سم الحروف - الفصل 7 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (7)



كان الممرُّ المؤدي لمكتب وكيل النيابة يعجُّ بصمتٍ ثقيل. علياء كانت تجلس، تترقب عودة الرائد حمزة من المهمة التي خرج لها منذ ساعات.

فجأة، انعكست أصوات خطواتٍ عسكرية على الرخام، وظهر حمزة من نهاية الممر. كان منهكًا، وملابسه يكسوها غبار الصحراء. نهضت علياء سريعاً وقطعت مساره:

ـ رائد حمزة، لو سمحت دقيقة.

توقف حمزة، وألقى نظرة سريعة على ساعته قبل أن ينظر إليها بضيق:

ـ أستاذة علياء، أنا راجع من مهمة شاقة ومفيش وقت للكلام.

لم تتراجع علياء، بل اقتربت خطوة، ونبرتها تحولت من الرسمية إلى نداءٍ يحمل ثقلًا شخصيًا:

ـ حمزة بيه! أنا مش بسأل بصفتي محامية دلوقتي، أنا بسأل عشان عارفة إنك الوحيد اللي يقدر يوصل لنتيجة. قولي الحقيقة، هل فيه أي خيط وصلتوا ليه يطمني على نور؟ ولا إحنا بنضيع وقت في إجراءات روتينية؟

حبس حمزة أنفاسه لثانية، ونظر في عينيها مباشرة. كان يعلم أنها تضغط عليه لتنتزع منه إجابة حقيقية. خفف قليلًا من حدة نظراته، لكنه ظل محتفظًا بحذره:

ـ أنا لسه راجع من معاينة، وفيه شيء لقيناه في الطريق الصحراوي.. هو ده مفتاح اللغز يا أستاذة علياء، وكل اللي أقدر أقولهولك إن وجوده بيأكد إن نور ماكانتش مجرد ضحية خطف عشوائي. دوري دلوقتي إني أربط الخيوط دي ببعض، وأي كلام زيادة ممكن يضيع مني فرصة إننا نتحرك قبل ما يهربوا.

أطبق حمزة على الملف الذي في يده، وأضاف بنبرة تحمل وعدًا ضمنيًا:

ـ سيبيلي المجال أشتغل، ولو عايزة مصلحة نور فعلًا.. خليكي بعيدة لحد ما أخلص التقرير اللي هقدمه لوكيل النيابة.

قبل أن تنطق علياء بكلمة أخرى، تجاوزها حمزة بخطوات واسعة متجهًا مباشرة إلى باب مكتب وكيل النيابة، تاركًا إياها تقف بمفردها، وعقلها يحلل ما قاله عن ذلك الشيء في الصحراء.

دخل حمزة مكتب وكيل النيابة، وضع الملفات التي جلبها من موقع الحادث على المكتب، وقال بجدية:

ـ دي المعلومات اللي جمعناها من مكان العربية يا فندم.

توقف لحظة، وبدا التوتر على ملامحه وهو يسأل:

ـ قبل ما نكمل، يا فندم بخصوص الوالدة والأخت.. هل تم تأمينهم؟ أنا كنت في الصحراوي ومكنتش متاح، وعايز أعرف هل مشيوا ومعاهم حراسة أمنية؟

أجابه وكيل النيابة وهو يطمئنه:

ـ اطمن يا حمزة، الإجراءات تمت والحراسة معاهم ومشيوا فعلًا. ركز معايا دلوقتي، لأن فيه تطور تاني.

أشار وكيل النيابة إلى الفلاشة الموجودة على المكتب:

ـ أقوال كارما بقت جاهزة، دي اللي هتقلب القضية.

أخذ حمزة الفلاشة وفتح الملفات على الجهاز. بمجرد أن بدأ في القراءة، تجمدت ملامحه. لم تكن مجرد تجارة مخدرات كما كان يظن؛ كانت أدلة دامغة على شبكة دولية لتجارة الأعضاء.

نظر حمزة لوكيل النيابة وقال بتركيز شديد:

ـ الموضوع مش بس تجارة مخدرات، دي شبكة دولية لتجارة الأعضاء، وممكن يكون وراهم ألغاز تانية هي السبب في اللي حصل لنور.

أخذ حمزة نسخة من التحقيق على فلاشة خاصة به، ثم أضاف بحزم:

ـ أنا هاخد نسخة من ده لسيادة اللواء ياسين الشاذلي فورًا، لازم نحدد الخطوة الجاية، خاصة بعد أقوال كارما اللي هتقلب القضية دي رأسًا على عقب.

أغلق حمزة الملف بقوة، وأومأ لوكيل النيابة بجدية:

ـ تمام يا فندم، هستأذن حضرتك دلوقتي عشان ألحق أعرض المستجدات على سيادة اللواء ياسين في مكتب مكافحة المخدرات.

غادر حمزة مكتب وكيل النيابة، وبمجرد خروجه من المكتب، وجد علياء ويارا بانتظاره. اقتربت علياء منه بهدوء وقالت إن يارا في حالة قلق شديد بسبب اختفاء نور، وطلبت منه التوسط لدى وكيل النيابة للسماح ليارا بزيارة عمها شاكر. تفهم حمزة الموقف، وعاد سريعًا ليحصل على الموافقة، ثم خرج ليبلغهما بأن وكيل النيابة وافق بشرط الالتزام بالوقت المسموح.

