سم الحروف - الفصل 10 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (10)



في غرفة العمليات، كانت عيون حمزة لا تفارق الشاشة التي تعرض فيلا طارق. دخل طارق بهدوء، وساد الهدوء المكان لنصف ساعة كاملة.

فجأة، رصد حمزة حركة على كاميرا الشارع الخلفي؛ شخص خرج من بوابة جانبية صغيرة، يرتدي ملابس مختلفة تمامًا عن التي دخل بها، وبدأ يمشي في الزقاق الخلفي بهدوء حتى استقل سيارة عادية كانت مركونة بعيدًا وانطلق بها.

نظر حمزة إلى والده بتركيز:

ـ يا فندم.. فيه حد خرج من الباب الخلفي للفيلا. شخص تاني خالص بملابس مختلفة، ركب عربية ومشي. طارق بيعمل حركات تأمينية تقيلة جدًا.

نظر ياسين للشاشة بهدوء، وكأنه كان يتوقع ذلك تمامًا، ثم قال بصوت رزين:

ـ طارق دايمًا بيمشي بمبدأ الأمان الزائد. هو مش بيعمل كده لأنه حاسس إنه مراقب، هو بيعمل كده كجزء من روتينه اليومي في كل تحركاته.. هو مقتنع إن ده اللي بيخليه مستور دايمًا. الشخص ده مبيتحركش غير لما يكون مأمن ضهره بخطوات استباقية.

صمت ياسين للحظات، ثم أضاف بصرامة:

ـ يا حمزة، وقفوا المراقبة الميدانية الليلة. مش عايز أي حد يفضل وراه في الشوارع دلوقتي.

تفاجأ حمزة قليلًا، لكنه سأل:

ـ هنكتفي باللي قدام الفيلا بس؟

أجاب ياسين وهو يعيد ترتيب خطته:

ـ لا، الرجالة اللي قدام الفيلا يفضلوا في أماكنهم، مش عايز أي حركة مريبة تخليه يشك إن في حاجة اتغيرت. المطلوب دلوقت تركزوا كل جهدكم على مراقبة مخارج ومداخل الفيلا بدقة. أنا عايز أضمن إني عارف مين دخل ومين خرج، وكل حركة صغيرة في محيط الفيلا تكون متوثقة.

تنهد حمزة وهو يبدأ في تنفيذ التوجيهات الجديدة:

ـ تمام يا فندم، هأمر الرجالة يكتفوا بمراقبة مداخل ومخارج الفيلا من غير أي تحركات خارجية، والوضع اللي قدام الفيلا هيفضل زي ما هو من غير تغيير.

أومأ ياسين برأسه، وعيناه تعودان لمراقبة الشاشات التي تغطي الفيلا من كل زاوية، وقال بهدوء:

ـ كده أحسن.. خليه يطمن، ويفتكر إنه بعيد عن العين. الليلة هنجمع كل التفاصيل، وبكرة لما يتحرك تاني، هنكون إحنا اللي سابقينه بخطوة.

غادر ياسين وحمزة مقر العمل، واتجها نحو المنزل في هدوء. كان التعب باديًا عليهما، لا يقطعه سوى صمت الطريق. وما إن دلفا إلى الفيلا حتى استقبلتهما كاميليا، كانت ملامحها هادئة لكن عينيها تراقبهما بتركيز، فهي تعرف متى يكون الصمت دليلاً على وجود مشكلة.

نظرت إليهما وقالت بنبرة مباشرة:

ـ رجعتوا متأخر.. والهدوء ده مش مطمني، حصل حاجة في القضية دي؟

خلع ياسين سترته ببطء، ثم التفت إليها بجدية:

ـ يوم طويل، والوضع لسه محتاج تركيز عالي.. مش عايزك تشغلي بالك بالتفاصيل دلوقتي.

زفرت كاميليا بضيق، وتابعت وهي تقترب منه:

ـ التفاصيل مش هي اللي شاغلاني يا ياسين، اللي شاغلني إن البيت بقى محطة، وعقلكم لسه بره. أنتوا مش حاسين إنكم بتغيبوا عننا يوم بعد يوم؟

نظر ياسين في عينيها مباشرة، وبصوتٍ خالٍ من أي محاولة للتهدئة المصطنعة، قال:

ـ عندك حق، الموضوع واخد وقت أكتر من اللازم، وأنا عارف إن ده بيضغط عليكي. بس الملف ده ما ينفعش نسيبه في نص الطريق.. بنحاول نخلص كل حاجة في أسرع وقت علشان نرجع لحياتنا.

تدخل حمزة بهدوء وهو يتجه لغرفته:

ـ تصبحوا على خير يا جماعة.

بقي ياسين وكاميليا وحدهما، نظرت إليه بعتابٍ هادئ:

ـ أنا طالعة أنام يا ياسين، ومبقاش عندي طاقة لأي كلام تاني بخصوص الشغل النهاردة.. كفاية لحد كده.

أومأ ياسين برأسه بتفهم، ولم يلح عليها في الكلام. وبعد أن غادرت، التفت نحو حمزة الذي كان قد توقف عند درجات السلم، وقال بنبرةٍ حازمةٍ خافتة:

ـ لازم ننهي ده في أسرع وقت.. مش عايز البيت يتأثر أكتر من كده.

صعد ياسين ببطء إلى الغرفة. كانت كاميليا قد استلقت على الفراش، تطفئ المصباح الجانبي، لكنها لم تغمض عينيها. دخل ياسين في صمت، خلع ساعته ووضعها على الطاولة، ثم جلس بجوارها.

ساد صمت طويل، كان كافيًا ليجعل كلًا منهما يراجع تفاصيل يومه المنهك. التفتت كاميليا إليه، وبصوتٍ هادئ خلا من العتاب، قالت:

ـ كل يوم بيعدي بالشكل ده بيسحب من رصيدنا حاجة، يا ياسين. أنا مش قادرة أستوعب إزاي بقينا بنشوف بعض عابرين في البيت.

نظر ياسين إلى يده التي كانت تعبث بطرف غطاء الفراش، ثم رفع عينيه إليها:

ـ عندك حق. الحالة اللي إحنا فيها مش طبيعية، وأنا مقصر في حقي وحقك. بس القضية دي بقت أكبر من مجرد شغل، بقت هي الحاجز اللي بيمنعني أرتاح.

زفرت كاميليا بضيقٍ مكتوم:

ـ أنا مش فارق معايا القضية، فارق معايا إننا نرجع لبعضنا.. من غير ما نكون مشحونين باللي بنشوفه بره.

لم يجد ياسين ما يبرر به الموقف هذه المرة؛ فالواقع كان يفرض نفسه. مد يده ليمسح على كتفها بحنان، وقال بصوتٍ واثق:


ـ أوعدك، هقفل الملف ده في أقرب وقت. من بكرة، هحط خطة نهائية تنهي كل ده، ومش هسمح لشغل تاني يسرق ليالينا.

هدأت نظراتها، وشعرت بصدق نبرته. تنهدت بعمق، ثم أغمضت عينيها وهي تقول بنبرةٍ خافتة:

ـ ياريت.. بجد محتاجين نرجع لنفسنا.

أطفأ ياسين الضوء المتبقي، وغرقا في سكون الليل، بينما بقيت أحاديث الغد مؤجلة، في انتظار هدوءٍ لم يأتِ بعد.

وصل طارق إلى المخزن، كانت الإضاءة خافتة، ونور في الزاوية، غائبة عن الوعي جزئيًا بفعل المخدر، عيناها زائغتان لا تدركان حقيقة ما حولها.

اقترب منها وجلس بجوارها، نظر إليها طويلًا قبل أن يهمس بصوتٍ خافت، نبرته تحمل صراعًا بين ولاءه لأبوه ومشاعره تجاهها:

ـ مدحت غانم طلب مني أخلص منك.. كان عايز النهاية تكون سريعة.

توقف قليلًا، ثم أكمل وهو يمرر يده على حافة المقعد بتوتر:

ـ طيب إزاي أعمل كدة؟ وأنا اللي قلبي اتعلق بيكي رغم كل حاجة.. بس الظروف أقوى مننا يا نور، والمكان ده ما بقاش أمان ليكي، خصوصًا إن فيه ضيفة تانية هتتحجز هنا قريب.

نهض طارق واقفًا، وعلامات الحيرة والارتباك واضحة على وجهه، ثم عاد ونظر إليها بحزم:

ـ مش هسيبك لمدحت غانم، ولا هسيبك تموتي.. بس لو أبويا عرف إني خالفت أمره، هيخلص عليّ أنا قبل ما يوصلك. هنقلك لمكان تاني، مخزن خاص بيا محدش يعرف عنه حاجة، لا رجالة أبويا ولا هو نفسه.

انحنى نحوها وهمس:

ـ هناك هتكوني بأمان، بس لازم نلعبها بذكاء.. لأن غلطة واحدة قدام مدحت غانم، تمنها هيكون دمي.

توقف طارق عند باب المخزن القديم، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الجمود التي اكتسبها من والده. التفت إلى الرجال الذين كانوا يقفون في الخارج وقال بنبرةٍ آمرة:

ـ الموضوع خلص.. البنت دي بقت في ذمتي أنا، هاخدها دلوقتي أنقلها لمكان بعيد وأنهي كل حاجة بطريقتي.. مش عايز حد يسأل هي راحت فين، ولا عايز حد يفتح سيرة الموضوع ده مع أي حد، حتى قدام أبويا.. مفهوم؟

هز الرجال رؤوسهم بالطاعة، فهم يعلمون أن طارق هو ذراع والده الأيمن. وبمجرد أن انصرفوا، دفع باب المخزن ودخل بخطواتٍ سريعة، اقترب من نور التي كانت غائبةً عن الوعي، وحملها بين ذراعيه بحرصٍ غير معتاد، ثم خرج بها متوجهاً إلى سيارته المظللة.

انطلق طارق بعيدًا عن أعين الجميع، قاد سيارته في طرقٍ جانبية حتى وصل إلى مخزنه الخاص، المكان الذي لا يعلم مكانه سوى حفنةٍ من رجاله الموثوقين. دخل بها إلى الداخل وأودعها في غرفةٍ محصنة، ثم التفت إلى رجاله وقال بنبرةٍ خافتةٍ وحازمة:

ـ دي أمانة في رقبتكم، ممنوع حد يلمسها، وممنوع حد يعرف بوجودها هنا.. لا رجالة أبويا ولا أي حد تاني. مهمتكم محددة: الجرعة في ميعادها عشان تفضل هادية، والأكل يوصل لحد عندها.. أي تقصير أو كلمة تطلع بره المكان ده، تمنها هيكون حياتكم.

أومأ الرجال بالولاء، بينما ألقى طارق نظرةً أخيرةً على نور وهي مستقرة في مكانها الجديد، ثم استدار مغادرًا. انطلق بسيارته نحو منزله، يستجمع قواه لمواجهة مدحت غانم، مستعدًا لتمثيل دور الابن المطيع الذي نفذ المهمة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جلست كارما في غرفتها، والأنوار خافتة، لا يضيء عتمة المكان سوى وهج شاشة حاسوبها. أصابعها مرتجفة وهي تراجع آخر جملة كتبتها في ذلك التقرير الذي وصفته بـ الحديد. لم تكن مجرد كلمات، بل كانت رصاصاتٍ سياسية موجهة بدقةٍ متناهية. أخذت نفسًا عميقًا وضغطت على زر إرسال إلى بريد حسن المصري.

ما إن استقر المقال في صندوق بريد حسن، حتى فتح الملف وبدأ يقرأ. وبمجرد أن وقعت عيناه على العنوان، جحظت عيناه وتسمّر في مكانه. كان العنوان صرخةً جريئةً لم تألفها الصحف منذ زمن:

م.غ.. حيتان الظل حينما تلتهم قوت الشعب.

لم يتريث حسن للحظة. نظر إلى ساعة الحائط؛ الوقت يداهمهم، والمطابع على وشك أن تبدأ دورة طباعة الطبعة الأولى للنسخة الورقية. التقط سماعة الهاتف الداخلي وصرخ في مسؤولي التحرير بنبرةٍ لا تقبل الجدل:

ـ سيبوا اللي في إيدكم يا رجالة، وقفوا أي مانشيت متجهز للصفحة الأولى! عندي تقرير استقصائي نار، لازم يلحق الطبعة الأولى.. المادة دي لو نزلت بكرة، هتقلب الدنيا.

تجاهل حسن الاعتراضات المعتادة من فريق التحرير، وتابع بصوتٍ حازم:

ـ أنا المسؤول عن الكلام ده، المقال ده هينزل في الصفحة الأولى بالعريض، والموقع الإلكتروني ينزل نسخة منه دلوقتي حالًا.. الكلام ده مش اختياري، ده أمر.

بعد أن أغلق الهاتف، التفت إلى شاشته وكتب رسالة سريعة لـ كارما:

ـ المقال وصل.. أنا دلوقتي بطلعه في أول طبعة، والناس هتصحى الصبح تلاقي الفضيحة دي في وشها.

في غرفتها، كانت كارما تضع يدها على قلبها، تتابع البريد الوارد بلهفة. وصلتها رسالة حسن، فأدركت أن القنبلة قد وُضعت بالفعل على طاولة الرأي العام. لم تكن تعلم بعد كيف سيكون رد فعل مدحت غانم حين يفتح الجريدة الورقية غدًا ويقرأ الحروف التي تمثل نهايته، لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا:

ـ خلاص يا كارما، مفيش رجوع.. اللعبة بدأت، ويا أنا يا هو.

تقلبت كارما في فراشها، وضغطت على المخدة بقوة، وعيناها تلمعان في الظلام ببريق التحدي. كانت تدرك تمامًا أن ما فعلته لم يكن مجرد صدفة، بل كان قرارًا مدروسًا اتخذته بكامل إرادتها لتواجه به طغيان مدحت غانم.

همست لنفسها بصوت مسموع، وقد اختفت منه أي نبرة للتردد أو الاستسلام:

ـ أنا مش داخلاها عشان أستنى حظي، أنا عارفة كويس جدًا إني حطيت رقبتي تحت السكينة بمزاجي.. بس لو كان ده تمن إن 'م.غ' يتحرق، فإنا مستعدة أدفع التمن ده للآخر. اللي بيلعب مع الوحوش ميبقاش خواف، وأنا اخترت أكون اللي يفتح عين الناس.

أغمضت عينيها، وهي تشعر بأن النوم ليس هروبًا، بل هو هدنة قصيرة قبل بدء المعركة الحقيقية مع شروق الشمس. سكنت حركتها تمامًا، واستسلمت للغفوة وهي تفكر في يقين:

ـ يا أنا يا إمبراطورية الظل دي.. وبكرة الصبح الكل هيعرف الحقيقة.

استسلمت كارما لهذا السكون المريب، غابت عن وعيها تدريجيًا وهي لا تزال تتخيل بكل حذر ردود أفعال مجهولة داخل مكاتب مدحت غانم بمجرد أن يقع المقال بين يديه غداً. خمدت حركتها تماماً، واستقر تنفسها في إيقاعٍ عميق، لتغرق في سباتٍ أثقل من الجبال، لا يقطعه سوى خيوط الفجر التي بدأت تتسلل خلسةً إلى غرفتها، معلنةً عن اقتراب لحظة المواجهة.

نامت، وهي لا تعلم أن أحلامها هذه الليلة قد تكون الأخيرة في عالمها الهادئ.

❈-❈-❈

أشرقت شمس يومٍ جديد، وتسللت أشعتها إلى داخل منزل ياسين وحمزة. في جوٍ من الحذر المشوب بالهدوء المصطنع، جلس الاثنان لتناول إفطارهما. تعمد ياسين ألا يلقي نظرة واحدة على الجريدة الورقية الموضوعة فوق الطاولة، مخافة أن تقع عيناه على ما قد يثير قلق كاميليا أو يفسد هدوء الصباح، فآثر الصمت حتى انتهيا وغادرا المنزل متوجهين إلى مقر عملهما.

بمجرد أن دلفا إلى المكتب، تبدلت ملامح ياسين تمامًا، وتلاشت قشرة الهدوء. وقعت عيناه على نسخة الجريدة المفتوحة، وسرعان ما استدعى فريقه، وبصوتٍ حادٍ يملؤه الحزم قال:

ـ يا رجالة، مفيش وقت للكلام. من اللحظة دي، الكل على أهبة الاستعداد القصوى. أي حركة مريبة، أي تقارير، أي نَفَس يخرج من مكتب مدحت غانم، عايز تقرير بيه في إيدي فورًا.

التفت ياسين نحو حمزة، وأشار إليه بيده ليقترب، وقال بنبرة خفيضة ولكنها آمرة:

ـ يا حمزة، مش عايز غلطة. شدد المراقبة على البيت اللي كارما فيه، خليهم حوالين البيت كأنهم ضله. وعايزك تبعت لها رسالة دلوقتي، فضلها في ودنها علشان تفضل واعية لأي حركة.

دون تأخير، دخل ياسين وحمزة إلى غرفة العمليات المجهزة، حيث أجهزة التنصت والتقنيات التي تتيح لهما مراقبة كل شاردة وواردة. جلسا في صمتٍ مطبق، يرهفان السمع بانتظار التقاط أي خيط يربط بين غضب مدحت غانم وطارق، وبداية تحركهما الميداني للرد على المقال الذي أشعل المدينة.

دلف طارق إلى مكتب والده، فوجد مدحت يقف مصلوبًا أمام النافذة، يطبق على طرف المكتب بقوة كشفت عن غضبه المكتوم. سحب طارق الجريدة الملقاة، وما إن قرأ العنوان حتى اشتعلت ملامحه، وقال بنبرة جافة:

ـ واضح الليلة هتكون فيه ضحية جديدة في المخزن.. أنا عرفت عنوانها، تحب ننفذ إمتى؟

لم يلتفت مدحت، وظل صوته باردًا كالثلج:

ـ الأول عاوز أعرف، خلصت على نور؟

ابتسم طارق بمكر، وأجاب بلامبالاة:

ـ اطمن يا باشا، انتهى الأمر. مفيش أي خيط يوصلنا، ده حتى مش هيلاقوا جثتها.

قطب مدحت حاجبيه متسائلاً:

ـ يعني إيه؟

رد طارق ببرود تقشعر له الأبدان:

ـ يعني يا باشا جثتها الحيوانات بتتسلى عليها دلوقتي في المكان اللي رميتها فيه.

ارتسمت على وجه مدحت ابتسامة رضا مسمومة:

ـ تعجبني دماغك.

أكد طارق:

ـ اطمن يا باشا.

ضرب مدحت المكتب بقبضته وأردف بنبرة توعد:

ـ اسمع، الليلة 'ح ع' تكون في المخزن، وعاوز حسن المصري يترمي في السجن مع صاحبه.. الليلة هنخلص من الكل، علشان يعرفوا نتيجة اللعب معانا.

في غرفة العمليات، كان ياسين يراقب المشهد بجمود، نزع السماعات ببطء شديد، ووضعها على الطاولة، ثم التفت نحو حمزة بنظرة حادة.

قال حمزة بنبرة جادة وهو يضغط على أسنانه:

ـ سيادة اللواء، سمعت؟ طارق ومدحت وصلوا لمرحلة من الوحشية تعدت كل التوقعات.. التخلص من نور بالطريقة دي والتمثيل بجثتها.. ده إجرام مش ممكن نسكت عليه.

رد ياسين بنبرة صارمة لا تقبل الجدل:

ـ كلامك في محله يا حمزة، بس دلوقتي مش وقت القهر. لو سبنا الغضب يوجهنا، طارق ومدحت هيكسبوا، ونور مش هتاخد حقها، و'ح ع' هتكون الضحية اللي جاية في سجلهم الدموي.

أمسك ياسين بجهاز اللاسلكي وأعطى تعليماته بوضوح:

ـ حمزة، القوات تتحرك فورًا لتأمين محيط 'ح ع'. طارق فاكر إننا لسه بنجمع خيوط، الليلة لازم نتأكد إن أي حد يقرب من البيت هيتم الإيقاع بيه قبل ما يلمس الباب. حسن المصري؟ تحركاته مؤمنة بعيدًا عن أيديهم. خليهم مكملين في خطتهم، الليلة هنطبق عليهم من كل اتجاه.


استدار حمزة فورًا، وقد تحولت ملامحه إلى الجدية العسكرية الكاملة، وبدأ في تنسيق الحركة مع الفريق.

تسلل رجال طارق إلى أزقة الحارة كالأشباح، حركاتهم محسوبة بدقة، يتجنبون أعمدة الإنارة المتهالكة التي قد تفضح وجودهم. كانوا يتحركون في صمتٍ مريب، بنادقهم مسحوبة ومؤمنة في انتظار إشارة البدء.

في الداخل، كانت "ح ع" تجلس في ركنٍ مظلم من الشقة، الأنفاس تخرج من صدرها متقطعة، تشعر بوطأة الموت يطوق المكان. هواجسها لم تكن خديعة؛ كانت تشعر بحركة غريبة في الخارج، حركةٍ ليست من طبيعة الحارة في هذا الوقت. وباندفاعٍ غريزي، التقطت هاتفها واتصلت بوالدتها، لم تنطق بكلمة، فقط كانت تحتاج لصوتٍ يربطها بالحياة، وكأنها تستصرخها أن تنتشلها من هذا الجحيم. أغلقت الهاتف سريعًا، فالعجز الذي شعرت به في تلك اللحظة جعل الكلمات تختفي من صدرها، وألقت به بعيداً، مستندةً برأسها إلى الجدار، تنتظر ما سيحدث في صمتٍ خانق.

في المقر، كان ياسين يراقب تلك الحركة المريبة في الحارة على الشاشات بتركيز شديد، دون أن يصدر أي أمر بالتحرك، واضعًا يده على ذقنه في تفكيرٍ عميق، يتابعهم وهم يقتربون من العمارة، بينما كان حمزة يقف بجانبه عيناه لا تغادران الشاشة، يترقبان كل خطوة يخطونها دون التدخل، وكأن هناك توقيتًا معينًا ينتظرونه.

في الشقة، كانت كارما تجلس في صمتٍ خانق، حين اخترق هدوء المكان صوت طرقات متتالية على الباب؛ طرقاتٌ لم تكن عشوائية، بل جاءت بنبرةٍ آمرة ومريبة، جعلت الدماء تتجمد في عروقها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وقفت كارما ببطء، كانت خطاها مترددة، وعيناها تجولان في أرجاء المكان بنظرات تائهة، وكأنها تبحث عن شيءٍ مفقود؛ ربما تبحث عن مهربٍ لم تجده، أو عن طيف أمانٍ تبخر.

في المقر، كان ياسين وحمزة يراقبان عبر الشاشات؛ صوت الطرقات كان مسموعًا بوضوح عبر أجهزة التنصت، مخلفًا صدىً جعل حمزة يشد على قبضته.

مدت كارما يدها إلى مقبض الباب، وكأنها تُسلم نفسها لقدرها. وبمجرد أن فُتح الباب، لم يكن هناك مجال للحديث؛ كان الرجل الواقف في الخارج في حالة تأهبٍ قصوى، وبحركةٍ خاطفة تفوق سرعة البرق، انقضت يداه ليغرس الإبرة المخدرة في جسدها. تهاوت كارما في صمت، ولم يترك لها الرجل فرصةً حتى لتدرك ملامحه، قبل أن يختفي بها في ظلام الممر.

حاول ياسين التماسك، لكن نظرة عينيه كانت تحمل بركانًا من الغضب المكتوم. التفت إلى حمزة، وعروق رقبته بارزة من شدة الضغط، وهتف بصوتٍ مشحون بالثقة الممزوجة بالخوف على شقيقته:

ـ جيه دورك.. اتحرك بسرعة! القوات هتداهم دلوقتي مخازن مدحت وبيته، عاوز الكل عايش ومحدش يتخدش، فاهم؟ أختك في أيديهم، وأي غلطة صغيرة ممكن تنهي حياتها.

أومأ حمزة برأسه، ملامحه كانت متجمدة، لا يظهر عليها سوى إصرار عسكري فولاذي. غادر الغرفة بهدوءٍ مخيف ليقود قوة المداهمة، مدركًا أن كل ثانية تمر هي رهان على حياة أخته.

في الحارة، نزل الرجل بكارما، جسدها الهامد كان عبئًا ثقيلًا سحبه نحو السيارة بسرعة احترافية، رماها في المقعد الخلفي وانطلق، متوهمًا أنه في مأمن. خلفه، كانت سيارات الشرطة تتبعه بمسافات محسوبة بدقة، أضواءها مطفأة، تتحرك في الظلال كحيوانات مفترسة تتربص بفريستها، لا تظهر ولا تُسمع، تحافظ على مسافة أمان لكي لا يكتشف السائق وجودها، حتى وصل موكبهم إلى مشارف المخزن المهجور في أطراف المدينة.

وصلت السيارة إلى المخزن، وترجل منها الرجل وهو يتلفت حوله بحذرٍ شديد، بينما كانت عيون حمزة ورجاله، الذين طوقوا المكان في صمتٍ مطبق، تترصد كل حركة له من خلف السواتر الخرسانية.

في المخزن المهجور، كانت الأجواء تخنق الأنفاس، ورائحة الغبار والصدأ تملأ المكان. ظلت كارما فاقدة للوعي لثوانٍ إضافية قبل أن تبدأ عيناها في الرمش بضعف. كانت الرؤية أمامها مشوشة، والأصوات تتردد في أذنيها كطنينٍ بعيد. حاولت الجلوس، فاستندت بيديها المرتجفتين على الأرض الصلبة لتعتدل في جلستها، نظرت حولها بضعف، رأت مدحت جالسًا على الكرسي كأنه ملكٌ في عرشه المتهالك، وطارق يقف بجانبه كظله، ورجالهما يحيطون بالمكان كحراسٍ لا يرحمون. حاولت كارما أن تخفي الرعب الذي ينهش داخلها، لكن عينيها فضحتا ارتباكها.

كسر طارق الصمت بابتسامة باردة متهكمة، وقال بصوتٍ حاد:

ـ ح ع.. ولا أقول حبيبة عمرو؟

لم تفهم كارما في البداية مغزى حديثه، لكن الغريزة جعلتها تتماسك، هتفت بصوتٍ ضعيف ولكن بلكنةٍ فيها تحدٍ:

ـ أنت مين.. وعاوز مني إيه؟

هنا، انحنى مدحت بجسده نحوها، ونظراته كانت تخترقها ببرود تام، وقال بنبرة واثقة ومخيفة:

ـ أنا عزرائيل اللي هياخد روحك بإيده.. أنتي اللي بدأتي اللعب، اتحملي النتيجة.

في الخارج، كانت القوة المحاصرة تلتزم بصمتٍ تام، يراقبون من مسافة بعيدة لا تثير الريبة، ينتظرون أي حركة أو إشارة من ياسين. ياسين نفسه، من خلال الجهاز، كان يتابع الحوار بتركيزٍ شديد، ملامحه جامدة كالتمثال، يكتفي بالاستماع لكل كلمة تقال، مُنتظرًا أن تتكشف خيوط اللعبة أكثر قبل أن يتخذ قراره.

سادت حالة من الترقب المشوب بالخطر داخل أرجاء المخزن، حيث كانت الإضاءة الخافتة ترسم ظلالًا توحي بالشر المحدق. حاولت كارما استجماع شتات نفسها، رغم الرعشة التي سرت في أوصالها، ونظرت إلى الرجل الذي يدعي أنها تعرفه، وسألته بصوتٍ يملؤه الخوف والارتباك:

ـ أنت مين؟ وعاوز مني إيه؟

لم يتردد مدحت في الرد، بل ببرود أعصابٍ يحسد عليه، التقط جريدة كانت موضوعة جانبًا، وألقى بها أمامها بقوة لتستقر على الأرض مفتوحةً على صفحة المقال. بابتسامةٍ ساخرة، أشار بيده إلى المقال وقال بنبرةٍ حادة:

ـ أنا م غ اللي كتبتي عنه.. اتوقعتي إني هتفرج عليكي وانتي بتقضي عليا ولا إيه؟

حاولت كارما التماسك بكل ما أوتيت من قوة لتخفي انكسارها، لكن مدحت اقترب منها خطوة أخرى ليكمل وعيده بنبرةٍ تقطر تهديدًا:

ـ اللعب معايا عمره ما كان في صالح الطرف التاني، لأن ببساطة.. أنا الملك. اختفاء صاحبتك مأثرش فيكي أنتي وحسن المصري؟ بس خلاص، الليلة هتكون نهايتكم.

في الخارج، كان حمزة يختبئ خلف ساترٍ قريب، يراقب المداخل والمخارج بدقة، واضعًا يده على سماعة اللاسلكي، ينتظر إشارة البدء التي لم تأتِ بعد.

أما في غرفة العمليات، كان ياسين يتابع كل كلمة عبر جهاز التنصت، وعروق يده بارزة من شدة الضغط على الطاولة. كان يستمع لصوت كارما المضطرب وهو يحاول تقييم الموقف. لم يصدر أي أمر بالتدخل، مفضلًا الصمت والانتظار، فكل ثانية تمر تزيد من ضيق الخناق على مدحت وطارق، وتؤكد أن اللحظة المناسبة لم تحن بعد.

في المخزن، خيم الصمت للحظة بعد التهديدات، قبل أن تهتف كارما بصوتٍ يملؤه الخوف والارتباك:

ـ صاحبتي مين؟!

اقترب منها طارق بابتسامةٍ مريبة، وهتف بتهكم:

ـ نور شاكر.. مش عارفاها؟ ولا أنتي جاية جديدة الجريدة؟ حسن المصري قرر يضحي بيكي زي ما عمل مع نور، حسن هدفه المكسب، بس الليلة هتكون آخر ليلة ليكم تشوفوا النور.

أشار طارق بيده حول المكان، ثم تابع والشر يلمع في عينيه:

ـ زي ما خلصت من نور، هتحصليها.. بس أنتي هتموتي مرة واحدة، علشان المخزن محتاجينه للبضاعة الجديدة.

توقف طارق قليلًا ثم اقترب من وجهها أكثر، يراقب تأثير كلماته عليها ببرود، وأكمل بلهجة مقززة:

ـ ولا تحبي تشوفي البضاعة وهي بتتخزن هنا؟ بس المرة دي مش هتلحقي تكتبي المقال، لأنك هتكوني ميتة.. أو ممكن نستفيد منك قبل ما أقتلك، ناخد منك كلية أو فص كبد.. إيه رأيك؟

في الخارج، كان حمزة لا يزال يراقب المداخل والمخارج في صمت، يده على سلاحه، وعينه على حركة رجال مدحت، ينتظر إشارة ياسين.

وفي غرفة العمليات، كان ياسين يستمع لكل حرف عبر جهاز التنصت. تعابير وجهه جامدة تمامًا، وعيناه تراقب شاشة المخطط. كان مدركًا أن كارما الآن في بؤرة الخطر القصوى، لكنه كان يعلم أن أي تدخل قبل أن يكتمل تجمع هؤلاء المجرمين في نقطة واحدة سيؤدي لكارثة. ظل صامتاً، يراقب وينتظر اللحظة الحاسمة.

تصلبت ملامح كارما، وحاولت جاهدة أن ترتسم على وجهها علامات الاستسلام الزائف، فهتفت بنبرة مرتجفة:

ـ اللي أنتوا عاوزينه هعمله، بس سيبوني أمشي من هنا.. ومش هتكلم عنكم تاني، أوعدكم.

ارتسمت على وجه مدحت ابتسامة غدر ساخرة، وهو ينظر إليها بعينين خلت من أي رحمة، وقال متهكمًا:

ـ علشان تروحي تبلغي عننا؟ فكرانا عيال صغيرة؟

أجابت كارما بسرعة، وهي تحاول استغلال منطقهم في التخلص من الأدلة لتشتيت انتباههم:

ـ وفين الدليل اللي معايا؟ أظن أنتوا خدتوا الموبايل واللاب توب.. يعني مبقتش مصدر خطر عليكم، سيبوني أمشي!

تجهم وجه طارق، واختفت ابتسامة مدحت لتتحول نظراتهما إلى وحشية مطلقة، وهتف طارق ببرود وهو يتقدم نحوها:

ـ للأسف دورك انتهى.. مبقاش ينفع تفضلي عايشة.

وفي اللحظة التي استل فيها طارق سلاحه ووجهه مباشرةً نحو رأس كارما، كان ياسين في غرفة العمليات يراقب كل شيء عبر جهاز التنصت. ومع سماع صوت سحب أمان السلاح، ضغط ياسين على جهاز اللاسلكي بحزم:

ـ حمزة.. اقتحم فورًا! طارق ومدحت هدفنا، عاوزهم أحياء.. اتحرك!

انفجر باب المخزن الحديدي تحت وطأة اقتحام رجال حمزة. ولم يتردد طارق، بل سحب كارما بعنف ليجعلها درعًا بشريًا أمام جسده، وبدأ يفرغ رصاصات سلاحه باتجاه القوة المقتحمة. ساد المكان صخب الرصاص وصيحات التحدي، وتحول المخزن في ثوانٍ إلى ساحة معركة حقيقية.

حمزة، وهو يختبئ خلف أحد السواتر الخرسانية، كان يراقب كارما وهي عالقة بين نيران طارق ونيران رجاله، فصرخ فيهم:

ـ غطوا عليا! إياكم حد يضرب ناحية البنت.. ركزوا على طارق ومدحت، أنا عاوزهم أحياء!

رد مدحت بوابل من الرصاص من جانبه، صارخًا في رجاله بجنون:

ـ محدش يسلم نفسه! اللي يقرب من البضاعة أو مننا.. صَفّوه!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كانت كارما تصرخ وهي تحاول الإفلات من قبضة طارق التي خنقت أنفاسها، وسلاحه يتأرجح أمام عينيها مع كل طلقة. بينما كان حمزة يتحرك بحذرٍ شديد، باحثًا عن ثغرة ينفذ منها قبل أن يفقد طارق أعصابه تمامًا.

انهمر الرصاص من ناحية مدحت كوابل لا ينتهي، ارتطمت الطلقات بالصناديق المعدنية محدثة ضجيجًا يصم الآذان، بينما كان صوته يتردد في أرجاء المخزن:

ـ لم تستطع كارما الرد فورًا، اكتفت بالإيماء برأسها وهي تنظر بذهول إلى الأصفاد في أيدي من كادوا ينهون حياتها قبل لحظات.

بمجرد أن استقر الوضع وتم تأمين مدحت وطارق، أشار حمزة لعمر بأن يتولى هو تأمين الموقوفين، بينما اتجه هو نحو كارما التي كانت لا تزال ترتجف. وضع يده على كتفها بحذر وقال بصوتٍ هادئ:

ـ خلاص، كل حاجة بقت تمام. لازم تخرجي من هنا فورًا، المكان ده مابقاش آمن.

أومأت كارما برأسها ونهضت بصعوبة، وسار بها حمزة خارج المخزن نحو الهواء الطلق. وبمجرد أن أمن خروجها، عاد حمزة سريعًا وأمر فريقه ببدء المسح الشامل للمخزن.

بدأ الفريق بتفتيش كل زاوية، ومع قلب الصناديق وتفتيش الأركان المظلمة، قادهم البحث إلى غرفة جانبية صغيرة كانت مغلقة بإحكام. بعد كسر الباب، اتسعت أعينهم لما وجدوه. على طاولة خشبية متهالكة، كانت هناك مجموعة من الإبر المخدرة، وبجانبها التقط عمر شيئًا يلمع تحت ضوء الكشاف.

خرج حمزة بالخاتم في يده، واقترب من كارما التي كانت تقف بجوار سيارة الشرطة، وملامح الحزم تكسو وجهه. فتح كفه أمامها، وكان الخاتم يلمع تحت أضواء كشافات الشرطة.

نظرت كارما إلى الخاتم، وتراجعت خطوة للوراء والدموع تترقرق في عينيها، وهمست بصوت مخنوق:

ـ ده.. ده خاتم نور! يعني هي كانت هنا.. يعني كانوا بيعملوا فيها إيه بكل الإبر دي؟

نظر حمزة إلى مدحت المقيّد، ثم عاد بنظره إلى كارما، وقال بلهجة جادة:

ـ وجود الخاتم هنا مع الأدوات دي بيأكد إنها كانت محبوسة في الأوضة دي تحديدًا.. دلوقتي هنقدر نضغط عليه ونعرف مكانها الحقيقي.

التفت حمزة نحو رجاله بالداخل، وبصوتٍ لا يقبل الجدال أمرهم:

ـ المكان ده مش هيتساب! عايز تمشيط شامل.. كل زاوية، كل صندوق، وكل شبر في المخزن ده يتفتش. أي ورقة، أي أثر، أي دليل يربطنا بنور أو بالشبكة اللي مشغلينهم لازم يتجمع ويتحرز فورًا. مفيش غلطة مسموح بيها!

ثم أشار لقوة من العساكر كانت تقف بجانبه، وقال بلهجة آمرة:

ـ خدوا مدحت وطارق فورًا، اتحركوا بيهم على مقر التحقيق، وعايز حراسة مشددة عليهم هناك، ومحدش يقرب منهم لحد ما أوصل.

تحركت قوة العساكر بالسيارات، وانطلقوا بمدحت وطارق تحت حراسة مشددة نحو مقر الإدارة. التفت حمزة إلى كارما التي كانت لا تزال ملامح الصدمة مرتسمة على وجهها، وأشار لها بيده لتركب السيارة، ثم انطلق بها فورًا نحو نفس الوجهة.

عند وصولهما، ترجل حمزة وكارما من السيارة وتوجها بخطوات سريعة إلى مكتب ياسين. طرق حمزة الباب ودخل، ليجد والده يجلس خلف مكتبه غارقًا في أوراقه، وما إن رفع ياسين رأسه ورأى كارما بصحبة حمزة، حتى انتفض من مقعده وترك الملفات بيده، واقترب منهما بخطوات متسارعة، وملامح القلق تعلو وجهه الأبوي قبل العسكري.

نظر ياسين إلى كارما بتمعن، ووضع يديه على كتفيها بنبرة خافتة مليئة بالخوف:

ـ كارما.. إنتي كويسة؟ حصلك حاجة هناك؟

نظرت كارما لوالدها وأومأت برأسها بصمت، بينما استجمع حمزة شجاعته العسكرية، ووقف باعتدال ليؤدي التحية لوالده، ثم قال بثبات:

ـ المهمة تمت بنجاح يا فندم، مدحت وطارق في الطريق للمقر تحت حراسة مشددة، والمكان بيتم تمشيطه دلوقتي بدقة علشان نضمن إننا جمعنا كل الأدلة اللي هتوصلنا لنور.

تنهد ياسين براحة، وإن ظلت ملامحه تحمل التوتر، وقال بجدية:

ـ تمام.. المهم إنكم رجعتوا بخير.



« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل