سم الحروف - الفصل 8 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (8)



وصل ياسين إلى مقر مكافحة المخدرات، توجه بخطوات واثقة وسريعة نحو مكتبه، حيث انغمس فورًا في مراجعة الملفات ووضع اللمسات الأخيرة على خطته. بعد فترة ليست بالطويلة، أعلن صوت أقدام مألوفة وصول حمزة برفقة كارما.

مرت دقائق من الصمت المطبق داخل أروقة المكتب، حتى جاء حمزة استدعاء عاجل من مكتب والده. اصطحب كارما التي كانت تبدو ملامحها متوترة، ودلفا معًا إلى داخل المكتب. وقف حمزة بوقاره المعهود وأدى التحية العسكرية لياسين، بينما وقفت كارما بجواره، عيناها تتنقلان بين والدها وبين الأوراق المبعثرة على المكتب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر ياسين إلى حمزة بنظرة حازمة وقال:

ـ حمزة، عايزك تتحرك فورا وتستدعي حسن المصري رئيس تحرير الجريدة للمكتب. الموضوع مش محتمل أي تأخير.

أومأ حمزة بالموافقة العسكرية، ثم استدار مغادرًا المكتب دون كلمة إضافية، تاركاً كارما وحيدة مع والدها. بمجرد أن أغلق الباب خلفه، ساد سكون ثقيل في الغرفة، أشار ياسين بيده إلى المقعد المقابل له آمرًا:

ـ اقعدي يا كارما.

جلست كارما، فمال ياسين بجسده للأمام، وضع يديه متشابكتين فوق المكتب، ونظر في عينيها مباشرة بنظرة فاحصة، ثم سأل بصوت منخفض:

ـ عايزة تساعدينا نعرف مكان نور ولا لأ؟

تعجبت كارما من حديث والدها، وعقدت حاجبيها بدهشة قبل أن تهتف بصدق:

ـ أكيد عاوزة أساعدها يا بابا! ده نور زي أختي!

تنهد ياسين تنهيدة عميقة، ثم نظر إليها بتركيز شديد وقال بصوت منخفض وحازم:

ـ الكلام اللي هتسمعيه هنا يا كارما ممنوع أي حد يعرفه، حتى والدتك. لو حياة صاحبتك مهمة عندك فعلًا، يبقى لازم تعملي اللي هنتفق عليه.

سألته كارما بنبرة مضطربة:

ـ إيه الخطة يا بابا؟

أجابها ياسين وهو يعود للتركيز في أوراقه:

ـ هتعرفي كل حاجة لما يوصل رئيس التحرير.

ظلت كارما جالسة في المكتب، يدق قلبها بعنف مع كل دقيقة تمر، وعقلها لا يتوقف عن التفكير؛ يا تُرى ما الذي يخطط له والدها؟ وما هو الدور الذي ستلعبه هي في هذه القضية؟

بعد فترة ليست بالطويلة، وصل حسن المصري، حيث استقبله حمزة في الخارج قبل أن يصطحبه إلى مكتب ياسين، وكان برفقتهما وكيل النيابة. لم يمكثوا طويلاً في المكتب، فقد أشار ياسين للجميع بالتوجه إلى غرفة الاجتماعات الملحقة، حيث سيبدأ ياسين في عرض خطته وتوزيع الأدوار عليهم.

في غرفة الاجتماعات، كان الجميع يستمع لياسين بتركيز شديد، وحمزة يجلس بجانب كارما يراقب تفاصيل الخطة وعلامات التوتر على وجه شقيقته، ملامحه كانت جامدة كعادته، لكن عينيه كانت تتابع كل كلمة يقولها والده.

التفت ياسين إليهم جميعًا، ثم هتف بوضوح:

ـ الطريقة اللي هنقدر نوقع بيها مدحت غانم وابنه هي الصحافة. هنعمل لكارما هوية مزيفة، وهتنشري مقالات استقصائية عن تجارة الأعضاء، بس باسم مستعار.

أكمل ياسين وهو ينظر لحمزة وكأنه يتأكد من استيعابه للدور الأمني الذي سيلعبه في حمايتها:

ـ هنجهز لكِ شقة في منطقة سكنية بسيطة، وهتكوني صحفية طموحة. طارق غانم هيحاول يوصلك، وهينجح في ده، بس مش من أول مقال. عاوزك تكتبي تحقيق واتنين، وتكوني في قمة الجرأة.

تابع ياسين بحدة وهو يوجه نظره لكارما ثم لحمزة:

ـ لما يحس إنك بتمثلي خطر حقيقي على والده، هيحاول يعرض عليكِ فلوس عشان توقفي التحقيقات.. وهنا الدور الحقيقي، عاوزك توافقي، وتلعبي دور البنت الفقيرة اللي حلمها الوحيد إنها تلمع وتدخل عالم الكبار. لازم تقربي منه وتخليه يثق فيكِ، وفي الوقت ده حمزة هيكون عينك اللي مش شايفاها، هيأمن تحركاتك ويراقب كل خطوة بتخطيها.

أنهى ياسين كلامه، ثم نظر إلى وكيل النيابة وحسن المصري، قبل أن يوجه نظره لكارما وحمزة، ينتظر أن يرى استعدادهما لهذه المهمة التي تضع حياة كارما على المحك.

هتف حمزة بنبرة قلقة ومتحفظة:

ـ أيوة يا ريس، بس الخطة دي مخاطرتها كبيرة على كارما.

قاطعه ياسين بنبرة حازمة:

ـ معاك أسبوعين تدرب كارما فيهم الدفاع عن نفسها، ومطلوب منك تشوف بيت مناسب وتأمنه.

التفت ياسين بعدها لحسن المصري، ونظر إليه بعمق ليهتف:

ـ عارف إنك هتتعرض لضغط وتهديد الفترة الجاية، لو مش عاوز تساعدنا عرفني وأنا هتصرف.

تردد حسن المصري وبدا عليه القلق، ففهم ياسين تردده على الفور وطمأنه قائلاً:

ـ فيه حراسة عليك وعلى بيتك، متقلقش.

استجمع حسن المصري شجاعته وأومأ بالموافقة. أنهى ياسين الاجتماع قائلاً:

ـ تمام، هنبدأ تنفيذ بعد أسبوعين.

غادر حسن المصري بعد أن رتبوا خطتهم، بينما بقيت كارما في مكتب ياسين هي وحمزة.

هتف ياسين وهو ينظر إلى كارما وحمزة بجدية:

ـ هترجعوا البيت مع بعض، وهتقولوا لوالدتكم إن كارما اتنقلت لقسم الفن وهتسافر عشان تغطي فعاليات مهرجانات، وحمزة هيبلغها إنه مسافر مهمة في نفس الوقت، عشان سفركم مع بعض بكرة للإسكندرية يكون طبيعي جدًا قدامها وما يثيرش أي شك.

أكمل ياسين بتوجيهاته لحمزة:

ـ بكرة الصبح هتسافروا، وهناك هتدربها على الدفاع عن نفسها بعيد عن العيون وعن أي قلق. عاوز أسمع أخبار كويسة خلال الأسبوعين دول.

ثم أضاف وهو يلملم أوراقه:

ـ ارجعوا أنتم البيت دلوقتي، وأنا عندي لقاء مع القادة عشان يطلعوا على الخطة والترتيبات.

خرج ياسين من المكتب تاركًا حمزة وكارما بمفردهما، ينظر أحدهما للآخر؛ الصمت يسود الغرفة، وثقل المهمة التي تنتظرهما في الإسكندرية بدأ يلقي بظلاله عليهما.

وصل حمزة وكارما إلى الفيلا، وما إن فُتح بابها الضخم حتى استقبلتهما كاميليا بلهفة وتوتر واضح، وعيناها تتفحصان ملامح وجهيهما بحثًا عن أي إجابة.

هتفت كاميليا بقلق:

ًـ اتأخرتوا ليه يا ولاد؟ قلقتوني عليكم، حصل إيه في الشغل؟ وليه باباكم مجاش معاكم؟

أسرع حمزة لتهدئتها قبل أن تزيد وتيرة أسئلتها، فوضع يده على كتفها وقال بنبرة هادئة ومطمئنة:

ّـ اهدي يا ست الكل، مفيش حاجة، كنا بنخلص شوية تفاصيل في الشغل، وبابا عنده اجتماع مع القادة ومجاش معانا، كل الأمور تحت السيطرة.

التقطت كارما خيط الحديث، وحاولت رسم ابتسامة هادئة على وجهها وهي تقول:

ـ فعلًا يا ماما مفيش حاجة تقلق، بس أنا عندي أخبار حلوة، أخيرًا وافقوا على طلبي واتنقلت لقسم الفن، وبكرة بإذن الله مسافرة الإسكندرية عشان أغطي حفلات الصيف هناك، فرصة كبيرة ليا.

تنفسّت كاميليا الصعداء وشعرت بارتياح بسيط، وقالت بابتسامة باهتة:

ـ ألف مبروك يا حبيبتي، بس الإسكندرية لوحدك؟

هنا تدخل حمزة بذكاء ليُتمم التمهيد للسفر، وقال:

ـ لا يا ماما مش لوحدها، أنا كمان مسافر بكرة الإسكندرية في مهمة عمل، فهنطلع مع بعض، هتكون رحلة شغل آمنة لينا إحنا الاتنين.

حاولت كاميليا إقناع نفسها بأن الأمر طبيعي، رغم أن قلق الأم في داخلها لم يختفِ تماماً. التفتت كارما إليهما وقالت وهي تحاول إنهاء الحوار:

ـ أنا تعبانة شوية ومحتاجة أطلع أرتاح، هطلع أوضتي، ولما بابا يوصل بالسلامة وتخلصوا كلامكم ابقوا نادوا عليا.

صعدت كارما إلى غرفتها، تاركةً حمزة مع والدته في ردهة الفيلا الفسيحة، وهو يحاول إخفاء ثقل المهمة التي تنتظره.

كان المكتب غارقًا في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى صوت أنفاس ياسين المتسارعة وهو يحدق في الخريطة أمامه، ملامحه تعكس حيرةً تنهش رأسه. دخل وكيل النيابة بخطواتٍ مترددة، ملامحه توحي بأن القادم لن يكون سارًا، ليقطع ذلك الصمت قائلاً:

ـ سيادة اللواء، بكره أول جلسة محاكمة لشاكر عبدالرحمن.. القضية دي لو بدأت مسارها القانوني دلوقتي، هتاخد طريق تاني خالص بعيد عن اللي إحنا خططنا له.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

صمت ياسين لثوانٍ طويلة، تجمدت فيها عيناه على نقطةٍ مجهولة في الخريطة، قبل أن يلتفت ببطء إلى وكيل النيابة ويقول بنبرةٍ حازمة:

ًـ لازم أكلم المحامية اللي ماسكة القضية.. استدعيها في مكتبي فورًا، في كلام لازم يتقال لها دلوقتي.

أومأ وكيل النيابة برأسه وخرج ليجري الاتصال. وبعد وقتٍ قصير، كانت علياء تقف أمام باب المكتب، تستعد للدخول.

دفع وكيل النيابة الباب قليلًا بعدما استأذن، ودخلت علياء بخطوات واثقة، نظرتها حادة تتفحص المكان قبل أن تستقر عيناها على الرجل الواقف خلف المكتب. اعتدل ياسين في وقفته، ووضع يده على حافة المكتب وهو يقول بصوتٍ جهوري:

ـ اللواء ياسين الشاذلي، نائب رئيس مكافحة المخدرات.

نظرت إليه علياء ببرود، وأجابت بنبرةٍ لا تقل ثباتًا:

ـ علياء المهدي، محامية شاكر عبدالرحمن.. وبنته.

أشار ياسين لوكيل النيابة بأن يتراجع للخلف، ثم نظر لعلياء بجدية وقال:

ـ بصي يا أستاذة علياء، قضية شاكر بكرة واخدة طريق الإدانة، وده هيقفل الباب نهائياً على الوصول للمجرم الحقيقي. أنا محتاج الجلسة دي تتأجل.

عقدت علياء حاجبيها بضيق، وهزت رأسها رافضة:

ـ صعب جدًا يا سيادة اللواء. المحكمة مش بتأجل قضية جنايات عشان محتاجين وقت. ده طلب غير قانوني، وهيبان قدام القاضي إني بتلاعب بسير العدالة، وده شيء مش هسمح بيه.

قرب ياسين منها خطوة، ونبرة صوته كانت حازمة:

ـ اطلبي إن الجلسة تكون سرية لدواعي أمن قومي. أول ما القاعة تفضى، وكيل النيابة هيقدم التماس للقاضي، وفي اللحظة دي، إحنا هنكون اتحركنا مع وزير الداخلية ومسؤولين كبار عشان نوقف المحاكمة لفترة.

سكتت علياء لحظة، تفكر في أبعاد الخطة، ثم سألت بنبرةٍ مريبة:

ـ طب ليه بتعملوا ده كله؟ شاكر في نظر القانون متهم، والأدلة كلها ضده. إيه اللي يخلي أمن الدولة والشرطة يتدخلوا؟

صمت ياسين للحظة، ونظر في عينيها مباشرة دون أن يجيب، مما جعلها تضيق عينيها وتسأله بحدة:

ـ القضية دي ليها علاقة بمدحت غانم؟

ظل ياسين صامتًا تمامًا، لم ينطق بكلمة واحدة، واكتفت نظراته الحادة بتأكيد شكوكها، تاركًا الغموض سيد الموقف.

كان الصمت في المكتب ثقيلًا، كأنما يحمل في طياته ثقل الحقيقة التي يحاول ياسين إخفاءها. نظر ياسين إلى علياء نظرةً مطولة، كانت اعترافًا خفيًا ارتدى ثوب الغموض، لتفهم علياء في تلك اللحظة أن حدسها لم يخبُ؛ فاسم مدحت غانم لم يكن مجرد صدفة في هذه القضية. أدركت علياء أن اللعبة أكبر بكثير مما كانت تتخيل، فهزت رأسها ببطء، ثم استدارت وخرجت من المكتب دون أن تنطق بحرف.

في وقتٍ لاحق، عاد ياسين إلى منزله منهكًا. بمجرد أن وطأت قدماه الصالة، وجد كاميليا جالسةً في هدوء. سأل وهو يفك ربطة عنقه:

ـ فين الشباب؟

أجابت كاميليا وهي تنظر إليه مباشرة:

ـ في أوضهم.. بس كنت عايزة أسألك، صحيح الكلام اللي بيتقال إن ليك يد في نقل كارما لقسم الفن؟

سكت ياسين للحظة، شرد فيها بذهنه، ثم نظر إليها بعمق وقال:

ـ أيوه.

لم يمهلها فرصة للتعقيب، بل استدار وصعد سريعًا إلى غرفته ليغير ملابسه، فلم يكن قادرًا على مصارحتها بالحقيقة، وفي الوقت نفسه، ضاقت به السبل ليخفي عنها ما يمر به. بعد فترة، نزل ياسين ليجدهم في انتظاره، وجلسوا جميعاً لتناول الغداء في جوٍ خيم عليه الوجوم.

وما إن انتهوا، حتى مسح ياسين فمه بالمنديل، ونظر إلى حمزة بجديةٍ بالغة:

ـ يا حمزة.. تعالى عايزك في المكتب، فيه كلام مهم لازم نخلصه.

نهض حمزة وتحرك خلف والده نحو المكتب، بينما كانت كاميليا تراقبهما في صمت، تتابع تحركاتهما بتوترٍ واضح، وكأنها تشعر بأن القادم يحمل عاصفةً لا مفر منها.

دخل حمزة المكتب خلف والده، وأغلق ياسين الباب بإحكام، ليعزل صدى حديثهما عن أرجاء المنزل. أخرج ياسين من جيب سترته شريحة هاتف صغيرة، وضعها على سطح المكتب الخشبي، وقال بنبرةٍ منخفضة وصارمة:

ـ خد الشريحة دي.. ده خط دولي مش متسجل باسم حد. أول ما توصلوا إسكندرية بكره، تسلمه لكارما، وتفهمها إنها لازم تكون في تليفونها هي وبس، ممنوع أي حد غيرها يعرف بوجودها.

تأمل حمزة الشريحة بتركيز، ثم رفع عينيه لوالده بجدية، مدركاً أن الأمر يتجاوز أي نقاش:

ـ علم وينفذ يا سيادة اللواء. هسلمها ليها وأفهمها الخصوصية التامة.

أومأ ياسين برأسه، ثم اقترب منه قليلاً، ونبرة صوته تحمل ثقل المسؤولية:

ـ مش بس تسلمها ليها. عايزك تبدأ معاها تدريبات تأمين حركتها. علمها إزاي تغير مسارها وهي راجعة من أي مقابلة، وتتأكد مية في المية إن محدش مراقبها أو ماشي وراها. أي حركة غير مألوفة، أي شعور بأنها متبوعة، لازم تتصرف فورًا وتغير خطتها.

سأل حمزة بهدوء:

ـ هتبدأ التدريبات من إمتى؟

أجابه ياسين بصرامة:

ـ من أول لحظة رجليكم تلمس أرض إسكندرية. مفيش وقت نضيعه، وإنت المسؤول عن سلامتها قدامي، وقدام نفسك.

أخذ حمزة الشريحة، وتحرك للخروج في صمت، بينما ظل ياسين واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان على المساحة الفارغة التي كانت تغطيها الشريحة، وكأنها مفتاحٌ لشيءٍ لا يعرفه غيره.

بعد فترة، خرج ياسين من المكتب بوجهٍ جامد لا يوحي بشيء. في تلك اللحظة، استغل ريان هدوء الصالة ليقطع الصمت، وقال بنبرة عادية وكأنه يلقي خبراً روتينياً:

ـ على فكرة يا جماعة، أنا مسافر بكره الصبح بدري، عندي رحلة.

التفتت إليه كاميليا بضيقٍ واضح، وقالت:

ـ يعني كلكم مسافرين في نفس الوقت؟ حمزة وكارما مسافرين إسكندرية، وإنت رحلة تانية؟ البيت هيفضى عليا!

ابتسم ريان بمكر، ونظر إلى والده ثم إلى والدته وقال:

ـ ما هو ده المطلوب يا ست الكل، عشان نفضي البيت لسيادة اللواء شوية، وترتاحي من إزعاجنا طول الفترة اللي فاتت.

تصلب ياسين في مكانه ونظر إلى ريان بنظرة حادة، بينما تعالت ضحكات حمزة وكارما العفوية على خفة ظل ريان وتوقيته. تقدم ياسين بخطوات بطيئة حتى وقف أمام ريان مباشرة، وقال بنبرةٍ جادة لكنها تحمل تلميحاً بالتهديد:

ـ بفكر جديًا أطردك من البيت دلوقتي، وتروح تقضي ليلتك في المطار.

لم يرتجف ريان، بل زاد من ابتسامته وقال بمزاح مستفز:

ـ متقلقش يا سيادة اللواء، بيوت أصحابي موجودة، خاصة المضيفات.. دايماً بيوتهم مفتوحة.

ساد صمت مفاجئ في أرجاء الصالة، وتسمرت نظرات الجميع على ريان بصدمةٍ واضحة، بينما توسعت عينا كاميليا غير مصدقة لما سمعته، وتجمد حمزة في مكانه محاولًا كتم ضحكته أو دهشته، وظل ياسين ينظر إليه بحدةٍ تجعل من في الغرفة يحبسون أنفاسهم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قبض ياسين على قميص ريان بقوة، وقربه منه وعيناه تشتعلان بحدةٍ لم تترك مجالاً للشك في جديته، وقال بصوتٍ منخفضٍ ومتحشرج:

ـ بتقول إيه؟ عيد اللي قلته تاني كدة!

تلاشت ابتسامة ريان فوراً، وبدت عليه علامات الارتباك وهو يحاول فك قبضة والده، وقال بصوتٍ متلعثم:

ـ بهزر يا سيادة اللواء.. أسف يا حكومة، ده أنا حتى ماليش في الكلام ده!

انفـ.ـجر حمزة وكارما في الضحك على وجه ريان الذي تبدلت ملامحه من المكر إلى الرعب المفاجئ، حتى كاميليا لم تتمالك نفسها وخرجت منها ضحكة مكتومة وهي تهز رأسها بيأس من تصرفات ابنها. في تلك اللحظة، تلاشى التوتر الذي كان يسيطر على الأجواء تماماً، فوجود ريان بطبيعته المشاكسة كان يضفي على البيت روحًا مختلفة، وكأنه خيط الضوء الذي يكسر حدة الظلام.

نجح ريان بخفة دمه المعهودة في تبديد ثقل اللحظات الماضية، وقضوا بقية السهرة في جوٍ هادئ وعائلي، بعيداً عن أشباح القضايا والمهمات. وبعد وقتٍ قصير، بدأ كل واحدٍ منهم في الانصراف نحو غرفته، ليأوي إلى فراشه ويستعد لما يحمله الغد من تحديات.


في غرفةٍ لا تعرف معنى للشمس، كانت نور غارقة في ضبابٍ لا ينتهي.

لم تكن الأيام بالنسبة لها سوى فتراتٍ متباعدة من غيبوبةٍ مُفتعلة؛ فالمخدر الذي يحقنونه في جسدها بانتظام كان يهدف لتعطيل إدراكها تمامًا. كانت تقضي معظم وقتها في حالة توهان بين اليقظة واللاوعي؛ فكلما اقترب أحد من خاطفيها، كانت تراه كطيفٍ بلا ملامح، صورة مهتزة لا تستطيع تثبيت تفاصيلها، وكأن عقلها يرفض معالجة ما تراه أمامها.

حالتها الجسدية تراجعت بشكل ملحوظ؛ فقدان شهية حاد، وجهها فقد كل بريقه وأصبح شاحبًا، وجسدها كان يعاني من رعشة لا إرادية كلما بدأ مفعول الحقنة يخف قليلًا. كانت تحاول في لحظات صحوتها النادرة أن تستجمع شتات أفكارها وتتذكر كيف وصلت إلى هذا المكان، لكن التعب كان يغلبها، حيث تشعر بضغطٍ شديد في رأسها يمنعها من التفكير بوضوح.

كانت تجلس في زاوية الغرفة، ضامةً ركبتيها إلى صدرها، تحدق في الفراغ بعيونٍ فاترة. لم تعد تملك الطاقة للبكاء أو المقاومة، فالمادة المخدرة التي في دمها سحبت منها القدرة على الانفعال، وتركتها في حالة من السكون القسري. في تلك اللحظات التي تتخلص فيها مؤقتاً من سيطرة المخدر، كان الألم في رأسها يزداد، وتتساءل في سرها:

هل لا يزال هناك من يبحث عني؟ أم أنني صرت في طي النسيان؟

❈-❈-❈


مع إشراقة الصباح الباكر، وطأت أقدام حمزة وكارما أرض الإسكندرية. كان الهواء يحمل ملوحة البحر ورطوبته، مما أضفى على المكان طابعاً من الهدوء المريب. سارا معًا في أحد الأزقة الجانبية البعيدة عن صخب المدينة، حتى توقف حمزة فجأة، والتفت يمينًا ويسارًا ليتأكد من خلو المكان، ثم أخرج الشريحة من جيبه ومدها لكارما.

نظر إليها بجدية وقال:

ـ خدي الشريحة دي احتفظي بيها معاكي لحد ما نرجع القاهرة.

أخذتها كارما ونظرت إليها بتعجب، ثم سألته:

ـ شريحة؟ طيب هي دي لازمتها إيه؟ وليه لازم أحتفظ بيها لحد ما نرجع؟

تنهد حمزة بعمق، وبدا على وجهه الغموض، فأجابها بلهجة مقتضبة:

ـ معرفش، سيادة اللواء طلب مني أدهالك، ولما سألته عن السبب قالي هنعرف كل حاجة منه لما نرجع القاهرة.


وفي تلك الأثناء، وعلى بعد مسافات بعيدة في القاهرة، كانت قاعة المحكمة تغص بالحشود والضجيج. جلست علياء في مقعدها، وقد تملّك منها التوتر، فكانت تراقب القاضي وهو يقلب أوراق القضية بتركيزٍ شديد. كان الصمت الذي يسبق نطق القاضي بقراره يثقل كاهلها، وبدت ملامحها مزيجاً من الترقب والقلق، فهي تعلم أن هذه اللحظات قد تكون الفاصلة في مسار حياتهم جميعًا.

ساد الصخب أرجاء قاعة المحكمة، ومع دقات الساعة التي تعلن بداية المواعيد الرسمية، طرق الحاجب على المنصة بقوة وهو ينادي بصوته الجهوري:

ـ محكمة! القضية رقم ٤٠٢ جنايات، بتهمة حيازة مواد مخدرة بقصد الاتجار، المتهم: شاكر عبد الرحمن!

بمجرد أن انتهى الحاجب من النداء، نهضت علياء من مقعدها وقطعت الصمت الذي بدأ يفرض نفسه بصوتٍ حازمٍ يملؤه الثقة:

ـ يا سيادة القاضي، بعد إذنك.. قبل ما نبدأ أي إجراء في القضية دي، أنا بطلب إن الجلسة تتحول لسرية فورًا، ومفيش أي حد يحضرها غير الأطراف المعنية والمحكمة.

توقف القاضي عن تقليب الأوراق، ونظر إليها بتركيزٍ شديد قبل أن يسأل بحدة:

ـ وده ليه يا أستاذة علياء؟ إيه المبرر القانوني لطلب زي ده؟

أخذت علياء نفسًا عميقًا، ثم قالت بنبرة حادة ومركزة:

ـ سيادة القاضي، التحقيقات في واقعة المخدرات اللي لقوها في مخزن 'شاكر عبد الرحمن' اتكشفت فيها تفاصيل بتشير لوجود شبكة أكبر بكتير، وعرض المستندات دي حالياً في جلسة علنية هيخلينا نكشف أسماء وأطراف لسه قيد التحقيق، وده مش بس هيعرقل سير العدالة، ده هيحط الموكل وعيلته في خطر حقيقي ومباشر. أنا بطلب السرية علشان أحمي أدلة القضية وأضمن سلامة الشهود والأطراف المرتبطة بيها.

ساد صمتٌ مطبق في القاعة، والقاضي نظر لها بتمعن، وكأن كلامها لمس نقطة حساسة في الملف أمامه. ثم أومأ برأسه للحاجب:

ـ يتم إخلاء القاعة فوراً.. الجلسة سرية.

بدأ الحضور في المغادرة ببطء تحت إشراف الأمن، وبعد أن فرغت القاعة تمامًا، التفت القاضي إلى وكيل النيابة وقال:

ـ دلوقتي يا سيادة وكيل النيابة، اتفضل اعرض ما لديك.

ساد صمتٌ ثقيل في أرجاء القاعة، لم يقطعه سوى صوت تقليب الأوراق بيد القاضي. مع كل صفحةٍ كان يتفحصها، كانت ملامحه الجامدة تتحول من التشكيك إلى حالةٍ من التركيز المهني الصارم. لقد كانت المستندات التي قدمتها علياء توضح بتسلسلٍ رقميٍ دقيق كيف نُصبت المكيدة لـ شاكر ليكون كبش الفداء في تلك العملية.

ألقى القاضي القلم على الطاولة بحدة، ثم رفع عينيه لتستقرا على "شاكر" خلف القفص، وقال بنبرةٍ جافة تخلو من أي مشاعر:

ـ المستندات اللي قدامي دي بتقول إن محضر الضبط فيه ثغرات كبيرة، وإن فيه أدلة بتنسف الرواية اللي النيابة ماشية عليها.

التفت القاضي إلى وكيل النيابة، وأكمل بصوتٍ يملؤه الحزم الإجرائي:

ـ بناءً على ما قدمه الدفاع، المحكمة بتشوف إن القضية بالشكل ده مش هينفع تكمل. فيه تناقضات جوهرية لازم النيابة ترد عليها، والورق ده محتاج فحص دقيق بعيد عن ضغط الجلسات.

طرق القاضي بمطرقته على منصته معلنًا:

ـ قررت المحكمة تأجيل الجلسة لأجل غير مسمى، لحين ورود تحريات تكميلية ترد على الدفوع دي، وتوضح حقيقة التناقضات اللي في ملف القضية.

غادر القاضي القاعة، وتبعه الموظفون. تقدم الحارس وفتح باب القفص. خرج شاكر مترنحًا، كانت خطواته ثقيلة وأنفاسه متلاحقة، تنفس بعمق وكأنه يخرج من محبسٍ خانق.

انتظرته علياء عند باب القاعة، وبمجرد أن أصبح في الخارج، اقتربت منه ووقفت أمامه مباشرة، وقالت بنبرةٍ منخفضة وحازمة:

ـ اسمعني كويس يا شاكر، اللي حصل النهاردة ده نسف كل اللي بنوه. هما دلوقتي اللي في وش المدفع، مش أنت. روح دلوقتي وخلّيك حذر جدًا، وأنا هتابع التحريات التكميلية دي خطوة بخطوة.

لم ينطق شاكر بكلمة، اكتفى بالنظر إليها والذهول لا يزال يسيطر على ملامحه. التفتت علياء فورًا، جمعت ملفاتها ووضعتها في حقيبتها الجلدية، ثم غادرت القاعة بخطوات واثقة، تاركةً شاكر واقفًا وحيداً في الممر.

مرَّ أسبوعانِ كاملانِ على شاطئ الإسكندرية، لم يكن فيهما هدوء البحر يغري بالراحة، بل كان شاهدًا على تدريباتٍ قاسية ومكثفة بين حمزة وكارما. انقضى الوقت في صقل مهارات المراقبة وجمع الأدلة بعيداً عن أعين المتربصين، استعداداً لمعركة العودة.

في صباح اليوم الأخير، وقبل التوجه صوب القاهرة، وقف حمزة يراقب الأفق، ثم التفت إلى كارما التي كانت تلملم أغراضها، وبدت على وجهها ملامح التردد، وقال:

ـ الأسبوعين دول كانوا كافيين يا كارما.. جهزنا نفسنا لكل سيناريو ممكن نقابله هناك.

توقفت كارما عن الحركة، ونظرت إلى حمزة وعيناها تعكسان قلقًا مكتومًا:

ـ إحنا جاهزين من ناحية التحضير يا حمزة، بس المواجهة مع طارق مش سهلة.. أنا صحفية، وعارفة طارق كويس، عارفة إنه مش هيسيبنا نتحرك بحرية من غير ما يحاول يكسر اللي بنعمله. خايفة نكون بنحط نفسنا في فوهة المدفع.

اقترب منها حمزة بثبات وأجاب:

ـ عشان كدة كنا بنتمرن، عشان لما نقف قدامه نكون أقوى من تهديداته. اللي عملناه هنا هو اللي هيخلينا ندخل القاهرة وإحنا ماسكين خيوط القضية في إيدينا.

أخذت كارما نفساً عميقاً، محاولةً استجماع شجاعتها، ثم قالت بنبرةٍ أكثر حزماً:

ـ عندك حق.. نور تستاهل إننا نخاطر بكل ده. أنا جاهزة.

غادرا المدينة الساحلية واتجها صوب القاهرة، وكلٌ منهما يدرك أن لحظة الصدام مع طارق لم تعد مجرد احتمالية، بل أصبحت مسألة وقت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وصل حمزة وكارما إلى المنزل في القاهرة، وكان الصمت هو رفيقهما الوحيد طوال الطريق، كلٌ منهما غارق في حسابات ما سيأتي بعد هذه المهمة. ما إن دخلا الحديقة، وجدا كاميليا تجلس بمفردها على المقعد الخشبي، شاردةً في أفق الحديقة، فقرر حمزة كسر جمود اللحظة.

اقترب من خلفها بهدوء وضمها بحنان قبل أن يطبع قبلة على رأسها. التفتت كاميليا بسرعة، ظانةً في البداية أنه ريان الذي اعتادت على مفاجآته، لكن ملامحها تغيرت فوراً إلى ارتياح حقيقي وهتفت بنبرة دافئة:

ـ أخيرًا رجعتوا! وحشتوني.. البيت كان فاضي جدًا من غيركم.

ابتسم حمزة وجلس بجوارها قائلًا بنبرة مطمئنة:

ـ خلاص يا ست الكل، وصلنا.

أشار حمزة إلى كارما التي كانت تقف بجانبه، لا تزال ملامحها تحمل بقايا شرود المهمة وقلقها. لاحظت كاميليا نظراتها، ففتحت ذراعيها لها. اقتربت كارما بخطوات ثقيلة قليلًا، وارتمت في حضن والدتها وهي تهمس بصوت خافت:

ـ وحشتيني يا ماما.

بينما كانت كاميليا تربت على ظهر كارما بحب، اخترق سكون اللحظة صوت خطوات واثقة وصوت مفاتيح سيارة تُلقى على الطاولة القريبة. دخل ريان ببدلته الأنيقة، يبدو عليه الإرهاق لكنه حافظ على طاقته المعتادة، وبمجرد أن وقعت عيناه عليهم، أطلق صافرة خفيفة وقال بابتسامة مشاكسة وهو يتجه نحوهم:

ـ يا عيني! أحلى استقبال لطيار راجع من رحلة طويلة.. ولا حد هنا حاسس بيا؟

تراجعت كارما قليلًا عن حضن كاميليا واستعادت رباطة جأشها سريعًا، بينما نظر حمزة إلى ريان بابتسامة خفيفة، مكتفيًا بترحيب هادئ:

ـ حمد لله على السلامة يا كابتن.

أومأت كاميليا برأسها لريان وهي تبتسم:

ـ حمد لله على سلامتك يا حبيبي، روح غير هدومك وارتاح، البيت نور بوجودكم كلكم.

ريان وهو يمسح وجهه بيده بإنهاك:

ـ ده نورك يا ست الكل.. أنا طالع فعلًا، مش قادر أفتح عيني.

صعد ريان إلى غرفته، وتبعه حمزة وكارما. وبعد دقائق معدودة، توقفت سيارة ياسين أمام البوابة. دخل المنزل بخطواته المعتادة، وما إن رأته كاميليا حتى اقتربت منه وأخذت حقيبته قائلة:

ـ حمد لله على السلامة يا ياسين.. الولاد وصلوا كلهم، كل واحد في غرفته بيغير هدومه وهينزلوا دلوقتي.

ياسين وهو يخلع معطفه بهدوء:

ـ الله يسلمك.. هطلع أغير هدومي أنا كمان، وهنزل أقعد معاهم.

اجتمعوا بعدها على مائدة الطعام، ساد الصمت إلا من صوت وقع الملاعق بالأطباق. كان الإرهاق يغلب عليهم جميعًا، ينهون طعامهم في عجلٍ واضح. ما إن انتهوا، حتى نهض ريان بتثاقل:

ـ تسلم إيديكِ يا أمي.. أنا طالع أنام، مش قادر أكمل.

تبعه حمزة وكارما دون إطالة، تاركين ياسين وكاميليا خلفهم، كلٌ يتوجه إلى غرفته في صمتٍ مطبق، وكأن الرحلة قد استنزفت منهم كل طاقةٍ للحديث.

❈-❈-❈


في اليوم التالي، قصد ياسين مكتبه باكراً، ليلحق به حمزة بعد ذلك، وأخبره أن كارما مهيأة الآن لتنفيذ الخطة. تنهد ياسين بهدوء، وطلب من حمزة أن يرسل رسالة عبر الهاتف يطلب من كارما الحضور دون أن تخبر أحدًا. وبالفعل، أرسل حمزة الرسالة لكارما.

أجرى ياسين اتصالًا بأحد رجاله، وطلب منه أن يتابع كارما ليتأكد ياسين هل ستنتبه كارما لمن يلاحقها أم ستفشل. نظر حمزة لوالده بقلق، خشية أن تفشل شقيقته في كشف الأمر.

في غرفتها، استعدت كارما للخروج، وضعت أغراضها بهدوء، ثم نزلت لتجد والدتها في الصالة. قالت كارما بنبرة طبيعية:

ـ يا ماما، أنا نازلة دلوقتِي رايحة الجريدة، عندي تقارير إخبارية عن المهرجان لازم أسلمها.

نظرت إليها كاميليا باطمئنان وهي تتابع عملها، ولم يراودها أدنى شك في صدق كلماتها. تحركت كارما بخطوات واثقة واتجهت نحو الباب لتغادر المنزل، متمسكة بخدعتها لتخرج دون أن تثير أي ريبة حول وجهتها الحقيقية.

انطلقت كارما بسيارتها، ومع مرور الوقت تسلل شعور غريب إلى داخلها؛ سيارة تلاحقها بخطوات ثابتة وإن كانت تحافظ على مسافة آمنة. شعرت بالارتياب يتصاعد، وفكرت للحظات في الاتصال بحمزة لتخبره بما تلاحظه، لكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة، وقررت الاعتماد على نفسها. ضغطت بقوة على دواسة السرعة، وناورت ببراعة بين السيارات لتنجح في الفرار من ملاحقها، ثم تابعت طريقها نحو مكتب والدها.

في هذه الأثناء، كان من يلاحقها يتصل بياسين ليخبره بأنها نجحت في التملص منه. ابتسم ياسين بوضوح، وأغلق الهاتف ليلتفت إلى حمزة قائلاً:

ـ نجحت في أول جزء من الاختبار.

تنفس حمزة الصعداء، وقد بدت علامات الارتياح واضحة على وجهه. لم يكد الصمت يسود المكتب حتى دخلت كارما، وبدأت تخبرهما بما حدث معها في الطريق وكيف لاحظت تلك الملاحقة. استمع لها ياسين باهتمام، ثم التفت إلى حمزة قائلًا:

ـ كلم وكيل النيابة دلوقتي، خليه يجي فوراً.

في تلك اللحظة الحرجة، وصل حسن المصري إلى المكتب؛ لتبدأ المرحلة الأخيرة من وضع اللمسات النهائية للخطة.

جلس الجميع في غرفة الاجتماعات، ساد صمتٌ ثقيل قبل أن يتنهد ياسين وهو ينظر إلى كارما بجدية:

ـ الشريحة اللي حمزة إدهاك دي شريحة دولية. بكره هتقولي لوالدتك إنك مسافرة تونس عشان تغطي 'مهرجان قرطاج السينمائي' دي التغطية اللي هتقولي عليها، بس الحقيقة إنك هتكوني في مكان تاني خالص. الرقم ده هتكلمي والدتك منه مرة واحدة في اليوم عشان متقلقش، والشريحة دي ممنوع تفتحيها أو تستخدميها غير وقت المكالمة بس.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

التقط حمزة طرف الحديث ليكمل بتأكيد:

ـ البيت هناك جاهز ومتأمن بالكامل في 'حي السيدة زينب'.. منطقة شعبية وزحمة ومحدش هيلاحظ وجودك فيها.

أخرج حمزة بطاقة هوية من جيبه وناولها لكارما وهو يقول:

ـ دي هويتك الجديدة، اسمك من هنا ورايح 'حبيبة عمرو'. تنسي اسم كارما ده نهائي الفترة اللي جاية، وممنوع نهائي تتواصلي معايا أو مع بابا الفترة الجاية، إحنا هنوصلك بطريقتنا، ده أضمن حل عشان الخطة تمشي صح.

أخرج حمزة من جيبه علبة صغيرة، وبداخلها حلق فضي بسيط جداً، نظرت إليه كارما بتعجب ودهشة. اقترب منها ياسين وقال بنبرة حازمة:

ـ الحلق ده تلبسيه، وممنوع تقلعيه من ودنك أبدًا، مفهوم؟

ثم أشار بيده نحو الباب وأضاف:

ـ وفيه كوتشي محطوط بره، تاخديه وانتي ماشية وتلبسيه.

أومأت كارما برأسها موافقة وهي تحاول استيعاب تعليماته، التفت ياسين بعدها إلى حسن المصري وقال بخطط واثقة:

ـ المقال هينزل باسم 'ح. ع'، وطبعاً ممنوع يتكتب فيه أي أسماء واضحة، خلينا نشوف هيكونوا أذكياء ويعرفوا إنهم المقصودين ولا لأ.

ثم وجه حديثه إلى كارما مرة أخرى بحسم:

ـ كارما، بكرة هتروحي البيت مع حمزة، وزي ما قلتلك، البيت متأمن تمامًا. الحذر مطلوب من الكل، أي غلطة هتكلفنا كتير.. اتفقنا؟

أنهى ياسين الاجتماع، فتوجهت كارما وحمزة إلى مكتبه. كانت الأنفاس محبوسة، يبحثان عن أي تفصيلة ناقصة قبل ساعة الصفر. دخل ياسين المكتب خلفهما، وبمجرد أن استقر في مكانه، قال بنبرة حاسمة:

ـ كل حاجة خلصت، مفيش أي حاجة تانية محتاجة مراجعة. روحوا ارتاحوا، محتاجين طاقتكم لبكرة.

ثم التفت إلى كارما وأضاف بتذكير سريع:

ـ كارما، بلغي والدتك بموضوع سفرك لتونس للمهرجان، لازم تعرف النهاردة عشان الأمور في البيت تمشي طبيعي.

غادر حمزة وكارما مكتب ياسين وتوجها مباشرة نحو البيت. بمجرد أن دلفا للداخل، استقبلتهما كاميليا بهدوء الأم المعتاد. اقتربت منها كارما وبنبرة حاولت أن تجعلها طبيعية قدر الإمكان، قالت:

ـ ماما، جالي تكليف شغل مفاجئ، هسافر تونس عشان أغطي المهرجان.

نظرت إليها كاميليا بدهشة، وقبل أن تفتح فمها لتسأل، بادرتها كارما وهي تتجه مسرعة نحو غرفتها:

ـ الموضوع جه بسرعة جداً ومحتاجة ألحق أجهز حاجتي، بلاش نشغل بالنا بالتفاصيل دلوقتي، هبقى أكلمك من هناك.



« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل