قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (9)
انسحبت كارما إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها، تاركةً كاميليا تقف في حيرة، بينما كان حمزة يراقب المشهد بصمت، مدركًا أن أول خطوة في الخطة تمت، وأن كارما الحقيقية بدأت تتوارى خلف قناع "حبيبة عمرو".
بدأ اليوم الجديد بتوتر مكتوم يسكن كل تفاصيله. استيقظت كارما، ووضعت هاتفها الشخصي جانبًا، لتستبدله بهاتف بسيط ولاب توب، أدوات تليق بـ "حبيبة عمرو" لا بكارما ابنة ياسين الشاذلي. وقفت في منتصف الغرفة، نظرة أخيرة وكأنها تودع كل ركن فيها، وقلبها يخفق بتسارع لا تستطيع إخفاءه. خرجت بخطوات حذرة، لتجد والدها بانتظارها في الردهة؛ كان يقف بهدوء وكأنه ينتظرها منذ فترة. اقترب منها، وبصوت خافت وهادئ، قال:
ـ متخافيش، إنتِ متأمنة كويس جدًا. بس زي ما اتفقنا، الحلق ده تفضلي لبساه، إياكِ تقلعيه أو يلمسه حد.. ده اللي لو حصل أي غدر، هنوصلك من خلاله في ثواني.
لمست كارما الحلق في أذنها ببطء، شعرت ببرودته تحت أصابعها، وكأنها تلمس جسرًا رفيعًا بين حياتها القديمة والمصير المجهول الذي ينتظرها في الخارج.
ابتسمت كارما بهدوء لتمتص قلقها، وفي تلك اللحظة اقترب حمزة وانضم إليهما. نظر ياسين إلى الاثنين بجدية بالغة، ثم وجه كلامه لكارما بنبرة حازمة:
ـ حمزة هيوصلك وهيفضل معاكي دايمًا، بيتابع كل تحركاتك من بعيد وقريب. لو لسه في ذرة تردد قولي دلوقتي.. دخول اللعبة دي حاجة، والخروج منها مش بالسهولة اللي تتخيليها.
تجمعت ملامح الثقة على وجه كارما، تذكرت للحظة نور وحديثها المكثف عن "مدحت غانم" وما يمثله من خطر، فاستجمعت قوتها وردت بصوت واثق:
ـ أنا جاهزة يا بابا، اطمن. أنا واثقة إنك جنبي ومعايا في كل خطوة، بس أرجوك.. حاول ترجع نور.
أومأ ياسين برأسه واعدًا إياها:
ـ اطمني يا كارما، أنا وعدتك وهنفذ. كفاية كلام دلوقتي، والدتك جاية.
بالفعل، اقتربت كاميليا منهم بخطواتها الهادئة، ولم تلاحظ شيئًا من توتر الحوار، فقالت بابتسامة دافئة:
ـ الفطار جاهز، تعالوا عشان تاكلوا قبل ما يومكم يبدأ..
جلس الجميع على مائدة الإفطار في جوٍ خيّم عليه صمتٌ حذر. قطع حمزة الصمت وهو يتوجه بحديثه لوالدته كاميليا، باحترام وهدوء:
ـ يا ماما، بعد إذنك، لازم نتحرك أنا وكارما دلوقتي علشان تلحق ميعاد طيارتها للمطار.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في تلك اللحظة، نزل ريان من غرفته، وما إن سمع حديث أخيه حتى التفت نحو كارما وقال بابتسامة:
ـ مسافرة تونس؟ تروحي وترجعي بالسلامة. قوليلي ميعاد رجوعك، هحاول أظبط جدول رحلاتي وأكون أنا كابتن الرحلة اللي هترجعي فيها.
نظرت كارما لريان بتردد، وألقت نظرة سريعة على والدتها لتتأكد أنها لم تلحظ شيئًا، ثم أومأت برأسها ونهضت. قبل أن تغادر، نظرت لوالدتها بحب وقالت:
ـ ادعيلي يا ماما.
خرجت كارما مع حمزة من البيت سريعًا. وصلا إلى الحارة، حيث كانت هناك امرأة تنتظرهما عند مدخل المبنى. توقف حمزة ونظر لأخته باهتمام، ثم قال بجدية:
ـ خليكي هنا لحظة، هطلع أتأكد من أمان الشقة وأطمن إن كل حاجة تمام.
صعد حمزة وترك كارما في الأسفل لتبدأ وحدها في استيعاب الدور الجديد، بينما كان القلق يتسلل إلى قلبها وهي تقف في هذا المكان الغريب.
أنهى حمزة تفتيش الشقة بدقة، وبعد أن تأكد من خلوها من أي ثغرات أمنية، أشار لكارما بالصعود. دخلت كارما، وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها، شعرت بأنها خلعت مع ملابسها "كارما الشاذلي" بكل تفاصيل حياتها الرغدة. لم يعد هناك مكان للرفاهية أو الدلال؛ هنا، في هذا المكان الذي يفوح برائحة الغربة والغموض، لم يعد لها سوى هوية "حبيبة عمرو".
فرغت حقيبتها بهدوء، ورتبت أغراضها القليلة في الأماكن المخصصة، ثم اتجهت نحو الطاولة الصغيرة التي ستكون مكتبها في هذه الفترة. فتحت اللاب توب، وومضت الشاشة بضوئها الخافت في الغرفة المظلمة. تنفست بعمق، استجمعت كل ما لديها من قدرة على التركيز، وكتبت العنوان بخط عريض وواضح:
"خلف أسوار المتاجرة: حينما تُباع الحياة في السوق السوداء"
بدأت أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بثبات غير مسبوق، تفرغ كل المعلومات التي توصلت إليها، وكل الخيوط التي ربطتها بـ "مدحت غانم". كل كلمة كانت تكتبها كانت بمثابة إعلان حرب، وكل فقرة تنتهي منها كانت تقربها أكثر من عالم المافيا الذي تطارده. في تلك اللحظة، لم تعد كارما ابنة ياسين الشاذلي، بل أصبحت "حبيبة عمرو"، المحققة التي لا تخشى كشف المستور، والتي بدأت أخيرًا تغوص في أعماق القضية التي قد تغير مصيرها تمامًا.
وصل حمزة إلى مكتب والده، دخل بخطوات واثقة وأغلق الباب خلفه بإحكام قبل أن يتحدث بنبرة منخفضة:
ـ وصلت كارما للبيت، كل شيء جاهز هناك. بدأت أجهز غرفة عمليات خاصة ومجهزة بأحدث التقنيات عشان نتابع منها كل تحركاتها، وأي إشارة هتطلع من الحلق اللي معاها هتجيلنا فورًا.
أومأ ياسين برأسه بجدية، ونظر إلى الخرائط والصور المعلقة أمامه، ثم قال بصوت متحفز:
ـ ممتاز يا حمزة، بس خلي بالك، الضغط عليها في الشغل ده هيخليها في وش المدفع. لازم تكون حذر جدًا، والمراقبة على مدحت غانم وابنه تزيد، النوع ده من الناس أكيد هيغلطوا، وأنا عاوز الغلطة دي تكون هي الثغرة اللي هنوقعهم منها.
ابتسم حمزة بثقة، ورد وهو يضع يده على كتف والده ليطمئنه:
ـ اطمن يا بابا، أنا مراقبهم بنفسي، وأي حركة غير محسوبة منهم هكون عارفها قبل ما يكملوها. المهم دلوقتي نفضل سابقينهم بخطوة.
بعد أن اطمأن ياسين لخطة ابنه، توجه حمزة إلى مكتبه الخاص ليدير العمليات من هناك، تاركًا والده في مكتبه غارقًا في أفكاره، يراقب شاشات المراقبة ويفكر في المخاطر التي تحيط بابنته.
في الفيلا، كانت يارا تجلس غارقة في أفكارها، تشعر بثقل الضغط يطبق على أنفاسها وهي تتابع حالة سوسن التي انهارت تمامًا بسبب الأزمة التي حلت بالأسرة. قطعت خلوتها تلك طرقات متتالية على باب الفيلا الرئيسي.
نهضت الخادمة وفتحت الباب لتجد أمامها امرأة في بداية الخمسين من عمرها، يرافقها شاب يحمل حقائب سفر. دخلت المرأة بخطوات واثقة وابنها يتبعها، والتفتت تسأل بحدة:
ـ مين موجود هنا؟
ارتبكت الخادمة وأجابت بصوت خافت:
ـ الأستاذة يارا والست سوسن يا هانم.
