قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (2)
مرت أربعة أيام ثقيلة، بدت فيها الأجواء داخل أروقة الجريدة هادئة على غير العادة. التزمت نور الصمت التام، ولم يظهر اسمها على أي عمود صحفي، وهو ما جعل مدحت يتنفس الصعداء خلف مكتبه الفخم، ظاناً أن تهديده المبطن قد أتى بثماره سريعاً وأن "القطة الشرسة" قد تراجعت أخيراً خوفاً على مكان عملها. كان تقرير رجله الذي يراقبها يأتيه كل مساء ليؤكد نفس النتيجة:
نور من البيت للجريدة ومن الجريدة للبيت، ولا تحركات مريبة.
لكن تحت هذا الرماد الهادئ، كانت هناك جمرة تشتعل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في صباح اليوم الخامس، بينما كانت نور تجلس في مكتبها تقلب في هاتفها بملل، وصلت لها رسالة من رقم مجهول على أحد تطبيقات المراسلة المشفرة. فتحتها لتتسع عيناها بذهول؛ كانت عبارة عن مجموعة من الصور الملتقطة بدقة وفي توقيتات ليلية مختلفة، تظهر مكاناً مهجوراً بأطراف المدينة، يتوافد عليه سيارات فارهة وأشخاص تبدو عليهم علامات الإدمان الواضحة، يستلمون "البضاعة" من رجال يرتدون ملابس سوداء.
أرفقت الصور بعبارة قصيرة:
لو عايزة الخيط الكبير اللي بيوصل لـ (م. غ).. المكان ده العنوان
لم تفكر نور مرتين، تلاشت كل تحذيرات حسن المصري وخوف والدها من رأسها، وقررت أن تذهب بنفسها الليلة لتعاين المكان وتتأكد قبل أن تخطو أي خطوة رسمية بالاسم المستعار.
نزلت إلى صالة البيت في المساء، وكانت والدتها تجلس بقلق، فنظرت إليها نور بابتسامة مصطنعة حاولت بها إخفاء توترها وقالت:
ـ ماما، أنا خارجة كمان شوية.. هقابل صاحبتي بقالي كتير ماشوفتهاش، ومحتاجة أغير جو شوية.
تنفست سوسن براحة، فلو علمت بنوايا ابنتها الحقيقية لمنعتها بالقوة، وهزت رأسها بالموافقة قائلة:
ُـ ماشي يا بنتي، روحي غيري جو، إنتِ حبستي نفسك الكام يوم اللي فاتوا دول .. بس ما تتأخريش، وأبوكي لما يرجع هخليه يكلمك يطمن.
قبلت نور وجنة والدتها وتحركت بسرعة نحو الباب، غير مدركة أن هناك عيوناً ترصد خطوتها الأولى خارج عتبة المنزل.
بمجرد أن خطت نور خارج باب البناية، تحركت سيارة ربع نقل قديمة كانت تقف على الجانب الآخر من الطريق ببطء. كان الرجل المكلف بمراقبتها يمسك بعجلة القيادة وعيناه مثبتتان على سيارتها. قادت نور سيارتها متجهة نحو أطراف المدينة، والسيارة خلفها تحافظ على مسافة آمنة تضمن عدم لفت انتباهها.
بعد قرابة الساعة، وصلت نور إلى المنطقة المعزولة. كانت الأجواء مظلمة ومخيفة، والمبنى المهجور يظهر من بعيد كأنه شبح. أوقفت سيارتها في مكان مظلم خلف بعض الأشجار العالية، وأخرجت كاميرتها الرقمية الاحترافية المزودة بعدسة تقريب ليلية.
بدأت نور بضبط إعدادات الكاميرا بحذر، والتقطت عدة صور لسيارات فارهة تقف ويترجل منها شباب في مقتبل العمر لتبادل رزم الأموال بأكياس صغيرة مع رجال أشداء. كانت يداها ترتجفان من الأدرينالين والخوف، لكن شغفها الصحفي كان يقودها.
في هذه الأثناء، كان رجل مدحت يقف بسيارته على مسافة أبعد، أخرج هاتفه واتصل بمدحت مباشرة. جاء صوت مدحت غاضباً ومستنكراً:
ـ عايز إيه في الوقت ده؟ مش قايلك ما تكلّمنيش إلا للشديد القوي؟
رد الرجل بنبرة منخفضة وسريعة:
ـ يا باشا الشديد القوي حصل.. الصحفية نور برة بيتها دلوقتي، ووصلت لمعقل الوكر القديم على أطراف المدينة، وواقفة بتصور بوضوح.
❈-❈-❈
انتفض مدحت من مكانه خلف مكتبه، واشتعلت عيناه بالغضب وعروق جبهته برزت وهو يصرخ بصوت خفيض حارق:
ـ بتقول إيه؟! وصلت هناك إزاي دي؟ اسمعني.. البنت دي لو مشيت بالصور دي إحنا كلنا هنروح في داهية. اخلص منها الليلة دي يا سليم.. مش عايزها ترجع بيتها!
في لحظة المكالمة نفسها، تملك الفضول والتهور من نور؛ فتحت باب سيارتها ونزلت خطوات قليلة، كانت تريد الاقتراب أكثر لتعرف كيف تتم عملية البيع وتسمع الحوار الجاري. لكن فجأة، سرت برودة شديدة في جسدها، وصوت أنفاس الرجال وحركتهم المريبة بثّا الرعب في قلبها. تراجعت فوراً بخوف حقيقي أدركت معه أنها ألقت بنفسها في وادٍ من الذئاب.
عادت بسرعة إلى سيارتها، وأغلقت الأبواب من الداخل، وأدارت المحرك وانطلقت بسرعة جنونية عائدة نحو الطريق السريع.
بينما كانت تقود بسرعة وتحاول التقاط أنفاسها، نظرت في المرآة الخلفية. انقبض قلبها عندما لاحظت أن هناك سيارة تتبعها بنفس السرعة، وبدأت تقترب منها بشكل مريب ومخيف، محاولةً محاصرتها وتطاردها في عتمة الطريق الموحش.
ضغطت نور بقدمها بكل قوتها على دواسة الوقود، وارتفع صوت محرك سيارتها في عتمة الطريق الخالي. كانت السيارة الخلفية تقترب منها بجنون، وتكاد تصدمها من الخلف لتدفعها خارج الطريق، لكن نور، برغم الرعب الذي شلّ أطرافها، تمسكت بعجلة القيادة بكل قوتها، وانحرفت يميناً ويساراً ببراعة تحبس الأنفاس حتى دخلت فجأة وسط طريق فرعي به بعض الحركة والإنارة. هذه المناورة السريعة جعلت سيارة سليم تتراجع مجبرة حتى لا تلفت الانتباه، لتنجح نور بصعوبة بالغة في الابتعاد والهروب من الموت المحقق، متجهة بكل سرعتها نحو وسط المدينة وقلبها ينبض كطبول الحرب.
في هذه الأثناء، وتحديداً في تمام الساعة العاشرة والنصف مساءً، انفتح باب منزل شاكر. دخل شاكر وبصحبته يارا، بعد الفراغ من عشاء عمل طويل يخص مشروعهما الهندسي الجديد.
ـ خلع شاكر سترة حلّته وعلامات الإرهاق بادية عليه، ثم التفت نحو زوجته التي استقبلتهما باهتمام، وسألها بنبرة تفتقد وجود ابنته:
ـ نور فين يا سوسن؟ نامت؟
ردت سوسن بهدوء:
ـ لا لسه مانامتش.. نور خرجت من كام ساعة تقابل صاحبتها، قالت بقالها كتير ماشافتهاش ومحتاجة تغير جو بعد ضغط الأيام اللي فاتت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفتت يارا إلى عمها شاكر وقالت محاولةً تلطيف الأجواء:
ـ معاها حق يا عمو، نور كانت تحت ضغط عصبي شديد الفترة اللي فاتت، والخروج ده هيفيدها أكيد.
عقد شاكر حاجبيه تلقائياً، ورفع يده ليتطلع إلى ساعة معصمه؛ كانت العقارب تشير إلى الحادية عشرة مساءً. انقبض قلبه فجأة وسرى فيه قلق مبهم، فنور ليست من عاداتها التأخر خارج المنزل في مثل هذا الوقت، خاصة في ظل التهديدات الأخيرة.
أخرج شاكر هاتفه بسرعة وطلب رقمها، وأخذ يستمع لنبرات الاتصال وهو يتحرك في الصالة بتوتر، لكن دون جدوى.. لم يأتِ أي رد.
ضاعف هذا التجاهل من قلق شاكر وتوجسه، وشعر بوخزة في صدره، ولكنه نظر إلى سوسن ووجدها مطمئنة، فأشار بعينيه إلى يارا ألا تظهر القلق أمام زوجته كي لا يثير الذعر في البيت دون داعٍ. أخذ نفساً عميقاً وقال بلهجة حاول جاهداً أن تبدو طبيعية ومبتسمة:
طيب يا سوسن.. لعلها في الطريق والشبكة وحشة. أنا هدخل أغير هدومي وأرتاح شوية من تعب المشوار ده.
بينما في داخله، كان قد اتخذ قراره الفعلي: سينتظر حتى الساعة الثانية عشرة بالضبط، وإذا لم تعد، سينسحب بهدوء دون أن تشعر سوسن، ويتحرك للبحث عنها.
ترجلت نور من سيارتها بسرعة، وتوجهت إلى باب المنزل بخطوات متسارعة، دون أن تلتفت خلفها ولو لمرة واحدة خشية أن تجد من يلاحقها. دخلت إلى المنزل، لتجد والدتها ويارا جالستين بانتظارها، وفور أن وقعت أعين سوسن عليها، تجمدت ابتسامتها؛ فقد كانت ملامح ابنتها شاحبة، وشعرها مبعثر، وعيناها تلمعان برهبة لم تألفها من قبل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نهضت سوسن مسرعة وتقربت منها بقلق:
ـ نور؟ مالك يا بنتي؟ شكلك عامل كدة ليه؟ فيكي حاجة؟
حاولت نور تماسك نفسها، وابتلعت غصتها وقالت بصوت متقطع:
ـ لا يا ماما، مفيش حاجة خالص.. أنا بس تعبانة شوية، وهدخل أوضتي عشان عايزة أنام وأرتاح.
صعدت نور إلى غرفتها بسرعة قبل أن تزيد والدتها في الأسئلة. وفي الصالة، ظلت يارا تراقب صعودها، وقد شعرت بقلبها يخبره أن هناك حدثاً جللاً قد وقع، وأن حال نور ليس مجرد تعب عادي، لكنها قررت أن تلتزم الصمت حتى يحل الصباح وتتمكن من التحدث معها في هدوء.
بعد دقائق، اتجهت سوسن إلى غرفتها حيث كان شاكر يتهيأ للتحرك والبحث عن ابنته، فابتسمت له بطمأنينة قائلة:
ـ خلاص يا شاكر، اطمن، نور رجعت البيت ودخلت أوضتها تنام.
تنفس شاكر الصعداء، وألقى نظرة أخيرة على الساعة التي اقتربت من الثانية عشرة، ثم أومأ برأسه محاولاً إخفاء قلقه الداخلي الذي لم يهدأ بعد.
في غرفتها، كانت نور تلتقط أنفاسها بصعوبة وكأنها مازالت تركض في ذلك الطريق المظلم. بدلت ملابسها على عجل، وبأصابع ترتجف من فرط الأدرينالين والخوف، أمسكت بهاتفها واتصلت برئيس التحرير حسن المصري.
لم تنتظر حتى يبادرها بالحديث، بل قالت بنبرة حاسمة وصوت منخفض:
ـ استاذ حسن، اسمعني كويس.. أنا جهزت خيط جديد وخطير جداً، وهعمل تحقيق هقلب بيه الدنيا.. هبعتهولك حالا على إيميلك الشخصي، وهينزل طبعاً بالاسم المستعار زي ما اتفقنا.. سلام دلوقتي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أغلقت الخط بسرعة قبل أن يستجوبها، ثم فتحت حاسوبها المحمول ونقلت الصور التي التقطتها كاميرتها. بدأت تتصفحها واحدة تلو الأخرى؛ صور السيارات الفارهة، والشباب الذين يبيعون عقولهم وحياتهم مقابل تلك السموم، ورجال مدحت الشرسين. في تلك اللحظة، تلاشت رغبتها في البكاء وحل محلها غضب عارم، واشتعل في صدرها كره عميق لكل من يتاجر في هذه الأشياء الضارة ويدمر مستقبل جيل كامل من أجل حفنة من المال القذر.
وضعت أصابعها على لوحة المفاتيح، وتدفقت الكلمات من رأسها كالشلال، واختارت للتحقيق عنواناً يقطر جرأة:
أوكار الموت.. حينما تصبح عقول الشباب سلعة في سوق الكبار
ظلت تكتب لساعات متواصلة، تصف المشهد بدقة صحفية وعين رأت الموت وعاينت الجريمة بنفسها. وفور أن أنهت صياغة التحقيق، أرفقته بالصور الصادمة وأرسلته إلى البريد الإلكتروني الشخصي لحسن المصري لضمان السرية التامة.
أغلقت شاشة حاسوبها، ثم تراجعت بظهرها إلى الخلف وأسندت رأسها على المقعد. ساد هدوء ثقيل في غرفتها، وهو الهدوء الذي سمح لتفاصيل المطاردة المجنونة أن تعود إلى مخيلتها؛ صوت عجلات السيارة الخلفية، كشافاتها التي كادت تعمي بصرها، ومحاولة دفعها خارج الطريق.
ضمت جسدها بذراعيها وشعرت بقشعريرة باردة تسري في أوصالها، فقد أدركت الليلة يقيناً أن اللعب أصبح على المكشوف، وأنها لم تعد تواجه مجرد فاسد عادي، بل حيتان لا تتردد في القتل.. وأن القادم في حياتها لن يكون سهلاً على الإطلاق.
لم تمر سوى نصف ساعة، بينما كانت نور غارقة في أفكارها، حتى اهتز هاتفها معلناً اتصالاً من حسن المصري. رفعت السماعة ليأتيها صوته متهدجاً وعميقاً، يمتزج فيه الانباه بالقلق الشديد، وقال بنبرة جادة:
ـ نور.. التحقيق ده قنبـ.لة، والصور المرادي دليل قاطع مافيهوش شك. بس لازم تعرفي إن المقال ده مش هيمر بسهولة أبداً، واللي جاي بعد نشره هيكون أخطر بكتير عليكي وعلى الكل.. خدي بالك من نفسك كويس يا بنتي. أنا فخور بجرأتك وشغلك، والتحقيق هينزل في الطبعة الجديدة بكرا الصبح.
أغلقت نور الهاتف بعد أن أثنى على قلمها وشجاعتها، وشعرت بجزء من حملها الثقيل يزول. كانت عقارب الساعة قد تجاوزت الثالثة فجراً، وجسدها بدأ يطالبها بضريبة الرعب والإرهاق الذي عاشته؛ فتسمرت خطوتها نحو الفراش، وارتمت عليه بكامل ملابسها، مستسلمة لنوم عميق كانت بحاجة شديدة إليه لتفصل عقلها عن الواقع ولو لبضع ساعات.
وعلى الجانب الآخر من المدينة، وفي نفس ذلك التوقيت المتأخر من الليل، كان الغليان يملأ مكتب طارق الفخم.
وقف سليم منكس الرأس، وعلامات الوجوم تكسو وجهه، وهو يبلغه بنبرة خائفة أن نور نجحت في الهروب ببراعة وسط الطرق الفرعية، ولم يتمكن من محاصرتها أو التخلص منها.
اشتعلت عينا مدحت بشياطين الغضب، وضغط بقبضته على مكتبه حتى كاد يخلعه من مكانه، وهتف بصوت حارق يملؤه الوعيد والتهديد:
ـ هربت يعني إيه؟! بقى حتة بت صحفية تلاعبكم وتفلت منكم؟ اسمعوني كويس.. بكرا الصبح البنت دي تجيلي هنا، تجيبوها من تحت الأرض.. لو فشلتوا في كدة، هتبقى نهايتكم كلكم على إيدي، ومش هرحم فيكم ولا واحد!
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي، كان شاكر يجلس في الصالة وعلامات عدم الارتياح ترتسم على وجهه. التفت نحو زوجته وسألها بنبرة جادة عن الجريدة اليومية، فأسرعت سوسن وأعطته إياها.
أمسك شاكر بالجريدة، وبحركة سريعة وموجهة، فتح صفحة التحقيقات مباشرة وكأن قلبه كان دليله. في بداية الصفحة، تربع العنوان المثير الذي صاغته نور بجرأة. بدأ يقرأ الأسطر والكلمات بضيق شديد تصاعد مع كل جملة، ومع تأمله في تفاصيل الصور المرفقة، انقبضت أساريره وتأكد يقيناً أن ابنتة نور هي صاحبة هذا المقال والاسم المستعار المكتوب أدناه.
نظرت إليه سوسن بقلق بالغ بعد أن لاحظت تبدل ملامحه، وسألته بنبرة متوجسة:
ـ في إيه يا شاكر؟ مالك؟ إيه اللي مكتوب في الجرنان ضايقك كدة؟
لم يجبها شاكر، بل ترك الجريدة على الطاولة بنفضة عصبية، ونهض واجماً دون أن ينطق بكلمة واحدة، ثم صعد إلى الطابق العلوي متوجهاً مباشرة نحو غرفة نور.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فتح الباب بهدوء، فوجدها مستسلمة في نوم عميق، وأثار الإرهاق ما زالت واضحة على وجهها. في هذه الأثناء، كانت يارا تقترب من الغرفة بدافع الفضول والقلق الذي تملكها منذ ليلة أمس، فتفاجأت بباب الغرفة مفتوحاً وبوجود عمها شاكر واقفاً بالداخل وعيناه تتفحصان المكان بغضب مكتوم.
سألته يارا بصوت منخفض ومندهش:
ـ في إيه يا عمو؟ حصل حاجة؟
لم يعطها إجابة شافية، بل تقدم نحو مكتب نور بخطوات حاسمة، والتقط الحاسوب المحمول اللابتوب الخاص بابنته، ثم التفت وغادر الغرفة متجهاً به إلى الأسفل وعلامات الإصرار تبدو على وجهه لمعرفة كل ما تخفيه ابنته.
نزلت يارا خلف عمها بخطوات متسارعة تملؤها الحيرة، تريد أن تفهم ماذا يحدث وما الذي دفع عمها للتصرف بهذه الطريقة الصارمة. وفور وصولهما إلى الطابق السفلي، وجدا سوسن واقفة وعلامات الرعب تكسو وجهها، وهي تمسك بالجريدة وتتأمل العنوان، وكان كل ما تخشاه أن يكون إحساسها وخوفها على ابنتها في محله.
وضع شاكر الحاسوب المحمول على الطاولة بعصبية وحاول فتحه، لكن الشاشة طالبت بكلمة المرور فوراً. تنهد بضيق فهو لا يعلمها، فالتفت فجأة نحو يارا، ونظر في عينيها مباشرة وطلب منها بنبرة آمرة أن تفتحه، لعلمه التام بالروابط القوية بينهما وأنها بالتأكيد تعرف كلمة المرور الخاصة بنور.
ترددت يارا وتراجعت خطوة للخلف حاولت الاعتراض قائلة:
ـ بس يا عمو.. دي خصوصية نور وأنا مش ينفع...
قاطعها شاكر بهتاف حاد وصوت هز أركان الصالة، ممتزجاً بنبرة رجاء غريبة:
ـ افتحي يا يارا.. حياة نور في خطر!
كانت هذه هي المرة الأولى في حياتها التي تسمع فيها يارا صوت عمها شاكر خائفاً ومرتعداً إلى هذا الحد، وهو الرجل القوي الحاسم دائماً؛ فشلّ الخوف تفكيرها، وتقدمت ببطء وأصابعها ترتجف لتكتب كلمة المرور وتفتح الجهاز.
انفرجت الشاشة الرئيسية، وبدأ شاكر يبحث بلهفة محاولاً فتح ملفات العمل والتحقيقات، لكنه تفاجأ بأن نور كانت شديدة الحذر؛ فقد وضعت كلمة سر معقدة لكل ملف على حدة، لكي لا يتمكن أي أحد من العبث بأسرارها أو فتح الملفات غيرها، حتى وإن فُتح الجهاز.
في تلك الأثناء، استغلت يارا انشغال عمها، وسحبت الجريدة من يد سوسن المرتعشة، ونظرت إلى الخبر الرئيسي، لتتسع عيناها بصدمة شديدة وهي تقرأ الكلمات المكتوبة.
وفي نفس اللحظة، نجح شاكر في الوصول إلى مجلد الصور الأخير الذي لم تشفره نور بعد، وضغط عليه ليفتح الصور.. وهنا حلّت الصدمة الكبرى على وجهه، وتجمدت الدماء في عروقه وهو يتنقل بين الصور المأخوذة ليلًا في وكر تجارة السموم، لأن بعض تلك الصور كانت مطابقة تماماً للمنشورة في المقال أمامهم.
المواجهة الآن أصبحت حتمية؛ سر نور انكشف بالكامل لعائلتها، وعمها شاكر رأى الأدلة بنفسه، ويارا وسوسن في حالة ذهول وتأكدوا أن نور هي صاحبة المقال المستعار وأنها كانت في قلب الخطر ليلة أمس.
في مكتبه الفخم الذي يفوح منه عبير الثراء الفاحش والسلطة، كان مدحت غانم (م غ) يجلس خلف مكتبه الخشبي العريض. كان الصباح في بدايته، لكن الأجواء داخل المكتب كانت خانقة وقاتمة بشكل لا يوصف.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
على سطح المكتب، كانت الجريدة الجديدة ملقاة، وتحديداً صفحة التحقيقات التي تصدرها ذلك العنوان الصادم والجرئ:
أوكار الموت.. حينما تصبح عقول الشباب سلعة في سوق الكبار.
كانت عينا مدحت تتنقلان بين الأسطر المكتوبة، والصور المرفقة التي كشفت تفاصيل دقيقة وسرية للغاية عن عمليات تسليم البضاعة ليلة أمس؛ تفاصيل وصور لا يمكن لأحد أن يعرفها إلا إذا كان قد اخترق عرينهم بالفعل.
صك مدحت على أسنانه بقوة، والشرار يتطاير من عينيه، وفجأة دخل ابنه طارق المكتب وعلامات الوجوم والخوف تكسو وجهه بعد أن رأى الجريدة هو الآخر. فور أن لمح مدحت ابنه، أشار بالجريدة بغضب حارق وهتف بصوت يملؤه الوعيد:
ـ شفت الفضيحة يا طارق؟! شفت البت الصحفية عملت فينا إيه؟! نزلت الصور والتحقيق في طبعة الصبح وشغلك أنت ورجالتك بقى على كل لسان وبوظت لنا الصفقة!
بلع طارق ريقه بخوف متراجعاً خطوة للوراء، وقال محاولاً تلطيف الأجواء:
ـ يا بابا اهدى بس، إحنا رجالتنا قالبين الدنيا عليها من بالليل، وسليم قال إنها هربت منه بصعوبة بس هيجيبوها النهاردة أكيد.
قاطعه مدحت غانم بضربة قوية على مكتبه هزت أركان الغرفة، وصرخ فيه بعيون مشتعلة:
ـ تتجاب النهاردة ومن تحت الأرض! البت دي لو ما جتش هنا وبقت قدامي قبل ما الشمس تغيب، مش هيرحمكوا غضبي.. حرك الرجالة في كل حتة، عايزها حية أو ميتة، واللاب توب بتاعها يرجع بالنسخ الأصلية للصور اللي عليه فوراً!
تقدم طارق خطوة نحو مكتب أبيه، ولمعت في عينيه نظرة خبيثة وهو يقول بنبرة تفكير هادئة:
ـ يا بابا، إحنا عشان نوصل للبت دي ونعرف ناخدها من وسط بيتها وأهلها من غير شوشرة، لازم أبوها شاكر ينشغل في حاجة تانية كببرة تضيع تركيزه عنها خالص وتخليه ملهي بعيد.. شاكر مهندس وليه هيبته، ولو فضل مصحصح لها مش هنعرف نتحرك بسهولة حوليها.
نظر إليه مدحت غانم باهتمام، وهدأ صوته قليلاً بينما ارتسمت على وجهه ابتامة ماكرة وقال:
ـ دماغك شغالة يا طارق.. عندك حق، شاكر لو حس بخطر هيقلب الدنيا. اطبخوا له مصيبة في مشروعه الجديد أو في شركته تخليه يجري حوالين نفسه وم يشوفش قدامه، وفي الوقت ده الرجالة يخلصوا موضوع نور ويجيبوها لي هنا.
ارتسمت على شفتي طارق ابتسامة ثقة خبيثة، ونظر إلى أبيه بنظرات باردة ومصممة وهو يقول:
ـ سيبلي الطلعة دي يا بابا.. في خلال يومين بالظبط، الصحفية دي هتدخل من الباب ده وتكون واقفة تحت رجليك.. والموضوع كله هيخلص في صمت.
أومأ له مدحت غانم بعينين تلمعان بالشر والرضا عن دهاء ابنه، ليستدير طارق بهدوء ويخرج من المكتب حاملاً معه تفاصيل الخطة القذرة التي ينوي تنفيذها لتشتيت شاكر وحصار نور.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
استيقظت نور في فراشها وهي تشعر بثقل شديد في رأسها وأطرافها. فركت عينيها وحاولت استجماع وعيها، ثم التفتت لتتطلع إلى الساعة المعلقة على الحائط؛ فتفاجأت أن العقارب تشير إلى الثانية عشرة ظهراً!
انتفضت من فراشها بسرعة، وقبل أي شيء، التفتت نحو مكتبها لتأخذ حاسوبها المحمول لتطمئن على إيميلها، لكنها تجمدت في مكانها.. اللابتوب ليس موجوداً!
سري في جسدها خوف دافق، وانقبض قلبها بحدس سيء. خرجت من غرفتها ونزلت الدرج بخطوات متباطئة، وفور أن وصلت إلى الصالة، رأت المشهد الذي أكد لها كل مخاوفها؛ كانت والدتها سوسن واقفة بجانب يارا، وملامحهما تنطق بالرعب والذهول، بينما كان والدها شاكر يجلس واللابتوب مفتوح أمامه والجريدة ملقاة بجانبه.
تقربت نور بحذر شديد، وقد أدركت يقيناً أن سرها قد كُشف، وأنهم قرأوا التحقيق وشاهدوا الصور. ولم تكد تخطو خطوة أخرى حتى رفع شاكر عينيه ونظر إليها بنظرات حادة ومشتعلة بالخوف والغضب معاً، ووقف يهتف فيها بصوت هز أركان المكان:
ـ من النهاردة مفيش خروج من البيت لوحدك نهائي! وبكرا الصبح بالكتير هتسافري أمريكا أنتي ويارا عند عمتكم لحد ما نشوف القرف ده هينتهي على إيه!
صدمت نور من القرار، وحاولت الاعتراض قائلة بنبرة متوسلة:
ـ بس يا بابا أنا مش هينفع أسيب شغلي والتحقيق...
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قاطعها شاكر بقوة وخطا خطوات واسعة ليقف أمامها مباشرة، وعيناه تلمعان بصرامة غير معهودة وهو يصيح:
ـ أنا حذرتك يا نور! لو أنتي مش خايفة على نفسك وعاجبك اللعب مع الحيتان ده فدي حاجة ترجعلك، لكن أنا هخاف عليكي، وهخاف على والدتك وبنت عمك اللي عايشين معانا! موبايلك معايا هو واللاب توب، ومفتاح عربيتك كمان هنا.. مفيش خروج من عتبة الباب ده بدون علمي ولأي سبب كان، كلامي انتهى!
خرج شاكر من المنزل مغلقاً الباب خلفه بقوة، فتركت النفضة أثراً ثقيلاً في أركان الصالة. التفتت سوسن نحو ابنتها بنظرات مليئة بعتاب شديد، امتزجت فيه خيبة الأمل بخوف الأم وحرقتها، وقالت بنبرة مخنوقة بالدموع:
ـ كده يا نور؟ بقى ده اللي بتعمليه من ورا أبوكي ومن ورانا؟ ترمي نفسك في النار وتعيشينا في الرعب ده؟
حاولت نور أن تتقدم منها وتتحدث معها، مبررة بلهفة:
ـ يا ماما اسمعيني بس، أنا...
لكن سوسن لم تقو على سماع المزيد، فأشاحت بوجهها عنها وتركتها بغضب، وصعدت إلى غرفتها وهي تبكي، لتترك نور وحيدة في وسط الصالة مع مشاعر الذنب والخناق الذي يضيق حول عنقها.
ارتمت نور على أقرب كرسي وجسدها يرتجف، بينما اقتربت يارا منها بخطوات هادئة، وجلست على حافة المقعد بجانبها، ثم وضعت يدها على كتفها محاولة تهدئتها ومواساتها في هذا الموقف العصيب.
مرّ باقي اليوم ثقيلاً وكئيباً على الجميع؛ الصمت يسود أرجاء البيت، بينما يارا غارقة في أفكارها حول السفر المفاجئ، ونور تتملص داخلها رغبة عارمة في استعادة هاتفها لمعرفة صدى المقال، وشاكر في الخارج يغلي، دون أن يدري أحد أن هناك شباكاً قذرة بدأت تُنسج حولهم من قِبل طارق ووالده.
في اليوم التالي، وتحديداً في الصباح الباكر، رن جرس الباب ليعلن عن وصول حسن المصري. كان القلق يأكله منذ ليلة أمس بعدما وجد هاتف نور مغلقاً، فجاء مسرعاً للاطمئنان عليها ومقابلة صديق عمره شاكر.
استقبله شاكر بوجه عابس وخالٍ من أي ترحيب، ودلف حسن إلى الصالة ليقول بلهفة:
ـ أهلاً يا شاكر.. أنا جيت فوراً أول ما لقيت تليفون نور مقفول، كنت عايز أقابلها وأطمن عليها ونشوف خطواتنا اللي جاية إيه بعد نجاح التحقيق.
نظر إليه شاكر بنظرات حادة ممتزجة بالمرارة والوجع، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة، ثم قال بنبرة قاطعة وصوت يملؤه الغضب المكتوم:
ـ نور مش هتقابل حد يا حسن.. نور من النهاردة سبت الشغل ده خالص، وخلال ساعات هتكون في الطيارة ومسافرة أمريكا عند عمتها.
تسمر حسن في مكانه مذهولاً، وحاول الاعتراض قائلاً بصوت منخفض:
ـ مسافرة؟ تسيب الشغل؟! يا شاكر أرجوك اهدى، نور صحفية شاطرة وليها مستقبل واعد، والتحقيق اللي نزل قلب الدنيا والكل بيتكلم عنها..
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قاطعه شاكر بهبة قوية وهو يقف أمامه، صاباً جام غضبه وعتابه المر في وجه صديق عمره الذي ائتمنه على ابنته:
ّـ مستقبل إيه يا حسن؟! أنا كنت مأمنك على بنتي.. قولت صاحبي وأخويا وهياخد باله منها في الجريدة! متوقعتش منك أبداً إنك ترمي نور في النار وتخليها تواجه مجرمين وقتالين قتلة عشان تكسب من وراها سبق صحفي وتزود مبيعات جيريدتك! هونت عليك يا صاحبي تعرض حياة بنتي للخطر ده كله؟! بنتي مش هتكون ثمن لنجاح حد، ونور برة اللعبة دي تماماً ومن النهاردة.
وقف حسن المصري عاجزاً عن الرد، وقد ألجمته كلمات صديق عمره القاسية، وشعر بطعنة العتاب في محلها، ولم يعرف كيف يدافع عن نفسه أمام فزع أب وخوف صديق.
تحركت ملامح حسن بألم، وشعر بمدى قسوة اتهام صديق عمره له. بلع ريقه وصمت للحظة، ثم نظر لشاكر بعينين يملؤهما الصدق والعتاب هو الآخر، وقال بنبرة هادئة ومجروحة يحاول فيها الدفاع عن نفسه:
ـ تفتكرني بالرخص ده يا شاكر؟ عِشرة العمر دي كلها مخلتكش تعرف حسن المصري على حقيقته؟ أنا أرمي نور في النار عشان مبيعات؟! نور دي بنتي قبل ما تكون بنتك، وأنا أكتر واحد كنت خايف عليها!
أخذ حسن نفساً عميقاً وتابع بلهفة يحاول توضيح الصورة:
ـ نور هي اللي كانت بتجري ورا الخيط ده بنفسها، وكل ما كنت أمنعها أو أوقفها كانت بتقولي ده واجبي ودي قضيتي! أنا وافقت أنشر التحقيق باسم مستعار وصور مفيهاش ملامحها عشان أحميها وأعمل لها اللي هي عايزاه في نفس الوقت.. أنا عمري ما فكرت في سبق ولا مكسب على حساب حتة من قلبي يا صاحبي، ومكنتش أعرف إن الأمور هتوصل للدرجة دي من الخطر!
نظر إليه شاكر بنظرات ما زالت حادة، لكن كلمات حسن الصادقة بدأت تلمس قلبه، رغم أن خوفه كأب كان أكبر من أي تبرير.
كان الصمت قد خيم على الصالة بعد كلمات حسن الصادقة، بينما كان شاكر يحاول استيعاب أن صديقه لم يخذله، لكن الخوف على ابنته كان لا يزال يعميه.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
