قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (4)
ظلت نور في غرفتها تدور حول نفسها كالمجنونة، تنظر إلى شاشة الهاتف المضيئة بتلك الرسالة المرعبة التي وصلتها في هذا الصباح. وكانت تقف مشتتة بين نارين؛ نار الخوف على والدها، ونار التردد في تسليم أوراق تدين قاتلاً؛ هي تعلم جيداً قذارة مدحت غانم، ولا تثق فيه بنسبة واحد في المائة، وتدرك أن تسليمه المستندات قد يكون حكماً بإعدامها وإعدام والدها معاً، ولكن في المقابل... تهديدهم صريح وجعل الدماء تتجمد في عروقها: والدك هيخرج ميت.
حسمت أمرها مدفوعة برعبها الشديد على حياة والدها. تحركت بخطوات مرتعشة نحو مكتبها، وفتحت حقيبتها لتضع فيها جهاز "اللاب توب" الذي يحوي كل النسخ الإلكترونية من التحقيقات، ثم جمعت الأوراق والملفات والصور التي تدين مدحت وابنه، ورتبتها داخل الحقيبة بحذر وسرعة.
أغلقت الحقيبة وسحبت سحابها ببطء وهي تحاول السيطرة على رجفة يديها. في هذه الأثناء، استغلت وجود والدتها في غرفتها الأخرى مستغرقة في بكائها ودعائها لزوجها، فملأت صدرها بنفَس عميق، وحملت الحقيبة على كتفها، ثم تسللت بخطوات حذرة وهادئة للغاية نحو باب الشقة لتخرج في هذا الصباح وهي لا تدري ماذا ينتظرها.
فتحت الباب ببطء دون أن تصدر أي صوت، وأغلقته وراءها بنفس الهدوء، وقلبها يدق كطبول الحرب، لتجد نفسها على السلم هابطة نحو المجهول.
وصلت نور إلى العنوان المحدد، وكان المكان عبارة عن منطقة شبه معزولة تزيد من وحشة الموقف. أوقفت سيارتها وهي تتنفس بصعوبة، ونظرت عبر الزجاج لتجد طارق غانم واقفاً في انتظارها، وبجواره رجل من رجاله ذو بنية ضخمة ونظرات حادة.
في تلك اللحظة، داهمها رعب خاطف، وفكرت للحظة في إدارة محرك السيارة والهروب من هذا الكابوس، لكن صورة والدها في السجن والتهديد المرعب جلعاها تتراجع فوراً. حسمت أمرها، وفتحت باب السيارة لتخرج بخطوات متثاقلة، ووقفت بصلابة مصطنعة أمام طارق غانم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تطلع إليها طارق بنظرات باردة ومتعالية، وبادرها بالسؤال دون مقدمات:
ـ فين الملفات؟
بلعت نور ريقها وحاولت تثبيت نبرة صوتها قائلة:
ـ الأول بابا يخرج من السجن.
ارتسمت على وجه طارق ابتسامة ساخرة، واقترب منها خطوة وهو يقول بنبرة تحمل فحيح الأفاعي:
ـ انتي في موقف ضعف يا شاطرة، ولا نسيتي تهديدي؟ فين الملفات؟ وأي غدر هتتحملي نتيجته.. وساعتها مش هتشوفي وش أبوكي تاني.
تسمّرت نور في مكانها، ووقفت صامتة لثوانٍ والوجوم يسيطر عليها، وعقلها يدور في حلقة مفرغة من الخوف والعجز. عندما طال صمتها، التفت طارق وأشار بيده للرجل الضخم الذي يقف بجواره ليتحرك نحو سيارتها ويفتشها بالقوة.
لم تحتمل نور المشهد، فصرخت به لتمزق الصمت وتمنعه:
ـ استنى عندك! متلمسش العربية!
تحركت بسرعة نحو السيارة، وفتحت الباب لتخرج الحقيبة التي وضعت فيها الأوراق والملفات القديمة، ثم استدارت وتقدمت بخطوات تداري وراءها دقات قلبها المتسارعة لتسلمها له. التمعت عينا طارق بنصر زائف وهو يمد يده ويختطف الحقيبة منها بقوة، دون أن يدري أن نور استعادت ذكاءها الصحفي في اللحظات الأخيرة؛ فالحقيبة لم تكن تحوي سوى التحقيقات القديمة، بينما كانت هناك ملفات ومستندات خطيرة وجديدة تماماً قد وصلتها مؤخراً في سرية تامة، آثرت نور أن تحتفظ بها في مكان آمن لتكون ورقتها الرابحة التي لا يعلم عنها أحد شيئاً.
نظر طارق إلى الحقيبة، ثم رفع عينيه نحوها بابتسامة خبيثة لم تطمئن لها جوارحها، وقال بنبرة آمرة:
ـ حلو.. بس الباشا الكبير مستنينا عشان يشوف الحلاوة دي بنفسه. اركبي عربيتك وامشي ورايا من سكات.
انقبض قلب نور، لكنها لم تملك خياراً آخر. قادت سيارتها خلفه حتى وصلا إلى مخزن قديم تفوح منه رائحة الرطوبة والغموض في أطراف المدينة. دلفت خلفه بخطوات ترتجف، لتجد مدحت غانم جالساً ببرود في انتظارهم، وحوله رجاله مأخوذين بهيبة المكان المنعزل، لتصبح نور في مواجهة مباشرة مع الطاغية الكبير.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في مبنى النيابة، وبعد ساعات من التحقيق والاستجواب المرهق، خرجت علياء المهدي وهي تشعر بإرهاق شديد، لكنها ظلت متماسكة. التفتت إلى يارا التي كانت تقف بجوارها وقالت لها بصوت منخفض وحازم:
ـ يارا.. احنا لازم نمشي من هنا فوراً، تعالي معايا على المكتب.
وما إن وصلتا إلى مكتب علياء، حتى دلفت كلتاهما وأغلقت علياء الباب، ثم نظرت ليارا بجدية وقالت:
ـ يارا، أنا محتاجة أعرف مين من العمال كان قريب من البشمهندس شاكر، وعاوزة قائمة بأسماء السواقين اللي كانوا بيتعاملوا مع المخزن وعناوينهم بالتفصيل.. أنتِ اللي تقدري توصلي للبيانات دي بسرعة ومن غير ما حد يشك.
تنهدت يارا وأومأت برأسها، ثم أخرجت هاتفها فوراً لتبدأ اتصالاتها وتجمع المعلومات المطلوبة، بينما تابعتها علياء بتركيز، مدركة أن هذا هو الخيط الذي سيقودهما للحقيقة.
مضت نصف ساعة من التوتر والصمت الذي لم يقطعه سوى رنين هاتف يارا. نظرت إلى الشاشة، ثم التفتت إلى علياء وقالت وهي تريها الرسالة:
ـ مسؤول العمال بعت لي الكشف بكل الأسامي والعناوين على الواتساب.. بس قولي لي يا أستاذة علياء، أنتِ شكة في إيه بالظبط؟ وعاوزة الأسامي دي ليه؟
أخذت علياء منها الهاتف، وتصفحت الأسماء بتركيز شديد قبل أن تجيبها بنبرة حاسمة:
ـ أنا شاكة إن المخدرات دي دخلت المخزن عن طريق السواقين.. عشان كده، بكرة الصبح هطلب من وكيل النيابة رسمياً استدعاء كل السواقين دول والتحقيق معاهم.
صمتت علياء للحظة، ثم تابعت وعيناها تلمعان بإصرار:
ـ ده غير إني مش هستنى النيابة وبس.. أنا كمان هتدور بطريقتي ورا السواقين دول، يمكن نوصل لنتيجة أسرع.
أعادت علياء الهاتف إلى يارا، ونظرت إليها بنظرة ذات مغزى وهي تقول:
ـ ابعتيلي الأسامي دي على الموبايل بتاعي حالا.
أخذت يارا الهاتف وبدأت في عمل إعادة توجيه للرسالة فوراً، ثم رفعت رأسها وقالت بصدق وإصرار:
ـ حاضر، هبعتهم حالا.. ولو محتاجة أي مساعدة، أنا موجودة وجاهزة في أي وقت.
سُمِع صوت نغمة وصول الرسالة على هاتف علياء، فسحبته من فوق المكتب وفتحته لتتأكد من وصول الكشف كاملاً. هزت رأسها بامتنان وقالت:
ـ تسلمي يا يارا، تعبتك معايا.. روحي أنتِ دلوقتي ارتاحي، والمسألة دي سيبيهالي أنا بقيتها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
خرجت يارا من المكتب وهي تشعر بمزيج من القلق والأمل، بينما أغلقت علياء الباب وجلست وراء مكتبها، وأضاءت شاشة هاتفها مجدداً لتتأمل قائمة الأسماء بعين فاحصة. بدأت تقرأ أسامي السواقين وعناوينهم اسماً اسماً، محاولةً البحث عن أي خيط، أو اسم مألوف، أو حتى عنوان يثير الشك، لتبدأ رحلة التقصّي والبحث بطريقتها الخاصة قبل مواجهة وكيل النيابة في الصباح.
صعدت سوسن درجات السلم بخطوات متثاقلة متجهة نحو غرفة نور. لم تلمحها طوال اليوم، وهو أمر غير معتاد بالمرة، وبدأ القلق يتسلل إلى قلبها.
وقفت أمام الباب، طرقت مرتين بصوت خافت، وعندما لم يأتها أي رد، دفعت الباب ببطء. تطلعت يميناً ويساراً لتتفاجأ بالغرفة باردة وخالية تماماً من أي حركة، لكن الصدمة الحقيقية ألجمتها حين اتجهت عيناها نحو المكتب؛ لقد كان اللاب توب الخاص بنور غير موجود في مكانه!
في هذه اللحظة، انقبض قلب سوسن وتملّكها خوف شديد. أخرجت هاتفها بسرعة وطلبت رقم يارا.
في تلك الأثناء، كانت يارا في طريق عودتها بعد أن غادرت مكتب المحامية علياء المهدي، وعقلها مازال مشغولاً بكشف الأسماء. قطع تفكيرها رنين هاتفها، فنظرت للشاشة لتجدها سوسن، وأسرعت بالرد:
ـ ألو.. إيوه يا طنط سوسن؟
جاءها صوت سوسن مرتعشاً ومليئاً بالذعر:
ـ يارا.. أنتِ تعرفي نور فين؟ أنا لسه طالعة أوضتها وملمحتهاش طول النهار.. الأوضة فاضية خالص ونور مش موجودة، وحتى اللاب توب بتاعها مش في مكانه! أنا خايفة أوي يا بنتي، هي مش معاكي؟
وقعت كلمات سوسن على يارا كالصدمة، لكنها حاولت جاهدة أن تتماسك وترسم نبرة هادئة في صوتها لكي لا تزيد من رعبها، فقالت مطمئنة:
ـ اهدي بس يا طنط سوسن مفيش حاجة تخوف، تلاقيها راحت الجرنان ووراها شغل مهم عشان كده أخدت اللاب توب معاها.. أنا هكلم عمو حسن دلوقتي حالا وأسأله عليها وأشوفها هناك ولا لأ، اهدي أنتِ بس.
أغلقت يارا الخط والوجوم يكسو وجهها، وبأصابع ترتجف قليلاً بحثت عن رقم حسن وضغطت زر الاتصال. لم يمر الكثير حتى أتاها صوته:
ـ ألو.. إيوه يا يارا يا بنتي، خير؟
تنفست يارا بعمق وقالت محاولة إخفاء قلقها:
ـ عمو حسن.. بقولك هي نور عندك في الجرنان؟ طنط سوسن قلقانة عليها عشان مش لقياها في الأوضة واللاب توب بتاعها مش موجود.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ساد الصمت للحظة على الطرف الآخر، قبل أن يجيبها حسن بنبرة تحولت فجأة إلى الجدية والقلق:
ـ لا مش هنا يا يارا، أنا مشفتهاش النهاردة خالص في الجرنان ومفيش أي ميعاد شغل يخليها تغيب بالطريقة دي ومن غير ما تقولي!
بدأ القلق يتسرب إلى نبرة حسن بشكل واضح وتابع بحسم:
ـ أنا مش هقعد هنا.. أنا هقفل وأجيلكم البيت فوراً عشان أفهم إيه الحكاية بالظبط ونشوف البنت دي راحت فين.
ردت يارا بسرعة وهي تشعر ببرودة تجتاح أطرافها:
ـ تمام يا عمو حسن، أنا كمان في الطريق وراجعة حالا.. هستناك في البيت.
أسرعت يارا في خطواتها حتى وصلت إلى المنزل، ودلفت مسرعة نحو الداخل دون أن تلتفت لشيء، ثم صعدت درجات السلم راكضة نحو غرفة نور. فتحت الباب ونظرت حولها بلهفة، وبدأت تفتش في أرجاء الغرفة بعشوائية؛ فتحت أدراج المكتب، وبحثت بين أوراقها، وفحصت الخزانة علّها تجد أي دليل أو ورقة تركتها وراءها تخبرهم بمكانها، لكنها لم تعثر على شيء يفيدها.
أغلقت الأوضة بيأس ونزلت سريعاً إلى الطابق السفلي حيث كانت سوسن تجلس والدموع تحتبس في عينيها. وفي تلك اللحظة بالذات، دوت دقات قوية على الباب، فأسرعت يارا لتفتحه وتجد حسن واقفاً وعلى وجهه علامات الوجوم والقلق.
دخل حسن الغرفة بخطوات مضطربة وسأل فوراً:
ـ ها يا يارا؟ دورتي في أوضتها؟ لقيتي أي حاجة؟
هزت يارا رأسها بالنفي وقالت بنبرة يائسة:
ـ دورت في كل حتة يا عمو حسن.. مفيش أي أثر ليها ولا لأي ورقة تقول هي فين، وجربت أطلب موبايلها كذا مرة بس الموبايل مقفول تماماً!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مع سماع كلمة "مقفول"، تملك الخوف من الجميع، واشتدت حالة القلق والتوتر في الصالون. نظرت يارا إلى حسن وقالت بقلة حيلة:
ـ إحنا مش هنفضل قاعدين كده.. عمو حسن، إحنا لازم نبلغ الشرطة فوراً، غيابها وموبايلها المقفول ده مش مريحين أبداً.
قاطعها حسن ملوحاً بيده بنبرة حزينة لكنها واقعية:
ـ نبلغ الشرطة إزاي بس يا بنتي؟ القانون مبيتحركش في حالات الاختفاء دي إلا لما يمر ٢٤ ساعة كاملة على غيابها.. مفيش في إيدينا نعمل محضر دلوقتي خالص.
خيم الصمت الثقيل على المكان، وبدأت حالة من الترقب والقلق العاجز تسيطر على الأنفاس. وقف حسن وعلامات قلة الحيلة تظهر على وجهه، ثم التفت إليهما وقال وهو يتجه نحو الباب:
ـ أنا مش هقدر أعمل حاجة تانية هنا.. هتحرك أنا دلوقتي، وخليكم مكانكم هنا، لو عرفتوا أي حاجة عن نور، أو موبايلها اتفتح، بلغوني فوراً ومن غير تأخير.
خرج حسن وأغلق الباب وراءه، لتنهار سوسن تماماً فور مغادرته؛ جلست على الأريكة وانفجرت في بكاء مرير وهي تمسح دموعها بيدين ترتجفان، بينما وقفت يارا بجوارها وعقلها يكاد ينفجر من شدة الحيرة والخوف على صديقتها.
❈-❈-❈
وفي داخل الوكر، كان الظلام يلف المكان إلا من ضوء خافت يسلط الضوء على المأزق الذي وقعت فيه. رحب مدحت بنور بسخرية شديدة، والابتسامة الخبيثة لا تفارق وجهه، ثم التفت إلى أحد رجاله وأمره بحدة:
ـ افتح اللاب توب بتاعها ده وريني فيه إيه.
كانت نور تقف وعيناها تلتفتان حول المكان، وتشعر بخوف شديد يتملكها لأول مرة؛ خوف حقيقي جعل أطرافها ترتجف. فتح الرجل جهاز الحاسوب وبدأ يتصفحه سرياً، ثم ناوله لمدحت. تصفح مدحت الملفات والمقالات المجهزة للنشر بروية، وقبل أن تشتعل عيناه بالغضب، هتف بنبرة تقطر وعيداً:
ـ أنا حذرتك قبل كده ومسمعتيش الكلام.. شوفتي بقى الوقوف قدامي نتيجته إيه؟
ولم يكتفِ بذلك، بل خطف هاتفها من يدها بعنف، وأشار لرجاله قائلاً:
ـ ولعوا في الزفت ده وفي اللاب توب قدام عينيها!
اشتعلت النار في هاتفها وجهازها، والتهمت ألسنة اللهب كل ما تملك من أدلة وسط ذهولها ورعبها. حاولت نور أن تتماسك واستجمعت شجاعتها المتبقية وقالت بصوت يرتجف:
ـ أنا نفذت المطلوب.. هتخرج بابا إمتى؟
انطلقت ضحكة مدحت المدوية في أرجاء المكان، وشاركه فيها طارق بسخرية أشد، قبل أن يجيبها مدحت بنبرة باردة:
ـ أنتِ صدقتي الخدعة دي؟ ودي النتيجة.. أبوكي مش خارج من السجن، وأنتِ كمان مش هتخرجي من هنا! دلوقتي بس بدأ الحساب.
في تلك اللحظة، أشار مدحت لرجاله، فتحرك رجلان ضخمان واقتربا منها. تملك الرعب من نور، فالتفتت وركضت بكامل سرعتها تجاه الباب، لكنها نسيت أنه أُغلق بإحكام عقب دخولها. وقبل أن تصل للمقبض، انقض الرجلان عليها وأمسكا بها بقوة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بدأت تصرخ بأعلى صوتها، صرخات يملأها الندم والخوف، عسى أن يسمعها أو ينقذها أحد، لكن صدى صوتها كان يضيع بين الجدران المصمتة؛ لقد ألقت بنفسها في وكر الأفاعي بكامل إرادتها.
اقترب طارق منها بخطوات بطيئة وثابتة، محيطاً إياها بنظراته الخبيثة، وكانت في يده حقنة طبية. ثبتها الرجال تماماً، ليغرز طارق الإبرة في جسدها ويحقنها بالمخدر، ثم هتف بابتسامة تشفي وهو يتأمل عينيها اللتين بدأتا تذبلان:
ـ اللي حذرتي الناس منه في مقالاتك.. هتجربيه بنفسك دلوقتي.. وابقوا قولي لي إحساسك إيه!
بدأت نور تصرخ بهستيريا، وحاولت بكل ما أوتيت من قوة أن تفلت جسدها وتبتعد عنه، وهي تدفع برأسها وجسدها يميناً ويساراً في محاولة يائسة للنجاة، لكن قبضة الرجلين كانت كالملاقط الحديدية التي شلت حركتها تماماً وثبتت ذراعها. اقترب طارق وعيناه تلمعان بتلذذ، وغرز الإبرة في عروقها بقسوة وضغط المحقن حتى النهاية.
وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى بدأت مفعول الحقنة الأولى يسري في جسدها؛ شعرت فجأة ببرودة غريبة تجتاح أطرافها، تلاها ثقل رهيب دَبَّ في عضلاتها جعلها عاجزة عن المقاومة. بدأ صوت صراخها يخفت تدريجياً، والرؤية أمامها أصبحت مشوشة وضبابية، والمكان يدور بها كأن الأرض تميد من تحت قدميها. تملكها إحساس مرعب بالاستسلام والغثيان، وكأن وعيها ينسحب منها رغماً عنها، وجسدها الذي كان ينتفض قبل قليل ارتخى تماماً بين أيدي الحراس.
التفت مدحت إلى رجاله ونظر إليها بنظرة خالية من أي رحمة، ثم قال بصوت صارم:
ـ خدوها اقفلوا عليها في الأوضة جوه.. وممنوع تخرج من هنا تحت أي ظرف، وكل يوم في نفس الميعاد تاخد جرعة المخدر بتاعتها، مش عاوزها تفوق خالص.
ثم أخرج مفاتيح سيارتها من جيبه ورماها لأحد رجاله المقربين وتابع بأمر حاسم:
ـ خد عربيتها دي، واتصرف فيها في أي حتة بعيد عن العيون.. مش عاوز ليها أي أثر يربطها بالمكان هنا.
أومأ الرجل بطاعة، وتحرك الحراس ليرفعوا جسد نور المستسلم تماماً ويمضوا بها إلى الداخل، بينما التفت مدحت إلى ابنه طارق وأشار له بالتحرك، ليغادرا الوكر معاً وعلامات النصر والتشفي ترتسم على وجهيهما، تاركين نور خلفهما في أولى خطوات الجحيم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مرت الليلة على سوسن ويارا كأنها دهر كامل؛ ليلة غاب فيها النوم واحتلتها هواجس الخوف والقلق الشديد على نور التي اختفت فجأة دون أي أثر. ومع خيوط الصباح الأولى، كانت يارا تجلس بوجه شاحب وعينين متعبتين، فالتفتت إلى سوسن وقالت بحسم:
ـ طنط سوسن، أنا هتحرك دلوقتي حالا وأروح النيابة عشان أشوف التحقيقات وصلت لإيه مع عمي شاكر، وفي نفس الوقت هكلم الأستاذة علياء المحامية عشان تروح معايا ونعمل محضر رسمي باختفاء نور.. مش هنقعد مربعين إيدينا أكتر من كده.
نظرت إليها سوسن بعينين باكيتين وهزت رأسها بسرعة ممسكة بيد يارا وقالت بتوسل:
ـ يارا يا بنتي.. أرجوكي، بلاش تقولي لعمك شاكر أي حاجة عن اختفاء نور دلوقتي.. الراجل في وضع سيء جداً في الحبس ومش هيستحمل صدمة زي دي، ممكن يجرى له حاجة!
فكرت يارا للحظات، ووجدت أن كلام سوسن منطقي؛ فالمهندس شاكر يواجه ما يكفيه من الضغط والاتهامات. أومأت برأسها موافقة وقالت:
ـ عندك حق يا طنط، أنا مش هعرفه أي حاجة عشان صحته.. هطمن عليه من بعيد وأركز مع المحامية في المحضر.
غادرت يارا المنزل متوجهة مباشرة إلى مبنى النيابة. وعندما وصلت، كانت الأروقة تضج بالحركة، فاتجهت فوراً نحو مكتب وكيل النيابة المختص بالقضية، لتجد الحرس واقفين بصرامة وعلمت أن التحقيقات جارية في الداخل بالفعل، وجلسات الاستجواب مستمرة بكثافة.
وفي داخل غرفة التحقيق، كانت علياء تقف بثقة وثبات أمام وكيل النيابة، حيث عرضت عليه شكوكها بالتفصيل وبأدلة منطقية، وطلبت رسمياً إحضار قائمة السائقين للتحقيق معهم وجمع تحريات مكثفة عن عناوينهم وتحركاتهم. استمع إليها وكيل النيابة باهتمام، وأقتنع بوجاهة طرحها، فأصدر أمراً فورياً باستدعاء السائقين للتحقيق معهم في الجلسة المقبلة.
عند سَماعها هذا القرار، شعرت علياء بارتياح بعض الشيء، فجهودها لم تذهب سدى. لملمت أوراقها وخرجت من غرفة التحقيقات، وما إن خطت خطواتها الأولى في الممر الخارجي حتى وجدت يارا تقف بانتظارها، وكان الحزن الشديد والهم يكسوان ملامح وجهها بشكل لم تعهده فيها من قبل.
اقتربت علياء منها بهدوء وقالت بنبرة مطمئنة لتخفف عنها:
ـ يارا، أنا عندي أخبار كويسة.. قدمت الشكوك لوكيل النيابة وأصدر قراراً فورياً باستدعاء كل السواقين للتحقيق.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم تظهر على وجه يارا علامات الفرحة المتوقعة، بل نظرت إلى علياء بعينين ملأهما القلق وهتفت بصوت متقطع:
ـ أنا محتاجة مساعدتك جداً يا أستاذة علياء.. الموضوع مأزم معايا لأبعد حد.
عقدت علياء حاجبيها واستشعرت خطورة الموقف، وسألتها بجدية:
ـ في إيه يا بنتي؟ إيه الحكاية بالظبط؟ عمك شاكر جرى له حاجة؟
هزت يارا رأسها نفياً وقالت بنبرة حزينة:
ـ لأ مش عمي شاكر.. نور اختفت من إمبارح، مش موجودة في البيت، وأخدت اللاب توب بتاعها وموبايلها مقفول تماماً، وقلبنا الدنيا عليها ومش عارفين نوصل لها!
اتسعت عينا علياء بصدمة، ودرست الموقف سريعاً بعقلها القانوني؛ فهي مرتبطة بجلسة التحقيق الحالية ولا تستطيع ترك مقر النيابة فوراً، لكن الوقت لا ينتظر. أخرجت هاتفها على الفور وطلبت رقم فريدة، وما إن جاءها الرد حتى قالت بحسم:
ـ فريدة.. اسمعيني كويس، سيبي اللي في إيدك حالا وتعالي لمبنى النيابة.. يارا واقفة معايا هنا ونور اختفت من إمبارح وموبايلها مقفول، عاوزاكِ تاخدي يارا وتروحوا سوا القسم فوراً وتقدموا بلاغ رسمي باختفاء نور وتتابعي الإجراءات بنفسك.
أغلقت علياء الخط والتفتت إلى يارا وهي تطبطب على كتفها قائلة:
ـ فريدة جاية في الطريق حالا ومش ه تسيبك، روحوا قدموا البلاغ وأنا هخلص هنا وأحصلكم فوراً.. اهدي وإن شاء الله خير.
وفي مكتبه الخاص، كان مدحت يجلس وعيناه تلتمعان بشر مستطير، بينما يقف أمامه ابنه طارق وذراعه الأيمن. وضع مدحت سيجاره في المنفضة وقال بنبرة باردة كالثلج:
ـ المحامية علياء المهدي مش سهلة.. وعرفت من رجالتنا في النيابة إنها طلبت كشف السواقين، ووكيل النيابة أصدر قرار باستدعائهم كلهم للتحقيق الصبح.
تغيرت ملامح طارق وظهرت عليه علامات التوتر وقال:
ـ طب وعوض السواق؟ ده هو اللي حط شحنة المخدرات في المخزن بنفسه.. لو اتجاب في النيابة واتضغط عليه في التحقيق، هيركبنا القضية وهيجيب أسامينا في ثانية!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفت مدحت إليه ونظر له بنظرة خالية من أي رحمة، ثم قال باقتضاب وحسم:
ـ علشان كده.. عوض لازم يختفي تماماً قبل الصبح.. مش عاوز اسمعه ينطق بحرف واحد، ولا عاوزه يوصل لباب النيابة أصلاً. مفيش وقت للمخاطرة، تخلصوا منه الليلة، وتدفنوا سره معاه بعيد عن العيون.
أومأ ذراعه الأيمن بطاعة عمياء وقال:
ـ اعتبره حصل يا باشا.. الليلة مش هيكون ليه أي أثر.
وصلت فريدة إلى مبنى النيابة والأنفاس تكاد تقصر من سرعة خطواتها، وكانت تبحث بعينيها في الممر المزدحم حتى لمحت والدتها علياء تقف بجانب يارا، التي كان الهم والحزن يكسوان ملامحها بوضوح. أسرعت فريدة نحوهما وقالت بنبرة قلقة وهي توجه كلامها لوالدتها:
— أهلاً يا أمي.. أنا جيت أول ما كلمتيني.. خير، في إيه بالظبط؟
التفتت علياء إلى فريدة وقالت بنبرة حازمة وعملية:
ـ فريدة، دي يارا، بنت أخو المهندس شاكر.. يارا، دي فريدة بنتي. مفيش وقت للكلام دلوقتي يا فريدة، يارا عندها ظرف طارئ جداً؛ بنت عمها نور اختفت من إمبارح وموبايلها مقفول والوقت مش في صالحنا. أنا مرتبطة بجلسة التحقيق هنا ومقدرش أتحرك، عاوزاكِ تاخدي يارا وتطلعوا فوراً على القسم، تقدموا بلاغ رسمي باختفاء نور وتتابعي معاها الإجراءات.
نظرت فريدة إلى يارا بأسف وتفهم، ثم هزت رأسها وقبضت على يد يارا لتطمئنها قائلة:
ـ أهلاً يا يارا.. متقلقيش، يلا بينا فوراً مش هنضيع وقت، وإن شاء الله هنوصل لها.
غادرت الفتاتان مبنى النيابة وتوجهتا مباشرة إلى قسم الشرطة، حيث حررتا المحضر الرسمي وسط حالة من الوجوم وسيطرة شبح الخوف على قلب يارا.
عادت يارا في نهاية ذلك اليوم العصيب إلى المنزل، وكان الصمت والترقب الثقيل هما سيدا الموقف. مرّت الساعات بطيئة وقاتلة، وحاولت سوسن جاهدة أن تدعو لنور بالسلامة وهي لا تكف عن البكاء، بينما قضت يارا ليلتها تنظر إلى سقف غرفتها وعقلها لا يتوقف عن صياغة السيناريوهات المرعبة حول مكان بنت عمها، حتى غلبها التعب مع خيوط الصباح الأولى.
وفي صباح اليوم التالي، وتحديداً داخل أروقة النيابة العامة، كانت الأجواء مشحونة بالترقب. حضر السائقون المطلوبون للتحقيق واحداً تلو الآخر، والوجل يرتسم على وجوههم، وجلسوا في الممر بانتظار ندائهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دخل سكرتير الجلسة إلى مكتب وكيل النيابة وبيده كشف الأسماء، وبدأت جلسة الاستجواب. مرت ساعة تلو الأخرى، حتى التفت وكيل النيابة إلى السكرتير وقال وهو يراجع الأوراق:
ـ إحنا كده استجوبنا الكل.. فين السواق اللي اسمه عوض؟ أومال محضرش ليه؟
نظر السكرتير إلى الكشف وقال بعملية:
ـ يا فندم، النداء عليه اتكرر برة أكتر من مرة، والحرس أكدوا إن الكل جه وفاضل هو بس، محضرش ومفيش أي استجابة لإعلان الاستدعاء.
في تلك اللحظة، تبادلت علياء، التي كانت تحضر الجلسة، نظرة سريعة ومثيرة للريبة مع وكيل النيابة. اعتدل وكيل النيابة في مقعده وعقد حاجبيه قائلاً بنبرة حملت الكثير من الشك:
ـ عدم حضوره واختفاءه المفاجئ في التوقيت ده بالذات وراهم علامة استفهام كبيرة.. ده مش مجرد تخلف عن الحضور، ده غياب متعمد.
التفت وكيل النيابة إلى ضابط المباحث المتواجد في القاعة وأصدر أمراً حاسماً:
ـ فوراً، يتوجه بوكس شرطة لعنوان المدعو عوض للاستعلام عنه، وعاوز تحريات مكثفة عن مكان تواجده من إمبارح للنهارده.. السواق ده وراه سر ولازم ييجي هنا فوراً.
بعد مرور ساعات قليلة، عادت القوة المكلفة بالبحث عن السائق عوض. دخل ضابط المباحث إلى مكتب وكيل النيابة وعلامات الجدية تكسو وجهه، والتفت إلى وكيل النيابة وعلياء قائلاً:
ـ يا فندم، القوة راحت لعنوان السائق عوض، لكن ملقيناهوش هناك.. والمفاجأة إن زوجته أفادت بأنه مختفي تماماً ومظهرش من 4 أيام، وقدمت بالفعل بلاغ رسمي باختفائه في القسم التابع ليهم.
اعتدل وكيل النيابة في مقعده وتبادل نظرة مليئة بالشك والوجوم مع علياء، ثم قال بصوت حازم:
ـ 4 أيام؟ يعني اختفائه تزامن بالظبط مع توقيت ضبط شحنة المخدرات في مخزن المهندس شاكر! الموضوع كده مابقاش مجرد صدفة.. الشكوك حوالين السواق ده زادت بنسبة مية في المية، وهو الخيط الرئيسي اللي هيوصلنا للمجرم الحقيقي.
التفت وكيل النيابة إلى الضابط وأمر قائلاً:
ـ عمموا اسمه وأوصافه على جميع الأكمنة والمستشفيات، وتكثيف التحريات حول علاقاته وتحركاته الأخيرة.. لازم نوصل له حي أو ميت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وفي تلك الأثناء، وفي عالم آخر بعيد عن أروقة القانون.. وتحديداً داخل ذلك المخزن المهجور والمظلم الذي يفوح برائحة العفونة والرطوبة، كانت نور مستلقية على الأرض الصلبة الباردة.
كانت حالتها تدعو للرثاء؛ جسدها مرتعش من شدة الخوف والإنهاك، ويداها وقدميها مقيدتان بحبال غليظة تركت آثاراً زرقاء على جلدها، بينما كمموا فمها بقطعة قماش قذرة تمنعها حتى من الصراخ أو الاستغاثة. كانت عيناها المتورمتان من البكاء تتفحصان المكان في ذعر مع كل صوت حركة بالخارج، وعقلها يكاد ينفجر من التفكير في مصيرها ومصير والدها، وهي لا تدري كم من الوقت مرّ عليها في هذا القبر المظلم، ولا ما يخبئه لها القدر على يد رجال مدحت غانم.
صوت الخطوات الخشنة التي كانت تقترب من الباب الحديدي جعل أوصالها ترتعد، وتراجع جسدها المنهك بشكل غريزي حتى ارتطم بالحائط البارد خلفها. تضاعفت ضربات قلبها وهي ترى الباب يفتح ليشق ظلام الغرفة خيط من الضوء، دلف من خلاله رجلان ملامحهما خالية من أي رحمة، يحمل أحدهما في يده حقنة طبية سرعان ما لمعت سنّها المدببة في العتمة.
اتسعت عينا نور برعب هائل، وحاولت الصراخ بكل ما أوتيت من قوة، لكن صوتها خرج مخنوقاً ومكتوماً خلف الكمامة الغليظة. بدأت تقاوم بعنف يائس، تحرك جسدها المقيد يمنة ويسرة وتضرب الأرض بقدميها في محاولة بائسة للابتعاد عنهما، لكن أحدهما انقض عليها بقسوة، وثبّت كتفيها بيده الثقيلة ضاغطاً إياها نحو الأرض ليشل حركتها تماماً، بينما اقترب الآخر وعيناه تلمعان ببرود، وأمسك بذراعها بعنف.
شعرت بوخزة الإبرة الحادة تخترق جلدها، لتفرغ ذلك السائل اللعين في عروقها. ثوانٍ معدودة، وبدأ مفعول المخدر يسري في جسدها كالنار الباردة. خارت قواها تدريجياً، وتوقفت مقاومتها العنيفة، لتسترخي أطرافها رغماً عنها، ويهبط رأسها جانباً وعيناها تائهتان ومثبتتان على السقف بغشاوة ثقيلة.
ألقى الرجلان السرنجة الفارغة على الأرض، وتأملا جسدها الهامد بسخرية قبل أن يخرجا ويغلقا الباب الحديدي خلفهما بعنف، ليعود المكان إلى ظلمته الموحشة.
بعد خروجهم، ساد الصمت القاتل، وبقت نور في غيبوبتها الجزئية، مستسلمة لواقع مرير فرضه المخدر على وعيها. كانت تشعر بأن جسدها منفصل عنها، ثقيل كأنه قطعة من الرصاص، بينما عقلها يسبح في دوامة مظلمة من الهلاوس المتقطعة. الدموع التي جفت على وجنتيها تركت آثاراً مالحة، ونفسها بات بطيئاً وضعيفاً. لم تعد قادرة على التفكير أو الخوف، بل غابت في شبه غيبوبة، معلقة بين الواقع والكابوس، وجسدها مستسلم تماماً لتلك البرودة القاسية التي تبتلع المخزن.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ومع بداية اليوم التالي، كانت علياء تجلس في مكتب وكيل النيابة تتابع معه آخر ما وصلت إليه تحريات المباحث، والوجوم يسيطر على الأجواء. فجأة، قُطع الصمت بقرعات متسارعة على الباب، ودخل ضابط المباحث وعلى وجهه تعابير الصدمة والجدية الشديدة، وقال بصوت خفيض:
ـ يا فندم، جالنا إخطار حالا من دورية الأمن.. لقوا جثة مرمية في منطقة مقطوعة على أطراف الطريق الصحراوي، وبعد المعاينة المبدئية ومطابقة الأوصاف، اتضح إنها جثة السواق عوض. المقتول مضروب بالنار، وسره مات معاه.
وقع الخبر كالصاعقة داخل الغرفة. ساد صمت ثقيل ومحمل بالتوتر، والتفت وكيل النيابة ببطء نحو علياء، ونظر إليها بنظرة يملؤها الإحباط والأسف، ثم قال بنبرة واجمة:
ـ كده القضية اتعقدت تماماً يا أستاذة علياء.. الشاهد الحقيقي والوحيد اللي كان ممكن يبرأ المهندس شاكر ويقودنا للرأس الكبيرة، اتمسح من الوجود. إحنا كده بنرجع لنقطة الصفر، والتهمة ما زالت ملتصقة بموكلِك تماماً.
لم تنطق علياء فوراً؛ بل تملّكها ذهول مؤقت، شعرت فيه بأن الأرض تميد من تحتها، لكن سرعان ما تحول هذا الذهول إلى إصرار حاد وتفكير سريع. ربطت في ثوانٍ معدودة بين مقتل السواق واختفاء نور بنت المهندس شاكر، وتذكرت فوراً تفاصيل كلام يارا معها بالأمس.
أخذت علياء نفساً عميقاً، ونظرت بثبات إلى وكيل النيابة وقالت بنبرة حاسمة:
ـ لاء يا فندم.. إحنا مانرجعش لنقطة الصفر ولا حاجة، مقتل عوض في التوقيت ده بالذات هو أكبر دليل إننا ماشيين في الطريق الصح، وإن المجرم الحقيقي مرعوب وبيصفي الأطراف اللي ممكن توقعه. اختفاء عوض ومقتله، متزامن بالظبط مع اختفاء نور بنت المهندس شاكر.. ودي مابقتش صدفة.
اعتدل وكيل النيابة في مقعده، وظهر الاهتمام على وجهه قائلاً:
ـ وتفتكري مين اللي يقدر يعمل كل ده ويكون ليه مصلحة في تصفية السواق وخطف البنت؟
ردت علياء بذكاء وثقة:
ـ مدحت غانم يا فندم.
ضيق وكيل النيابة عينيه متسائلاً بفضول:
ـ ومدحت غانم إيه اللي يدخله في اختفاء البنت ومقتل السواق؟ عندكِ معلومات أو خيط يربطهم ببعض؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أكملت علياء موضحة بنبرة مفسّرة:
ـ يارا، بنت أخو المهندس شاكر، لما بلغتني باختفاء نور، كانت منهارة وقالت لي إنها شاكة في مدحت غانم وعيلته وإنهم ورا كل اللي بيحصل لعمها وبنته. يارا وضحت لي إن نور كانت شغالة على مقالات وتحقيقات صحفية بتخص نشاط وشغل مدحت غانم وعيلته، وإن المقالات دي واضح إنها لمست حاجات حساسة وقربت من أسرارهم، وده اللي خلاهم يتحركوا ضدها وضد والدها.
تابعت علياء بجدية:
ـ الربط ده دخل دماغي جداً بعد مقتل عوض؛ مفيش غير مدحت وابنه طارق اللي يقدروا يخططوا لحاجة بالحجم ده؛ يخطفوا البنت علشان يخرسوها ويصادروا مقالاتها، ويصفّوا السواق علشان يداروا على جريمتهم وتفضل التهمة لابسها المهندس شاكر لوحده. أنا معنديش إثبات مادي في إيدي حالياً، بس إحنا لازم نفكر في خطة وحل يوقعهم، وبمساعدتك نقدر نكشفهم لو ركزنا معاهم.
أومأ وكيل النيابة برأسه عدة مرات، وظهرت الجدية التامة على ملامحه، لكنه قال بنبرة قانونية حذرة:
ـ كلامكِ منطقي جداً يا أستاذة علياء.. بس أنا كنيابة عامة مقدرش أبني تحرك رسمي على مجرد شكوك أو إحساس. أنا محتاج أشوف دافع ملموس يربط مدحت غانم باللي بيحصل.. فين المقالات والتحقيقات دي؟
ابتسمت علياء بثقة، وأخرجت هاتفها المحمول فوراً وبدأت تبحث بسرعة قائلة:
ـ المقالات موجودة يا فندم ومنشورة رسمي.. نور منزلاها في موقع الجريدة الإلكتروني، ويارا قالت لي على العناوين بتاعتها امبارح.. اتفضل حضرتك شوف بنفسك.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