دخلت علياء ويارا إلى حيث يتواجد شاكر، وبمجرد أن رآهما، بادر بسؤال فوري عن نور، ملامحه كانت تعكس خوفًا دفينًا عليها. ترددت يارا في الإجابة، ثم قالت بصوت مخنوق إنها لا تستطيع رؤيته في هذه الحالة من الضعف، خاصة مع استمرار غياب نور. جلسوا جميعًا لعدة دقائق في صمت ثقيل حاولوا فيه تبادل بعض الكلمات المطمئنة، ثم أنهوا الزيارة سريعًا وانصرفوا، بينما اتجه حمزة بخطوات واثقة نحو مكتب سيادة اللواء ياسين في مكافحة المخدرات.

وصل حمزة إلى مكتب اللواء ياسين الشاذلي، فانتصب واقفًا وأدى التحية العسكرية بصرامة قبل أن يجلس حين أشار له والده بذلك. بادر ياسين بسؤاله عن آخر التطورات في القضية، فأجابه حمزة بجدية:

ـ لقينا عربية نور يا سيادة اللواء، ورفعنا البصمات، وشغالين دلوقتي علشان نشوف لو فيه أي بصمات تانية غريبة.

ساد صمت قصير، ظل فيه حمزة ممسكًا بالملف بين يديه وبدت عليه علامات التردد، فالتفت إليه والده وسأله بنبرة حادة:

ـ إيه تاني يا حمزة؟

رد حمزة بنبرة مقتضبة:

ـ فيه شاهد جديد ظهر في قضية اختفاء نور شاكر.

أومأ ياسين برأسه باهتمام وسأله:

ـ كويس، خدت أقواله؟

أجاب حمزة بنبرة تلقائية:

ـ أيوه يا بابا، خدت أقواله.

تجمدت ملامح ياسين، وبدا عليه الذهول وهو يسمع كلمة بابا تتردد داخل جدران المكتب الرسمية. نظر إلى ابنه بنظرة فاحصة، ثم سأله بنبرة صارمة ومستفهمة:

ـ إيه الحكاية؟ ومين الشاهد ده؟

ساد صمتٌ ثقيل في أرجاء المكتب بعد سؤال ياسين، وظهر التردد جليًا على وجه حمزة قبل أن يزفره قائلًا:

ـ الشاهدة تبقى كارما ياسين الشاذلي.

اتسعت عينا ياسين بذهول، ونهض من مكانه بهجومٍ صريح وهو يهتف:

ـ بتقول مين؟!

لم يتراجع حمزة، بل كرر بنبرة واثقة وثابتة:

ـ كارما ياسين الشاذلي.

أمسك ياسين حافة المكتب بيدين مرتجفتين قليلًا من حدة المفاجأة، ثم سأل بنبرة يغلفها القلق والريبة:

ـ وكارما تعرف نور منين؟

زفر حمزة وهو يوازن الملف في يده، ثم أجاب بوضوح:

ـ حسب أقوالها، هي صاحبتها من أيام الدراسة، وزميلتها في الجريدة.

ضاق صدر ياسين من غموض الموقف، فصرخ في ابنه بحدة:

ـ اتكلم، احكي لي الحكاية دي مرة واحدة وبالتفصيل!

لم يجب حمزة بالكلمات، بل مد يده بهدوء وأخرج نسخة من أقوالها الموثقة، ووضعها أمام والده على المكتب ليطالعها بنفسه.

التقط ياسين الملف وبدأ بقراءته بهدوءٍ شديد وتركيزٍ حاد، وسرعان ما بدت علامات الصدمة والذهول على وجهه وهو يستوعب المعلومات التي أدلت بها ابنته في التحقيق. رفع رأسه بحدة نحو حمزة وهو يهتف:

ـ فين باقي الملف والفلاشة؟

أجاب حمزة بنبرة رسمية وهادئة:

ـ دي نسخة من الملف، أما الفلاشة فهي دلوقتي حرز في النيابة، ومستحيل تخرج لأي جهة أمنية قبل ما التحقيق ينتهي رسميًا.

لم يتقبل ياسين هذه العوائق الإدارية، فانتفض من مكانه بصرامة وهو يهتف:

ـ اطلب وكيل النيابة، وبلغه يجيب الفلاشة ويجي هنا فورًا. ده أمر يا سيادة الرائد!

أومأ حمزة بطاعة، وسرعان ما أخرج هاتفه ليتصل بوكيل النيابة، ونقل إليه الأمر بوضوح بضرورة الحضور ومعه الحرز. بينما كان حمزة يتحدث، غرق ياسين مجددًا في قراءة أوراق التحقيق، وهو يشعر بقلبه ينبض بقلقٍ جديد؛ فقد اكتشف أن نور لم تكن مجرد صحفية عادية، بل كانت فتاة تقتحم جحيم الحقيقة ولا تهاب أي عقبات.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أدرك ياسين الشاذلي أن الروتين والورقيات لن تخدمه في وقتٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعقد الخيوط. التقط هاتفه الخاص، وأجرى اتصالًا مباشرًا بالمحامي العام، استعرض خلاله خطورة المعطيات الجديدة التي كشفتها أقوال كارما، مُشددًا على أن القضية لم تعد مجرد جريمة عادية، بل أصبحت تهديدًا يمس الأمن القومي.

وبعد دقائق من المكالمة، وضع ياسين الهاتف، والتفت إلى حمزة بنظرة حازمة:

ـ اسمع يا حمزة، الموضوع كبر ومبقاش ينفع معاه الروتين بتاع كل يوم. أنا كلمت المحامي العام، واتفقنا إن الشغل من هنا ورايح هيكون مشترك. والقضية دي اتصنفت "أمن قومي"، يعني لينا غرفة عمليات خاصة تحت قيادتي المباشرة.

اتسعت عينا حمزة وهو يستوعب حجم التغيير في مسار القضية، فهتف بجدية:

ـ تمام يا فندم، يعني وكيل النيابة هينقل شغله عندنا؟

أجاب ياسين وهو يمسح على وجهه بتركيز:

ـ بالظبط. وكيل النيابة هيكون موجود هنا معانا في غرفة العمليات، والفلاشة هتكون تحت إيدنا، بس تحت إشراف قضائي كامل. كلمهم وبلغهم بقرار الانتداب والعمل المشترك، وعاوز غرفة العمليات تجهز خلال نص ساعة.

أومأ حمزة باحترام وأدى التحية العسكرية، ثم انطلق لتنفيذ الأوامر، بينما وقف ياسين أمام نافذة مكتبه، يراقب حركة رجال الأمن في الخارج، مدركًا أن القادم أخطر بكثير مما كان يتخيل، وأن ابنته كارما قد وضعت قدمها في منطقة محظورة.

وصل وكيل النيابة إلى مقر مكتب مكافحة المخدرات، واستقبله حمزة في البهو الخارجي. بلهجة مقتضبة وجادة، أطلعه حمزة على آخر التطورات وحجم القضية، وما آلت إليه الأمور بعد تدخل قيادات عليا بتحويلها لقضية أمن قومي. توجها معًا إلى مكتب ياسين، فدخلا وأديا التحية العسكرية.

وضع وكيل النيابة "الفلاشة" على المكتب أمام ياسين، الذي التقطها وبدأ بمشاهدة محتواها بتركيز شديد. مع توالي اللقطات والمعلومات، بدأت ملامح وجه ياسين تتغير؛ انقلبت سكينته إلى غضبٍ مكتوم وشرر يتطاير من عينيه، حتى قبض على حافة المكتب بقوة.

رفع ياسين رأسه ونظر إلى حمزة ووكيل النيابة بنظرة حازمة قائلاً:

ـ القضية دي حساسة جدًا، وأي غلطة فيها معناها حياة ناس هتضيع. أنا عاوز حراسة مشددة فورًا على والدة نور وبنت عمها، ومعاهم حسن المصري. وكارما كمان، عاوز حراسة خاصة عليها ومحدش يتحرك من مكانه من غير تأمين. الخطة هبدأ في تجهيزها وهبلغكم بكل تفاصيلها بكرة الصبح.

ساد صمتٌ قصير قبل أن يكمل بنبرة تحذيرية:

ـ ممنوع أي معلومة تخرج بره المكتب ده، الحكاية فيها أرواح.

التفت ياسين بوجهه إلى وكيل النيابة وأضاف بحدة:

ـ عاوز مراقبة ٢٤ ساعة لمدحت غانم وابنه، ومعاهم مخازنهم. الملف اللي قدامي بيقول إن فيه مخازن تانية سرية مش مسجلة، مهمتكم إنكم توصلوا لمكانها في أقرب وقت. اتفضلوا، ابدأوا شغلكم فوراً.

قبل أن يخرجوا، نادى ياسين على حمزة:

ـ حمزة، جهز مكتب لوكيل النيابة معانا هنا في نفس الدور، مفيش حد هيتحرك من المقر ده لحد ما نخلص.

خرجَ حمزة برفقة وكيل النيابة من مكتب اللواء ياسين، وأغلقا الباب خلفهما تاركين اللواء في حالة صمت مطبق. ظل ياسين وحده، يراجع المعلومات التي أدلت بها كارما للنيابة بناءً على ما أخبرتها به نور، وعيناه تعيدان ترتيب الأحداث بحثًا عن خيط مفقود، بينما كان يغلي في داخله مزيج من الغضب كأب، والبرود كضابط عمليات محترف.

❈-❈-❈

في فيلا عائلة الشاذلي:

عادت كارما وكاميليا من النيابة، والصمت يلف أرجاء المكان. بمجرد دخولهما، انفـ.ـجرت كاميليا ببركان من العتاب المكبوت، وصوتها يرتجف مزيجًا من القلق والخوف:

ـ يعني إيه يا كارما؟ يعني بنتي بتلعب بالنار وبتتورط في قضية زي دي من ورا ظهري؟ كنتِ مستنية إيه؟ إنك تضيعي مني؟ ليه خبيتي عليا؟

خفضت كارما رأسها، وقالت بصوت خافت:

ـ يا ماما.. كنت عارفة إنك لو عرفتي من الأول، هتمنعيني. كنتِ هتقولي لي بلاش تدخلي في القضية، وهتخافي عليا.. وأنا مكنش ينفع أسكت بعد ما عرفت اللي نور وصلتله. كان لازم أقول اللي أعرفه.

صمتت كاميليا فجأة، وأدركت في أعماقها أن كارما محقة؛ فغريزة الأمومة كانت ستدفعها لمنع ابنتها من الاقتراب من هذا الجحيم. سحبت نفساً عميقاً، وتضاعف قلقها من رد فعل ياسين حين يعود للبيت، خاصة بعد أن أبلغه حمزة بكل شيء.