قالت المرأة بلهجة حازمة لا تقبل الاعتراض:
ـ قوليلهم إني وصلت.. ميار عبد الرحمن، أخت شاكر.
استدارت الخادمة مسرعة نحو الداخل لتنقل الخبر ليارا وسوسن.
اتجهت الخادمة مسرعة إلى الداخل، ووقفت أمام يارا وهي تلهث من أثر الجري والاضطراب:
ـ يا أستاذة يارا.. في واحدة بره، بتقول إنها ميار عبد الرحمن، أخت الأستاذ شاكر.. ومعاها شاب!
اتسعت عينا يارا بذهول لم يشهده وجهها منذ وقت طويل، فميار لم تعد إلى مصر منذ أن سافرت إلى أمريكا مع زوجها قبل سنوات، ولم تنقطع أخبارها فحسب، بل انقطعت زياراتها تمامًا. نهضت يارا من مكانها، وخطواتها ثقيلة يملؤها الارتباك، واتجهت نحو ردهة الفيلا لتتأكد بنفسها.
بمجرد أن وقعت عينا ميار على يارا، لم تمنحها فرصة لاستيعاب الصدمة، بل بادرتها بنبرة يملؤها العتاب والحدة:
ـ مستغربة إني هنا؟ مكنتش فاكرة إنكم هتعتبروني غريبة وتخبوا عني اللي حصل لشاكر، وكأني لا أعرف شيئًا عن دمي وعيلتي!
حاولت يارا استجماع شتات نفسها، وقالت بصوت خافت:
ـ عمتي ميار.. إحنا ما قصدناش، الموقف كان فوق طاقتنا ومكناش عايزين نقلقك وإنتي بعيدة!
اقتربت ميار منها بخطوات واثقة، وقالت بلهجة لا تقبل الجدال:
ـ تخبوا عني؟ شاكر أخويا، والدم اللي بيجري في عروقكم هو دمي. كنت فاكرة إنكم هتعتبروني غريبة عشان بقالي سنين طويلة في أمريكا، بس وقت الشدة بيظهر المعدن الحقيقي.
سألتها يارا بدهشة:
ـ بس يا عمتي، مين اللي وصلك الأخبار؟
ردت ميار بنظرة ساخرة وقوية:
ـ الناس اللي في مصر لسه فيهم خير، وصاحبتي القديمة هي اللي حكتلي كل حاجة بالتفصيل.. كل صغيرة وكبيرة عرفتها من غير ما تحتاجوا أنتم تقولوا ليا.
لم تستطع يارا الرد؛ كانت تدرك أن ميار محقة في عتابها، لكن تتابع الصدمات جعلها غارقة في حالة من الضياع لا تجد معها مخرجًا. حاولت استجماع شتاتها، وطلبت من ميار وابنها "مراد" الجلوس في غرفة الاستقبال.
لم تنتظر ميار طويلًا، فالتفتت بعينيها الحادتين حول المكان وسألت:
ـ فين سوسن ونور؟ مش هنا ولا إيه؟
نظرت يارا للأرض، ثم رفعت عينيها المثقلتين بالهم، وقالت بصوت متهدج:
ـ طنط سوسن جوه يا عمتو.. من وقت القبض على عمو و...
توقفت يارا عن الكلام، فاقتربت منها ميار بخطوات سريعة وسألت بحدة ممزوجة بالقلق:
ـ وايه يا يارا؟ اتكلمي، إيه اللي حصل؟
فاضت عينا يارا بالدموع، وقالت بضعف:
ـ نور مخطوفة يا عمتو.. ومش عارفين مكانها فين!
شهقت ميار بصدمة، ووضعت يدها على صدرها:
ـ بتقولي إيه؟! إزاي كل ده يحصل ومحدش يعرفني؟! فين سوسن؟
قالت يارا وهي تحاول تهدئتها:
ـ اهدي يا عمتو أرجوكي.. طنط سوسن عندها انهيار عصبي من وقتها، وأنا كنت لوحدي هنا مكنتش عارفة أعمل إيه أو ألجأ لمين.
حاول مراد الإمساك بكتف والدته وتهدئتها بينما كانت هي تصر على رؤية سوسن فورًا. اتجهت يارا معهما نحو الغرفة؛ فتحت الباب ببطء، لتظهر سوسن في وضع يدمي القلب.
كانت سوسن تجلس على طرف الفراش، جسدها متصلب تمامًا وعيناها غائرتان شاخصتان نحو النافذة دون أن تريا شيئاً. كان وجهها شاحبًا كالموت، ويداها ترتجفان بشكل غير إرادي في حجرها. لم تلتفت سوسن حين دخلوا، بل ظلت على وضعها، تتنفس بصعوبة وأنفاسها متقطعة، وكأن الروح قد هربت من جسدها لتترك قوقعة فارغة. كانت ملامحها تعكس حالة من الانفصال التام عن الواقع؛ فقد استهلكها القلق والخوف حتى لم يعد في قدرتها البكاء أو حتى الكلام، فقد غلفها صمت مرعب منذ أن علمت باختفاء ابنتها.
تجمدت ميار عند باب الغرفة، ونظرت إلى حال سوسن التي كانت يومًا ما رمزًا للقوة والترتيب، ويدها ارتجفت وهي ترى هذا الانكسار في عيني سوسن التي لم تشعر حتى بوجودهم في الغرفة.
خرجت ميار من الغرفة بخطوات بطيئة، كانت ملامحها مزيجًا من الصدمة والغضب المكتوم. توقفت في منتصف الردهة والتفتت نحو يارا قائلة بصوتٍ متهدج:
ـ يا يارا.. ليه مابلغتوش الشرطة؟ ده مش مجرد سوء تفاهم، دي حياة بني آدمة!
مسحت يارا دموعها بطرف يدها وأجابت بصوت مخنوق:
ـ بلغنا يا عمتو.. من أول لحظة، والشرطة بيدوروا عليها في كل مكان، بس الموضوع معقد والناس اللي ورا ده كله مش سهلين.
شعرت ميار بثقل مفاجئ في جسدها، وكأن الخبر سلبها ما تبقى من قوتها، فجلست على أقرب مقعد وهي تضع يدها على رأسها. لاحظت يارا شحوب وجهها، فقالت بلهفة:
ـ عمتو.. واضح إن الطريق كان طويل ومتعب عليكي، اتفضلي ادخلي أوضة الضيوف ارتاحي شوية، وأنا هبعتلك أي حاجة تشربيها.
لم تعارض ميار هذه المرة؛ فقد كان حمل الأخبار أثقل مما تحتمله أعصابها، فأومأت برأسها موافقة. تحرك مراد هو الآخر، وبمساعدة الخادمة توجه إلى إحدى الغرف المجاورة ليأخذ قسطًا من الراحة بعد رحلة السفر المنهكة.
خيم الهدوء الموحش على أرجاء الفيلا مرة أخرى. اتجهت يارا إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها وأسندت ظهرها عليه. أغمضت عينيها، وبدأ عقلها يغلي بأسئلة لا تنتهي: كيف ستكون الخطوة القادمة؟ وما الذي تخبئه الأيام بعد وصول عمتها في هذا التوقيت الحرج؟ كانت تشعر بأن وجود ميار قد يغير موازين الأمور، لكن القلق بشأن نور ظل يسيطر على كل تفكيرها ويؤرق طمأنينتها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كانت كارما—أو "حبيبة عمرو" كما يعرفها الجميع الآن—تجلس أمام حاسوبها في غرفتها الهادئة، أصابعها تتحرك على لوحة المفاتيح بحماسٍ محموم، وكأنها تفرغ كل طاقتها وشغفها في هذه الكلمات. كانت عيناها تلمعان ببريق التحدي، وملامحها توحي بتركيزٍ عالٍ؛ فقد كانت تعيد صياغة كل فقرة بدقة متناهية، واثقة بأن هذا المقال هو السلاح الذي ستواجه به خيوط الحقيقة المعقدة.
بعد ساعات من العمل المتواصل، وضعت اللمسات الأخيرة، وأطلقت زفيرًا طويلًا وهي تراجع النص للمرة الأخيرة بعين فاحصة. لم تتردد لحظة، ضغطت على زر إرسال لبريد "حسن المصري"، المسؤول عن النشر، وأغلقت الحاسوب وهي تشعر بانتصارٍ صغير في معركةٍ بدأت لتوها.
لم يمر وقت طويل حتى وصلها رد حسن عبر رسالة سريعة:
المقال وصل يا كارما.. بقرأه حالًا وهرد عليكي بالقرار النهائي بخصوص الطبعة الأولى.
انتظرت كارما في حالة من الترقب المشوب بالحذر، حتى رن هاتفها بانتظار اتصالٍ منه. أجابت بلهفة، ليأتيها صوت حسن الرصين عبر الهاتف:
ـ شغلك ممتاز يا كارما.. الصياغة قوية والأسلوب يشد القارئ من أول سطر. توكلي على الله، المقال جاهز للنشر في الطبعة الأولى، وهيكون في صدر الصفحة الرئيسية الليلة.
تنفست الصعداء، وارتسمت على وجهها ابتسامة نصر خفيفة؛ فقد خطت خطوتها الأولى بنجاح تحت هويتها الجديدة.
بينما كانت كارما "حبيبة" لا تزال تعيش نشوة نجاح مقالها، قطع حبل أفكارها صوت طرقات متتالية، هادئة ومنظمة على باب شقتها. تجمدت في مكانها للحظة، وتسارعت دقات قلبها؛ ففي عالمها الجديد، كل حركة غريبة تثير في نفسها الريبة والتوتر.
سارت بخطوات حذرة نحو الباب، وفتحت جزءًا بسيطًا منه وهي تتفحص الطارقة بعينين ثاقبتين، لتجد أمامها الفتاة التي صادفتها في الصباح بابتسامتها الهادئة. كانت تحمل كيسًا من الورق تفوح منه رائحة طعام شهي.
اتسعت نظرات كارما قليلًا، فابتعدت عن الباب لتفسح لها المجال، ودخلت الفتاة بخطوات واثقة ومريحة. قالت بهدوء وهي تضع الطعام على الطاولة:
ـ أنا سمر، جارتك في الشقة اللي قصادك. حبيت أرحب بيكي وأجيبلك أكل جاهز، أكيد لسه مش عارفة المطاعم اللي هنا.. لو احتاجتي أي حاجة في أي وقت، أنا موجودة، بلغيني بس.
لم تنتظر سمر ردًا طويلًا، بل غادرت بخفة تاركةً كارما في حالة من الذهول الممزوج بالراحة. نظرت كارما إلى الطعام الموضوع بعناية على الطاولة، وشعرت حينها فقط بمدى جوعها الشديد بعد ساعات العمل الطويلة والمرهقة. جلست على المقعد، وبدأت تتناول وجبتها وهي تفكر في هذه الجارة الجديدة؛ هل هي مجرد صدفة طيبة، أم أن القدر يضع في طريقها أشخاصًا قد يكون لهم دور في حياتها الجديدة؟
بعد أن تناولت وجبتها، شعرت كارما بثقل الإرهاق يغزو جسدها بعد يوم طويل من التوتر والتركيز. نهضت لتتجه إلى فراشها، وخلعت عنها ملابسها الخارجية، ثم ألقت بجسدها على السرير وهي تشعر برغبة عارمة في النوم، لكن عقلها أبى أن يستكين.
أسندت رأسها إلى الوسادة وأغمضت عينيها، وبدأت أفكارها تدور حول المقال الذي أرسلته. تملّكها الفضول الممزوج بالخوف؛ فهي تعلم جيدًا أن كلماتِها في هذا المقال ليست مجرد حبر على ورق، بل هي قنبلة موقوتة.
طرقت الباب بهدوء، ليأتيها صوته الرصين سامحًا لها بالدخول. دفعت الباب لتجده يجلس خلف مكتبه، يمسك بفنجان قهوته وأمامه نسخة مفتوحة من الجريدة يطالعها بابتسامة رضا واضحة.
وما إن رفع عينيه ورآها، حتى اعتدل في جلسته وأشار لها بالجلوس قائلًا بنبرة تحمل تقديرًا كبيرًا:
ـ أهلًا بيكي يا حبيبة.. أو خليني أقول أهلًا بنجمة الجريدة النهاردة. المقال عامل صدى ممتاز من أول ساعات الصبح.
جلست حبيبة على المقعد المقابل لمكتبه، وابتسمت بهدوء محاولة إخفاء مشاعرها الحقيقية، ثم قالت بثبات:
ـ صباح الخير يا أستاذ حسن.. ده بفضل دعم حضرتك وثقتك. أتمنى يكون تأثير المقال قوي زي ما توقعنا.
أومأ حسن برأسه إيجابًا، ووضع فنجان القهوة على المكتب ليهتف بجدية:
ـ تأثيره أقوى مما تتخيلي. التليفونات مابطلتش رن من الصبح، وفي ناس كتير بتسأل عن الكاتبة اللي قدرت تفتح ملف شائك بالدقة والجرأة دي. إنتي حطيتي رجلك على أول الطريق الصح يا حبيبة، بس خليكي فاكرة إن الطريق ده مليان ألغام، واللي جاي هيحتاج تركيز أكبر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في مكتب مدحت، ساد صمتٌ خانق لم يقطعه إلا صوت أنفاس مدحت المتسارعة وهو يضغط على حواف الجريدة بقوة حتى كادت تتمزق بين يديه. نظر إلى ابنه طارق الذي كان يقف جامدًا أمام النافذة، يراقب المارة في الأسفل بعينين زائغتين، وكأنه يتوقع أن يرى أحدًا يراقبه.
كسر مدحت الصمت بصوتٍ مبحوحٍ من فرط الغضب:
ـ مين دي يا طارق؟ مين الـ ح.ع دي؟ إزاي واحدة نكرة تطلع من العدم وتكتب مقال بالدقة دي وتكشف خيوط إحنا بقالنا سنين بننسجها في الظل؟!
التفت إليه طارق ببطء، وكان وجهه قد فقد لونه تمامًا، وقال بنبرة مضطربة ومتقطعة:
ـ يا بابا.. الموضوع أكبر من مجرد مقال. الأسلوب.. التفاصيل.. دي مش معلومات عامة، دي تفاصيل ما يعرفهاش غيرنا، أو حد قريب مننا جدًا.
ضرب مدحت المكتب بقبضته، وصرخ في وجهه:
ـ قريب مننا؟! يعني إيه؟ يعني حد من اللي بيشتغلوا معانا بيسرب معلومات؟ ولا حد من عيلتنا بيلعب من ورا ضهرنا؟ لازم نعرف مين ح.ع دي قبل ما المقال الجاي ينهي كل اللي بنيناه.
بدأ "طارق" يروح ويجيء في الغرفة كالمسجون، وهو يفرك شعره بتوتر:
ـ أنا حاولت أبحث.. سألت في أكتر من جريدة، محدش يعرف مين ح.ع. كأنها شبح! أنا خايف نكون بنتحارب من جوا، مش من برة.
أشعل "مدحت" سيجارته بيديْن ترتجفان من الغيظ، وقال بنبرة مسمومة:
ـ شبح أو مش شبح.. أنا هعرف مين دي. لو اضطررت أفتش في تاريخ كل واحد بيتعامل معانا.. ح.ع دي لازم تتدفن قبل ما تفتح بوقها تاني.
ظل الاثنان في دوامة من التخمينات والشكوك التي بدأت تمزق الثقة بينهما وتزيد من توترهما، بينما كان القلق يسيطر على كل حركة في المكتب.
في مقر إدارة مكافحة المخدرات، كان حمزة يطرق باب مكتب والده بقوة، ودخل بخطوات واثقة، وفي يده ظرف رسمي مختوم بختم النيابة. وضع الظرف أمام والده على المكتب وقال بنبرة مليئة بالحماس:
ـ التصاريح بقت في إيدي يا فندم. النيابة وافقت على كل طلباتنا.. مراقبة الموبايلات، وزرع أجهزة تنصت داخل مقر الشركة وفيلا مدحت.
أخذ ياسين الظرف، وفتح الأوراق بتمعن شديد، يقرأ كل كلمة فيها بتركيز رجل قانون محنك. بعد أن انتهى، رفع نظره إلى حمزة الذي كان ينتظر إشارة البدء، وقال بصوت منخفض وحاد:
ـ ممتاز. دلوقتي معانا السند اللي يخلينا نتحرك في النور. الوقت ده تحديدًا هو أفضل وقت للتحرك.. طارق ومدحت لسه تحت تأثير الصدمة من مقال ح.ع، وشكوكهم في بعض وفي اللي حواليهم في أعلى مستوياتها. ده الوقت اللي بيغلطوا فيه أكتر.
وقف ياسين واتجه نحو نافذة مكتبه المطلة على المدينة، ثم التفت إلى حمزة وأضاف:
ـ بلغ فريق الدعم التقني، يتحركوا فورًا للشركة تحت غطاء صيانة الشبكات. عايزهم يخلصوا زراعة الأجهزة في المكاتب الحيوية، وأهمهم مكتب مدحت ومكتب طارق، من غير ما حد يحس بوجودهم. وبمجرد ما يتأكدوا إن الأجهزة بدأت تنقل إشارة، ينسحبوا فورًا.
أومأ حمزة برأسه، وأخرج هاتفه لبدء إعطاء التعليمات للفريق، بينما كان ياسين يعود لكرسيه، وفي عينيه نظرة ترقب للصيد الذي بات وشيكًا.
داخل مقر شركة مدحت، كان الموظفون يمارسون عملهم المعتاد، غير مدركين أن الهدوء الذي يسبق العاصفة قد حلّ. دخل ثلاثة رجال يرتدون ملابس زرقاء تحمل شعار شركة تقنية معروفة، يجرون حقائب معدنية ثقيلة، وتوجهوا مباشرة إلى مكتب الاستقبال.
هتف الفني المسؤول بلهجة مهنية واثقة للموظفة:
ـ فريق صيانة الشبكات والإنترنت، عندنا أمر فحص وتحديث دوري للأنظمة، زي ما هو متفق عليه مع الإدارة.
اتصلت الموظفة بمكتب مدحت، وجاءها الرد سريعًا بالموافقة. توجه الفريق إلى الدور العلوي، حيث تقع مكاتب "مدحت وطارق".
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بينما كان مدحت وطارق مشغولين بجدال حاد بعيدًا عن أعين الفنيين، استغل الفريق انشغالهما. بحركة سريعة لا تكاد تلمحها العين، قام أحدهم بلصق ميكروفونات متناهية الصغر في أماكن خفية؛ خلف لوحة خشبية معلقة خلف مكتب مدحت، وداخل وحدة التكييف المثبتة في سقف مكتب طارق. وفي الوقت نفسه، قام زملاؤهم بتوصيل أجهزة اعتراض بيانات بالراوتر الرئيسي للشركة.
همس الفني المسؤول لزميله:
ـ الهدف تم تأمينه.. الإشارة واضحة.
خرج الفريق بعد عشر دقائق فقط، تاركين خلفهم مكتبًا يبدو طبيعيًا تمامًا، لكنه أصبح الآن عينًا وأذنًا مفتوحة لـ ياسين.
في مقر إدارة مكافحة المخدرات، كان ياسين يجلس أمام شاشات وأجهزة استقبال الإشارة. وضع سماعات الرأس، وبدأ في ضبط الترددات، والتوتر والحماس يملآن عينيه. كان يعلم أن أي كلمة سيقولها مدحت أو طارق في مكتبهما بعد الآن ستكون مسموعة بوضوح، واللعبة الحقيقية قد بدأت للتو.
بعد خروج فريق الصيانة مباشرة، ساد في المكتب صمت ثقيل، قطعه صوت مدحت وهو يرمي الجريدة على المكتب بضيق، وعيناه تلمعان بشرر الانتقام:
ـ أنا ما خلصتش من نور شاكر وأبوها علشان تظهر لي واحدة زي ح.ع وتحاول توقعنا! خليك وراها يا طارق، عايز أعرف كل حاجة عنها، ومين اللي بيحركها. وتواصل مع ممولين الجريدة فورًا، حذرهم.. مش هاجي بعد كل اللي بنيته ده وأقع بسبب مقال!
سكت للحظة، ثم تابع ببرود شيطاني:
ـ وزي ما حطينا المخدرات لـ 'شاكر' في شركته، هنعمل نفس الكلام مع حسن المصري. بس المرة دي في بيته، عشان يترمي هو وصاحبه في السجن. الإمبراطورية دي أنا تعبت فيها، ومستحيل أسمح لأي حد يوقعها.
نظر إلى طارق وأضاف بنبرة حادة:
ـ وحاول تخلص من 'نور' في أسرع وقت، لازم مكانها يفضى للصحفية الجديدة دي.. زود الجرعات ليها.
أومأ طارق بموافقة صامتة، ثم استدار وخرج من المكتب بخطوات سريعة لتنفيذ الأوامر.
في مقر إدارة مكافحة المخدرات، كان ياسين يجلس صامتًا، وسماعات التنصت على أذنيه، بينما ملامحه كانت تتصلب مع كل كلمة يسمعها. عروق جبهته برزت، وقبضته ضغطت على حافة المكتب حتى ابيضت أصابعه.
نزع ياسين السماعات ببطء شديد ووضعها على الطاولة، ثم التفت إلى حمزة الذي كان يراقبه في صمت، وقال بصوت خافت، هادئ، لكنه يحمل نبرة تهديد لم يسمعها حمزة من والده من قبل:
ـ سمعت يا حمزة؟ الكلام اللي قاله مدحت دلوقتي مش مجرد خطة، ده اعتراف بجرائم قديمة وجديدة.. نور شاكر، وحسن المصري.. بيخططوا يدمروا حياة ناس تانية عشان يغطوا على فسادهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صمت ياسين لثوانٍ قبل أن يكمل بنظرة حازمة:
ـ أنا مش هتدخل دلوقتي علشان أنقذ الموقف وأبوظ كل حاجة.. خليهم يتحركوا، خليهم يفتكروا إنهم بيخططوا في أمان. عايز أراقب كل خطوة، وأسجل كل مكالمة، عايز أوثق لحظة دخولهم بيت حسن المصري وتلفيقهم للتهمة.. لما نمسكهم، عايزهم يروحوا ورا الشمس بملف متكامل مافيهوش ثغرة واحدة.
نظر إلى حمزة وأضاف بصرامة:
ـ ابعت فريق مراقبة يتابع طارق في كل خطوة، وعايز أعرف مين الشخص اللي هيستخدموه في زرع المخدرات.. اللعبة بدأت بجد، وممنوع أي خطأ.
أومأ حمزة برأسه مؤكدًا، دون أن ينبس ببنت شفة، وتحرك بسرعة نحو أجهزة التحكم في غرفة العمليات الملحقة بالمكتب. في ثوانٍ، كان صوته يتردد عبر اللاسلكي بنبرة منخفضة ومحكمة:
ـ كل الوحدات، انتباه. الهدف طارق خرج من مقر الشركة، اتجاهه غير معلوم حاليًا. المراقبة تكون لصيقة لكن من مسافة آمنة جدًا.. لا تلامس، لا مواجهة. أي محطة يتوقف عندها، أي شخص يقابله، تُوثق بالصورة والصوت. مفهوم؟
جاء الرد سريعًا من الميدان بالتأكيد. عاد حمزة ليقف بجانب ياسين أمام الشاشة الكبيرة التي تُظهر تحرك نقطة طارق الحمراء على خريطة المدينة الرقمية.
استقر طارق في سيره حتى وصل إلى منطقة الملاهي الليلية في وسط البلد، حيث تباطأت سرعة سيارته ثم توقفت أمام أحد الملاهي القديمة المعروفة بصخبها. ترجل طارق بهدوء، ودخل من الباب الرئيسي واثق الخطوة، بينما ظلت سيارته مركونة تحت أضواء الشارع الساطعة.
مرت الدقائق ثقيلة في غرفة العمليات، لا يُسمع فيها سوى صوت التكات الخافتة للأجهزة.
فجأة، لاحظ حمزة حركة في زاوية الشاشة المخصصة لمراقبة المخرج الخلفي للملهى. ضغط على زر التكبير ليظهر طارق وهو يخرج سريعًا من باب جانبي موارب، مرتديًا سترة داكنة، ويتوجه مباشرة نحو سيارة أجرة كانت تنتظره في الزقاق المظلم.
التفت حمزة إلى والده، ونبرة صوته تحمل دهشة مكتومة:
ـ يا فندم، طارق خرج من مخرج خلفي.. ركب تاكسي واتحرك، وسايب عربيته قدام الملهى كأنها لسه هناك.
لم يظهر على وجه ياسين أي انفعال. اكتفى بمراقبة التاكسي وهو يبتعد على الخريطة، ثم قال بهدوء:
ـ العبة بدأت. التاكسي ده هو اللي هيوصلنا للخيط اللي بندور عليه.. خلي الرجالة اللي قدام الملهى يفضلوا في أماكنهم، مش عايز طارق يحس إننا بنراقب عربيتنا.. كمل مراقبة للتاكسي، عايز أعرف هو رايح فين ومن هيقابل.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
