قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (6)
كانت كاميليا تجلس في صالة الفيلا الواسعة، وعيناها معلقتان بالباب الرئيسي، يملؤها القلق وهي تنتظر عودة ياسين وحمزة من عملهما المتواصل منذ الصباح.
انفتح باب الفيلا الخارجي الكبير، ودخل ياسين وعلامات الإرهاق ترتسم على وجهه، لكنه ابتسم فور رؤيتها. وقفت كاميليا على الفور وتوجهت نحوه تعاتبه بنبرة لائمة وممتزجة بالخوف:
ـ كل ده تأخير يا ياسين؟ بالي مشغول معاكم من الصبح، وتليفوناتكم مقفولة ومحدش بيرد. فين حمزة؟ هو مش معاك؟
خلع ياسين سترته وحاول تهدئة روعها، وقال بنبرة ضاحكة تملؤها الفخر:
ـ اهدي بس يا كاميليا، إحنا بخير والحمد لله.. أما عن سيادة الرائد، فابنك كبر خلاص ومبقاش حد بيعرف يوقفه عن شغله، واخد الموضوع جد ومصمم يقفل القضايا ويشرف على التحقيقات بنفسه.
في تلك اللحظة بالذات، انفتح باب الفيلا مرة أخرى ليدخل حمزة بخطواته الواثقة والرزينة. التفت إليه ياسين على الفور، ورفع ساعته قائلاً بلهجة مازحة:
ـ عندك تأخير يا سيادة الرائد.. تفتكر دي عقوبتها إيه في الميري؟
ابتسم حمزة ابتسامة هادئة، وتخطى والده ليقترب من والدته، ثم انحنى قليلاً وقبّل يدها واعتذر منها بنبرة دافئة:
ـ حقك عليا يا أمي.. معلش الشغل في النيابة والتحقيقات سحب الوقت مننا، ومحسناش بالساعة.
نظر ياسين حوله في أرجاء الصالة مستغرباً الهدوء التام، ثم وجه كلامه لكاميليا سائلاً:
ـ أمال كارما فين؟ نايمة ولا إيه؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ردت كاميليا وهي تشير بوعيها نحو السلم الداخلي المؤدي للدور العلوي والغرف:
ـ لا، في أوضتها فوق من ساعة ما رجعت من الجريدة، وقافلة على نفسها.
تحرك حمزة متوجهاً نحو السلم وهو يقول:
ـ طيب، هغير هدومي بسرعة وأناديها تقعد معانا، وحشتني شقاوتها بقالي يومين مشفتهاش.
صعد حمزة درجات السلم بخطوات سريعة متوجهًا إلى غرفته، أبدل ملابسه الرسمية بأخرى مريحة، ثم خرج وسار في الممر العلوي حتى وقف أمام باب غرفة شقيقته. طرق الباب طرقات خفيفة متتالية، وهتف بصوت تملؤه الدعابة:
ـ يا دكتورة الصحافة! اطلعي سيبك من المقالات والأخبار دي.. أنا هنا وعاوز أقعد معاكي شوية.
انفتح الباب بعد ثوانٍ قليلة، وخرجت كارما؛ ملامحها هادئة كالعادة، لكن في عينيها كانت هناك لمعة غريبة، مزيج من الترقب والحذر لم يفته لمحها بحسه الأمني. ابتسمت كارما ورحبت بشقيقها، وخرجا معًا وهبطا السلم إلى الدور الأرضي حيث كان ياسين وكاميليا في انتظارهما.
التفت إليها ياسين فور دخولها الصالة، وقال بنبرة دافئة وهادئة:
ـ حمد الله على السلامة يا كارما.. بقالي يومين مشفتكيش، طمنيني عليكي وعلى شغلك في الجريدة؟
ابتسمت كارما بهدوء وهزت رأسها قائلة باحترام:
ـ الله يسلمك يا بابا.. الحمد لله أنا بخير، والشغل تمام بس الفترة دي فيه ضغط تحقيقات وتغطيات صحفية واخدة كل الوقت، علشان كده كنت متأخرة ومقضياها نوم أول ما برجع.
تدخل حمزة في الحوار بابتسامة مازحة:
ـ يعني ضغط الصحافة يخليكي تختفي عننا كده؟ ده أنا قولت هتيجي تسأليني عن أحوال النيابة والقضايا الجديدة علشان تاخدي مننا حصري للجريدة.
ضحكت كارما وأجابت بذكاء:
ـ لا يا سيادة الرائد، أنا ببعد عن قضاياك علشان متقولش إني بستغل نفوذك في المكافحة.
استمرت الجلسة العائلية لبعض الوقت في أجواء هادئة، تبادلوا فيها الأحاديث السريعة حتى شعر الجميع بالإرهاق. استأذن ياسين وحمزة للدخول إلى غرفهم للنوم بعد يوم عمل شاق، وتبقت كاميليا في الصالة لترتيب بعض الأشياء قبل الصعود.
وجدت كارما أن هذه هي الفرصة المثالية؛ اقتربت من والدتها بخطوات هادئة، ونظرت إليها بنظرة جادة ولعينيها بريق غامض، ثم قالت بنبرة منخفضة وقاطعة:
ـ ماما.. أنا عاوزاكي بكره الصبح تروحي معايا النيابة.
تسمرت كاميليا في مكانها، ونظرت إلى ابنتها بذهول وقلق قائلة:
ـ نيابة؟ نيابة إيه يا كارما وليه؟ في إيه يا بنتي خضيتيني؟! وليه مقلتيش لبابا وحمزة وهم قاعدين؟
أمسكت كارما يد والدتها وبإصرار، وقالت بصوت هامس:
ـ لو سمحتِ يا ماما.. أنا طلبت منكِ أنتِ بالذات تيجي معايا، وعاوزاكي بجد متقوليش لا لبابا ولا لحمزة، ولا تعرفيهم أي حاجة.. بكره في النيابة هتعرفي السبب وهتفهمي كل حاجة بنفسك.
تراجعت كاميليا خطوة للخلف، وعلامات الدهشة والخوف تكسو وجهها، وبصوت مخنوق ومرتبك ردت عليها:
ـ مش هعرف أبوكي وأخوكي؟! أنتِ واعية للكلام اللي بتقوليه ده يا كارما؟ أنا عمري ما خبّيت حاجة عن ياسين، وبعدين إحنا رايحين النيابة اللي هما أصلاً شغالين فيها وممكن يقابلونا في أي لحظة! قولي لي في إيه يا بنتي ريحي قلبي؟
حركت كارما رأسها برفض قاطع، وضغطت على يد أمها برجاء:
ـ يا ماما علشان خاطري وافقي من غير أسئلة، أنا مش هقدر أتكلم هنا خالص.. بكره لما نوصل هناك، هتعرفي السبب وتفهمي أنا ليه عملت كدة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أومأت كاميليا برأسها ببطء بعد صمت طويل ساد فيه التردد والحيرة، ولم تجد مفرًا أمام إصرار ابنتها سوى الموافقة، رغم أن ضربات قلبها كانت تتسارع بقلق لا تدري سببه. تنفست كارما الصعداء وقبّلت وجنة والدتها بامتنان، ثم استدارت وصعدت درجات السلم بخطوات هادئة نحو غرفتها لتستعد ليوم الغد.
صعدت كاميليا هي الأخرى والدقائق تمر عليها كالساعات، فتحت باب غرفتها لتجد ياسين مستيقظًا بانتظارها، جالسًا يطالع بعض الأوراق في هدوء. حاولت كاميليا بكل ما أوتيت من قوة أن ترسم ابتسامة طبيعية على وجهها حتى لا تثير شكوكه بحسه الأمني الطاغي، واقتربت منه قائلة بنبرة هادئة:
ـ لسه منمتش يا ياسين؟ افتكرتك نمت من التعب.
أغلق ياسين الأوراق وابتسم لها بحنان:
ـ مستنيكي يا حبيبتي.. مالي حاسس إنك متغيرة شوية؟ وشك باين عليه الإرهاق أول ما دخلتي.
تلمست كاميليا وجهها بارتباك حاولت إخفاءه خلف نبرة عادية:
ـ لا أبداً، يمكن بس قلق الأم المعتاد وتعب اليوم.. يلا بينا ننام علشان ورانا صحيان بدري.
أطفأ ياسين الأنوار واستلقيا، لكن النوم جافا جفون كاميليا؛ إذ ظلت تتقلب في فراشها وعقلها يدور في حلقة مفرغة حول طلب كارما المفاجئ، والسر الذي ينتظرها في النيابة صباحاً، حتى غلبها النعاس أخيراً بعد طول عناء.
قبل أن يتمكن طارق من الاقتراب منها، تناهى إلى مسامعه صوت حركة مريبة وصخب بالخارج. تجمد في مكانه، وارتسمت العصبية والضيق على ملامحه فوراً. ابتعد عن نور وخرج من الغرفة بخطوات غاضبة، ليرى أحداً من رجاله يقف في الممر وعلامات الارتباك بادية عليه. هتف به طارق بنبرة حادة وصوت منخفض غاضب:
ـ في إيه يا زفت؟ إيه الحركة والمرقعة دي في وقت زي ده؟
رد الرجل بوجل وهو يتراجع خطوة:
ـ يا طارق بيه، الباشا سأل عليك بنفسه وعاوزك فوراً في الشغل الخارجي، ومشدد إنك تروق وتروح له دلوقتي حالا ومتتأخرش ثانية واحدة.
جز طارق على أسنانه بغيظ مكتوم، ونظر نحو باب الغرفة المغلق حيث تقبع نور، ثم التفت إلى رجله وقال بأمر حاسم:
ـ طيب غُور من وشي، أنا جاي وراك.. وعينك على الأوضة دي، محدش يقرب منها.
اضطر طارق للمغادرة على عجلة في عتمة الليل، تاركاً خلفه هدوءاً ثقيلاً يلف المكان.
أما في داخل الغرفة، فكانت نور في حالة يرثى لها؛ انكمشت على نفسها في أحد أركان الغرفة، ضامة ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بهما من قسوة العالم حولها. كانت دموعها تتدفق بغزارة دون انقطاع، لتغسل وجهها الشاحب الذي غابت عنه الروح. جسدها الضعيف كان يرتجف بانتظام مع كل شهقة بكاء مكتومة، وشعرها منسدل بإهمال يخفي جانباً من ملامحها المذعورة.
لم تكن تبكي فقط من الخوف، بل من قلة الحيلة وشعور الخذلان وهي محاصرة بين جدران لا ترحم، وعقلها لا يتوقف عن التفكير في والدها، وفي التهديد الذي يحيط بها من كل جانب، متضرعة في سرها أن تنتهي هذه الكوابيس وتجد مخرجًا قبل فوات الأوان.
❈-❈-❈
أشرقت شمس اليوم التالي لتعلن عن بداية يوم مليء بالترقب. في صالة الطعام بفيلا ياسين، ساد الهدوء وتناول الجميع وجبة الإفطار معًا. بدا ياسين وحمزة مستعدين ليوم عمل شاق، بينما كانت كاميليا تحاول جاهدة إخفاء توترها خلف نظراتها المترقبة، وكارما تلتزم الصمت بذكاء.
بمجرد أن أنهى ياسين وحمزة طعامهما، ودّعا كاميليا وكارما وتحركا معًا باتجاه عملهما. ما إن أُغلق باب الفيلا الخارجي خلفهما، حتى التفتت كاميليا إلى ابنتها، وتنفست الصعداء قائلة بنبرة تحمل مزيجًا من القلق والإصرار:
ـ ها يا كارما.. بابا وحمزة نزلوا وراحوا الشغل. اطلعي البسي يلا علشان نمشي ونشوف آخرة مشوار النيابة ده إيه، وربنا يستر.
أومأت كارما برأسها دون كلام، وصعدت سريعًا لتستعد للمواجهة.
وفي مقر الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، كان المكتب الفخم ينم عن هيبة صاحبه، حيث يجلس اللواء ياسين خلف مكتبه الضخم يتابع بعض الملفات الهامة بحزم.
انفتح الباب ودخل الرائد حمزة بخطواته العسكرية الواثقة والمنضبطة. وقف بثبات أمام مكتب والده، ورفع يده مؤديًا التحية العسكرية الرسمية بجدية تامة تليق بالمكان:
ـ تمام يا فندم.
أومأ له اللواء ياسين بيده هاتفًا بنبرة عمليّة دافئة:
ـ اتفضل اقعد يا حمزة. طمّني، إيه آخر التطورات عندك؟
جلس حمزة على المقعد المقابل للمكتب، واعتدل في جلسته وهو يفتح ملفًا كان يحمله بين يديه، وقال بنبرة جادة ومحترفة:
ـ بخصوص قضية مدحت غانم يا سيادة اللواء.. التحريات الأخيرة والمراقبة أكدت إن التحركات زادت حول المخازن الطرفية بتاعته في الفترة اللي فاتت، ورجالتنا رصدوا خيوط جديدة هتقفل الدائرة عليه تمامًا، وإحنا بنجهز لضربة واحدة توقّع رأس الحية ده وشبكته كلها، والنيابة مستنية مننا تقرير الضبط النهائي علشان تطلع إذن المداهمة.
أومأ اللواء ياسين برأسه باهتمام، وعيناه تلمعان بتركيز شديد، ثم قال:
ـ مظبوط يا حمزة، مدحت غانم إحنا محاصرينه ومسألته وقت.. طمني، في أي مستجدات تانية في التحريات الخارجية؟
اعتدل حمزة في جلسته أكثر، وارتسمت الجدية التامة على ملامحه، وقال بنبرة منخفضة وقاطعة:
ـ في موضوع تاني خطير يا فندم ومرتبط باللي بنبش وراه.. التحريات الأخيرة أكدت اختفاء بنت شاكر عبدالرحمن، واسمها نور، وشغالة صحفية تحقيقات.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ضيق ياسين عينيه بحذر مستفهماً:
ـ شاكر؟ ومين نور دي وشغالة فين بالظبط؟
تابع حمزة بلهجة أمنية محترفة يشرح له:
ـ دي صحفية شابّة، وكانت بتنبش الفترة اللي فاتت ورا قضايا تقيلة تخص شبكات تهريب. البنت غايبة بقالها أيام، مرجعتش بيتها وأهلها؛ والدتها وبنت عمها يارا قالبين الدنيا عليها ومش عارفين يوصلوا لها، وتليفونها مقفول تمامًا؛ اختفاء صحفية بالخلفية دي في التوقيت ده مش صدقة يا سيادة اللواء، ده مؤشر خطر جدًا.. البنت دي أكيد لمست طرف خيط حساس رعبهم، واختفائها معناه إنها وصلت لحاجة كبيرة. أنا كلّفت رجالتنا يقلبوا الدنيا تحريات سرية وبراجع خط سيرها وتتبع تليفونها الأخير عشان نوصل لمكانها قبل ما يأذوها.
هز اللواء ياسين رأسه بجدية، وملامحه تكسوها الصرامة الأمنية، ثم قال لحمزة بنبرة حازمة:
ـ الموضوع ده مش مريحني يا حمزة، واختفاء البنت دي وراه سر كبير. جهز لي ملف كامل عن نور شاكر، وعن التحقيقات اللي كانت شغالة عليها الفترة الأخيرة، وعاوزه على مكتبي في أسرع وقت علشان أفهم أبعاد القضية دي بنفسي ونعرف بنتحرك ضد مين.
وقف حمزة بثبات، وأدى التحية العسكرية بإنضباط قائلًا:
ـ تمام يا فندم، الملف هيكون جاهز وموجود قدام سيادتك.
استدار حمزة وخرج من المكتب متوجهًا لإنهاء الإجراءات، تاركًا والده يتابع بقية الملفات.
وفي نفس التوقيت، كان مقر النيابة يعج بالحركة والمارة. دلفت كاميليا وبصحبتها ابنتها كارما؛ كانت كاميليا تحاول جاهدة السيطرة على قلقها وتلفتها حولها بحذر، خوفًا من أن تلمح ياسين أو حمزة في الممرات. توجهت كاميليا بخطوات واثقة ورصينة نحو العسكري الواقف على باب مكتب وكيل النيابة، وقالت له بنبرة جادة:
ـ لو سمحت، بلّغ وكيل النيابة إننا عاوزين نقابله لأمر هام جدًا لا يحتمل التأجيل.
نظر إليها العسكري باحترام وجدية وقال:
ـ يا فندم، الباشا جوة ومعاه تحقيقات ومشغول.. إيه السبب أو بخصوص إيه علشان أقدر أبلغ الكاتب جوة؟
هنا تداخلت كارما وقالت بنبرة منخفضة ومؤثرة حسمت الموقف:
ـ قول له بخصوص معلومات وأقوال خاصة بقضية اختفاء الصحفية نور شاكر.
دخل العسكري سريعًا وأبلغ كاتب التحقيق الذي نقل الأمر فورًا لوكيل النيابة. وما إن سمع وكيل النيابة اسم قضية "نور شاكر"، حتى التقط هاتف المكتب فورًا واتصل بالضابط المسؤول عن القضية قبل أن يأذن لهما بالدخول.
أتاه صوت حمزة الجاد:
ـ أيوة يا فندم، في جديد؟
رد وكيل النيابة بنبرة جادة ورسمية تمامًا:
ـ يا فندم، في اتنين بره مكتبي دلوقتي طالبين يقابلوني، ولما العسكري سألهم عن السبب، قالوا إن عندهم أقوال ومعلومات تخص موضوع اختفاء نور شاكر. أنا هدخلهم دلوقتي أسمع منهم، بس قولت أبلغ سيادتك فورًا بصفتك المسؤول عن التحريات.
انتفض حمزة من مكتبه وهتف بأمر حاسم:
ـ أنا جاي لسيادتك حالًا.. ميمشوش من عندك ولا يغادروا مقر النيابة غير لما آجي وأشوفهم بنفسي!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أغلق وكيل النيابة الهاتف، وأشار للعسكري بالسماح لهما بالدخول. انفتح الباب ودلفت كارما وخلفها كاميليا، وكان كاتب التحقيق جالسًا يجهز الأوراق. وقبل أن يبدأ وكيل النيابة الحديث، تقدمت كاميليا بخطوات رصينة، وقالت بتعريف رسمي لتفرض هيبتها في المكان:
ـ صباح الخير يا فندم.. أنا الأستاذة كاميليا، محامية.
أومأ لها وكيل النيابة باحترام وتقدير قائلًا:
ـ أهلاً وسهلاً يا فندم، اتفضلوا استريحوا.
جلس الثنائي، وأومأ وكيل النيابة للكاتب ببدء تدوين المحضر، ثم التفت بكامل تركيزه نحو كارما وقال بنبرة هادئة ورسمية:
ـ في الأول كدة.. إثبات شخصية والبيانات الرسمية. الاسم بالكامل والسن والمهنة؟
نظرت كارما إلى والدتها بقلق والتقطت أنفاسها بصعوبة، ثم التفتت لوكيل النيابة وقالت بنبرة خافتة ومترددة:
ـ كارما ياسين الشاذلي.. صحفية في نفس الجريدة.
توقفت يد وكيل النيابة عن تقليب الأوراق فجأة، ورفع رأسه بسرعة لينظر إليها بملامح صدمة وذهول تام، وجلس يعتدل في مقعده وهو ينظر لكاميليا ثم يعود بنظره لكارما غير مصدق، فاسم "ياسين الشاذلي" في هذا السلك له هيبة وثقل لا يخفيان على أحد.
حاول السيطرة على دهشته وسألها بنبرة تملؤها الحيرة:
ـ كارما ياسين الشاذلي؟ بنت اللواء ياسين الشاذلي؟
أومأت كاميليا برأسها بوقار وهدوء مؤكدة:
ـ نعم يا فندم.. أنا والدتها وزوجة سيادة اللواء.
هنا ساد الصمت أرجاء المكتب، ونظر وكيل النيابة إلى الأوراق أمامه بتردد واضح، وبدت عليه الحيرة؛ فالقضية أصبحت حساسة للغاية الآن، والضابط الذي اتصل به منذ دقائق وهتف بحسم قائلًا: أنا جاي حالاً
ليس سوى الرائد حمزة الشاذلي، شقيق الفتاة الجالسة أمامه! دارت الفكرة في رأسه وجعلته يتباطأ في خط القلم، وكأنه يحاول كسب الوقت وتأخير بدء استجوابها رسميًا حتى يصل شقيقها ويكون على علم بما يحدث.
تنحنح وكيل النيابة محاولًا إخفاء ارتباكه، وضبط نبرة صوته وقال وهو ينظر لكارما بتردد يحاول تجاوزه:
ـ تمام.. ما هي.. طبيعة علاقتكِ بالصحفية نور شاكر؟ وماذا تعرفين بالتحديد عن ظروف اختفائها؟
أخذت كارما نفسًا عميقًا، وحاولت السيطرة على ارتجاف صوتها وهي تنظر إلى وكيل النيابة، ثم بدأت تسرد أقوالها بتردد تلاشى تدريجيًا:
ـ نور مش مجرد زميلة في الجريدة.. نور صديقة عمري من أيام الدراسة في الجامعة، وهي كانت بتثق فيا جدًا. قبل اختفائها بأسبوعين تقريباً، كلمتني وكانت متوترة، وطلبت نقابل برة الجريدة تمامًا وفي مكان عام بعيد عن الأنظار.
انحنى وكيل النيابة يدوّن مع كاتب التحقيق كل كلمة باهتمام، بينما تابعت كارما:
ـ لما اتقابلنا، كانت خايفة وقالت لي إنها شغالة على ملف تقيل جداً يخص "مدحت غانم"، وإنها حاسة إنها متراقبة وفي خطر. طلعت من شنطتها ملف وفلاشة وادتهم ليا، وبلغتني بالحرف الواحد:
لو حصل لي أي حاجة يا كارما.. تسلمي الحاجات دي للنيابة فوراً.
فتحت كارما حقيبة يدها بخطوات ثابتة تحت نظرات وكيل النيابة المترقبة، وأخرجت مظروفًا مغلقًا وبجواره فلاشة صغيرة، وتقدمت لتضعهما على المكتب أمامه قائلة:
ـ وده الملف والفلاشة اللي نور سابتهم معايا، وأنا جاية أنفذ وصيتها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مد وكيل النيابة يده بترقب والتقط المظروف المغلق، فض الختم ببطء وأخرج الأوراق وعيناه تتفحص السطور الأولى بتركيز شديد، لكن سرعان ما تحولت ملامحه من الرسمية إلى الذهول التام. أخذ يقلب الصفحات بسرعة، تارة ينظر إلى المستندات المطبوعة وتارة إلى الفلاشة المستقرة على مكتبه.
اسم "مدحت غانم" في دفاتر الشرطة والنيابة كان مقترنًا دائمًا بالمواد المخدرة والتهريب، لكن ما بين يديه الآن كان يفوق ذلك بمراحل؛ أوراق، تحويلات، وأسماء مستشفيات تؤكد أن الرجل يدير شبكة دولية لتجارة الأعضاء البشرية تحت غطاء أعماله الأخرى.
رفع وكيل النيابة نظره نحو كارما، وقال بنبرة تملؤها الدهشة والصدمة:
ـ إنتي فتحتي الملف ده وقريتيه يا آنسة كارما؟
أومأت كارما برأسها وأجابت بصوت حاول البقاء متماسكاً:
ـ أيوا يا فندم فتحته.. وكنت بفكر آخد المعلومات دي وأعمل سلسلة تحقيقات صحفية موسعة عن تجارة الأعضاء البشرية والشبكة دي، بس خفت..
هنا تداخلت كاميليا بنبرة حازمة وقاطعت ابنتها مستفسرة بوجه يملؤه القلق والجدية:
ـ خفتي من إيه يا كارما؟ والملف ده فيه إيه بالظبط؟ أنا لسه معرفش تفاصيله!
وفي تلك اللحظة بالذات، انفتح باب المكتب بقوة ودون استئذان.
دلف حمزة وعلامات الإجهاد والتوتر تظهر على وجهه، بعد أن تخطى علياء في الممر بالخارج على عجل ودون أن يلتفت لها لشدة اندفاعه. تجمد حمزة في مكانه للحظات، واتسعت عيناه بذهول حقيقي وهو ينظر إلى المقعدين أمام وكيل النيابة؛ لم يكن يتوقع أبدًا أن يجد والدته وشقيقته في هذا المكان.
نظر حمزة إليهما، ثم التفت لوكيل النيابة وعاد بنظره إليهما مجددًا، وقال بنبرة حادة وصوت جهوري يملؤه الاندهاش والغضب:
ـ أمي؟! كارما؟! إنتم بتعملوا إيه هنا؟ وإيه علاقتكم إنتو بقضية اختفاء نور شاكر؟!
انتفضت كارما واقفة من مقعدها بمجرد سماع صوت شقيقها الحاد، وتراجعت خطوة للخلف وهي تنظر إليه بخوف وارتباك شديدين، مدركة تمامًا مدى خطورة ما أخفته عنه طوال الفترة الماضية.
لمح وكيل النيابة هذا التوتر، فتدخل على الفور لفرض سيادة القانون وهيبة المكتب، ورفع يده مشيرًا لحمزة بالهدوء قائلاً بنبرة حازمة ورسمية:
ـ هدي نفسك يا سيادة الرائد، واتفضل استريح. إحنا هنا في مكتب تحقيق رسمي، والآنسة كارما مش متهمة.. دي جاية بصفتها شاهدة وبتقدم للنيابة أدلة ومعلومات في غاية الأهمية والخطورة بخصوص القضية اللي سيادتك بتتحرى عنها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر حمزة لوكيل النيابة بنظرات حائرة ومترقبة، ثم جلس ببطء وعيناه لا تفارقان شقيقته الواقفة برعب، وقال بنبرة حاول جعلها هادئة:
ـ أدلة إيه يا فندم؟ ومعلومات إيه اللي تعرفها كارما عن نور شاكر ومخباياها عني؟
التقط وكيل النيابة الأوراق من فوق مكتبه، ونظر لحمزة بجدية بالغة قائلا:
ـ الآنسة كارما استلمت من المجني عليها قبل اختفائها بأسبوعين ملف وفلاشة، كوصية لو جرى لها حاجة تسلمهم للنيابة.. الملف ده بيقلب موازين القضية كلها يا سيادة الرائد. مدحت غانم اللي بندور وراه بقالنا شهور على أساس إنه تاجر مخدرات ومهرب، طلع مجرد غطاء لكارثة أكبر.. الراجل ده بيدير شبكة دولية ضخمة لتجارة الأعضاء البشرية!
وقع الكلمات على حمزة كان كالصاعقة؛ اتسعت عيناه وصمت لثوانٍ وهو يحاول استيعاب حجم المعلومات، والتفت ينظر لكارما بذهول تام وصدمة حقيقية جمدت الدماء في عروقه، فالقضية لم تعد مجرد اختفاء صحفية، بل أصبحت مواجهة مع شبكة دولية شديدة الخطورة والدموية.
وقبل أن ينطق حمزة بحرف واحد أو يستوعب الصدمة، انفتح باب المكتب مرة أخرى ولكن هذه المرة اندفعت منه خطوات سريعة ومضطربة لضابط شاب من قوة التحريات، كان يلهث وكأنما ركض مسافة طويلة، وبدت على وجهه علامات الجدية والخطورة.
تنحنح الضابط سريعًا وأدى التحية العسكرية لوكيل النيابة ثم التفت لحمزة وهتف بنبرة عاجلة:
ـ يا فندم.. جالي بلاغ حالًا من دورية الطرق! لقوا عربية الصحفية نور شاكر مقلوبة وعلى جانب الطريق الصحراوي!
انتفض حمزة واقفًا من مقعده وكأن تيارًا كهربائيًا أصابه، وتراجعت كاميليا خطوة للخلف وهي تضع يدها على فمها بذهول، في حين شهقت كارما من الصدمة واختل توازنها لولا أن والدتها أسندتها سريعًا.
التفت حمزة للضابط الشاب وسأله بنبرة هادرة وعينين متسعتين:
ـ عربيتها؟! لقوا فيها حد؟ نور كانت جواها؟!
رد الضابط وعلامات التوجس تكسو ملامحه:
ـ المعاينة المبدئية بتقول إن العربية فاضية يا فندم، وفي آثار دم على الدريكسيون والكرسي، لكن ملهاش أي أثر في المحيط! وقوة القسم والمديرية بيحاصروا المكان حالا.
أنهى الضابط كلامه، فانتفض حمزة من مكانه وبنبرة عاجلة وحاسمة التفت إلى وكيل النيابة وقال:
ـ أنا هتحرك حالا مع قوة الدعم على الموقع في الصحراوي علشان أعاين العربية بنفسي، وسيادتك كمل التحقيق مع كارما هنا واعرف منها كل حاجة بخصوص الملف لحد ما أرجع.
تحرك حمزة بسرعة فائقة وخارج من المكتب، وفي نفس اللحظة كانت علياء تقف في الممر الخارجي، لتقطت أذنها خطفًا كلمات حمزة عن الصحراوي وعن كارما. انقبض قلبها بحسّها المهني، وبمجرد أن مر حمزة من جنبها مسرعًا، لم تنتظر ثانية واحدة؛ تقدمت باندفاع ودفعت الباب بقوة لتقتحم المكتب على وكيل النيابة، قائلة بنبرة مرتعشة ومصرة:
ـ في إيه؟! إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ الموضوع يخص نور صح؟ أنتوا مخبيين عني إيه؟!
تجمد وكيل النيابة الجالس خلف مكتبه من هول المفاجأة، وتبادلت كاميليا وكارما النظرات المصدومة، بينما راحت علياء تنظر في وجوههم بحدة منتظرة إجابة واضحة.
ساد صمت ثقيل في المكتب بعد اقتحام علياء. نظر وكيل النيابة إليها بجدية مفرطة، ثم أغلق الملف الذي كان أمامه بحركة بطيئة، وقال بنبرة هادئة وحازمة:
ـ أستاذة علياء، وجودك هنا دلوقتي غير قانوني ومخالف لكل الأصول. لو عندك أي استفسار يخص موكلتك، ياريت تطلبي مقابلة رسمية، لكن اقتحام مكتبي ومقاطعة التحقيق ده شيء مش هسمح بيه.
علياء لم تتراجع، بل زادت حدة نظراتها وقالت بتحدٍ:
ـ وأنا مش همشي من هنا غير لما أفهم ليه الرائد حمزة اتحرك بسرعة للصحراوي، وإيه علاقة الناس دي بنور؟ دي قضية تخص موكلتي، وأي تستر منكم في معلومة يخصها، أنا هحاسبكم عليه قانونيًا!
نظر إليها وكيل النيابة ببرود، ثم أشار بيده نحو الباب:
ـ اتفضلي استني برة، ولما أخلص اللي في إيدي هبقى أشوف لو في أي حاجة ممكن أطلعك عليها. غير كده، أنا مضطر أخرجك بنفسي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
خرجت علياء من المكتب، وأغلقت الباب خلفها بهدوء حذر، تاركة خلفها أجواءً مشحونة بالترقب.
تنفس وكيل النيابة الصعداء، ثم التفت بكامل جسده نحو كارما الجالسة أمامه، ووجه إليها نظرة جادة يملؤها الفضول والاهتمام، وقال بنبرة هادئة وحاسمة:
ـ الرائد حمزة خلاص أخد القوة واتحرك على الصحراوي علشان يعاين العربية بناءً على الكلام اللي شفناه في الملف الورقي.. دلوقتي بقى يا آنسة كارما، قولي لي إيه حكاية الفلاشة دي بالظبط؟ وإيه علاقتها بنور؟
امتدت يد كارما المرتعشة تشير إلى الفلاشة الصغيرة المستقرة على سطح المكتب، وقالت بصوت خافت:
ـ يا فندم، أنا لما فتحت الفلاشة دي في البيت وشفت جزء من اللي عليها خوفت جداً ومقدرتش حتى أكملها.. حضرتك لازم تشوف محتواها بنفسك حالا علشان تفهم الصورة كاملة.
قطب وكيل النيابة حاجبيه، ومد يده ليلتقط الفلاشة ببطء. وضعها في جهاز الكمبيوتر أمامه، وضغط عدة ضغطات على لوحة المفاتيح ليفتح الملفات.
انعكس ضوء الشاشة على وجهه وهو يتصفح مقاطع فيديو وصورًا مباغتة؛ كانت لعمليات تسليم وتسلم في مناطق صحراوية، تظهر فيها صناديق مفتوحة مليئة بقوالب المخدرات، ومجموعات من الأشخاص المسلحين يجرون صفقات مشبوهة.
ساد الصمت أرجاء المكتب تمامًا ورفع وكيل النيابة عينيه ببطء نحو كارما، والذهول واضح على ملامحه من حجم المفاجأة.
أغلق وكيل النيابة شاشة الكمبيوتر ببطء، وجلس للحظات يستوعب حجم الكارثة التي أمامه، ثم نظر إلى كارما وكاميليا وقال بنبرة جادة وحاسمة:
ـ التحقيق لحد هنا انتهى مؤقتاً.. الفلاشة والملف هيتحفظوا في الأحراز، وأنا هصدر أمر فوري بتأمينكم لحين استدعائكم تاني. تقدروا تتفضلوا دلوقتي.
قامت كارما ووالدتها وعلامات الارتياح والخوف مختلطة على وجوههما، وغادرتا المكتب تحت حراسة مشددة.
❈-❈-❈
على الجانب الآخر، وفي قلب الصحراء..
وصلت سيارات الشرطة تتقدمها سيارة الرائد حمزة، مصحوبة بقوة دعم مكثفة. توقفت السيارات محدثة جلبة وصوتًا حادًا وسط صمت الجبل والرمال. ترجل حمزة من سيارته بسرعة، وعيناه تفحصان المكان بحدة، حيث كانت هناك آثار مكابح قوية وممتدة على الأسفلت تنتهي بـ السيلرة المقلوبة على جانب الطريق.
تقدم حمزة بخطوات واسعة نحو الحطام، وكان المشهد يوحي بقوة الارتطام؛ الزجاج متناثر في كل مكان، وباب السائق مفتوحاً ومحطمًا بالكامل.
وقف حمزة يوزع نظراته بين السيارة والرمال المحيطة بها، ثم التفت إلى خبير المعاينة الجنائية الذي كان يرفع البصمات، وسأله بنبرة قلقة وعاجلة:
ـ ها يا فندم؟ المعاينة المبدئية بتقول إيه؟ في أي أثر لشبهة جنائية، ولا الحادثة دي بفعل فاعل؟
التفت خبير المعاينة الجنائية إلى حمزة، ونفض الغبار عن يديه وهو يقول بنبرة عملية:
ـ إحنا رفعنا كل البصمات المتاحة من على جسم العربية والدركسيون يا فندم، وهنبعتها حالاً للطب الشرعي علشان نطابقها. السيارة حالياً تم التحفظ عليها وهتتنقل بـ الونش لإنهاء الفحص الفني.
أومأ حمزة برأسه بجدية، وعلامات القلق لا تفارق وجهه، ثم قال بنبرة حاسمة وصارمة:
ـ تمام.. أنا عاوز التقرير الفني وتقرير البصمات ده يكون على مكتبي في أسرع وقت ممكن، القضية مش مستحملة أي تأخير.
ـ اعتبره حصل يا فندم، أول ما تطلع النتيجة هتكون عندك.
استدار حمزة دون أن يضيع ثانية أخرى، وركب سيارته وتحركت القوة خلفه مغادرة الموقع الصحراوي وسط الغبار المتصاعد.
وفي مبنى النيابة..
كانت الأجواء قد هدأت نسبياً بعد مغادرة كارما ووالدتها. وقفت علياء في الممر تتابع خروج تلك الفتاة والسيدة التي معها بنظرات فاحصة تملؤها الريبة، مستغربة من ملامح الخوف التي كانت تكسو وجوههما ومن الحراسة المشددة حولهما.
لم تنتظر علياء طويلاً؛ تقدمت بخطوات واثقة نحو مكتب وكيل النيابة، ودقت الباب خبطتين خفيفتين، ثم فتحته واستأذنت بلهجة حذرة ومصرة في نفس الوقت:
ـ تسمح لي بالدخول يا فندم؟ أنا شفت البنت اللي كانت جوة خرجت.. كنت حابة أعرف إيه اللي حصل بالظبط، وإيه وضع موكلتي نور من كل اللي بيحصل ده؟ هل في أي خيط جديد وصلتوا له؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفع وكيل النيابة عينيه عن الأوراق أمامه، ونظر إلى علياء بملامح يكسوها الإرهاق والجدية الشديدة. أغلق ملف الفلاشة الذي كان أمامه بحركة سريعة، ثم تشابكت أصابعه أمام وجهه وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة:
ـ يا أستاذة علياء، التحقيقات لسه في مرحلة سرية جدًا، وأي معلومة في الوقت الحالي ممكن تضر بمصلحة التحقيق ومصلحة موكلتك نفسها. كل اللي أقدر أقولهولك إن الأمور بتتكشف واحدة واحدة، وخلينا نستنى لما الرائد حمزة يرجع بتقرير المعاينة من موقع الحادث.
ضيقَت علياء عينيها قليلاً، محاولة قراءة ما وراء كلماته، ثم سألت بحدة:
ـ يعني أفهم من كلام حضرتك إني أبعد عن الموضوع لحد ما يرجع الرائد حمزة؟ ولا فيه حاجة تانية حضرتك مخبيها؟
تنفس وكيل النيابة بعمق ونظر إليها بثبات:
ـ أفهمي إن مصلحة القضية فوق كل اعتبار، والوقت مش مناسب لأي تفاصيل إضافية. اتفضلي يا أستاذة، ولما يجد جديد هنبلغك.
أومأت علياء برأسها ببطء، وعيناها لا تزالان معلقتين بملامح وجهه المحايدة، وكأنها تحاول استنباط أي إشارة خفية لم تبح بها كلماته. أدركت تماماً أن الضغط أكثر من ذلك لن يأتي بنتيجة، وأن وكيل النيابة قد اتخذ قراره بالصمت.
استدارت بهدوء، وأغلقت الباب خلفها بخفة، ثم اتجهت نحو مقعد الانتظار في الممر الخارجي. جلست بظهر مستقيم، ووضعت حقيبتها بجانبها، ثم أخرجت هاتفها لتتأكد من إغلاق الصوت، وقررت الانتظار.. لن تغادر المكان قبل أن تتحدث مع حمزة وتعرف الحقيقة، مهما طال وقت الانتظار.
ساد الصمت في الممر، ولم يقطعه سوى صوت خطوات العساكر البعيدة، بينما استقرت علياء في مكانها، تترقب عودة حمزة الذي يحمل في جعبته مفاتيح هذا اللغز المعقد.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