اقتربت كاميليا من كارما وقالت بصوت خافت:

ـ خلاص، ارتاحي دلوقتي.

صعدت كارما لغرفتها، وصعدت كاميليا هي الأخرى، لكنها كانت تشعر بقلق شديد من رد فعل ياسين بعد عودته، فظلت تتهد بهدوء. مر الوقت ليعود ياسين، لكنه لم يتجه للداخل؛ جلس في الحديقة ليهدأ قليلاً قبل مواجهة ابنته وزوجته.

شاهدته كاميليا من شرفة غرفتهما، فنزلَت بتردد لرؤيته والتحدث معه. اقتربت منه وهتفت بحذر:

ـ ياسين..

لم يعطها أي رد، فجلست بجواره ووضعت رأسها على كتفه. هتف وهو ينظر للأمام:

ـ ليه خبيتي عليا؟ المفروض كنت أعرف أول واحد، مش أتفاجأ بكلام حمزة.

ابتعدت عنه وهتفت:

ـ ياسين، صدقني أنا ما كنتش أعرف هي رايحة النيابة ليه. طلبت مني أروح معاها، صدقني أنا اتفاجأت لما سمعت أقوالها.

نظر إليها ياسين، وقال بنبرة مليئة بالحيرة والضيق:

ـ يعني كارما بتتحرك من ورايا ومن وراكي؟ وأنتِ يا كاميليا، كان مفروض تكوني عارفة هي بتعمل إيه، مش تاخديها في إيدك وتكوني آخر من يعلم!

تجمعت الدموع في عيني كاميليا، وقالت بصوت مخنوق:

ـ أنا أمها.. مش سجانة عليها. كارما كبرت يا ياسين، والظروف اللي حصلت مع نور خلتها تتصرف بدافع الخوف والمسؤولية.

أشاح ياسين بوجهه، وقام من مقعده وقال بصوت متهدج:

ـ أنا خايف عليها يا كاميليا.. اللي بنتعامل معاهم دول مش ناس عاديين، واللي هي عملته ده حطها في دايرة الخطر. سيبيني لوحدي شوية، محتاج أرتب أفكاري عشان أعرف هتعامل مع الموقف ده إزاي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تنهدت كاميليا ومسحت دموعها، وقالت بصوت هادئ وهي تتركه:

ـ أنا عارفة إنك خايف عليها.. بس حاول تتكلم معاها بهدوء، هي محتاجة تحس إنك في صفها، مش إنك بتحاسبها.

أومأ ياسين برأسه دون أن يلتفت، وظل واقفاً في الحديقة يراقب أضواء غرفتها في الطابق العلوي، وهو يحاول السيطرة على انفعالاته قبل أن يقرر خطوته القادمة.

ترك ياسين كاميليا في الحديقة دون أن ينطق بكلمة، وصعد للداخل بخطوات ثابتة. اتجه إلى غرفته، غير ملابسه، ثم توجه مباشرة إلى غرفة كارما وطرق الباب بخفة قبل أن يدخل.

كانت كارما بالداخل، وبمجرد أن سمعت صوت طرقاته، تجمدت في مكانها؛ شعرت بخوف شديد من مواجهته، فوقفت بترقب. دخل ياسين، وبمجرد أن وقعت عيناه على دموعها التي كانت تحاول إخفاءها، تلاشى كل ما في داخله؛ اقترب منها وضمها لصدره في محاولة لتهدئتها، وقال بصوت خافت يملؤه الحنان:

ـ اهدي يا كارما، اهدي.. مش عايز أشوف دموعك.

مسحت كارما دموعها بصعوبة، ونظرت إليه قائلة بصوت متقطع:

ـ خوفت يا بابا.. مكنتش قادرة أقولك. نور قالتلي إن مدحت غانم له عيون، ومسخّر ناس له جوه الداخلية.. خوفت عليك وخوفت من اللي ممكن يحصل.

تنهد ياسين بهدوء، وأمسك وجهها بين يديه، ثم قال بجدية:

ـ أنا عارف إنك عملتي كده علشان خايفة، بس اللي عملتيه ده خطر جدًا.

نظرت له برجاء وقالت:

ـ أرجوك يا بابا، ساعد نور.. لازم نرجعها. أنا مش قادرة أستحمل فكرة إنها بعيدة ومخاطرة بحياتها بسبب اللي أنا عملته.

نظر في عينيها بعمق، ثم وعدها بصوت واثق:

ـ اطمني، نور هترجع لأهلها.. بس الموضوع محتاج صبر وشوية وقت علشان أقدر أتحرك من غير ما حد يحس.

كانت كاميليا تقف في البهو، تعطي ظهرها للمدخل وتناقش الخادمة في تفاصيل الغداء، والتوتر مازال يغلف الأجواء بانتظار ما ستؤول إليه الأمور في الطابق العلوي.

في تلك اللحظة، دخل ريان ببدلته الأنيقة وحقيبته، وبمجرد أن وقعت عيناه على والدته، لمعت في عينيه لمحة مشاكسة؛ أشار للخادمة أن تصمت، وتسلل بخطوات خفيفة حتى أصبح خلف والدته تماماً، وفجأة أحاط خصرها بذراعيه ورفعها عن الأرض بخفة وهو يضحك:

ـ وحشتيني يا كوكي!

شهقت كاميليا بفزع وقالت:

ـ يا خبر! مين؟

في تلك اللحظة، كان ياسين وكارما في منتصف الغرفة بالأعلى، سمعا صوت كاميليا، فهبطا الدرج بسرعة وبوجهٍ يملؤه القلق، ليجدا ريان يضحك وهو ينزل والدته من بين يديه.

توقف ياسين وكارما على الدرج، وارتسمت ملامح الدهشة على وجهيهما. التفت ريان إليهما، وبوجه مشرق ومرح فتح ذراعيه باستعراض وقال:

ـ إيه المفاجأة دي؟ أنا كنت فاكر إني هفاجئ كوكي لوحدها، لقيت البيت كله جاهز للاحتفال بيا!

ثم اتجه نحو والده ياسين بابتسامة دافئة وهو يقترب ليصافحه ويضمه:

ـ يا بابا.. جيت في وقتي خالص، البيت ناقصه حاجات كتير من غيري، مش كده؟

ثم التفت إلى كارما، وبنظرة مشاكسة قال لها:

ـ إيه يا كارما؟ مالك واقفة كدة كأنك شفتي شبح؟ ده أنا حتى جيت بدري مخصوص علشانكم!

ضحك ياسين على خفة دم ابنه، واقترب ليعانقه بحرارة، بينما اقتربت كاميليا وضمت ريان بقوة وهي تضربه على كتفه بمحبة:

ـ يا مجنون، خضيتني! أنت جيت إمتى؟ ده المفروض كنت توصل من بدري، إيه اللي أخّرك؟

قبل ريان يد والدته بدلال وقال:

ـ بدلت الشفت مع زميلي علشان أخلص وألحق أقعد معاكم.. البيت حسيته هادي زيادة عن اللزوم، قولت لازم أجي أعمل شوية أكشن ونغير المود ده.

التف ريان حول أمه وهو يغمز لها بمشاكسة:

ـ يا كوكي، إيه الجمال ده؟ كنت خايف أكون وحشتكم فقلت آجي أتأكد بنفسي!

ضحكت كاميليا وهي تربت على يده بحنان، ثم نظرت لياسين وكارما وقالت:

ـ أكيد وحشتنا يا ريان.. البيت من غيرك بيبقى ناقصه روح، خصوصاً لما نكون مجمعين العيلة كلها.

ريان وهو يتفحص المكان بعينيه المرحة، لاحظ سكون كارما وملامح وجهها، فالتفت إليها بمشاكسة وقال:

ـ إيه يا كارما؟ مالك يا ست الناس هادية زيادة ليه؟ لا يكونش حد زعل أختي الصغيرة وأنا مش موجود؟

ابتسمت كارما ابتسامة باهتة وهي تحاول إخفاء ارتباكها:

ـ لا يا ريان، أبدًا.. بس يمكن كنت سرحانة شوية.

لم ينتظر ريان طويلًا، ثم التفت لياسين وسأل بفضول:

ـ طيب تمام، فين حمزة؟ مش عادتكم تقعدوا من غيره، هو مش جاي يتغدى معانا ولا إيه؟

تنحنح ياسين بوقار، وبانت على ملامحه الثبات ليخفي أي أثر للتوتر، وأجاب بهدوء:

ـ حمزة؟ لا، موجود.. هو خلص شغله وجاي في الطريق، تلاقيه زحمة الطريق عطلته شوية.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يلحظ ريان شيئًا، فزفر بابتسامة واسعة وهو يرفع حقيبة يده الجلدية وقال بخفة:

ـ تمام، يبقى نستناه ونعملها قعدة ما حصلتش.. هروح أسيب الشنطة دي وأجي أشارككم في الونس ده!

جلس ريان في الصالة، والتفت نحو كارما ووالدته وقال:

ـ أنا طالع أغير هدومي.. محدش يجيب سيرة لحمزة إني جيت، عايز أفاجئه.

صعد ريان لغرفته، ودخل حمزة من باب المنزل. كان يبدو عليه الإرهاق. اقترب منه والده ياسين وقال بهدوء:

ـ حمد الله على السلامة.. يومك كان تقيل، ادخل غير هدومك بسرعة عشان نتغدى.

رد حمزة بابتسامة خفيفة:

ـ فعلاً، يوم طويل.. هطلع أغير وأجيلكم فوراً.

صعد حمزة الدرج لغرفته، وفي تلك اللحظة كان ريان لا يزال عند باب غرفته؛ فبقي ثابتاً في مكانه خلف زاوية الحائط حتى دخل حمزة غرفته وأغلق الباب. انتظر ريان ثوانٍ، ثم نزل الدرج بهدوء وتوجه خلف الكرسي في الصالة، وأشار لكارما ووالدته بالصمت.

بعد لحظات، خرج حمزة من غرفته بملابس مريحة، وبدأ ينزل الدرج ببطء. وما إن وطأت قدماه أرضية الصالة، حتى دوت صوت "فرقعة" قوية بجانبه. قفز حمزة في مكانه من المفاجأة، ونظر حوله بذهول وهو يحاول استيعاب ما حدث.

انفـ.ـجرت والدته في الضحك، بينما كانت كارما تضحك بصوت عالٍ، وأشار ياسين بيده نحو الكرسي بابتسامة. اقترب حمزة بحذر من الكرسي، وما إن وصل إليه حتى انقضَّ عليه ريان بخفة ليفاجئه، لكن حمزة وبسرعة بديهته المعهودة كضابط، أمسك ريان من ملابسه بإحكام وكأنه يلقي القبض على متهم فار من العدالة.

ضحك حمزة وهو يمسك أخاه، وقال بنبرة ساخرة:

ـ تحب أسلمك للقسم دلوقتي؟

رد ريان وهو لا يزال يضحك ويحاول التحرر من قبضة أخيه:

ـ هتسلم أخوك وحبيبك للقسم يا سيادة الضابط؟ ده أنت المفروض تكافئني عشان كسرت روتين اليوم!

تعالت ضحكات الجميع في الصالة، وتحول الجو المشحون بالإرهاق إلى جلسة عائلية مرحة.

انتقلت العائلة إلى طاولة الطعام، حيث ذابت بقايا التوتر في ضحكاتهم العفوية. بعد أن انتهوا، استأذن ريان للحظة وعاد يحمل حقيبة متوسطة الحجم.

بدأ ريان يوزع الهدايا؛ قدم لوالده ياسين وحمزة ساعتي يد فخمتين، ثم أهدى والدته عطراً مميزاً. أخيراً، التفت إلى كارما وأخرج علبة كبيرة:

ـ وده ليكي يا كارما، لابتوب جديد عشان شغلك في الصحافة.

ثم أخرج من حقيبته كاميرا احترافية حديثة جداً، وضعها أمامها وقال بنبرة هادئة تحمل في طياتها غموضًا غريبًا:

ـ آسف إنها اتأخرت.. ما كانش سهل أبدًا ألاقي أحدث نوع بالسوق عشان خاطر صاحبتك.

ساد صمت مفاجئ وثقيل على الطاولة. تجمدت كارما في مكانها، واتسعت عيناها بقلق واضح وهي تنظر للكاميرا ثم لريان. في المقابل، تبدلت ملامح ياسين وحمزة في لحظة واحدة؛ ضاقت أعينهما وانتقلت نظراتهما من الكاميرا إلى كارما بحدة وحذر، كأن الكلام الذي قاله ريان فتح باباً لأسئلة كثيرة لم تكن في الحسبان.

خفضت كارما بصرها فورًا وهي تحاول السيطرة على ارتباكها، بينما ظل ياسين يراقبها بنظرات فاحصة ومريبة، وكأن عقله بدأ يربط الخيوط ببعضها، منتظرًا اللحظة المناسبة ليفتح معها حديثًا طويلاً.

ساد صمت ثقيل، والتفتت كارما نحو والدتها بعينين تملؤهما نظرة استنجاد وخوف، لاحظ ريان هذا التبادل السريع للنظرات، فرفع حاجبه بتمثيلية هادئة وسأل:

ـ في إيه؟ ليه النظرات دي؟ هي الكاميرا مش عاجباكم؟

هنا، قطع ياسين الهدوء بنبرة حادة لم تألفها كارما في بيتها:

ـ الكاميرا دي لمين يا كارما؟

ارتبكت كارما، حاولت ابتلاع غصتها، وترددت في الإجابة، فأعاد ياسين سؤاله بنبرة أكثر صرامة وهو يميل بجسده نحوها:

ـ بقولك الكاميرا دي لمين؟

أجابت كارما بصوت خافت ومتردد:

ـ دي.. دي لصاحبتي، معايا في الجريدة.

لم يمهلها ياسين، وسأل بحدة:

ـ اسمها إيه؟

حاولت كاميليا التدخل لتهدئة الأجواء وقالت بهدوء:

ـ يا ياسين، عادي.. أكيد زميلة شغل، مش محتاج العصبية دي..

قاطعها ياسين بحدة وهو يرفع يده ليمنعها من الكلام، ثم ثبت نظره على كارما وقال:

ـ قلتِ اسمها إيه؟ مين صاحبتك دي؟

لم تستطع كارما الصمود أكثر تحت ضغط نظرات والدها وحمزة، تساقطت دموعها رغمًا عنها، وقالت بصوت متهدج:

ـ نور.. نور يا بابا. نور كانت طلبتها مني، وقولت لـ ريان يجيبها ليها.

ساد صمتٌ قاتل في الغرفة، لم يقطعه سوى شهقات كارما المكتومة. وقف ياسين ببطء، كانت ملامحه جامدة كالصخر، ونظر إلى كارما بنظرة حازمة لا تقبل الجدل وقال:

ـ قومي يا كارما.. قدامي على أوضة المكتب.

انتفض حمزة من مكانه فوراً، ملامحه كانت مزيجًا من القلق والحدة كضابط يرى خيطًا مهمًا في قضية شغلت الرأي العام، وحاول أن يخطو خلفهما:

ًـ يا بابا لازم أفهم..

التفت ياسين إليه بحزم ورفع يده معترضًا:

ـ حمزة، اقعد مكانك.. أنا اللي هتكلم معاها.

تراجعت كاميليا في مقعدها بذهول وخوف، بينما نهضت كارما بضعف، مسحت دموعها بطرف يدها وسارت بخطوات مترددة نحو المكتب، وخلفها ياسين الذي أغلق الباب بقوة خلفهما، تاركاً حمزة وريان وكاميليا في الصالة.

 كان ريان يراقب الموقف منذ البداية، بدا على وجهه ذهول حقيقي، فقد كان يظن أن الأمر سيمر كمزحة عائلية، لكنه وجد نفسه وسط تحقيق فعلي. نظر إلى حمزة الذي كان يقف متصلبًا يراقب باب المكتب، ثم سأل بصوت منخفض ومضطرب:

ـ هو في إيه يا حمزة؟ إيه الحكاية؟ وليه بابا متعصب كده بمجرد ما جبت سيرة صاحبة كارما؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

في الصالة، وقف حمزة بجانب ريان، ونظر إليه بنظرات حادة ثم بدأ يسرد له ما يدور ببرود ممزوج بالقلق:

ـ نور شاكر صحفية وزميلة كارما، اختفت من فترة في ظروف غامضة، والقضية دي ملف كبير شغال عليه في شغلي حاليًا. الموضوع مش مجرد اختفاء عادي، ده ملف تقيل والوضع خطر جداً لدرجة إن كارما كشاهدة بقت مستهدفة، وأي خيط يربطها بنور بيحطها في خطر حقيقي.

في الوقت ذاته داخل غرفة المكتب، أشار ياسين لـ كارما أن تجلس، ثم جلس هو في مقعده المقابل لها مباشرة. ساد صمت ثقيل قبل أن يكسره ياسين بصوته الرخيم الفاحص:

ـ احكي لي يا كارما.. إيه علاقتك بنور شاكر؟

ارتبكت كارما، حاولت تمالك أعصابها ثم أجابت بصوت منكسر:

ـ نور مش بس زميلة يا بابا.. إحنا أصحاب من أيام الجامعة، واشتغلنا سوا في نفس الجريدة. أنا كنت عارفة كل التحقيقات اللي بتعملها، ولما عرفت إنها بتتقصى ورا 'مدحت غانم'، حاولت أحذرها كتير وقلت لها إن اللي بتلعب فيه ده أكبر منها بكتير.. بس هي كانت عنيدة جداً، رفضت تسمع كلامي وصممت تكمل التحقيق لآخر لحظة.

سكتت كارما وهي تحاول حبس دموعها، بينما كان ياسين يستمع لكل كلمة، ملامحه متجمدة لكن عينيه كانت تتفحصها بدقة، مدركًا حجم الخطر الذي أحاط بابنته بسبب إصرار صديقتها.

ظل ياسين يراقب ملامح ابنته، ثم سأل بحدة:

ـ كارما، ركزي معايا.. هل كنتِ بتشاركيها في التحقيقات اللي بتكتبها؟ أو كتبتِ معاها أي حاجة تخص مدحت غانم؟

نفت كارما برأسها سريعاً وهي تجيب:

ـ لا يا بابا أبداً.. نور كانت أحيانًا تقولي موضوع المقال الجديد هيكون عن إيه، لكن أنا عمري ما قرأت التحقيق كامل غير لما ينزل الجريدة تاني يوم، وعمري ما كتبت حرف واحد يخص مدحت غانم.

تنفس ياسين الصعداء، وشعر براحة نسبية؛ فابنته بعيدة نظريًا عن عن دائرة الخطر المباشر لهذا الملف. لكن عقله بدأ يعمل فورًا، ينسج خطة لحمايتها وتأمينها، ثم انتقل لسؤاله التالي وهو ينظر للكاميرا الموضوعة على المكتب:

ـ والكاميرا دي؟ إيه حكايتها؟

خفضت كارما بصرها وأجابت بصوت خافت:

ـ نور هي اللي طلبت مني.. قالت لي إنها محتاجة كاميرا بإمكانيات خاصة جدًا مش موجودة هنا، وطلبت مني أخلي ريان يجيبها لها من أوروبا بحكم شغله كطيار.. وفعلًا كلمت ريان وطلبت منه يجيبها.

ضيّق ياسين عينيه وهو يستوعب التفاصيل، ثم سأل بلهجة حازمة:

ـ آخر مرة شوفتيها فيها كانت إمتى يا كارما؟

ترددت كارما قليلاً، ثم قالت بدموع محبوسة:

ـ في الجريدة.. قبل اختفائها بأسبوع تقريبًا.

أومأ ياسين برأسه، ثم أشار لها بيده متجاهلًا أسئلتها القلقة وقال:

ًـ سيبيني دلوقتي يا كارما.

خرجت كارما من المكتب، كانت قدماها ترتجفان من وطأة التحقيق والخوف. وما إن أغلقت باب المكتب خلفها وخطت خطواتها نحو الصالة، حتى تلاشت قوتها؛ انهارت كارما وسقطت بدموعها وسط نظرات ريان وحمزة المذهولة.

اقتربت كاميليا من ابنتها بسرعة، أحاطتها بذراعيها تحاول تهدئة نوبتها، بينما اتجه حمزة بنظرات حازمة نحو غرفة المكتب. طرق الباب مرة واحدة ثم دخل، وجد والده يقف شارد الذهن أمام النافذة. نظر إليه حمزة بهدوء شديد، وقبل أن ينطق بكلمة، هتف ياسين دون أن يلتفت إليه:

ـ عاوز أكون لوحدي يا حمزة.. خليك مع والدتك وأخواتك.

أومأ حمزة بموافقة صامتة، فقد كان يعلم جيداً أن والده في هذه اللحظات لا يرغب في التحدث مع أحد؛ فهو حينما تتقاطع إحدى قضايا عمله المهمة مع أمن عائلته، يفضل الانعزال التام ليصيغ خططه في صمت، خاصة وأن هذه المرة، ابنته كارما جزء من دائرة الخطر.

مرت ساعة ثقيلة على الجميع، حتى طلبت كاميليا من أبنائها الصعود لغرفهم، وبالفعل امتثل الجميع تاركين الصالة في صمت مطبق. بعد أن اطمأنت على هدوء البيت، توجهت كاميليا بخطوات حذرة نحو غرفة المكتب، طرقت الباب بخفة ثم دخلت لتهتف بصوت يحمل طمأنينة زوجة خبيرة بطباع زوجها:

ـ ياسين.. ارتاح شوية. أنا واثقة إنك هتحقق نجاح في القضية دي، زي كل مرة.

نظر إليها ياسين مطولًا، كان في عينيه تعب السنين وخبرة الضابط المحنك. لم يجب، بل اكتفى بأن أومأ لها لتقترب، ثم رافقها خارج المكتب ليصعدا إلى غرفتهما. استلقيا على السرير، لكن عقله كان في مكان آخر تمامًا؛ كان يغوص في تفاصيل الخطة التي أعدها في صمت، يرتب الخطوات ويحسب المخاطر، حتى غلبه النوم بعد فترة وجيزة، والشرود لا يزال يسيطر على ملامحه.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، استيقظ ياسين مبكرًا، لم يكن نومه سوى لحظات متقطعة غلبت عليها هواجس القضية وتفاصيلها المعقدة. غادر الغرفة بهدوء واتجه مباشرة لغرفة كارما، وقف بجانب فراشها يراقبها وهي نائمة في سكينة، نظرة طويلة حملت كل مشاعر الأب الذي يحاول حماية ابنته من العالم الخارجي. غادر الغرفة دون أن يوقظها، واتجه للحديقة، حيث جلس وحيداً يلملم أفكاره.

استيقظت كاميليا لتجد الفراش بجوارها فارغًا، بحثت عنه بعينيها في أرجاء الغرفة، ثم بدلت ثيابها وهبطت للأسفل لتجده غارقاً في صمته وسط حديقة المنزل. لم تقترب؛ فهي تعرفه جيدًا، حين يميل ياسين للعزلة، يكون الخيار الأفضل هو تركه دون إزعاج. بدأت في إعداد الإفطار، وما إن انتهت حتى هبط حمزة وريان، اللذان يحرصان دائمًا على التواجد مع العائلة في أيام العطلة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

دخل ياسين للداخل وانضم إليهم، خيم صمت شديد على مائدة الإفطار. نظر حمزة لوالده بتركيز، وقرأ في عينيه ذلك البريق الذي يسبق العاصفة، كان يعلم أن والده قد استقر أخيرًا على خطة محكمة.

بعد أن أنهى ياسين قهوته، نظر لحمزة وقال بنبرة هادئة لكنها حازمة:

ـ حمزة، خلص فطارك واطلع صحّي كارما، عايزها تكون جاهزة.. هنتحرك على المكتب في المكافحة.

أومأ حمزة بالموافقة، بينما ظلت كاميليا وريان يتبادلان نظرات قلق واضحة. صعد حمزة لغرفة كارما، طرق الباب بقوة خفيفة ثم دخل ليبلغها بطلب والده، بينما ظل ياسين في الأسفل ينتظر في صمت، مستعداً لبدء التحقيق الرسمي في مقر عمله.

تجمدت كاميليا في مكانها، وعقدت حاجبيها بقلق واضح قبل أن تسأل بحذر:

ـ مكتب المكافحة؟ ليه يا ياسين؟ هي في حاجة تانية تخص القضية محتاج تعرفها؟

نظر إليها ياسين، ملامحه كانت توحي بالجدية التامة، فأجاب دون أن يتردد:

ـ آه، محتاج منها معلومات إضافية بخصوص التحقيقات اللي كانت بتكتبها نور، الأمور بدأت تتضح، ولازم أسمع منها شوية تفاصيل زيادة.

لم تتردد كاميليا في رد فعلها، وقفت بسرعة وقالت بحزم:

ـ طيب، أنا هقوم ألبس، لازم أكون موجودة معاكم.

هز ياسين رأسه بالرفض فوراً، وقال بهدوء:

ـ لا يا كاميليا، بلاش. الموضوع مش تحقيق رسمي، أنا بس محتاج أقعد معاها في المكتب عشان أرتب أفكاري وأعرف منها تفاصيل أكتر بهدوء بعيد عن البيت. حمزة هيكون معاها، وأنا موجود هناك.. دي في الآخر قضيتي ومسؤوليتي.

ظلت كاميليا صامتة للحظات، ملامح التردد والشك لا تزال تعلو وجهها، فهي لا تزال تشعر بالقلق على ابنتها، لكنها تعرف طبيعة عمل ياسين جيداً وتثق في حرصه عليها. تنفست بعمق، ثم أومأت برأسها بالموافقة على مضض، واكتفت بالصمت.

في تلك الأثناء، صعد حمزة إلى الطابق العلوي، طرق باب غرفته كارما ودخل ليبلغها بطلب والدها بالاستعداد للذهاب معه للمكتب. لم تمر دقائق، حتى هبطت كارما الدرج خلف حمزة، كانت ملامحها شاحبة، لكنها بدت مستعدة لمواجهة الحقيقة.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل