قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (3)
لم تمنع صرخات سوسن ولا ذهول حسن المصري رجال الشرطة من التقدم خطوة أخرى نحو شاكر. أخرج الضابط دفتراً صغيراً من جيبه، وبملامح جامدة ونبرة لم تهتز أمام توسلات العائلة، نظر إلى حسن المصري الذي كان يطالبه بمعرفة التهمة قائلاً بصوت جهوري:
ـ جالنا إخبارية مؤكدة يا أستاذ حسن، وقوة مكافحة المخدرات داهمت المخزن الرئيسي التابع لشركة البشمهندس شاكر.. وتم ضبط شحنة مخدرات ضخمة متدارية وسط مواد البناء، وبناءً عليه صدر أمر النيابة بالقبض على صاحب الشركة.
وقعت الكلمة كالقنبلة في أرجاء الصالة: مخدرات!
هنا لم تتحمل يارا المنظر، واندفعت للأمام بجرأة يخالطها الرعب، وقاطعت الضابط قائلة بنبرة حادة وصوت باكٍ:
ـ مخدرات؟! إزاي يعني داهمتوا المخزن؟! وإزاي تم التفتيش ده من غير علمنا ولا علم عمي؟! هو أي حد يقولكم كلمة تصدقوها وتدخلوا تفتشوا من ورا أصحاب المكان؟! فين الإجراءات دي؟!
التفت إليها الضابط، ونظر إليها بنظرة حازمة وثابتة، ثم رد بنبرة قانونية صارمة ألجمت الجميع:
ـ يا آنسة، النيابة العامة لما بيتقدم لها تحريات سرية موثقة ومراقبة للموقع، بتصدر 'إذن تفتيش فوري' للمكان حرصاً على ضبط الجريمة متلبسة قبل ما تتهرب الشحنة. والتفتيش تم بحضور خفير الموقع المسؤول المعين من قِبل شركتكم، وتم تحريز المضبوطات وإثباتها في المحضر الرسمي.. يعني كله بالقانون. اتفضل معانا يا بشمهندس لو سمحت.
حاول حسن المصري بكل ما أوتي من قوة أن يقف حائلاً دون حدوث هذا الكابوس، فتقدم نحو الضابط مرة أخرى محاولاً الدفاع عن صديقه باستماتة:
ـ يا فندم البشمهندس شاكر مستحيل يعمل كده، الراجل ده تاريخه كله نضيف واسمه معروف في السوق.. أكيد في حد حاطط الحاجة دي في المخزن علشان يلبسه مصيبة!
قاطعه الضابط بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال، وهو ينظر مباشرة إلى صاحب الشأن:
ـ والمخدرات اللي في المخزن دي جت منين؟.. الكلام ده كله هتقولوه في التحقيق قدام وكيل النيابة. اتفضل معايا بهدوء يا بشمهندس، مفيش داعي للشوشرة.
تجمدت الدماء في عروق شاكر، لكنه استجمع كل ما تبقى من ثباته وقدرته على التماسك. التفت أولاً إلى سوسن التي كانت تنتحب بانهيار، ثم رفع عينيه نحو نور الواقفة على السلم والتي كانت ملامحها تنطق برغبة جنونية في الاندفاع خلفه والاعتراف بكل شيء. رمقها شاكر بنظرة تحذيرية حادة وقاطعة كالسيف، أوقفت قدميها مكانهما، ثم قال بصوت متحشرج لكنه حازم يملأ الصالة:
ـ سوسن.. خليكي جنب البنات. ونور.. إياكي تخرجي من البيت، سامعة؟ خديها في أوضتها يا سوسن وممنوع تخرج من الفيلا خالص!
تحرك شاكر مع الضابط ورجاله بخطوات ثقيلة هزت أركان البيت، وفي تلك اللحظة اندفعت نور وصرخت وهي تحاول الهبوط:
ـ بابا! أنا جاية معاك.. مش هسيبك!
لكن حسن المصري هرع خلف القوة فوراً وهو يرتدي جاكيت بدلته ويقاطعها بعزم:
ـ أنا جاي معاك يا شاكر، مش هسيبك.. هحصلكم على القسم فوراً ومن هناك على النيابة.
أمسكت سوسن بيد نور باكية وهي تنفذ وصية زوجها الأخيرة بذعر:
ـ اسمعي كلام أبوكي يا نور.. ضيعتيه وضيعتينا كلنا، مش هتمشي وراه!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انغلق الباب الثقيل خلف شاكر والشرطة وحسن، ليترك الفيلا غارقة في صمت موحش، لم يقطعه سوى صوت سرينات عربات الشرطة وهي تبتعد في عتمة الليل، معلنةً بداية أسوأ كابوس لعائلة البشمهندس شاكر.
تحركت سوسن بخطوات متهالكة نحو الأريكة في منتصف الصالة، وهوت بجسدها عليها وهي تخفي وجهها بين كفيها، تبكي بقهر وصدمة لم تعشها طوال حياتها.
تبعتها نور بخطوات مرتعشة، كان جسدها ينتفض بالكامل من فرط الشعور بالذنب، وعيناها مثبتتان على الأرض. اقتربت من والدتها، وجثت على ركبتيها أمامها، ثم رفعت وجهها الباكي وقالت بصوت متحشرج يملؤه الندم:
ـ أنا ضيعت بابا يا ماما.. أنا السبب في كل اللي حصل ده!
رفعت سوسن وجهها ونظرت إليها بعينين حمراوين يملؤهما العتاب والقسوة لأول مرة، وقالت بنبرة حادة ممزوجة بالبكاء:
ـ آه يا نور.. أنتِ اللي ضيعتيه! الكل حذرك من مدحت غانم وعيلته، أبوكي وحسن وكل الناس قالوا لك بلاش تقفي في وش الحيتان دول.. لكن أنتِ عاندتي وركبتي دماغك، وشايفة نفسك الصحفية الشجاعة اللي مفيش زيها! وكانت إيه النتيجة؟ أبوكي الراجل المحترم هيدخل السجن بسبب جنانك وأنانيتك!
انهمرت دموع نور كالشلال، وحاولت التحدث، لكن والدتها قاطعتها بصرامة وقسوة أشد وهي تشير بيدها:
ـ أنتِ هتسافري أمريكا يا نور.. الموضوع ده منتهي، بس نشوف الأول وضع والدك في القضية دي إيه وهيوصل لفين. ومن هنا لحد ما تسافري.. انسي إنك تخرجي من باب البيت ده، رجلِك مش هتعتب الشارع، سامعة؟!
نظرت نور إلى والدتها بحزن حارق وانكسار، وشعرت أن جدران الفيلا تضيق عليها؛ فلم تعد قادرة على تحمل نظرات الاتهام التي تلاحقها. نهضت ببطء وصعدت إلى غرفتها وهي تجر أذيال الخيبة والذنب.
في تلك الأثناء، ظلت يارا واقفة في زاوية الصالة كالمغيبة، تنظر يميناً ويساراً وعيناها معلقتان بباب الفيلا المغلق، لا تعلم أين تذهب أو ماذا تفعل في هذه الكارثة. استجمعت شجاعتها واقتربت من سوسن، وقالت بنبرة هادئة ومحاولة للتماسك:
ـ طنط سوسن.. أنا مش هقدر أقعد هنا وأنا مش عارفة إيه اللي بيحصل مع عمي. أنا هروح وراهم على النيابة فوراً علشان أعرف نتيجة التحقيق وأطمنك.. مش هتأخر.
خرجت يارا مسرعة من الفيلا والدموع لا تجف من عينيها، واستقلت سيارتها متجهة بأقصى سرعة نحو مقر النيابة العامة، والقلب يخفق برعب من المجهول الذي ينتظر عائلتها.
وفي مبنى النيابة، كان الممر الطويل يضج بحركة حذرة وصامتة في هذا الوقت المتأخر من الليل. كان حسن المصري يقف بره، يذرع الممر ذهاباً وإياباً وعلامات القلق والهمّ قد حفرت ملامحه، يفرك كفّيه تارة، وينظر إلى الباب الخشبي المغلق لغرفة التحقيق تارة أخرى، منتظراً أي بادرة أمل.
وفي داخل الغرفة، كان البشمهندس شاكر يجلس على مقعد خشبي أمام مكتب وكيل النيابة، وتحت الإضاءة البيضاء الساطعة التي تزيد من توتر الأجواء.
كان وكيل النيابة يقلب أوراق المحضر بجدية وصارمة، ثم رفع عينيه ونظر إلى شاكر بحدة، وبدأ التحقيق قائلاً بصوت جهوري وهادئ:
ـ اسمك وسنك ووظيفتك يا بشمهندس؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أجاب شاكر بصوت منهك ولكن يحاول الحفاظ على ثباته:
ـ شاكر عبد الرحمن.. 51 سنة.. مهندس استشاري وصاحب شركة للمقاولات والتوريدات.
أومأ وكيل النيابة برأسه، ثم أشار بيده إلى الأحراز المغلفة والموضوعة على جانب المكتب، وقال بنبرة قاطعة:
ـ أمامنا محضر ضبط صادر من قوة مكافحة المخدرات، يفيد بالعثور على كمية ضخمة من المواد المخدرة مخبأة بعناية داخل شحنة مواد بناء في المخزن الرئيسي التابع لشركتك.. ما قولك فيما هو منسوب إليك من حيازة والاتجار في مواد مخدرة؟
ابتلع شاكر ريقه بصعوبة، ونظر إلى وكيل النيابة بثبات يخفي خلفه قهر الرجال، وقال بعزم:
ـ الكلام ده محصلش يا فندم، وأنا ماليش أي علاقة باللي اتوجد في المخزن. أنا راجل بقالي سنين طويلة في السوق، اسمي ونزاهتي هما رصيدي.. الشحنة دي دخلت المخزن بتاعي بفعل فاعل، وفي حد قاصد يدمرني ويدمر عيلتي ويلبسني التهمة دي!
أمسك وكيل النيابة بالقلم، وكتب بضع كلمات في دفتر التحقيق، ثم نظر إليه قائلاً:
ـ المخزن ملكك وتحت إشرافك المباشر يا بشمهندس، والخفير المعين من قِبلك شهد في محضر الشرطة إن مفيش أي عربيات أو شحنات دخلت المكان بدون إذنك أو علمك.. مين بقا اللي من مصلحته يتبلى عليك بكمية زي دي؟!
في اللحظة دي، وصلت يارا إلى الممر وهي تلهث، ولمحت حسن المصري واقفاً بمفرده خارج الغرفة، لتتقدم نحوه بأنفاس متقطعة والذعر يملأ عينيها.
أطرق شاكر رأسه لثوانٍ، وبدت عليه علامات التفكير والإنهاك، ثم رفع عينيه لوكيل النيابة وأجاب بنبرة حزينة ولكنها ثابتة:
ـ لأ يا فندم.. مبشكش في حد معين، أنا ماليش عداوات مع حد في السوق طول عمري، ومقرتش بوجود أي خلافات مع أي شخص تخلي لدرجة إنه يتبلى عليا بمصيبة زي دي.
كان شاكر يعلم في قرارة نفسه أن "مدحت غانم" هو المحرك الأساسي، لكنه آثر الصمت؛ لأنه يدرك تماماً أن توجيه اتهام لاسم بوزن مدحت غانم دون دليل مادي ملموس سيُفسر على أنه محاولة بائسة منه للتنصل من التهمة، وقد يزيد الموقف تعقيداً وضغطاً على عائلته.
أومأ وكيل النيابة برأسه، وساد الصمت في الغرفة لعدة دقائق لم يكن يُسمع فيها سوى صرير قلمه وهو يسطر الكلمات الأخيرة في المحضر ببرود قاتل. ثم أغلق الدفتر، ونظر إلى العساكر الواقفين بجانب الباب وقال بنبرة حاسمة:
ـ قفل المحضر على كده.. ويُحبس المتهم شاكر عبد الرحمن أربعة أيام على ذمة التحقيق، مع مراعاة التجديد له في الميعاد القانوني، وتُطلب تحريات المباحث النهائية حول الواقعة، وتحريز المضبوطات وإرسال عينة منها إلى المعامل الكيماوية بمصلحة الطب الشرعي.
وقعت الكلمات كالجمر على قلب شاكر، لكنه لم يتكلم، بل نهض ببطء وتحرك مع العساكر الذين تقدموا لتكبيل يديه مجدداً تمهيداً لترحيله إلى الحجز.
في الممر الخارجي، تقدمت يارا نحو حسن المصري بخطوات متعثرة وأنفاس متقطعة، والذعر يملأ ملامحها. نظرت إلى الباب المغلق وقالت بصوت يرتجف:
ـ أستاذ حسن! طمني.. إيه اللي بيحصل جوه؟ عمي عملوا معاه إيه؟
التفت إليها حسن، وعلامات العجز والهمّ بادية على وجهه، تنهد بقلة حيلة وقال بنبرة خفيضة:
ـ التحقيق شغال يا يارا.. والموضوع مش سهل، النيابة بتواجهه بشحنة مخدرات لقوها في المخزن الرئيسي. ربنا يستر ويطلع منها على خير.
وقبل أن تستوعب يارا الكلمة، تحرك مقبض الباب الخشبي ليُفتح ببطء. ساد وجوم قاتل في الممر وتسمرت عيونهما نحو الغرفة، ليخرج منها البشمهندس شاكر مطأطأ الرأس، والكلابشات الحديدية تلتف حول معصميه من جديد، وخلفه عسكريان يقتادانه نحو الحجز بعد صدور قرار حبسه أربعة أيام.
اندفعت يارا للأمام وهي تصرخ بدموع حارقة:
ـ عمي!!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لكن العسكري منعها بيده قاطعاً الطريق، بينما رفع شاكر عينيه المجهدتين ونظر إليهما بنظرة مليئة بالانكسار والتوصية، وكأنه يرجوهما ألا يضعفا أمام هذا الكابوس.
تحرك حسن المصري سريعاً ووقف بجانبه، وحاول مسايرة خطى العساكر وهو يربت على كتف صديق عمره بحرقة، وقال بنبرة قوية ليطمئنه ويثبت قلبه:
ـ متخافش يا شاكر، أنا معاك ومش هسيبك.. أنا هكلم محامية كويسة جداً وشاطرة في القضايا دي، هخليها تجيلك حالا وتمسك الموضوع من أول بكرة، جمد قلبك!
تحرك شاكر مع العساكر بخطوات ثقيلة واقتادوه لنزول السلم المؤدي إلى زنزانة الترحيلات بأسفل مبنى النيابة. كان صوت وقع أقدامهم يتردد في المكان حتى اختفوا تماماً عن الأنظار.
التفتت يارا إلى حسن، وعيناها متسعتان بصدمة والدموع تجف على وجنتيها من فرط الرعب، وقالت بنبرة خائفة وضائعة:
ـ أستاذ حسن.. هنعمل إيه دلوقتي؟ عمي نزل الزنزانة خلاص.. إحنا رايحين فين؟
مسح حسن على وجهه بكفيه ليزيح آثار الإرهاق والذهول، وحاول أن يستجمع حزمه العملي وقال لها وهو يتحرك نحو الباب الخارجي:
ـ مفيش وقت للقعدة هنا يا يارا.. أنا هروح أقابل المحامية اللي قلت لشاكر عليها حالا، لازم تقرأ الورق وتعرف المحضر مكتوب فيه إيه بالظبط قبل الصبح.
لم تتردد يارا ثانية واحدة، وتحركت خلفه بسرعة وهي تعدل حقيبتها على كتفها قائلة بعزم:
ـ أنا جاية معاك.. مش هقدر أروح البيت وأنا مش فاهمة إيه اللي هيحصل لعمي بكره، لازم أعرف رأسنا من رجلينا في المصيبة دي.
نظر إليها حسن بتفهم، ولم يجادلها بل أومأ برأسه موافقاً، وتحركا معاً بخطوات سريعة متوجهين إلى سيارته ليمضيا في عتمة الليل نحو مكتب المحامية.
❈-❈-❈
وصل حسن المصري ويارا إلى مقر مكتب المحاماة الخاص بالأستاذة علياء المهدي، وهو مكتب فخم يقع في أحد الأحياء الراقية، يعكس بوضوح ثقل واسم صاحبة المكتب. دخل حسن وخلفه يارا التي كانت تفرك يديها بتوتر، وتقدما نحو مكتب الاستقبال حيث كانت تجلس السكرتيرة.
تنحنح حسن وقال بنبرة مستعجلة وحازمة:
ـ مساء الخير يا أنسة.. أنا حسن المصري رئيس تحرير جريدة المستقبل، ومحتاج أقابل الأستاذة علياء المهدي حالاً في أمر مستعجل جداً وقضية تهم رأي عام.
نظرت إليه السكرتيرة بأسف وقالت بنبرة اعتذارية:
ـ أهلاً وسهلاً بحضرتك يا أستاذ حسن.. بس للأسف الأستاذة علياء في إجازة حالياً ومش موجودة في المكتب، لكن موجود معانا هنا أساتذة محاميين تانيين أكفاء جداً وفي نفس مستوى الأستاذة علياء، ممكن حد منهم يقابل حضرتك و—
قاطعها حسن بنبرة قاطعة ورافضة تماماً، وهو يشير بيده:
ـ لأ، معلش.. أنا رافض أقابل أي حد تاني، أنا جاي للأستاذة علياء بالاسم لأن القضية مش سهلة ومحتاجة اسمها وخبرتها هي بالذات. لو سمحتِ اتصلي بيها أو شوفي طريقة أكلمها.
ارتبكت السكرتيرة قليلاً أمام إصراره، ثم نهضت قائلة:
ًـ تمام يا فندم، ثواني هدخل أبلغ الأستاذة فريدة وهي هتشوف حضرتك.
دلفت السكرتيرة إلى الغرفة الداخلية، وبعد دقيقة واحدة خرجت برفقتها "فريدة"، الشابة الذكية التي تلمع عيناها بالجدية والعملية. تقدمت فريدة نحو حسن ويارا وبادرتهم بابتسامة مهنية قائلة:
ـ أهلاً بحضرتك يا أستاذ حسن، أنا فريدة.. ومسؤولة هنا في المكتب، وأنا بنت الأستاذة علياء. والدتي فعلاً في إجازة ومبتنزلش الفترة دي، بس أنا والمكتب كله تحت أمرك.. اتفضلوا معايا في مكتبي جوه عشان نفهم التفاصيل.
نظر حسن إليها بنوع من التردد، ورغم ترحيبها إلا أنه كان ما زال مصمماً على رأيه ويبحث عن علياء نفسها لثقته الكاملة في اسمها. وببينما كان حسن يستعد للرد والتمسك بموقفه، فُتح الباب الخارجي للمكتب ودخلت شاهي.
التفتت شاهي نحو مصدر الصوت، وتجمدت نظراتها فجأة حين لمحت رئيس التحرير واقفاً في صالة الاستقبال، فتهللت أساريرها وتقدمت نحوه بخطوات سريعة قائلة بترحاب حار:
ـ أستاذ حسن! مش معقول.. أهلاً وسهلاً بحضرتك، منور المكتب كله...
التفت إليها حسن وعلامات المفاجأة بدأت تظهر على وجهه المجهد، ليرد عليها بنبرة يعرفها جيداً:
ـ أهلاً يا شاهي.. إزيك؟
ردت عليه شاهي بابتسامة دافئة تحاول بها تخفيف التوتر الظاهر على وجهه:
ـ الحمد لله يا أستاذ حسن أنا كويسة.. بس خير؟ إيه سبب وجود حضرتك هنا في وقت متأخر كده؟
تنهد حسن بأسى وقال بنبرة جادة:
ـ أنا جاي ومصمم أقابل الأستاذة علياء بالاسم يا شاهي، لأن فيه قضية مهمة جداً وصعبة خاصة بصاحب عمري البشمهندس شاكر، وهي الوحيدة اللي هتقدر تساعدنا وتطلعه منها.
لمحت شاهي نظرات الرعب والدموع في عيون يارا الواقفة بجانبه، فأدركت فوراً أن الأمر خطير ولا يحتمل الوقوف في صالة الاستقبال، فالتفتت إليهما وقالت بهدوء واستيعاب:
ـ طب اتفضلوا معايا جوه في مكتبي عشان نفهم الأول إيه الحكاية بالظبط ونشوف هنعمل إيه.
تحرك حسن ويارا معها، وقبل أن تغلق شاهي باب مكتبها، التفتت وأشارت لفريدة بطرف عينها لتلحق بهما، وقالت للسكرتيرة بصوت خفيضة:
ـ هاتي لنا قهوة يا بنتي على المكتب جوه بسرعة.
دخل الجميع وجلسوا على المقاعد الجلدية، وساد صمت ثقيل لم تقطعه سوى شاهي التي استندت بيديها على مكتبها ونظرت لحسن قائلة باهتمام:
ـ قولي بقى يا أستاذ حسن.. إيه تفاصيل الموضوع؟ وإيه القضية دي بالظبط؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أخذ حسن نفساً عميقاً وبدأ يسرد لها الكابوس الذي عاشوه منذ ساعات؛ من أول مداهمة الشرطة للمخزن الرئيسي لشركة المقاولات، وحتى صدور قرار النيابة بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق بتهمة حيازة شحنة مخدرات ضخمة ومحاولة الاتجار بها.
ومع آخر كلمات نطق بها حسن، تبدلت ملامح شاهي تماماً، ونظرت لفريدة بصدمة وذهول، ثم قالت بنبرة وجلت:
ـ شاكر عبد الرحمن؟! البشمهندس شاكر صاحب شركة المقاولات؟
أومأ حسن برأسه بقلة حيلة، فالتفتت شاهي لفريدة وقالت بحسم وسرعة وهي تسحب هاتفها المحمول:
ـ فريدة.. أنا لازم أكلم علياء حالاً وأبلغها باللي حصل.. الاسم ده مش غريب عليا خالص، أنا سمعت اسم البشمهندس شاكر عبد الرحمن ده أكتر من مرة من آسر، وكان لسه مكلمني عنه قريب بسبب مشروع كبير كان بيجمعهم سوا!
طلبت شاهي رقم علياء على الفور، وانتظرت لثوانٍ حتى أتاها صوت علياء المنهك والغاضب من خلف شاشة الهاتف:
ـ خير يا شاهي؟ إيه اللي يخليكي تكلميني في وقت زي ده وأنا قايلالك إني في إجازة ومحدش يزعجني؟
ردت شاهي بنبرة جادة وسريعة لم تترك لعلياء فرصة للاعتراض:
ـ علياء، اسمعيني كويس ومتقاطعينش.. أنا عارفة إنك في إجازة، بس الموضوع ميتأجلش للصبح. لازم تيجي المكتب حالاً، فيه قضية مهمة جداً قلبة الدنيا، والموضوع يخص البشمهندس شاكر عبد الرحمن.. القضية خطيرة ولازم تبقي موجودة بنفسك.
رغم الغيظ الشديد الذي تملك علياء من إصرار شاهي وتجرؤها على قطع إجازتها، إلا أن نبرة شاهي جعلت الشك والقلق يتسللان إلى قلبها. زفرت بضيق وقالت بنبرة حادة:
ـ مسافة السكة يا شاهي.. لما أجيلك هشوف حكاية المصيبة دي إيه.
بعد وقت قصير، وصلت علياء المهدي إلى مقر المكتب بخطوات عاصفة، وعلامات الضيق واضحة على وجهها. دلفت من الباب الخارجي وعيناها مسلطتان نحو مكتب شاهي مباشرة؛ وطبعاً لأنها لم تلمح أحداً غريباً في الممر، ظنت أن الموكل صاحب القضية يجلس في غرفة الاستقبال الخارجية ينتظرها.
فتحت باب مكتب شاهي بقوة، ودخلت وهي تنظر إليها بنظرة نارية وقالت بنبرة وعيد ممتزجة بالغيظ:
ـ أنا جيت أهو يا شاهي.. بس وحياة غلاوتك عندي، لأخصم من إجازتك زي ما بتعملي معايا كل مرة!
انطلقت ضحكة خفيفة من شاهي حاولت بها تلطيف الأجواء، بينما كانت علياء تلتفت لتغلق الباب خلفها، لتتأجج المفاجأة في عينيها حين وقعت نظراتها على الكراسي الجلدية بالداخل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انتبهت علياء فجأة لوجود حسن المصري، ومعه يارا التي تبكي بصمت وعيناها حمراوان من الحزن والذعر. تبدلت ملامح علياء فوراً من العصبية إلى الجدية والترحيب المهني، وتقدمت نحو حسن بخطوات واسعة وقالت بنبرة دافئة:
ـ أستاذ حسن! أهلاً بحضرتك.. أنا آسفة جداً ملمحتش حضرتك وأنا داخلة. منور المكتب.. خير يا فندم؟
صافحها حسن المصري بنبرة مجهدة وممتنة لوجودها، بينما جلست علياء على المقعد المقابل له تماماً، وربعت يديها فوق المكتب وهي تنظر إليه باهتمام شديد وقالت:
ـ شاهي جابتني على ملا وشي وقالت لي إن الموضوع مهم ومستعجل.. احكي لي يا أستاذ حسن، إيه الحكاية بالظبط؟ عاوزه أعرف كل التفاصيل.
أخذ حسن المصري نفساً عميقاً، وبدأ يقص على علياء تفاصيل الكابوس الذي عاشوه منذ ساعات؛ من أول مداهمة قوة الشرطة للمخزن الرئيسي التابع لشركة المقاولات، والعثور على شحنة المخدرات الضخمة، وصولاً إلى قرار النيابة الصادم بحبس البشمهندس شاكر أربعة أيام على ذمة التحقيق. كانت علياء تستمع بتركيز شديد، وتدون بعض الملاحظات السريعة في دفترها، وعلامات الجدية والاهتمام تكسو ملامحها.
التفتت علياء بعد ذلك نحو الشابة الجالسة بجوار حسن، والتي لم تتوقف دموعها، وقالت لها بنبرة هادئة ومطمئنة لتمتص رعبها:
ـ أنا علياء المهدي.. وأنتِ يارا، مظبوط؟
أومأت يارا برأسها وهي تمسح دموعها بطرف وشاحها، فتابعت علياء بمهنية:
ـ بصي يا يارا.. أنا عارفة إن الموقف صدمة ومخيف، بس لازم تجمدي عشان نعرف نساعد البشمهندس شاكر. محتاجة أسألك على شوية معلومات محددة.. هل عمك كان فيه بينه وبين أي حد خلافات الفترة الأخيرة؟ حد هدده؟ أو فيه موظف جديد دخل المخازن قريب؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حاولت يارا استجماع شتات نفسها وقالت بصوت متحشرج:
ـ لأ يا فندم.. عمي طول عمره في حاله، ملوش عداوات مع حد، والكل بيحبه ويحلف بأمانته. المخازن دي مبيستلمش فيها حاجة غير ناس ثقة وشغالين معاه من سنين.. أنا مش قادرة أصدق اللي بيحصل ده!
ربتت علياء على يدها برفق وقالت بحسم وهي تنهض من مقعدها:
ـ تمام.. اسمعوني كويس. أنا هتحرك بكره الصبح على النيابة بنفسي عشان أطلع على المحضر وأشوف التحقيقات وصلت لإيه، وأعرف الثغرات اللي هنلعب عليها في جلسة التجديد. بس قبل أي حاجة، أنا محتاجة منكم توكيل رسمي لقضايا يتعملي الصبح بدري، عشان أقدر أحضر بيه التحقيقات مع الموكل وأثبت حضوري كالدفاع بتاعه.
تنفس حسن الصعداء وشعر بنوع من الأمان لوجودها، وقال سريعاً:
ـ التوكيل هيكون عندك الصبح يا أستاذة علياء، يارا هتروح الشهر العقاري أول ما يفتح وتعمله وتجيبهولك فوراً على النيابة.
نهض حسن المصري وتقدم نحو علياء وعلامات الامتنان والراحة بدأت تظهر على وجهه المجهد، وصافحها بحرارة قائلاً:
ـ أنا مش عارف أشكرك إزاي يا أستاذة علياء.. بجد شيلتي من على كتفنا همّ كبير بموافقتك على القضية دي في وقت زي ده. تعبناكي معانا.
ردت علياء بابتسامة مهنية جادة:
ـ العفو يا أستاذ حسن، ده واجبي.. جمدوا قلبكم وبإذن الله خير. مستنية التوكيل الصبح.
تحرك حسن ويارا وغادرا المكتب، واستقلا سيارته في طريق العودة. ساد الصمت طوال الطريق حتى صَفّ حسن السيارة أمام منزل البشمهندس شاكر. التفت إليها وقال بنبرة أبوية حانية:
ـ يالا يا بنتي وصلنا.. اطلعي ارتاحي، وأنا هتحرك دلوقتي وأقابلك بكره الصبح في النيابة أول ما تخلصي التوكيل. خليكي قوية عشان خاطر نور.
أومأت يارا برأسها بضعف وقالت:
ـ شكراً لحضرتك يا أستاذ حسن.. تعبناك معانا جداً طول اليوم . تصبح على خير.
نزلت يارا ودخلت البناية، وما إن فتحت باب الشقة ودلفت إلى الداخل، حتى استقبلتها الأجواء الكئيبة والساكنة. كانت سوسن تجلس في الصالة، وعيناها متفختان من البكاء والوجوم يسيطر عليها بالكامل. بمجرد أن رأت يارا، تقدمت نحوها وحضنتها بحزن وأسى، وربتت على ظهرها بنبرة منكسرة وهي تشير لها برأسها أن تدخل لترتاح وتطمئن على نور.
أومأت يارا بضعف وتحركت بخطوات ثقيلة نحو غرفتهما، وما إن فتحت الباب حتى وجدت نور تجلس على الفراش، تلم السواد حول عينيها والدموع تنهمر على وجنتيها بحزن حارق على والدها.
تقدمت يارا نحوها بسرعة وجلست بجانبها، وضمتها إلى صدرها وهي تحاول حبس دموعها لتبدو متماسكة، وبدأت تهديها بنبرة خافتة:
ـ يا نور.. عشان خاطري اهدي يا حبيبتي، البكاء مش هيعمل حاجة دلوقتي. أنا كنت مع أستاذ حسن ورحنا لمكتب محامية كبيرة جداً اسمها علياء المهدي، وهي طمنتنا وقالت إنها هتنزل النيابة بنفسها بكره الصبح تقلب الدنيا وتشوف المحضر فيه إيه.
واستمرت يارا تسرد لها تفاصيل اليوم الطويل والمقابلة بدقة حتى بدأت نور تهدأ قليلاً من فرط الإرهاق. تحركت يارا بعدها نحو سريرها واستلقت بجسدها المنهك لتنال قسطاً من الراحة بعد أن حكت لها كل شيء.
ومرت تلك الليلة الطويلة والثقيلة على الكل؛ ليلة سادها الخوف والترقب، وباتت كل العيون معلقة بطلوع فجر جديد يحمل معه أولى خطوات المعركة في النيابة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وفي اليوم التالي، ومع دقات الساعة الأولى من الصباح، وصلت علياء إلى مقر النيابة بخطوات ثابتة ومهنية. توجهت مباشرة إلى مكتب وكيل النيابة المسؤول عن القضية، ودلفت إليه بعد الاستئذان لتبدأ أولى خطواتها الرسمية.
أثبتت علياء حضورها شفهياً في البداية، وتحدثت مع وكيل النيابة بنبرتها القانونية المعهودة قائلة:
ـ صباح الخير يا فندم.. أنا جيت عشان أثبت حضوري كالدفاع مع المتهم البشمهندس شاكر عبد الرحمن، والتوكيل الرسمي جاري استخراجه حالياً في الشهر العقاري وهيصلني هنا خلال دقائق، وهقدمه لسيادتك فوراً لإرفاقه بالملف.
أومأ وكيل النيابة برأسه متفهماً، وانتظرت علياء في الرواق الخارجي تتابع الموقف بتركيز.
وبعد مرور ساعة كاملة من الانتظار، ظهرت يارا وهي تكاد تلهث، وعلامات الإرهاق وقلة النوم بادية على وجهها، وفي يدها أوراق التوكيل الرسمي الذي انتهت منه للتو. تقدمت نحو علياء بسرعة ومدت يدها بالورقة قائلة بأنفاس متقطعة:
ـ التوكيل أهو يا أستاذة علياء.. عملته أول ما الشهر العقاري فتح وجيت على هنا فوراً.
أخذت علياء التوكيل وعيناها تتفحصان الأختام بسرعة، ثم ربتت على كتف يارا بجدية قائلة:
ـ تمام يا يارا، جمدي قلبك.. خليكي واقفة هنا بره، وأنا هدخل لوكيل النيابة.
أخذت علياء الأوراق ودخلت مرة أخرى إلى مكتب وكيل النيابة، وقدمت التوكيل رسمياً ليتم إثباته في المحضر، ثم نظرت إلى وكيل النيابة وطلبت بلهجة قانونية حازمة:
ـ بناءً على التوكيل المرفق يا فندم، أنا بطلب من سيادتك تصرح لي بالاطلاع على ملف التحقيقات بالكامل وقراءة المحضر، وكمان بطلب تمكيني من رؤية موكلي البشمهندس شاكر والجلوس معاه على انفراد قبل ما تبدأوا التحقيق معاه مجدداً.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
