سم الحروف - الفصل 5 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (5)



مدّت علياء يدها بالهاتف لوكيل النيابة. أخذ منها الجهاز وبدأ يقرأ بتركيز شديد وعيناه تتحركان بين السطور، يتابع العناوين التي تفضح صفقات مشبوهة وخطوط سير تجارة مشكوك في نظافتها لشركات مدحت غانم. بدأت تعابير وجه وكيل النيابة تتغير، وعقد حاجبيه وهو يربط في عقله بين شحنة المخدرات المضبوطة في مخزن شاكر، وبين مقتل السواق عوض المفاجئ، وبين الكلام المكتوب في المقالات.

أرجع وكيل النيابة الهاتف لعلياء وهو يشعر بيقين كامل، وقال بصوت حازم:

ُـ ده مبقاش مجرد شك.. ده دافع صريح! المقالات دي قربت من أسرار خطيرة، ومقتل عوض واختفاء الصحفية نور في التوقيت ده بالذات مبقاش صدفة.

التفت فوراً إلى العسكري الواقف على الباب وأصدر أوامره بلهجة قاطعة:

ـ اطلب لي حالاً الآنسة يارا، والأستاذ حسن المصري رئيس التحرير.. طالما موجودين برة في ممر النيابة يدخلوا فوراً لإثبات أقوالهم رسمي في المحضر بخصوص المقالات واختفاء نور.

ثم نظر إلى علياء وقال بنبرة حملت مزيجاً من الترقب والتحدي:

ـ بمجرد ما يثبتوا الأقوال دي في المحضر، هصدر إذن رسمي للمباحث بمراقبة هواتف وتحركات مدحت وطارق غانم.. ودي هتبقى بداية نهايتهم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أومأ العسكري بطاعة وغادر المكتب، وبعد لحظات انفتح الباب ودخلت يارا. كانت ملامحها شاحبة، وعيناها محتقنتان من قلة النوم والدموع، وبمجرد أن أبصرت علياء تجلس في مقعدها، تنفست الصعداء وكأنها وجدت ملاذها الآمن.

أشار لها وكيل النيابة بيده نحو المقعد المقابل له، وقال بنبرة هادئة ومطمئنة لكنها تحمل هيبة المنصب:

ـ اتفضلي اقعدي يا آنسة يارا.. ارتاحي خالص. أنا استدعيتك دلوقتي علشان آخد أقوالك رسمياً في المحضر بخصوص بلاغ اختفاء بنت عمك نور شاكر.

جلست يارا وهي تشبك أصابعها بتوتر شديد، وقالت بصوت مرتعش:

ـ تحت أمرك يا فندم.. أنا مستعدة أقول أي حاجة، نور في خطر، وعمي مالوش ذنب!

اعتدل وكيل النيابة في جلسته، وثبّت نظراته عليها وسألها مباشرة:

ـ الأستاذة علياء بلغتني إنك بتوجهي أصابع الاتهام صراحة لـ "مدحت غانم" وعيلته في اختفاء نور.. إيه سبب شكك ده؟ وإيه علاقة نور بيهم من الأساس؟

أخذت يارا نفساً عميقاً، وبدأت تتحدث بقوة وإصرار غلبا على خوفها:

ـ لأن مفيش حد ليه مصلحة يأذي عمي وبنته غيرهم يا فندم! نور صحفية تحقيقات، وكانت شغالة بقالها فترة على سلسلة مقالات بتفضح صفقات مدحت غانم المشبوهة.. نور كانت قربت من الرأس الكبيرة، ولما حسوا بالخطر، لبّسوا عمي قضية المخدرات دي وخطفوا نور علشان يخرسوها!

التفت وكيل النيابة نحو يارا وسألها بنبرة جادة:

ـ وهل معاكي أي دليل، أو نور قالت لك إنها اتعرضت لتهديد مباشر من مدحت غانم أو ابنه طارق قبل ما تختفي؟

انتفضت يارا في مقعدها وقالت بلهفة:

ـ أيوه يا فندم! أنا شفت التهديد ده بعيني على تليفونها قبل ما تختفي بأسبوعين.. جايلها رسالة من رقم غريب مكتوب فيها نصاً: 

لو المقال الجاي نزل، هتبكي على أبوكي وعلى عمرك، والمرة دي مش هتبقى مجرد تحذير.. لمي نفسك يا نور.

ضيق وكيل النيابة عينيه باهتمام شديد وسألها:

ـ والرسالة دي لسه موجودة؟ فين تليفون نور؟

ردت يارا بقلة حيلة والحزن يكسو وجهها:

ـ التليفون اختفى معاها يا فندم.. بس أنا من خوفي عليها وقتها أخدت لقطة شاشة "سكرين شوت" للرسالة دي وبعتّها لنفسي على الواتساب.. ومستعدة أقدمها لحضرتك حالا!

التمعت عينا علياء بانتصار، بينما أومأ وكيل النيابة برأسه وعلامات الجدية التامة تسيطر على وجهه، وقال للسكرتير:

ـ أثبت ده في المحضر فوراً، مع تحريز لقطة الشاشة المرسلة من هاتف الشاهدة وتاريخها اللي بيثبت إن التهديد كان قبل أسبوعين.

ثم التفت إلى يارا وقال:

ـ تمام يا آنسة يارا، اتفضلي امضي على أقوالك، وخليكي مستنية برة.. ممنوع تغادري مقر النيابة.

وقّعت يارا على المحضر وخرجت، ثم التفت وكيل النيابة إلى العسكري وقال:

ـ دخل الأستاذ حسن المصري رئيس التحرير حالاً.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انفتح الباب ودخل حسن المصري؛ رجل في الخمسين من عمره، يرتدي بدلة رسمية، وتظهر على وجهه علامات الوقار والقلق في آن واحد. رحب به وكيل النيابة وأشار له بالجلوس، ثم بادره قائلاً:

ـ اتفضل اقعد يا أستاذ حسن.. إحنا استدعيناك عشان نعرف أبعاد وخلفيات المقالات التحقيقية اللي نشرتها الصحفية نور شاكر في موقعكم الإلكتروني بخصوص أعمال مدحت غانم، وعايز أعرف هل كنت على علم بالتهديدات اللي بتجيلها من أسبوعين؟

اعتدل حسن المصري في جلسته، ومسح على وجهه بتعب ثم قال بنبرة جادة:

ـ يا فندم نور مكانتش مجرد صحفية عندي، دي زي بنتي، وأنا فعلاً كنت عارف بالرسالة اللي جاتلها من أسبوعين وحذرتها.. بس الموضوع موقَفش عند مجرد رسالة مجهولة، الموضوع وصل لحد عندي في مكتبي بالجرنان!

ضيق وكيل النيابة عينيه بفضول واهتمام، وقال:

ـ وضح قصدك يا أستاذ حسن.. إيه اللي حصل في مكتبك؟

تنحنح حسن المصري وتابع قائلاً:

ـ من حوالي عشر أيام، فؤجئت بـ طارق غانم جاي لي المكتب بنفسه. في الأول افتكرتها زيارة عادية، بس لقيت كلامه كله تلميحات.. طلب مني بشكل مباشر إني أنقل نور من قسم التحقيقات خالص لأي قسم تاني في الجريدة، زي الفن أو المرأة مثلاً، وتبعد تماماً عن سكة التحقـيقات والتدوير وراهم.

التفتت علياء بكامل جسدها نحو حسن مستمعة بتركيز شديد، بينما سأله وكيل النيابة:

ـ وطارق غانم طلب الطلب ده بصفته إيه؟ وعرض مقابل إيه؟

رد حسن المصري بابتسامة ساخرة:

ـ عرض رشوة صريحة ومقنّعة يا فندم! قال لي إن شركتهم هتعمل حملة إعلانية ضخمة جداً في الجريدة وموقعها الإلكتروني عن قريتهم السياحية الجديدة، وهيدفعوا مبالغ مالية كبيرة جداً كعقود إعلانات سنوية، بس بشرط واحد.. نور تشيل إيدها من التحقيقات بتاعتهم وتتنقل فوراً من القسم. طبعاً أنا رفضت، وقولت له إن الجريدة مش بتخضع للمساومات دي، فخرج من عندي وهو بيبص لي بنظرة كلها توعد وقالي: 

أنا عملت اللي عليا بالحسنى.. ابقوا استحملوا بقى.

أومأ وكيل النيابة برأسه وعلامات الارتياح تظهر عليه بعدما اكتملت أمامه الصورة، والتفت إلى السكرتير قائلاً بحسم:

ـ أثبت كل الأقوال دي في المحضر فوراً.. محاولة التأثير على مسار الصحافة وعرض منافع مالية لحجب تحقيقات صحفية.

بعد أن وقّع حسن المصري على أقواله، غادر المكتب بخطوات ثقيلة يملأها القلق. وبمجرد أن أُغلق الباب، التفتت علياء نحو وكيل النيابة وعيناها تلمعان بإصرار وقالت بحسم:

ـ أظن كده الصورة وضحت تماماً يا فندم.. إحنا قدام جريمة مكتملة الأركان. أنا بطلب بصفتي وكيلة عن المجني عليهم، إصدار أمر فوري بتفتيش بيت مدحت غانم وابنه طارق، واستدعائهم للتحقيق حالاً بتهمة خطف نور شاكر والتحريض على قتل الشاهد عوض!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ساد صمت مفاجئ وثقيل في أرجاء المكتب. وضع وكيل النيابة قلمه، وأسند ظهره إلى مقعده وهو ينظر لعلياء بنظرات غامضة وساكتة، ثم قال بنبرة منخفضة ومترددة:

ـ تمام يا أستاذة علياء.. بس أنا مش هقدر أطلع قرار زي ده دلوقتي.. لازم آخد إذن المسؤولين الأول.

شعرت علياء بنيران الغضب تشتعل في صدرها، وهي التي علمت بطرقها الخاصة وعلاقاتها أن مدحت غانم يحظى بحماية من شخصيات نافذة وذات سلطة كبرى في البلاد. وقفت من مقعدها بعصبية، وضربت بكفيها على المكتب وقالت بصوت هادر:

ـ إذن المسؤولين؟! يا فندم إحنا بنتكلم في حياة إنسانة في خطر وممكن تتقتل في أي لحظة! وبني آدم بريء مرمي في السجن بتهمة ملفقة، والشاهد الوحيد اللي كان هيبرأه اتقتل النهاردة الصبح في المستشفى! وحضرتك تقولي إذن المسؤولين؟! قانون إيه ده اللي بيستنى إذن علشان ينقذ روح؟!

لم ينفعل وكيل النيابة من ثورتها، بل نظر حوله وكأنه يتأكد أن الباب مغلق تماماً، ثم مال بجسده إلى الأمام وقال بصوت خافت وجاد جداً:

ـ اقعدي يا أستاذة علياء واسمعيني كويس.. مدحت غانم مش مجرد اسم عادي. أنا عندي هنا في مكتبي ملف خاص بمدحت غانم وكل أعماله، والملف ده فيه قادة ومسؤولين كبار جداً هما اللي ماسكينه ومشرفين عليه.. وأي خطوة، ولو صغيرة، لازم أبلغهم بيها الأول عشان متحركش في سكة تضيعني وتضيع القضية كلها!

صمتت علياء على مضض، واكتفت برسم نظرة غاضبة عاجزة أمام هذا النفوذ والسلطة التي اصطدمت بهما.

تابع وكيل النيابة حديثه محاولاً تهدئة روعها، ومطمئناً إياها بنبرة خفيضة:

ـ أنا هكلم المسؤولين والقادة حالاً وأعرض عليهم المستندات وأقوال الشهود اللي معانا.. وأنا بوعدك إن نور هترجع في أقرب وقت، بس سيبيني أتحرك صح ومن غير شوشرة تضرنا.

لم تعقب علياء بكلمة واحدة، بل أومأت برأسها في جمود ينم عن عدم رضاها، وجلست تنتظر الإجراء التالي. بعد مغادرة يارا وحسن المصري مقر النيابة، أمر وكيل النيابة العسكري باستدعاء المتهم شاكر عبد الرحمن من محبسه ليَمثُل أمامه لتجديد حبسه.

دخل شاكر المكتب يقتاده العسكري، وكانت ملامحه الخائفة والمرهقة تنطق بكل أنواع التوجس. التفت بوجه شاحب نحو وكيل النيابة الذي نظر في أوراقه وأنهى المحضر بقرار رسمي، آمراً بتجديد الحبس الاحتياطي لشاكر على ذمة التحقيقات.

وقبل أن يلوح العسكري لشاكر بالتحرك والعودة، التفت الأخير بكامل جسده نحو علياء، وقال بصوت متهدج يملأه القلق:

ـ أستاذة علياء.. أرجوكي، أنا عاوز أشوف يارا.. أنا قلقان على مراتي وبنتي نور جداً، بقالهم أربعة أيام محدش منهم جالي ولا شفتهم، هما كويسين؟ يارا برة؟ خليني أشوفها بالله عليكي تطمني!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ساد تردد قاتل في عيني علياء؛ تجمدت نظراتها لثوانٍ وهي تفكر بسرعة. لم تكن تريد بأي شكل من الأشكال أن يكتشف الآن أمر اختفاء ابنته نور، خوفاً من أن ينهار تماماً خلف القضبان. ابتلعت ريقها وصنعت ابتسامة باهتة، وقالت محاولة طمأنته بنبرة متماسكة:

ـ اهدى يا أستاذ شاكر.. هما كويسين ومفيش غير كل خير، بس الزيارة دلوقتي ممنوعة ومفيش وقت. أنا هجيب تصريح رسمي بكرة الصبح وأخلي يارا تجيلك بنفسها وتطمنك.. ارجع دلوقتي مع العسكري وارتاح.

هز شاكر رأسه بقلة حيلة مستسلماً لكلامها، واقتاده العسكري راجعاً إلى زنزانته مرة أخرى وسط نظرات علياء التي كانت تلاحقه بأسى.

لملمت علياء أوراقها وحقيبتها، وغادرت مكتب وكيل النيابة بخطوات سريعة، والتقت بيارا التي كانت تنتظرها في الرواق الخارجي ووجهها يفيض بالترقب. أومأت لها علياء في صمت، وتحركتا معاً لمغادرة مبنى النيابة، متوجهتين مباشرة إلى مكتب علياء لترتيب أوراقهما.

وصلت علياء إلى مكتبها وتتبعها يارا بملامح يملأها الترقب والوجوم. دلفت علياء خلف مكتبها، ولملمت بعض الأوراق المبعثرة قبل أن تلتفت إلى يارا بكامل جسدها، وقالت بنبرة جادة وحاسمة:

ـ يارا، اسمعيني كويس.. أنا قولت لعمك شاكر جوة إني هجيب لك تصريح بكرة الصبح علشان تزوريه وتطمنيه. بس الزيارة دي محتاجة منك تماسك وقوة مش عاوزة ألمح في عينك هزة واحدة قدامه.. قضية عمك مش سهلة والوضع معقد، ولو شم خبر أو عرف إن نور اتخطفت مش هيكون في صالحنا أبداً، ممكن ينهار أو يعمل تصرف يضيع حقه ويصعّب علينا الموقف.. مفهوم؟

ابتلعت يارا غصتها، وهزت رأسها بالموافقة وهي تحاول استجماع شتات نفسها وقالت بنبرة مخنوقة:

ـ مفهوم يا أستاذة علياء.. متقلقيش، أنا هحبس دموعي وهبان قدامه قوية، المهم نطمنه ونحسسه إننا معاه.

أومأت علياء بارتياح خفيف، وسمحت ليارا بالانصراف لتستعد ليوم الغد الثقيل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

عادت يارا إلى البيت، وبمجرد أن فتحت الباب ودخلت، استقبلها هدوء المكان الموحش الذي يغيب عنه صخب نور وضحكاتها. تحركت بخطوات متثاقلة نحو الصالة، لتجد سوسن مستلقية على الأريكة، وجهها شاحب كالموت، وعيناها غائرتان يملأهما الإعياء الشديد، وجسدها يرتجف وهناً من فرط الحزن والانتظار.

لأول مرة في حياتها، شعرت يارا بهذا القدر من العجز المطبق؛ أحست فجأة بأنها وحيدة تماماً في مواجهة هذا الإعصار، بلا عم يحميها، وبلا أخت تسندها، وعليها وحدها أن تحمل عبء هذا البيت المنهار.

اقتربت يارا من سوسن بقلب ينفطر، وجثت على ركبتيها بجانبها، ثم أمسكت يدها الباردة وضمتها بدفء، وحاولت رسم ابتسامة مطمئنة فوق شفتيها قائلة بصوت هادئ:

ـ طنط سوسن.. حبيبتي، أنا جيت.. اهدِي خالص وارتاحي، أنا كنت مع الأستاذة علياء والنيابة ماشية في الإجراءات، وبإذن الله كل حاجة هتبقى كويسة ونور هترجع لنا بالسلامة.. متعمليش في نفسك كده عشان خاطري.

نظرت إليها سوسن بنظرات مليئة بالانكسار والرجاء دون أن تقوى على الكلام، فقبلت يارا رأسها، وساعدتها على الاعتدال ودثرتها جيداً بالغطاء حتى اطمأنت أن حالتها بدأت تهدأ قليلاً.

نهضت يارا بخطوات منهكة، وصعدت إلى غرفتها في الطابق العلوي. وبمجرد أن أغلقت الباب خلفها، استسلمت لثقل الهموم التي تحملها فوق كتفيها الصغيرين.

بعد مغادرة علياء مباشرة، لم ينتظر وكيل النيابة طويلاً؛ أغلق ملف المحضر بحسم، وجمع الأوراق الخاصة بأقوال يارا ورئيس التحرير حسن المصري والنسخ المطبوعة من التهديدات، ثم تحرك بطلب عاجل وسري متوجهاً مباشرة إلى مقر الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، للقاء الشخص المسؤول عن هذا الملف الشائك بعيداً عن الهواتف وأعين المتربصين.

في مكتبه ذي الإضاءة الهادئة، كان الرائد حمزة ياسين يجلس خلف مكتبه محاطاً بملفات وقضايا معقدة، وعلامات الإرهاق تظهر على ملامحه الرجولية الجادة التي ورث الكثير من حزمها عن والده اللواء ياسين. طُرق الباب ودخل وكيل النيابة، فنهض حمزة مرحباً به باحترام متبادل، وقبل أن يجلس الضيف، لاحظ حمزة النظرة القلقة في عينيه.

جلس وكيل النيابة ووضع الملف الصغير أمامه على المكتب، وقال بنبرة خفيضة وجادة:

ـ سيادة الرائد.. الموضوع مبقاش مجرد قضية جلب وتجارة مخدرات بنراقبها في السر. مدحت غانم وطارق ابنه دخلوا في سكة تانية خالص وبدئوا يمدوا إيديهم على ناس برة الدايرة المعتادة.

عقد حمزة حاجبيه، ومال بجسده إلى الأمام والاهتمام يرتسم على وجهه:

ـ إزاي يعني؟ إيه اللي استجد يا فندم؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

فتح وكيل النيابة الملف، وبدأ يسرد له ما حدث في مكتبه منذ قليل:

ـ النهاردة جاتلي المحامية علياء ومعاها بنت اسمها يارا، ورئيس التحرير حسن المصري اللي شغال مع بنت عمها الصحفية نور شاكر. يارا وبنت عمها نور هما بنات المتهم شاكر عبد الرحمن. قدموا بلاغ رسمي ومحضر باختفاء ونقاشات بتثبت خطـ.ـف نور.. وطبعاً المتهمين الرئيسيين هما مدحت وطارق غانم.. ودي صور الرسايل والتهديدات اللي كانت على تليفون البنت قبل ما تختفي بأربعة أيام.

سحب حمزة الأوراق، وتأمل الصور بتركيز شديد، وعيناه تشتعلان بذكاء وضيق في آن واحد. كان يرى كيف يتصرف مدحت غانم بغطرسة، وكيف يمكن أن يتسبب هذا التصرف الغاشم وغير المحسوب في لفت الأنظار للشبكة التي يراقبونها منذ أشهر في السر.

صمت حمزة لثوانٍ وهو يمرر أصابعه فوق الأوراق، ثم التفت لوكيل النيابة وقال بنبرة حاسمة وصارمة:

ـ مدحت غانم فاكر نفسه فوق القانون وبيتحرك بغشم.. الخطف ده ممكن يبوظ لنا شغل شهور من المراقبة والتحريات لو القضية دي اتسربت للإعلام أو اتعملت حولها شوشرة.

سكت قليلاً، ثم تابع وعيناه مثبتتان على ملف القضية:

ـ أنا هتابع معاك قضية شاكر واختفاء نور بنفسي.. مش هنسيب خطوة واحدة للصدفة. بكرة الصبح أول ما النهار يطلع، هكون عندك في مكتب النيابة بنفسي علشان أشوف التحقيقات بالكامل، وأقرا كل كلمة قالوها الشهود، ونعرف الخيط ده هيوصلنا لإيه بالظبط قبل ما ناخد أي خطوة على الأرض تخليهم يحسوا بينا.

أومأ وكيل النيابة بارتياح واضح بعد أن وضع العبء في يد من يستحقه، وقام ليغادر، بينما بقي حمزة في مكتبه ينظر إلى الأوراق وعقله يرسم الخطوات القادمة لمواجهة هذا التحدي الجديد.

❈-❈-❈


في صباح اليوم التالي، وتحديداً في تمام الساعة الثامنة صباحاً، كان الرائد حمزة ياسين يخطو داخل مبنى النيابة بهيبته الجادة وملامحه الصارمة. دلف مباشرة إلى مكتب وكيل النيابة، وجلس الاثنان وبينهما فناجين القهوة وأوراق القضية مبعثرة بالكامل على المكتب.

كان حمزة يقلب أوراق التحقيق والـ سكرين شوت بعين فاحصة، ويربط التواريخ ببعضها، حتى وضع ملف القضية أمامه بحسم وقال بصوت رخيم:

ـ سيادة الوكيل.. أنا قريت المحضر كله، بس عندي حلقة مفقودة. أنا لازم أسمع من المهندس شاكر عبد الرحمن بنفسي تاني، وعاوز يارا وحسن المصري رئيس التحرير يجوا هنا حالاً.. لازم أتأكد إن الراجل ده ضحية مية في المية ومالوش يد في كواليس الشحنة دي، لأن لو طلع متورط أو مخبي حاجة، كل تحركاتنا الجاية على الأرض هتتغير.

أومأ وكيل النيابة بالموافقة وضغط على زر الاستدعاء ليأمر العسكري بإحضار شاكر من محبسه فوراً، وطلب استدعاء يارا وحسن المصري.

في تلك الأثناء، دلفت علياء إلى مبنى النيابة بخطوات واثقة وسريعة، وعقلها مشغول بالتصريح الذي وعدت به يارا لزيارة عمها. توجهت مباشرة نحو مكتب وكيل النيابة، وطلبت من العسكري الدخول لأمر عاجل يخص القضية. طرق العسكري الباب، ودخل ليبلغ الوكيل، ثم خرج وأشار لها بالدخول.

فتحت علياء الباب بخطوات ثابتة، لكنها تجمدت مكانها فجأة حين رأت شاباً في أوائل الثلاثينات، يرتدي ثياباً مدنية أنيقة جداً، ويجلس بجسد مفرود وعينين حادتين كالصقر بجانب وكيل النيابة.

رحب بها وكيل النيابة قائلاً:

ـ أهلاً يا أستاذة علياء.. كويس إنك جيتي في وقتك. أحب أعرفك، ده الرائد حمزة ياسين من الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، وهو اللي هيتابع معايا ملف القضية بالكامل من هنا ورايح بطلب من الجهات السيادية.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت إليه علياء بتوجس وقلق، بينما نهض حمزة وضغط على يدها باقتضاب دون أي ابتسامة، وقال بنبرة جافة:

ـ أهلاً يا فندم. أنا طلبت استدعاء موكلك البشمهندس شاكر حالاً علشان أسمع منه كام نقطة مش مريحة في التحقيق.

ولم تمضِ دقائق حتى فتح العسكري الباب، ودخل شاكر عبد الرحمن يجر قدميه بوهن، وجهه شاحب وعيناه مجهدتان من قلة النوم. بمجرد أن وقعت عيناه على علياء، شعر ببارقة أمل، لكن نظرة حمزة الحادة والشاكة جعلته يبلع ريقه بخوف.

جلس شاكر، وبدأ التحقيق.. ولم يكن تحقيقاً روتينياً أبداً، بل كان جولة من الضغط النفسي الشرس والمراوغة الذكية لمعرفة رد فعله التلقائي.

انحنى حمزة بجسده فوق المكتب نحو شاكر، ورمقه بنظرات متهكمة وقال بصوت هادئ لكنه يخترق الأعصاب:

ـ قولي بقى يا بشمهندس شاكر.. أنت رجل صاحب شركة مقاولات قديمة، ومخازنك المفروض يكون فيها أسمنت، حديد، وطوب.. إيه اللي يخلي إدارة مكافحة المخدرات تلاقي في المخزن الرئيسي بتاع شركتك كمية سموم بالوضع ده؟ تفتكر النيابة أو أنا هنصدق إن بضاعة بالجهوزية دي والتقفيل ده تدخل ملكك وتتستر وسط مواد البناء وأنت حسن النية ومكنتش عارف إن مخزنك شغال لتخزين وتهريب الصفقات دي؟

ثم ضرب حمزة على المكتب فجأة مكملاً بضغط أعلى وعينه مثبتة على ملامح شاكر ليقرأ كل حركة عفوية:

ـ البضاعة دي لسة داخلة مخزنك ومتقفلة وجاهزة للتوزيع.. تفتكر في نملة تقدر تدخل ملكك وتتخزن وسط بضاعتك من غير علمك؟ مخازنك دي مفتوحة لمين بالظبط ومين اللي بيدخل ويخرج منها؟ البضاعة دي بتاعتك وأنت اللي مستوردها، ولا في حد تاني حطها وأنت مخبي اسمه وخايف تنطقه؟ أنطق ومتخبيش .. مين اللي ورا المصيبة دي؟ أنطق!

انفـ.ـجر شاكر في البكاء وهو يرتجف بالكامل، وجسده ينتفض بصدمة وذهول وهو يردد بنبرة منهارة:

ـ معرفش عنها حاجة.. معرفش عنها حاجة يا بيه! أنا راجل شريف طول عمري، ومخازني عمري ما دخلها قشة حرام! البضاعة دي معرفش مين اللي حطها في مخزني ودبسني فيها علشان يدمرني! أنا ضحية ولبسوني التهمة دي!

هنا لم تتحمل علياء الطريقة، ووقفت بحسم، وخبطت بيدها على المكتب قائلة بغضب عارم وعينين تشتعلان:

ـ سيدي الرائد! أنا معترضة تماماً على أسلوب التحقيق والمراوغة ده! ده مش استجواب، ده إرهاب نفسي وتوجيه اتهامات باطلة لموكلي! البشمهندس شاكر هنا بصفته مجني عليه وضحية، والمخدرات دي اتزرعت له في مخزنه علشان يدبسوه، وحضرتك بتتعامل معاه كأنه مجرم وبتلف وتدور بالأسئلة علشان توقعه في الكلام وتثبت عليه تهمة هو ميعرفش عنها حاجة! أنا برفض الطريقة دي تماماً ومسمحش بالضغط ده على موكلي!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

التفت حمزة ببطء شديد نحو علياء. لم تهتز منه شعرة، ولم تتبدل نبرة صوته الهادئة المستفزة، بل نظر في عينيها مباشرة ببرود قاتل وحسم أمني مخيف وقال:

ـ أستاذة علياء.. أنا مش وكيل النيابة علشان تقدمي لي اعتراضات قانونية وتخبطي على المكاتب.. أنا ضابط بمكافحة المخدرات، وبحقق في ملف تقيل يمس الأمن القومي، ومن حقي أستعمل كل الأساليب النفسية عشان أوصل للحقيقة وأحمي القضية من أي تلاعب أو تمثيل.

سكت لثانية، وارتفعت نبرته لتصبح حادة كالشفرة:

ًـ كلمة تانية، أو أي مقاطعة تانية للتحقيق، وهاضطر آسفاً أطلب من سيادة الوكيل استبعادك برة المكتب فوراً، وهتتحرمي قانوناً من حضور باقي التحقيقات مع كل الأطراف الجاية.. ده تحذيري الأول والأخير ليكي. اتفضلي استريحي وسيبيني أكمل شغلي.

تطاير الشرار من عيني علياء، وشعرت بضيق شديد من هذه السلطة الجافة المستبدة، لكنها نظرت إلى شاكر المنهار الذي ينظر إليها برجاء، فعلمت أن خروجها الآن يعني تركه وحيداً في عرين هذا الضابط الصارم. أخذت نفساً عميقاً، وجلست فوق مقعدها بجمود وهي تجز على أسنانها، عاقدة العزم على ألا تترك هذا المدعو حمزة يمرر ما يريده بسهولة.

هدأ نحيب شاكر قليلاً، بينما ظل حمزة يراقبه ببرود وثبات، ثم اتكأ بمرفقيه على المكتب وشبك أصابعه، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل فخاً خفياً:

ـ طيب.. طالما البضاعة دي اتزرعت لك زي ما بتقول علشان تتدمر.. هل في عداوة مباشرة بينك وبين حد؟ في حد يهمّه ينهي اسم البشمهندس شاكر من السوق بالطريقة القذرة دي؟

سكت شاكر فجأة. تيبست ملامحه وظل ينظر إلى سطح المكتب بتردد وعجز تام.. كان عقله يحاول ربط الأمور، لكن الخوف والجهل بالفاعل الحقيقي شلّا لسانه عن النطق.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لاحظ حمزة هذا الصمت والوجوم، فمال بجسده أكثر نحو شاكر وضغط عليه بنبرة حاسمة:

ـ سكوتك ده معناه إنك مخبي.. والسكوت في موقف زي ده بيثبت التهمة عليك مش بينفيها. أنطق يا بشمهندس.. مين عدوك؟

هنا لم تتحمل علياء صمت موكلها، فتدخلت فوراً وقالت بصوت قوي وواثق وهي تنظر لحمزة:

ـ أيوه يا سيادة الرائد، في عداوة.. بس البشمهندس شاكر مش طرف مباشر فيها، هو من ضمن ضحاياها هو مش عدو بشكل مباشر.

التفت حمزة نحو علياء، ورفع حاجبيه ببرود يخفي وراءه ترقباً شديداً، وسألها:

ـ يعني إيه الكلام ده؟ وضحي كلامك يا أستاذة.

ثبتت علياء نظراتها في عينيه وقالت بحسم:

ـ يعني العداوة الحقيقية مش مع البشمهندس شاكر.. العداوة بين بنته ومدحت غانم.. بنته نور شاكر صحفية، وعملت مقالات عن شغل مدحت المشبوه، والكلام ده كله موثق في التحقيقات!

صمت حمزة لثوانٍ يتظاهر بالتفكير الروتيني، ثم التفت ببرود شديد إلى وكيل النيابة وقال بنبرة جافة:

ـ تمام.. طالما الموضوع كدة، أنا عاوز أسمع شهادة الأستاذة نور شاكر وأقوالها بنفسي حالاً في موضوع المقالات والتهديدات دي علشان نربط المحاضر ببعضها.

في تلك اللحظة، اتسعت عينا علياء بذهول تام، والتفت وكيل النيابة نحو حمزة وهو ينظر إليه بصدمة وعقد حاجبيه باستغراب؛ إذ كان من المفترض أن حمزة تسلّم ملف القضية بالكامل وعلم بأن البلاغ الأساسي المقيد في الأوراق هو خطف واختفاء الصحفية!

وقفت علياء بحسم، ونظرت إلى وكيل النيابة ثم وجهت كلامها لحمزة بنبرة آمرة وجادة:

ـ سيادة الرائد.. أنا عاوزة اتكلم مع حضرتك على انفراد حالاً في مكتب تاني.. لو سمحت.

نظر حمزة إليها لثوانٍ، وقرأ في عينيها الإصرار والتحدي، فابتسم ابتسامة خفيفة تكاد لا تُرى، ثم نهض ببطء وعدّل سترة بدلته وقال بنبرة هادئة:

ـ تمام يا أستاذة.. اتفضلي معايا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تحركت علياء أمامه بخطوات سريعة وغاضبة، وتبعتها نظرات حمزة الواثقة، ليتوجها معاً إلى مكتبٍ آخر.

دلف حمزة إلى المكتب المجاور بخطوات ثابثة، وتبعته علياء التي ما إن أُغلق الباب خلفهما حتى تفجرت فيها نيران الغضب.

التفتت إليه وعيناها تشتعلان، وقالت بنبرة حادة ووافية:

ـ حضرتك بتعمل إيه جوه يا سيادة الرائد؟ دي طريقة تحقيق دي؟! البشمهندس شاكر لسه ميعرفش أي حاجة عن خطف نور، وحضرتك كنت هتموته بصدمة زي دي جوه! أنا بحملك المسؤولية الكاملة لو موكلي جرى له حاجة، أو لو نور بنته اتأذت بسبب المماطلة دي!

صمت حمزة لثوانٍ، وتلاقت نظراته الجامدة مع عينيها الغاضبتين دون أن تهتز له شعرة، مما زاد من حنقها، فاقتربت خطوة إضافية وقالت بلهجة اتهام صريحة:

ـ ولا حضرتك قاصد تماطل وتشتت التحقيق علشان تدافع عن المتهم الحقيقي؟ أنت بتداري على مدحت غانم يا سيادة الرائد؟!

في تلك اللحظة، تبدلت برودة حمزة تماماً؛ تيبّست ملامحه، واشتعلت عيناه بغضب مكتوم، ثم تقدم نحوها بخطوات بطيئة وحثيثة جعلت علياء تتراجع لا إرادياً حتى التزق ظهرها بالباب. انحنّى بمستواه قليلاً نحوها، وقال بصوت منخفض كالرعد، يحمل نبرة تهديد مرعبة:

ـ الزمي حدودك يا أستاذة.. واعرفي كويس أنتِ بتكلمي مين! اتهام زي ده يوديكِ ورا الشمس.. أنا ما بداريش على حد، ولا في حد في البلد دي كلها يقدر يملي عليا أعمل إيه في شغلي!

ثبتت علياء نظراتها برعب حاولت إخفاءه، بينما تابع هو بحدة وعنفوان:

ـ صدمة أبوها اللي أنتِ خايفة عليه ده، هي الكارت الوحيد اللي هيخليني أعرف الراجل ده بريء بجد، ولا تاجر مخدرات بيمثل علينا! أنا بشتغل بطريقتي.. وأنتِ هنا مجرد محامية، تلتزمي بالقانون وبس، ومسمحلكيش تتخطي حدودك معايا وتتهميني بالفساد!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أنفاس حمزة الغاضبة كانت قريبة منها، والصدام بينهما وصل إلى ذروته؛ كبرياء ضابط يرفض التشكيك في نزاهته، وإصرار محامية تحارب من أجل عائلة تنهار.

أدار حمزة ظهره لها بحسم، وفتح الباب بعنف وغادر المكتب دون أن يمنحها فرصة للرد، تاركاً إياها في حالة من الذهول والغيظ. لم تتردد علياء؛ أخذت نفساً عميقاً لتستعيد ثباتها، ثم تحركت خلفه بخطوات سريعة لتعود إلى غرفة التحقيق، مدفوعة برغبة عارمة في معرفة خطوته التالية وكيف سيتصرف بعد هذا الصدام.

عندما دلفت علياء، كان حمزة قد اتخذ مكانه بالفعل خلف المكتب واستعاد بروده القاتل. نظر إلى شاكر المنهار، ثم التفت إلى وكيل النيابة وقال بنبرة جافة وقاطعة:

ـ تمام يا فندم، أنا اكتفيت بالقدر ده من الاستجواب حالياً.. وبناءً عليه، بقفل محضر التحقيق مع البشمهندس شاكر في الوقت الحالي.

وقبل أن تتنفس علياء الصعداء، تابع حمزة موجهاً أمره للعساكر بصرامة:

ـ خذوا المتهم، ويتم نقله فوراً لغرفة حجز منفردة، وممنوع أي حد يتواصل معاه أو يزوره لغاية ما أصدر أمر تاني.

اتسعت عينا علياء بذهول تام وتملكتها الحيرة من هذا القرار المفاجئ؛ لم تفهم إن كان حمزة يعاقبها على صدامها، أم أنه يحاول حماية شاكر وعزله عن أي ضغط خارجي! نظرت إليه بحدة تحاول قراءة ملامحه، لكن وجهه ظل كقناع من الرخام لا يبوح بشيء.

لم يكد العساكر يقتادون شاكر إلى الخارج وسط ذهول علياء، حتى فُتح الباب ودخل أحد الضباط ليخبر حمزة بوصول حسن المصري ويارا. التفت حمزة إلى الضابط وقال بصرامة:

ـ تمام.. دخل لي الأستاذ حسن المصري الأول، والآنسة يارا تفضل بره في الاستراحة لحد ما نطلبها.

أومأ الضابط وتحرك فوراً، ليدخل حسن المصري بوقاره المعهود الذي يطغى عليه القلق والوجوم، فتقدم وجلس أمام المكتب وعيناه تترقبان الضابط، بينما اتخذت علياء مكانها في زاوية الغرفة تراقب الموقف بحذر، لتبدأ أولى جلسات التحقيق المنفردة معه حول المقالات والتهديدات.

وبعد أن انتهى حمزة من استجوابه تماماً، أمر بخروجه ودخول يارا، لتدخل بعدها وهي شاحبة الوجه، ترتعش فرائصها من الرعب، لتبدأ مواجهتها المنفردة هي الأخرى مع أسئلة حمزة الثاقبة في وجود علياء.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

في زاوية مظلمة ومعزولة داخل المخزن، كانت نور ملقاة على الأرض الخشنة، وقد بدأ مفعول المادة الخدرة يسري في عروقها، تاركاً خلفه شعوراً خانقاً بالثقل. كانت عيناها نصف مفتوحتين، تنظران إلى الفراغ بضياع، بينما شعرت بأن أطرافها خاملة تماماً ولا تستجيب لأي أمر من عقلها الواعي.

وفي خضم هذا العجز، اقترب منها طارق بخطوات ثقيلة ومخيفة. كانت ملامحه حادة وعيناه تلمعان بشر صريح وهو ينحنى فوقها، ماداً يده نحوها بقسوة في محاولة واضحة للاعتداء عليها وتخويفها لإذلالها وكسر كبريائها.

تجسد الرعب الحقيقي في عيني نور؛ ورغم عجزها الجسدي، حاولت أن تصرخ أو تدفعه بعيداً، لكن حنجرتها كانت جافة، فلم تخرج سوى أنات ضعيفة ومكتومة. انسابت دموع الخوف بصمت على وجنتيها وهي تنظر إليه بذعر وتتوسل بعينيها أن يتوقف، وسط حصار نظراته القاسية التي حبست أنفاسها في هذا المكان المعزول.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل