دعوة سفر - الفصل 12 | فاطمة الألفي

قراءة رواية (دعوة سفر) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (دعوة سفر)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الألفي) | الفصل: (12)


عندما قرأ عمر تفاصيل الجريمة، جحظت عيناه بدهشة وذهول، وكأن الزمن توقف لبرهة. شعر بأن قلبه يكاد يتوقف عن النبض، وأن الهواء من حوله يتلاشى، تاركًا إياه غارقًا في صمت رهيب. الكلمات تتردد في عقله كصدى لا ينتهي، تعيد تفاصيل الجريمة بكل قسوتها وتجعل الشعور بالشلل والعجز يتسلل إلى أطرافه.

كلما تعمق في القراءة، كانت مشاعر الندم تتضاعف وتنخر في روحه، تذكره بمدى الظلم الذي لحق بغزل وبمدى الأذى الذي تسبب فيه. كانت تلك المشاعر تجعله يشعر بالعجز والضعف، وكأنه غارق في بحر من الألم لا يرى له قاع.

أستجمع شتاته وأستقام واقفًا يُريد اللاحاق بسارة ومعرفة تفاصيلا دقيقة لما صار معها والاعتذار عن ماحدث وهو يحمل نفسه ذنب ما ألت إليه أمور "غزل" غادر مكتبه ولكنه فجأة تجمد مكانه كأنما أصابته صاعقة وهو يرى "سارة" بين أحضان رجُلا أخر يبدو من هيئة ثيابه أنه خليجي بالزي التقليدي خاصهم، وقف كأنه تمثالا من الجليد لا يتحرك .


أما عن يزيد لكي يجعل سارة تكف عن البكاء همس مازحًا:

-بعد ها الحضن لازمن نتجوز و نصلح غلطتنا

أبتعدت عنه برفق ونظراتها ملتفة بالخجل كالقمر الذي يحاول الأختباء خلف السُحب، كالموجة التي تتراجع بخجل على شاطئ الرمال

لم يتحمل "عمر" هذا القرب بينهما عندما رأى سارة تحتضن يزيد، عصفت به مشاعر الغضب والغيرة كعاصفة هوجاء تمزق كل ما في طريقها. شعر بأن قلبه يحترق بنار لا تهدأ، وكأنما بركان من الغضب قد انفجر داخله. كانت مشاعره تتلاطم كأمواج عاتية تجرف كل شيء أمامها، وتحوله إلى ركام.

كانت الغيرة تتغلغل في أعماقه كسم زعاف، ينشر سمه ببطء في جسده، ألما أجتاحه وكأنما خنجر مسموم قد اخترق قلبه. كانت عيناه تلمعان بالغضب، وكأنما شرارة حارقة تشتعل في نظرته.

شعر وكأنما الأعاصير تعصف بكيانه، تجعل قلبه ينبض بسرعة فائقة، وكأنما الرياح العاتية تجرف كل ما حوله ولا تترك له مجالاً للتفكير الهادئ.

خرج صوته غاضبًا:

-سارة

جعلها تدور جسدها ببطء وتتلاقى العينان ، حدقتيها العسليتين تتطالعنه بثقة بينما مقلتيه البنية تشتعل بوهج الغيرة

أستكمل كلماته وهو يرمق "يزيد" من رأسه إلى أخمص قدميه ويعاود هاتفه قائلا:

-محتاج أتكلم معاكي ، أنا سمعتك للاخر، ممكن فرصة تسمعيني؟

سحبت شهيفًا ثم زفرته بهدوء وردت قائلة:

-ماعدش في كلام بينا يخص الماضي يا عمر ، أنا سيباك لضميرك وأي ندم مابقاش ينفع خلاص ، لان ببساطة غزل ما بقتش موجودة عشان تقدر تصلح اللي أنت عملته

قبضت بقوة على قبضته لتبرز أوردته في محاولة تماسك منه ،فلا يريد التحدث وهذا الشاب بينهم يستمع لما يدور فعاد قائلا برجاء:

-ممكن تسمعيني ونقفل الماضي تمامًا من جذوره ؟

ربت "يزيد" على كتفها برفق وقال بصوت دافئ:

-أسمعيه يا حبيبتي وأنا هون معجِ ما راح اتركك لحالج

بتر يزيد كلماته الأخيرة، وحدق بعمر بنظرة مملوءة بالقوة والتحدي، وكأنما يرسل رسالة واضحة لا تقبل التأويل: _سارة تخصه وحده_. كانت عيناه تشعان بثقة لا تهتز، وكأنها نجمان مضيئان في سماء ليلة ظلماء.

كانت تلك النظرة تحمل في طياتها كل معاني التحدي، تشبه نصل سيف مسنون، يقطع الهواء بدقة وصرامة. كان يقف ثابتًا كجبل لا يهتز، وكأنما يعلن بصمت ملكيته المطلقة لسارة..

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وما كان من عمر إلا أن يقبل التحدي فهو لن يتنازل تلك المرة عن عشقه الدفين لسارة، عليه نيل قلبها فهو الأحق بها عن غيره.

بعد أن أستمدت قوتها من "يزيد" لبت رغبة "عمر" في الاستماع له تلك المرة ودلفت خلفه داخل مكتبه ، دعاها للجلوس، جلست أمامه هاتفة بجمود:

-أتفضل أتكلم ، عاوز تقول أية ؟

تنحنح بتوتر وهتف معتذرًا بصوت يكسوه الندم حقًا:

-سارة أنا من حقي أدافع عن نفسي، من حقي أبرر اللي حصل مع "غزل"

لم يجد منها ردًا إلا أنها تنصت لحديثه، أردف قائلا:

-أنا عارف أخطأت لما تجاوزت حدودي واستغليت حب غزل ليا، بس أنا شاب وكنت طايش وأي حد مكاني كان عمل اللي أنا عملته، لاقيت بنوته جميله بتقرب مني بتصارحني بمشاعرها ، حبيت معاها التجربة ، كانت مجرد طيش شباب مشاعرنا مش مستقرة، نزوة عابرة

لم تتحمل اقاويله ولا مبرراته التي لا معنى لها إلا أنه لم يكن مسئولا عن أفعاله وهو شاب ناضج عاقل كيف له استغلال فتاة بهذه الصورة البشعة:

-بطل تتمادي يا عمر ، انت مش قادر تعترف بغلطك ، بتلوم على غزل اللي حبتك وكان متخيلة الامان هتلاقيه معاك، دبحتها بسكينة تلمة يا عمر وجاي دلوقتي تبرر ، انت دمرت حياة أنسانه كل ذنبها أنها حبتك، لو ما حبتهاش ولا بادلتها نفس المشاعر كنت سبها ، عرفها انك مش عاوز علاقة الحب دي ، ارفضها بدون ما تجرحها لكن أنت لاقيتها فرصة وسهلة وقدامك فأزاي بقى تسببها لازم تدمرها، تحطمها ، تفوز بقلبها وبجسمها وتقضي وقت لطيف وانت مستمتع وعايش سلطان زمانك، ولما غزل طالبتك تتجوزوا وتصلحوا اللي حصل ردك كان ايه يا عمر ، انت مش شايف انك ندمان خالص ولا حاسس بذنب اللي حصل لغزل 

قاطعها منفعلا:

-ندمان والله العظيم ندمان وغلطت في اللي حصل بس خلاص كان ماضي وأنا اتغيرت والايام هتثبت ليكي أن أتغيرت يا سارة، أنا ماكنتش اتمنى غزل تعاني كل ده بسببي ، بس غزل كمان هي المسئولة يا سارة ليه بتحمليني أنا بس ، هي مسئولة عن الطريق الخطأ اللي مشيت فيه، كان قدمها طريق تاني بس هي كمان أخترات الأسهل

همست بحزن عميق:

-لو غزل موجودة كنت هتصلح غلطتك ،كنت هتديها فرصة تتغير زي ماانت بتقول أنك اتغيرت ، كنت هتقبلها زوجه ليك ولا هتفضل تعاير فيها وتقارنها بيا أو بأي حد تاني

-سارة أنا بنى ادم مش ملاك وليا عيوب ومميزات، أنا ضعفت وندمت أن ماكنتش قد مسئولية اللي عملته ، بس بلاش تجلديني ، أنا قلبي كان مع غيرها ، كنت بشوف فيها البنت اللي حبيتها، وعشان كده ماعرفتش ادخل في اي علاقه 

قاطعته ببسمة ساخرة:

-تعرف ليه ما دخلتش في أي علاقة جادة ، عشان ضميرك اللي لسه حي يا عمر وبيأنبك على اللي عملته ومابقاش عندك ثقة في اي بنت ،هل ليها ماضي ولا لا؟ هل بتحب ولا حبت قبلك ولا هتثق فيها تكون في حياتك ، ولما رفضت غزل، هل كلهم زي غزل ؟ هو ده اللي تعبك لحد الان وهيفضل ذنب غزل طوق حوالين رقبتك يا عمر وهيخنق فيك

-بس بقى ارجوكي يا سارة كفايا، بلاش اسمع الكلام ده منك أنت بالذات

-دي الحقيقة يا عمر والحقيقة دايما مرة ومش هقدر اخبيها ولا اذوقها 

-سارة أنا بحبك أنتِ ومشاعري معاكِ أنتِ من أيام الجامعة وعقلى وقلبي مشغولين بيكِ وغزل كانت مجرد وسيلة أوصل بيها ليكِ لحد ما حصل اللي حصل بينا، انا كنت بشوفك انتِ فيها 

صرخت غاضبة لن تسمح له بتجاوز حدوده معها إلى هذا الحد:

-أنت اتجننت ؟ انت واعي بتقول ايه؟  

عاد كلماته بجدية :

-واعي جدا وفي كامل قوايا العقلية ،أنا بحبك يا سارة وعاوز أتجوزك ومحتاج منك فرصة أخيرة هتعرفي أن أتغيرت والله اتغيرت وكنت بدور عليكي في كل بنت اقابلها 

نهضت عن مقعدها ورمقته بنظرات غاضبة 

-أنت اكيد مجنون ، أنا لا يمكن اكون ليك يا عمر ، اللي بينا غزل يا عمر، انا بحب يزيد وهنتجوز قريب جدا ، وانت عقاب ربنا ليك على اللي عملته أنك تفضل عايش بالشك ينهش في قلبك وعقلك، كل اللي اقدر أقولهولك اطلب من ربنا يسامحك ويغفر لك اللي عملته في غزل 

همت بالمغادرة ولكنه استوقفها بكلماته الصارمة:

-مستحيل تكوني لحد غيري

لم تعترية أي أهتمام وأكملت سيرها لتجد "يزيد" لا زال ينتظرها 

اقتربت منه وهي تبتسم له بأمتنان وقالت هامسة:

-موافقة نتجوز ونصلح غلطتنا

تبسم ضاحكًا وهم بأن يضمها لصدره يعانقها ثانيا ولكنها أبتعدت عنه بخجل وقالت بمرح:

-اثبت مكانك يا جدع أنت

بعيون لامعة بالحب:

-أحبج يا ملكة قلبي 

ابتسمت سارة بحنان، وعيناها تلمعان بالسعادة، وقالت بصوت منخفض يلفه الخجل:

 -وأنا أحبج يزيد

 طوقها يزيد بحنان عينيه، وكأنما يلفّها بأجنحة ملاك حارس، كانت نظرتهما تلتقي وسط بحر من المشاعر الدافئة، كأنما حقل من الزهور يتفتح في صمت. عينيه كانتا تتحدثان بلغة لا يفهمها سوى العشاق، لغة تملؤها الرقة والحنان.

شعرت سارة بدفء نظراته يتسلل إلى قلبها، وكأنما شعاع شمس دافئ يذيب برد الشتاء وتنقشع مرارة الغمة ويتحررًا من أغلال ما قاسته وتجرعته من صدمات ..

❈-❈-❈

كانت الليلة هادئة بشكل غير عادي، لكن داخل عمر يوجد عاصفة لا تهدأ، جلس في غرفة مظلمة، يحدق في الحائط أمامه بشرود، تلك اللحظة التي لم يكن يريد أن يواجهها، لكن لم يكن هناك مفر منها، كان عليه أن يواجه نفسه، أن يواجه الحقيقة المؤلمة التي كان يحاول تجاهلها.

تردد صدى كلمات سارة في عقله، يتردد كصدى بعيد في وادٍ عميق، كانت تتكرر في رأسه كنداء لا ينتهي، كأنها تريد أن تحفر في قلبه الحقيقة التي كان يحاول الهروب منها. "غزل ماتت بسببك." كانت تلك الكلمات تحمل في طياتها ثقل الجبال، تجعله يشعر بالعجز والندم العميق.

تنفس بعمق، شعر بأن الهواء يثقل صدره، وكأنما يحاول أن يبتلع أكوام من الرمل، بينما عيناه تلمعان بالدموع التي لم يستطع منعها. حينها أدرك أنه لم يعد بإمكانه الهروب من الماضي، وأن عليه أن يواجه الحقيقة بكل قسوتها.

"كيف وصلت إلى هنا؟" تساءل بداخل نفسه وهو يتذكر الايام التي كان يسعى فيها وراء ملذاته، غير مكترث للعواقب. تذكر كيف أنه استغل حب غزل له، وكيف أنه تخلى عنها عندما كانت تحتاج إليه أكثر من أي وقت مضى، شعر بأن قلبه ينفرط من الألم، وكأنما أنياب الندم تمزقه ببطء

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أغمض عينيه، واسترجع صور غزل في ذاكرته، تذكر ابتسامتها، وكيف كانت تضفي البهجة على كل من حولها. تذكر لحظات السعادة التي جمعتهما، وكيف أنه دمر كل شيء بيديه، شعر بأنه يفقد توازنه، وكأن العالم يتلاشى

 همس لنفسه بصوت مبحوح:

"لا يمكنني تغيير الماضي، لكن يمكنني تعلم منه"

كان يعلم أن عليه أن يتحمل مسؤولية أفعاله، وأن يعمل على أن يكون شخصًا أفضل، و أن الطريق نحو الشفاء طويل وصعب، لكن كان عليه أن يبدأ تلك الرحلة.

وقف أمام المرآة، ونظر إلى نفسه بعينين تملؤهما العزم والإصرار:

-أنا أتغيرت ... أيوة أتغيرت يا سارة وأستحق فرصة جديدة معاكِ، والماضى ما هو اللي نقطة تحولنا لحياة أفضل، من حقي فرصة أخيرة، غزل خسرت حياتها ليه عاوزاني أنا كمان أخسر حياتي يا سارة؟

كان يحدث مرآته وكأنه يرى داخلها "سارة" ويلح عليها بأن تعطيه فرصة لإكمال حياته.

غادر غرفته عازمًا على أن يكون شخصًا أفضل. كانت عينيه تلمعان بالإصرار، وعقله مليء بالأفكار والخطط. كان يعلم أن الرحلة طويلة، لكنه عليه أن يبدأها الآن. كانت تلك المواجهة مع نفسه هي البداية لتحقيق الشفاء والتغيير.

تحدث مع صديقه "ماجد" علم منه بعنوان منزل سارة التي دونته في اوراق عملها ولم يتردد في التوجهة إليها،أستقل سيارته يقودها بحماس يشق الطريق للوصول في غضون دقائق ، صفًا سيارته أمام العقار المنشود، ثم ترجل منها متلهفًا لرؤيتها والحديث معها بصدق ..

ولج داخل البناية بعدما علم بمكوثها بالطابق الثاني، وقف أمام الشقة يدق جرسها وكأنه يدق على أوتار قلبه، وبسمة هادئة أرتسمت على قسمات وجهه زادت من وسامته فقد كان يتميز بملامح جذابة لأي فتاة،بشرة برونزية وجسد رياضي طويل القامة وعريض المنكبين، بعيون بنية كالقهوة ورموش كثيفة تظللها، أنف مستقيم وفم واسع يزين ذقنة غمزة محفورة بملامحه الوسيمة.

أنتظر برهة لينفتح الباب ويرى فتاة قصيرة القامة تشبه سارة ولكنها بدون حجاب 

طالعته "حبيبة" بتساءل:

-مين حضرتك؟

تبسم لها وقال:

-أنا عمر العامري صديق سارة 

أومت له بخفه وتركته واقفًا وأسرعت في خطواتها تنادي والدتها ، التي أتت ترحب به وتدعوه للدلوف.

صافحها "عمر" بود وانساق جانبها إلى غرفة الصالون ، جلست بجواره وهي تنظر لابنتها:

-حبيبة شوفي الاستاذ عمر يشرب ايه

تنحنح بخجل : 

-ممكن قهوة مظبوط 

هزت حبيبه رأسها وذهبت لإعداد القهوة أما عمر فنظر إلى والدة سارة معتذرًا:

-أنا أسف جيت فجأة من غير ميعاد 

هتفت هبة بحنو:

-تشرف يا بني في أي وقت 

أبتلع ريقه بصعوبة بسبب توتره ثم هتف متساءلا عن سارة ، لتجيبه والدتها بأنها بالخارج ربما ستأتي الآن

حك عنقه بتوتر ملحوظ وحاول رسم إبتسامته التي أنطفت وقال:

-أنا عمر العامري صديق سارة من أيام الجامعة، عندي مكتب محاسبة أنا وصديق ليا وحتى سارة بدأت تكون معانا وعندي شقتي الخاصة، وأنا بعرفك على نفسي وظروفي لان يشرفني أطلب أيد سارة 

طالعته بدهشة وقبل أن تتحدث وجدت سارة تفتح باب الشقة وتولج لداخل ويزيد جوارها تدعوه للدخول .

تسمر ثلاثتهم عندما التقت العيون، استقام عمر من جلسته وظل واقفًا يحدق بهما ،أما عن نظرات يزيد كانت تشتعل بالغيرة والغضب من وجود هذا البغيض .

قطع شرودهم صوت هبة وهي ترحب بقدوم يزيد ببسمة مشرقه

-ادخل يا يزيد ، اتفضل يا بني البيت بيتك 

دلف بخطوات ثابتة، صافحها بود شديد ثم مد كفه يصافح عمر هاتفًا بصوت غليظ:

-هلا والله 

ضغط يزيد بقوة على يد عمر يحاول أيصال رسالته بأن سارة خط أحمر يصعب عليه الاقتراب منها 

أما عن سارة فقد كانت في موقف لا تحسد عليه والاثنان يرمقان بعضهما بغضب شديد والغيرة التي رأتها بأعين يزيد جعلها تبتسم بحب .

في تلك الاجواء المتوترة وجدها فرصة حاسمة، تقدم عمر بخطوات ثابتة نحو سارة، وعيناه تلمعان بنظرات التحدي والثقة،وهو يعلم أن يزيد يراقب الموقف عن كثب، وأن الغيرة تشتعل داخله كالبركان الذي على وشك الإنفجار ،لكنه مصممًا على أن يعبر عن مشاعره بكل وضوح، وأن يطلب يد سارة للزواج.

وقف أمامها، وقال بصوت مملوء بالعاطفة والإصرار: "سارة، أنا بحبك بجد، وجاي انهاردة عشان أطلب أيدك للزواج. أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أكسب ثقتك وأثبت لك إني تغيرت، محتاج منك فرصة أخيرة وهتتاكدي من حبي ليكي .

نظرت إليه سارة بدهشة، وشعرت بغصة مريرة داخل قلبها، فهي تعلم بغيرة يزيد وهو يراقب الموقف بعيون حادة كالصقر ووجه محتقن بالغضب 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

خرج صوت يزيد، بنبرة مليئة بالغضب والغيرة وهو يصوب أنظاره على عمر: 

-سارة ما راح تسمعج في شيء 

شعر عمر بالغضب يتصاعد داخله، لكنه حاول أن يحافظ على هدوئه و قال بنبرة حازمة: 

-دي مشكلتي أنا وسارة، وأنت مالكش دخل فيها

ابتعد يزيد عن سارة برفق، و قال بنبرة غاضبة:

 -عمر، فيني أسألك سؤل؟ أنت مُسلم ولا مانك مُسلم؟

قال بلا مبالاة:

-أية اللي انت بتقوله ده ، طبعا مُسلم 

هتف يزيد برزانة:

-لكن ما تعرف دينك، لا يجوز خطبة مُسلم على خطبة أخية المُسلم، وسارة مخطوبة وعن قريب راح نتجوز

ثم أستطرد حديثة بتحذر:

-بعد سارة عن راسج لان ما بيصير ها التصرفات الطائشة وإذا بتقرب منها ما تلوم إلا حالج

شعر عمر بأن الارض تهتز من تحت قدميه وهو على وشك الانهيار، وقال بصوت مبحوح: 

-سارة، الكلام ده بجد ؟ثم أسترسل برجاء :

-أنا مستعد أعمل أي حاجة عشان أكسب ثقتك وماتبعديش عني أنا بجد محتجالك 

نظرت إليه سارة بنظرة بضيق وقالت منفعلة:

-أيوة أنا مخطوبة ل يزيد ولا يمكن أقبل بإنسان زيك يا عمر ، كونك اتغيرت فدة لنفسك مش عشاني، وربنا يوفقك في حياتك ، ماعنديش رد تاني يا عمر. 

صمت خيم المكان ، عندما أستمع لكلمات سارة و تلقى الخبر الصادم الذي سمعته أذناه وكأنها ضربات ثقيلة على قلبه، فقد تحطم كل شيء داخله وأصبحت حبيبته لشخص أخر، لم يستطع تصديق ما سمعه في البداية، وشعر بالظلام يحيط به.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية 

ارتجف قلبه بشدة، وكأنما انقطعت خفاقته. نظراته انحدرت نحو الأرض، وعيناه تلمعان بالدموع التي كانت تقاوم الانهطال، شعر ب الحزن والألم يقتحمان قلبه بدون رحمة، وكأنما سيلاً من الأحجار الثقيلة ينهال عليه من كل جانب.وهو عاجزًا مكانه كأنه تمثال من الشمع، لا يستطيع التحرك، لا يستطيع التنفس، كانت تلك اللحظة تعكس كل مشاعر الألم والتحطيم التي اجتاحته ثم غادر المنزل لا يعرف كيف مشى خطواته التائهة الثقيلة وعاد إلى غرفته المُظلمة بقلب منفطر، محطم الفؤاد خالي الروح ، نظر إلى نفسه في المرآة، ورأى شخصاً مكسوراً، تملأ عيناه الحزن والخيبة.

ثم ترك بدموعه الحبيسة العنان ، أنهمرت على وجنتيه، وكأنها تعبر عن كل الألم والندم الذي كان يعتصر قلبه. كان يشعر بأنه فقد كل شيء، وأنه لم يعد لديه الأمل في استعادة سارة. كانت تلك اللحظة كحلم مرير يود الاستيقاظ منه.

جلس على الأرض، محطماً وضعيفاً ثم أخذ نفسًا عميقًا وحاول أن يجمع شتات نفسه. كان يعلم أن عليه أن يتحمل مسؤولية أفعاله، وأن يعيش مع هذا الندم لبقية حياته. كانت تلك اللحظة تعكس مدى تأثير مشاعر الندم والحزن على حياته، وكيف أن الحب الذي فقده كان يعذبه.

ثم رفع مقلتيه ناظرًا إلى السماء، وكأنما يبحث عن إجابة، وقال بصوت مبحوح: "يارب، سامحني على كل اللي عملته، أنا ندمان، وعاوز أبدأ من جديد. بس مش عارف إذا كان عندي القوة أواجه الحياة من غير، يا سارة، اللي كنت عايش بس بتمنى لحظة قربها وأشوفها من جديد، يارب أنا تائهة في دربك، ارشدني للصواب..



❈-❈-❈

بينما داخل شقة "سارة"

هتفت هبة قائلة:

-اقعد يا يزيد وانتي يا سارة عاوزة أفهم مين عمر دة 

لم يريد أن تستمع تلك الصغيرة لحديثهم فقال يزيد :

-حبيبة فيجِ تعملي كوب قهوة سادة على روح ها الشاب

ضحكت حبيبة وهزت رأسها بالموافقة وسارت مبتعدة عن غرفة الصالون التي كانت تكاد أن تشتعل بسبب غضب وغيرة يزيد 

ضحكت سارة أيضا وارسلت غمزة مشاكسة له قابلها بجمود وهمس:

-من ها الحين ما في عمل باها المكتب، وإذا بدج تشتغلي ما راح أمنعج وراح أكون جانج كيف ما وعدتج ولكن شوا رايك بنعمل شغل لحالنا، بس بعد الجواز فيج الحين تتفرغي لتجهيزات العُرس

قررت سارة أختبار مشاعر يزيد وتظهر غيرته.

ابتسمت سارة بمكر، وقالت بنبرة مازحة:

 -يزيد، تعرف إن عمر كان دايمًا يقول لي إني أجمل بنت شافها في حياته

تجمدت ملامح يزيد للحظة، ثم حاول أن يخفي غيرته بابتسامة خفيفة، وقال بنبرة هادئة: 

-والله تاني عمر يا سارة ، ما راح هنخلص من ها الريال

تبسمت والدتها على مشاكستهم وتركتهم ليجلسون معًا وقالت وهي تستقيم واقفة:

-أنا بقول أقوم أحضر العشاء أحسن 

لكن سارة لم تتوقف عند هذا الحد، وأكملت بمرح: 

-لا وتعرف كمان كان دايمًا يقول لي إني أذكى بنت عرفها، وإنه مش ممكن يلاقي حد زيي، وكان بيدور عليا في كل بنت يقابلها.

اشتعلت الغيرة في قلبه كبركان هائح يقذف حمم الغضب دون رحمة ثم أقترب منها يلفح وجهها بأنفاسه الحارة:

-ما تستفزيني سارة ولا تختبري صبري معج، أنا بعشقج وما فيني أسمع ها الحكي منج، وإذا عمر هذا ريال وتحبين غزله ها القد ليش ما وافقتي تتزوجين

لأول مرة ترفع أناملها الرقيقة وتضعها برفق على وجنته قائلة بصوت هامس ملتف بالخجل:

-ما في ريال بعشقه غيرك، وما في حد دخل قلبي غيرك يا سندي وأماني وسعادتي ودنيتي ولحظاتي الحلوة 

التقط يزيد كف سارة بلطف، وطبع بباطنها قبلة دافئة. شعرت بدفء تلك القبلة يتسلل إلى قلبها، وكأنما يذيب كل مشاعر الغضب والغيرة التي كانت تشتعل داخله. كانت تلك اللحظة تعبر عن مدى تأثير الحب والحنان على مشاعرهما، وكيف أن الاعتراف الصادق يمكن أن يمتص كل توتر ويجعل القلوب تلتقي بسلام.

شعرت سارة بدفء تلك القبلة يملأ قلبها بالطمأنينة، وابتسمت بحنان. كانت تعلم أن يزيد يحبها بصدق، وأن تلك القبلة كانت تعبيرًا عن مشاعره العميقة. كانت تلك اللحظة تجعلها تشعر بأنها محاطة بحب يزيد وحنانه، وقد تلاشت كل مخاوفها في هذه اللحظة.

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الألفي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل