراق التي ستُعيد لشاكر حريته، وفي عقله يتردد صدى المواجهة التي ينتظرها غدًا.
وصلت علياء إلى قسم الشرطة. بمجرد انتهاء الإجراءات، فُتحت بوابة الحجز ليخرج شاكر، بدا عليه الإنهاك الشديد، وعيناه تبحثان في المكان بحذر.
توقفت أنظاره عند علياء، اقترب منها بخطوات متثاقلة، وسألها بنبرة جافة ومباشرة:
ـ أستاذة علياء؟ حضرتك اللي هنا؟ فين بقية الناس؟ كنت متوقع حد من العيلة يستقبلني.
نظرت إليه علياء بجدية تامة، وحافظت على المسافة المهنية بينهما، قائلة:
ـ حمد لله على سلامتك يا بشمهندس. العيلة مشغولين بإنهاء بعض الإجراءات، وأنا اللي تابعت ملف القضية. لازم نمشي دلوقتي، أنا هوصل حضرتك للبيت.
تردد شاكر في مكانه، وقطب حاجبيه بضيق:
ـ لا، مافيش داعي، أنا هعرف أروح لوحدي.
قاطعت علياء تردده بنبرة عملية لا تحتمل الجدال:
ـ ده جزء من مهمتي كمحامية، لازم حضرتك توصل للبيت وتطمن. اتفضل اركب، قدامنا طريق ومحتاجة أوضح لحضرتك شوية تفاصيل قانونية بخصوص إخلاء السبيل والالتزامات اللي عليك الفترة الجاية.
استجاب شاكر لطلبها بصمت، ركب السيارة وظل ينظر من النافذة، يغلبه القلق. تحركت علياء بالسيارة بهدوء، وبدأت تسرد له الإجراءات القانونية المترتبة على قرار الإخلاء، دون أن تذكر حرفًا واحدًا عن نور.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
