دعوة سفر - الفصل 11 | فاطمة الألفي

قراءة رواية (دعوة سفر) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (دعوة سفر)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الألفي) | الفصل: (11)


تداخلت مشاعرها كأنها داخل دوامة تعصف بها، عيناها تملؤهما الغضب والحزن، وتلمعان بوميض الصدمة. كانت تتذكر اللحظات المؤلمة التي عانتها بعدما تذكرت السبب وراء غيرة "غزل" والغدر والإنتقام الذي تمكن منها، مشاعرها تتصارع، تحاول السيطرة على غضبها وكبت دموعها.

شعر بمزيج بين الدهشة والفرحة بسبب رؤياتها، لم يستطع إخفاءها، كانت عيناه تلمعان بالسعادة، وكأنما لم يتوقع رؤيتها مجددًا بعد الأعوام التي مضت، شعر بفيض من المشاعر المتداخلة، بين السعادة لرؤيتها والندم على ما فعله.

خرج صوتها يرتجف من الغضب والحزن:

 -عمر، أخر شخص في حياتي اتوقع أشوفه تاني بعد الجامعة

بابتسامة محيرة وممتزجة بالفرحة قال: 

-سارة، أنا فرحان جدا ومحظوظ أن التقيت بيكي انهاردة ، يااه عدا سنتين من وقت تخرجنا ومانعرفش حاجة عن بعض

كانت تلك اللحظة تعكس التباين الكبير بين مشاعرهما، سارة تشعر بأنها تواجه ماضٍ مليء بالألم والغدر والحقد ، بينما عمر يبدو وكأنه وجد فرصة لإعادة شيء فقده، الأجواء مشحونة بالتوتر، وكل منهما يكافح للتعبير عن مشاعره.

لم تُعقب على فرحته بوجودها وعادت تنظر لشاشة الحاسوب أمامها وهي تتعمد تجاهله وقالت بجمود:

-مكتب ماجد على ايدك الشمال 

تنهد بعمق وقال وهو يتكز يكفيه أمام مكتبها:

-أنا عارف كويس قوي مكتب ماجد فين لان بكل بساطة مكتبي أنا كمان

رفعت مقلتيها تتطالعه ليستطرد قائلا ببسمته المعتادة:

-أنا شريك ماجد في المكتب ده، ومش مصدق نفسي أنك معانا كمان 

بصوت محموم تحاول كبت غضبها الذي يتوجج داخلها كالشعلة التي توقد بجسدها :

-فاكر "غزل" يا عمر ؟

جف حلق عمر وشعر بالصدمة تجتاحه، و عيناه تتسعان، ووجهه يفقد لونه تدريجيًا، كل ذرة من جسده تجمدت، وكأن الزمن توقف للحظة، وذكريات الماضي اندفعت إلى ذهنه كالسيل الجارف، وجلبت معه شعورًا لا يوصف.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وهي تراقب تعابير وجهه بثبات، تُريد تأثير ذكرى غزل لا يزال قوياً. كانت تلك اللحظة تثبت لها أن الجروح القديمة لا تندمل بسهولة، وأن الماضي لا يزال يلقي بظلاله على الحاضر.

عمر، بصوت مبحوح ومقطع: 

-غزل... أنتِ لسه قريبة منها؟ قصدي 

أزدراء ريقه وشعر بالتوتر وهو يسترسل حديثه :

-أنتم لسه بتتقابلو، أنا عرفت أنها سافرت بعد الجامعة

لحظة صمت قادرة على الاطاحة بعقله، قررت عدم الإفصاح عن كل ما عرفته آن واحد عليها التدبر أولا والاستعداد لتلك المواجهة:

-أه طبعا "غزل" صديقة عمري

أبتلع ريقه بصعوبة وتعرق جبينه بتوتر ملحوظ، و نبضات قلبه في تتسارع، وكل ذرة في جسده تعبر عن خوفه من فضح أمره، يشعر بأن الكابوس الذي طالما حاول نسيانه قد عاد ليطارده.

كانت تلك اللحظة تعكس مدى تأثير ذكرى غزل على حياته، وكيف أن ماضيه لا يزال يشكل عبئاً عليه، ورأت بوضوح كيف أن خوفه وتوتره يكشفان عن حقيقة دواخله وتناقضاته.

كان هذا اللقاء نقطة تحول لسارة، حيث كانت مضطرة لاتخاذ قرار إما بمواجهة الماضي بقوة أم بتركه ورائها. كانت تعرف أن الطريق نحو المستقبل يتطلب قوة وصمود، وأنها لن تسمح لأي شيء أو شخص أن يعرقل مسارها بعد الآن.

❈-❈-❈


قبل أن يفيق من صدمته وخوفه من معرفة سره الدفين وبالأخص إلى "سارة" كانت هي تجمع أغراضها ثم أغلقت الحاسوب وحملت حقيبتهاومغادرة المكتب تركته خلفها يتخبط في أفكاره، بينما كان يزيد متلهفًا لرؤيتها والحديث معها عن أول يوم عمل لها ، لذلك أتى مبكرًا قبل موعد أنصرافها وظل بالسيارة منتظر قدومها.

دقات قلبها كانت تقرع كالطبول وهي تتذكر كلمات"غزل" عن سبب كل ما حدث لها هو حُب كل من حولهما لسارة، الجميع يرى فيها الفتاة التي لا مثيل لها وهذا ما دفع بنبش الغيرة داخل قلبها وتسلل الحقد منها لتنتقم أنتقامها .

تسمرت مكانها وشعرت بأن الأرض تميد بها ولم تعد قادرة على أن تخطو قدميها خطوة واحدة، كان يزيد يتطلع للمارة في ذلك الوقت ولمح طيفها يغادر البناية ولكنه ضيق ما بين حاجبيه عندما وجدها متجمدة يبدو عليها الخوف ربما صدمة من شيء حدث معها بالعمل، ترجلا مسرعًا من السيارة وسار بخطوات واسعة متلهفة وقف أمامها متساءلا بذعر:

-أيش في سارة؟ ليش واقفة مكانج، شو حصل معج؟

هزت رأسها بهسترية تمنع كلمات غزل المتقاذفة على عقلها 

رفع وجهها بأنامله ثم طالع عينيها المتلألاتين بالدموع ، يحتضن وجهها بين راحته وعيناه تومض بالقلق على تلك الحالة التي بها 

-شو فيج يا حبيبتي؟

أخترق أذنيها صوت يزيد الدافئ جعلها تخرج من صراع قوي تواجهه داخل أفكارها وهمست بصوت خافت وهي تتشبث بذراعه:

-عاوزة أمشي من هنا

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ربت على كفها المتشبثة بذراعه وسار معها يغدو الطريق وصولا للسيارة، فتح لها بابها ، أستقلت سارة المقعد ثم دار يزيد وجلس مكانه خلف عجلة القيادة يقودها إلى مكانًا هادئ على النيل قد نمى بينه عشقًا خاص، لذلك أراد أبعادها عن أي أفكار سوداوية تنخر في عقلها الآن وبعد أن تستعيد هدوءها تقص عليه ما حدث معها وسبب حالتها تلك..

❈-❈-❈


أما عن "عمر" أغمض عينيه بقوة يحاول محو تلك العقبة من حياته، يبدو أنها لعنة ستظل تلاحقه ولم يستطيع التحرر منها ، يشعر كأنها تطارده في كل خطوة يخطوها، شبح من الماضي يلاحقه بلا هوادة، كانت تلك اللعنة تملأ حياته بالقلق والخوف، تجعل كل لحظة تمر وكأنها كابوس لا ينتهي، كان يحاول الهروب منها، لكن كلما ابتعد، كانت تقترب أكثر، تهمس في أذنه بأصوات الماضي وتذكره بالأخطاء التي ارتكبها.

كان يشعر بثقلها على صدره، وكأنها قيد لا يمكنه التحرر منه، كانت تلاحقه في أحلامه، تظهر له في كل زاوية مظلمة، تملأ قلبه بالرهبة والندم، كان يعلم أنه لا يمكنه الهروب منها إلى الأبد، وأنه يجب عليه مواجهة هذا الشبح والتخلص منه للأبد. 

فاق من شرودة على صوت ماجد :

-عمر ،أيه يا بني بقالي ساعة بكلمك 

نظر له مترددًا:

-ها 

ضحك ماجد ثم هتف قائلا:

-ها ايه بس ،انت مش معايا خالص ثم أرسل له غمزة مشاكسة بعينه اليسرى:

-اللي واخد عقلك يا عمور 

ثم اقترب منه خطوة ورفع كفه يلامس كتف عمر ويربت عليه بخفة قائلا بهمس:

-ليك حق تكون مش معايا ، مش حبيبة القلب شوفتها ، بس أية رايك مفاجأة مش كدة 

تنهد بنفاذ صبر وقال بصوت غليظ:

-ليه ما قولتليش أن سارة اللي استلمت الشغل معانا في المكتب؟ هو أنا مش شريكك يا اخي ولا ايه؟

-أهدى بس أنا حبيت اعملهالك مفاجأة عارف انك مش تعرف عنها حاجه من ايام ما اتخرجنا وأنك كنت معجب ولهان، قولت فرصة أوفق راسين في الحلال وعقدتك تتحل وتتجوز بقى بدل ما انت خايف كده تدخل دنيا ، أهي الدنيا جت لعندك ، اتحرك انت بقى 

أنهى كلماته التي جعل عمر يتخبط في متاهات دربه أكثر ورحل عنه ليظل هو وحيدًا داخل عالمه المُظلم المُحيط به ...

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

❈-❈-❈


صفا يزيد السيارة أمام الكافية الذي يطل على نهر النيل، ودلفوا سويا داخل الكافية، عندما أتى النادل طلب منه مشروب مهدئ _ليمون بالنعناع_ ثم نظر إلى سارة بقلق شديد، لاحظت عيناه مدى الاضطراب والخوف الذي يعصف بها، فقد كانت ملامح وجهها تشي بحالة من الزعر والارتباك، وكأنها تعيش كابوسًا لا تستطيع التخلص منه. 

هتف، بصوت مليء بالقلق والعطف، هتف: "أش فيج يا حبيبتي؟ شو صار معج؟"

 بعيون مبللة بالدموع وصوت مرتجف ردت ببحة: 

-يزيد أنا حاسة إن كل شيء بيلاحقني، مش قادرة أنسى اللي حصل ولا اتخطاه 

أمسك يدها برفق، يحاول تهدئتها بشتى الطرق، وقال بنبرة مطمئنة: 

-أنا معاج، يا سارة، ما تخافين، بنعدي هالشي مع بعض، أحنا أقوى من أي شيء، لسة بأول خطوة يا حبيبتي كل شيء بينى

هزت رأسها نافية ثم همست بأضطرب:

-أنا شوفت "عمر" 

رد متساءلا: 

-مين عمر؟!

محت دموعها المنسابة وعقبت بصوت خافت:

-"عمر" اللي بسببه "غزل" كرهتني ودخلتني الدوامة اللي مش عارفة أخرج منها، عمر اللي أذاها وهي قررت تأذيني ، عمر اللي ضيعها ، اللي خذلها ، اللي غدر بيها ، اللي لما فكرت تحقد وتكره وترد له اللى عمله فكرت تحقد على اعز صديقه ليها ، تنتقم لنفسها مني أنا يا يزيد أنا مش عمر اللي كان سبب دمارها

شعر بمدا حزنها وظل متحضن كفها بين راحته ويغدق عليها من كلماته الحانية التي مثابة البلسم لجروحها والمداوة لعلتها وأستمع لها بهدوء تقص عليه من عمر هذا الذي جعلها بتلك الحالة ..

بترت كل ما تحتويه مشاعرها من تخبط وأضطراب لملاذها الأمن، وما كان منه إلا أن يدعمها ويظل جوارها وعدها بأنه سيظل على حبه وعشقه ولن يترك يديها إلى أن يشيبًا سويا ويلفظ أنفاسه الأخيرة بين أحضانها الدافئة.

قلبه يصرخ بمشاعره العميقة، وأنه قادرًا على أن يزيل بعضًا من الألم والخوف الذي كان يملأ قلبها، عينيه تعكسان التزامه ودعمه اللامحدود لها، وهي تشعر بأن وجوده بجانبها هو الأمل الذي تحتاجه لتجاوز كل ما مرت به.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم صرخ بنبرة مرحة:

-ليش تبكي وانت أمام الخضرة والمي والوجه الحسن

أشار إلى نفسه وقال بغمزة: 

-ولا ماني وجه حسن؟

ضحكت برقة وقالت:

-مانك وجه حسن انت وجه "يزيد" 

عقب بلطف:

-وشلون هو "يزيد"

توردت وجنتيها وقالت بهمس رقيق:

-ريال كتير بحبه

وضع كفه على قلبه بطريقة تمثيلية وقال:

-أه قلبي ما بقدر أتحمل كل ها الحب

ضربته بخفه على كفه وقالت بمرح :

-مش هتأكلني طيب 

ضحك هو الآخر على بسمتها الهادئة التي أنارت دربه ولكن لديه شعور خفي بوجود ذاك الشاب بالقرب منها، ود لو يراه الان ليفتك به ويخلص الفتيات من خبثه وشروره، لكنه تحلا بالصبر من أجل "سارة" يجب عليها مواجهته لكي تلقي من على كاهلها عناء الماضي وتعيش الحاضر وتطوي الصفحات القاسية من حياتها ..

❈-❈-❈


 يشعر وكأنه يتخبط في متاهات دربه، كمن يحاول السير في ظلام دامس دون أن يرى النور في نهاية النفق. مشاعره تتعارك داخله، تصارعه كأمواج عاتية تتلاطم في بحر هائج، تارةً يغمره الحزن والأسى، وتارةً يجتاحه الغضب والندم، وكأن قلبه وعقله يدوران في دوامة لا تنتهي.

إحساس بالضياع يسيطر عليه، يشعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه، ولا يستطيع أن يجد لنفسه مسارًا واضحًا كانت تساؤلاته تتكاثر، ولا يجد إجابات لها، كأنما يحاول أن يجد توازنًا بين مشاعره المتضاربة، لكنه

كان يغرق أكثر في بحر من الشكوك والخوف.

كانت الذكريات المؤلمة تطفو على السطح، تجعله يشعر وكأنها تغرقه في بحر من الألم والمرارة، كلما حاول أن يجد السلام الداخلي، لكن كلما اقترب، تجرفه العواصف بعيدًا ليضل طريقه.

بينما لحظات الفرح تمر عليه كطيف عابر، و الحزن والشكوك تأخذ حيزًا أكبر في قلبه وعقله، يشعر بأنه محاصر بين جدران مشاعره، يبحث عن مخرج ينقذه من هذا التخبط.

مشاعر متخبطة تضعف قواه، تجعله يحس بالإرهاق والضيق، يحاول أن يجد القوة ليتخطى تلك التيه، لكنه كان يحتاج إلى قوة خارقة تقوده نحو الطريق لكي يستعيد السلام والتوازن من جديد

هكذا كان حال "عمر" ولكنه شعر بنور يأتي بوجود "سارة" فهي التي طالما بحث عنها لتمسك بيده وتسير في درب الهوى معه فهو لا يريد سواها بعد كل ما مر به...

❈-❈-❈


 يعيش في دوامة من الحيرة والشك، مشاعر متضاربة تنهش قلبه وتجعله غير قادر على الدخول في أي علاقة جديدة،كان ما فعله بغزل يلاحقه كظل لا يفارقه، بعدما أفقدها عذريتها ورفض أن يتزوجها، بل وعايرها بأنها سلعة متداولة في يد الجميع، تلك الأفعال كانت تترك في قلبه جرحًا عميقًا، يجعله يشعر بالندم والذنب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كان دائمًا يقارن بين غزل وسارة، كان يرى في سارة النقاء والبراءة التي افتقدها في غزل،كان يشعر بأن سارة هي الفتاة التي يستحق أن يتزوجها، بينما غزل كانت بالنسبة له مجرد تجربة مؤلمة،نزوة لفض رغباته كشاب في مُقتبل العمر ، تلك المقارنات كانت تزيد من شعوره بالذنب، وتجعله يتساءل عن مدى صحة قراراته.

عندما كان يختلي بنفسه، يتذكر كيف كان يعاير غزل ويجعلها تشعر بأنها لا تستحق الحب والاحترام، كان يشعر بأن تلك الكلمات تجرحها بعمق، وتترك فيها جروحًا لا تندمل، يتمنى لو يستطيع العودة بالزمن وتصحيح أخطائه، لكنه كان يعلم أن ذلك مستحيل.

الشك ينهش قلبه، يجعله غير قادر على الثقة بأي فتاة جديدة، ظل محاصر بين جدران مشاعره، يبحث عن مخرج ينقذه من هذا التخبط.

في تلك الأثناء لم يكف عن التفكير في الفتاة التي يمكن أن تمنحه السلام الداخلي ، الفتاة التي لن يشك بماضيها، لكنها كانت بعيدة عنه أميالا، يتمنى لو يستطيع أن يمحو ماضيه الذي يورق حياته بأكملها 

 الخوف والندم يتغلغلان في جسده كأنهما سرطان ينهش خلاياه ببطء، يضعف قواه ويستنزف طاقته، كلما حاول الهروب من تلك المشاعر، كانت تعود لتطارده بقوة أكبر، تذكره بأخطائه وتجعله يشعر بالذنب العميق. كان يشعر بأنها وحش مفترس يلتهمه من الداخل ثم يتركه هشًا وضعيفًا، غير قادر على مواجهة الحياة بثقة. كل يوم يمر وكأنه معركة جديدة يجب عليه خوضها، ويعلم جيدًا أن الطريق نحو الشفاء يتطلب مواجهة الحقيقة والاعتراف بأخطائه.

❈-❈-❈


في اليوم التالي، قررت سارة الذهاب إلى عملها مصحوبة بـ"يزيد"، الذي كان بجانبها طوال الوقت كظلها، لا يفارقها للحظة، كان يزيد يشعر بقلقها وتوترها، لكن تصميمه على دعمها كان واضحًا في كل تصرفاته.

وصلوا إلى المكتب، وسارة تحمل في قلبها شعورًا بالتصميم والشجاعة لمواجهة "عمر". لم تعد قادرة على الصمت، فقد أرادت إعادة حق "غزل" الذي سُلب منها بفظاعة، كانت تعلم أن "عمر" السبب وراء الألم والمعاناة التي عاشتها غزل، وأنه شارك في تحطيم حياتها وتركها تتجرع مرارة فعلته وحدها، أقسمت على مواجهته وتحميله ذنب ما فعله ،حتى وأن كانت غزل لم تعد موجودة وأختفت عن عالمنا، فهي لم تذق طعم الراحة منذ اليوم التي أعترفت فيه "غزل" بما فعله عمر وقابل حبها وعشقها بتحطيم، ودت لو كانت صارحتها من قبل لوقفت جانبها وساندتها في أزمتها وارغمت عمر على الزواج منها لتصليح الخطأ الذي أقترفاه معًا.

ودعت يزيد بابتسامة عذبة وولجت لداخل البناية ثم صعدت حيث الطابق الذي يوجد به مكتب العمل وعندما دلفت لداخل مشت نحو مكتب "عمر"، كانت تشعر بثقل الخطوات وكل خطوة تقربها من المواجهة المنتظرة. ازدادت دقات قلبها، لكنها كانت مصممة على المضي قدمًا، دخلت المكتب ورأته يجلس خلف مكتبه، يكتب شيئًا على الحاسوب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفعت رأسها بثقة، وقالت بصوت ثابت: 

-عمر، لازم نتكلم.

رفع نظره عن الحاسوب وطالعها بدهشة، ثم قال: 

-سارة؟ في أيه؟

اقتربت منه، وعيناها تملؤهما العزم: 

-مش هقدر أعيش في سلام وأنا ساكتة عن اللي عملته

شعر عمر بالارتباك، ولم يستطع الرد، كانت كلماتها تترجم الحقيقة التي كان يحاول نسيانها، لحظات مليئة بالتوتر، حيث كان كل منهما يكافح للتعبير عن مشاعره.

سارة بعيون تلمع بالغضب والحزن:

 -تعرف أنت عملت أيه في "غزل" ؟ فاكر "غزل" يا عمر ولا نسيتها؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

علم حينها بأن غزل فضحت أمرهم وأخبرتها بالماضي الأليم ، هربت عيناه من مواجهة عينيها ونكس وجهه أرضًا في خزي

بينما أستطردت هاتفة بصوت مرير وعيون تتلألأ بالدموع:

-غزل ماتت ... بس أنت موتها قبل كده، طعنتها في قلبها وخذلتها، قدمت لك حبها ونفسها دليل على حبها ليك، وأنت بدون رحمه سلبت حق مش حقك وبعدين خليت بيها ورفضت تتحمل نتيجة غلطتك معاها ، ماهي غزل مش غلطت لوحدها، أنت كنت واعي وعارف كويس قوي بتعمل ايه،ماكنتش مغيب وانت بتوهمها بالحب ووعود الزواج الكذابة، ماكنتش راجل يا عمر قد كلمتك وتتحمل نتيجة الغلطة اللي حصلت بينكم، غزل ماتت يا عمر وأنت أول من قتلها وجنى عليها .

انهمرت دموعها بغزارة، تغرق وجهها وتكشف عن عمق الألم الذي تشعر به، كانت عيناها تلمعان بالحزن والغضب، وكأنها تعبر عن كل ما عانته غزل من مرارة وظلم، تلك الدموع تحمل في طياتها كل الكلمات التي لم تستطع قولها، وكل المشاعر التي كانت تخفيها بداخلها.

أما عمر، فقد كان ينظر إليها مصدومًا، وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة. لم يستطع استيعاب كل ما قالته، وكل ما يتردد في مسامعه الآن هما كلمتان فقط: "غزل ماتت".

 كانت تلك الكلمات تتردد في عقله كصدى لا ينتهي، تجعله يشعر بالشلل والعجز عن التفكير،

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

توقف عقله عند تلك النقطة، وكأن كل شيء آخر أصبح غير مهم،كانت مشاعر الندم والخوف تتصارع بداخله، تجعله يشعر بثقل لا يمكن تحمله، كأن العالم ينهار من حوله، وأنه لا يستطيع الهروب من الحقيقة المؤلمة التي واجهته بها سارة.

أكملت أسترسال حديثها بثبات رغم قلبها الممزق:

-وصلت غزل لأفعال لا يمكن تخطر على بال بشر أن يعملها، وصلت لحافة الهاوية بسببك، كسرت قلبها وغدرت بيها وهدمت أقوي علاقة كانت بينا، أنا وغزل كنا تؤام مش كنا بس أصدقاء، عملت شرخ في علاقتها بيه، لما رفضتها وقارنتها بيه، ليه عملت كده يا عمر، ليه لما مش عاوز تكمل معاها تاخد منها أعز ما تملك وتخسرها نفسها وبعدين تخسرني أنا ، غزل خسرت نفسها معاك وقررت تنتقم منك في اللي عملته معاها بس مش قدرت تواجهك هربت وسافرت وضيعت نفسها وسط الغربة والبلد اللي كانت فيها، ومشيت في طريق ممنوش رجوع، وبنفس السكينة اللي طعنتها بيها في قلبها هي غرستها في قلبي أنا لما قررت تغدر بيه وتنتقم لشرفها وخداعها وخذلانها بس أختارت الطريق الغلط ، انت نجحت يا عمر ، نجحت في أن تفرق بينا وتزرع عداوة وحقد وغل وكره في قلب غزل نحيتي، غزل اللي كانت قبل ما تدخل حياتها كانت مستعدة تفديني بروحها انت دمرت كل حاجه بينا، مابقاش في محبة ولا ثقة وانهدمت علاقتي بغزل للأبد ، تعرف غزل ماتت أزاي 

طالعها بعيون تملئها الدموع ونظرات مُنكسرة حزينة،نادمة 

-ماتت مقتولة..

أتسعت عيناه بصدمة أكبر، وكأنما توقف الزمن للحظة، تنهدت سارة بوجع يشطر صدرها لنصفين من ثقل الهموم التي تجتاحها الآن، كانت كلماتها تحمل ألمًا عميقًا، وجرحًا غائر لا زال يقطر دمًا وكأنها تحاول أن تنقل له جزءًا من المعاناة التي عاشتها غزل.

ثم قالت بصوت مبحوح:

-اقرأ عن جريمة الفتاتين المصريتين في إحدى دول الخليج، اللي كانت قضية رأي عام الشهر اللي فات، وأنت تعرف غزل اتقتلت إزاي وليه؟

كانت تلك الكلمات كالسهم الذي اخترق قلب عمر، جعله يشعر بثقل الحقيقة التي لم يكن يتوقعها. كانت عيناه تلمعان بالدهشة والصدمة، وكأنما توقف عقله عند تلك النقطة. لم يستطع استيعاب كل ما قالته.

❈-❈-❈


كان يزيد يقف على بعد خطوات، يراقب المواجهة بين سارة وعمر بعينين تملؤهما القلق والترقب، يشعر بمدى التوتر الذي يحيط بها ، لكنه كان يعلم أن هذه اللحظة كانت ضرورية لسارة لتتحرر من قيود الماضي.

وعندما بدأت سارة تتحدث، لاحظ يزيد كيف أن كلماتها كانت قوية وحازمة، تعبر عن مشاعرها بصدق ووضوح، وتواجه عمر بكل شجاعة،كان يرى في عينيها العزم والإصرار، وشعر بالفخر بها.

بينما كانت الدموع تنهمر على وجه سارة، كان يزيد يشعر بمدى الألم الذي تعانيه، لكنه كان يعلم أن هذه الدموع كانت تعبيرًا عن التحرر والتخلص من الأعباء الثقيلة التي كانت تحملها، يرى كيف أن سارة بدأت تتخطى قيود الماضي وألمه، وتتحرر من هالة الظلام الملتفة حولها.

وعندما انتهت المواجهة، اقترب يزيد من سارة، وعيناه تلمعان بالفرحة والفخر وقال بصوت مليء بالحنان: 

-أنتِ قوية يا سارة ، وأنا فخور بج

ثم اقترب منها ببطء، وفتح ذراعيه ليحتضنها، كانت تلك اللحظة تعبر عن كل ما يشعر به من حب واهتمام، وكأنه يريد أن ينقل لها جزءًا من قوته وثباته.


عندما شعرت بذراعيه تحيطان بها، انهمرت دموعها كالشلال، وكأنها تجد في هذا العناق ملاذًا يخفف عنها بعضًا من الألم، تشعر بأن وجوده بجانبها يمنحها الأمان والراحة التي تحتاجها لتجاوز هذه اللحظة الصعبة.

يزيد، بصوت مليء بالحنان: 

-أنا هون معجِ يا سارة، لا تخافي حبيبتي

كانت تلك الكلمات كبلسم لجروحها، تشعرها بأن هناك من يقف بجانبها ويدعمها في كل خطوة، كانت تعلم أن الحب والدعم هما المفتاح لتجاوز كل الصعاب، وأنها لن تكون وحدها في هذه الرحلة.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الألفي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل