سم الحروف - الفصل 1 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (1)



الشرارة والتهديد 


المشهد الأول: دفء ما قبل العاصفة


تسللت خيوط شمس الصباح من بين شقوق الستائر المخملية لتسقط على وجه "نور" الغارقة في نومٍ عميق، بينما كان صمت الغرفة لا يقطعه سوى الطنين الخافت لجهاز اللابتوب المتروك على المكتب، وشاشة الهاتف التي تومض بين الحين والآخر بإشعارات لا تنتهي.

فتحت يارا الباب بهدوء، كانت ترتدي ملابسها الرسمية الأنيقة استعداداً للذهاب إلى الشركة مع عمها شاكر. نظرت إلى الفوضى المحيطة بسرير نور؛ أوراق مبعثرة، أقلام جافة بلا أغطية، وكوب نسكافيه فارغ استقر بجانبه قلم تحديد فسفوري. ابتسمت يارا بقلة حيلة، ثم تقدمت بخطوات هادئة وجلست على طرف السرير، وبدأت تهز كتف نور برفق:

ـ نور.. نور، اصحي يا بنتي كل ده نوم؟ الساعة بقت تسعة، وأونكل شاكر وطنط سوسن مستنيينك تحت على الفطار علشان ننزل.

تململت نور في فراشها، وسحبت الغطاء فوق رأسها وهي تغمغم بصوت مبحوح من أثر السهر:

ـ سيبيني يا يارا.. خمس دقائق بس.. أنا منمتش غير الساعة خمسة الصبح.

سحبت يارا الغطاء عن وجهها بحسم وهي تضحك:

ـ ولا دقيقة! أنا عارفاكي، الخمس دقائق بتوعك دول بيقفلوا المحلات. وبعدين إيه السهر ده كله؟ متقوليش إنك كنتِ سهرانه في قصة (م. غ) دي تاني؟

اعتدلت نور في سريرها بتثاقل، وعيناها المقاومتان للنوم تلمعان فجأة بشغف غريب بمجرد ذكر العمل. أزاحت شعرها عن وجهها وقالت بنبرة حماسية:

ـ مش بس كنت سهرانه فيها، أنا قفلت المقال يا يارا! الحبر لسه منشفش في المطبعة. أستاذ حسن المصري كلمني الفجر وقالي إن المقال ده هيرج الجريدة رج.. أنا مسكت خيط حقيقي المرة دي.

تلاشت الابتسامة من وجه يارا تدريجياً، وحل محلها ذلك التوجس المعتاد الذي يظهر كلما دخلت نور في منطقة الخطر. وقفت يارا وعدلت جاكيت بدلتها وقالت بنبرة جادة تحمل خوفاً حقيقياً:

ـ يا نور، الخيط اللي أنتِ فرحانة بيه ده أنا خايفة يلتف حوالين رقبتنا كلنا. أنتِ مش سامعة كلام بابا؟ الراجل مبقاش ينام من قلقه عليكي. السوق بره مش زي ما أنتِ شايفاه من ورا شاشة اللابتوب، والناس دي مابتلعبش.

نهضت نور من سريرها، واتجهت نحو الحمام وهي تقول بثقة وعناد:

ـ بابا بيقيس الأمور بحسابات البيزنس والشركات يا يارا، لكن أنا صحفية، لو خفت من كل حوت بيكسب من دم الناس، يبقى نقعد في البيت ونقفل الجرنان! خمس دقائق وأكون معاكوا على الفطار، متخلصوش الأكل.

نظرت يارا في أثرها بتنهيدة ثقيلة، ثم التقطت هاتف نور المتروك على الكومودينو لتجده يرتجف برسالة جديدة من رقم غير مسجل، مكتوب فيها سطر واحد: 

الحروف الأولى مش هتحميكي.. اللي كتب الحروف قادر يمسح صاحبها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انقبض قلب يارا، وشعرت برعشة باردة تسري في جسدها وهي تنظر نحو باب الحمام، متسائلة إن كانت هذه الرسالة مجرد تهديد عابر.. أم أنها بداية النهاية.

خرجت نور من الحمام وهي تجفف وجهها بالمنشفة، ففوجئت بأن يارا مازالت واقفة في مكانها، متسمرة تماماً، وعيناها مثبتتان على شاشة الهاتف المفتوحة في يدها.

اقتربت نور منها بخطوات بطيئة، وحين لاحظت الوجوم الشديد الذي غطى ملامح بنت عمها، اختفت ابتسامتها العفوية. كانت يارا شاردة تماماً، وعقلها يسابق الزمن في تفسير تلك السطور القليلة المرعبة، ولم تنتبه لحركة نور إلا عندما وقفت الأخيرة أمامها مباشرة.

عقدت نور حاجبيها وسألتها بنبرة متشككة:

ـ مالك يا يارا؟ واقفة كأنك شفتي شبح.. وليه ماسكة موبايلي بالشكل ده؟

لم تتكلم يارا فوراً، بل نظرت في عيني نور بنظرة طويلة مليئة بالخوف والعتاب، ثم رفعت يدها ببطء ومدت لها الهاتف دون أن تنطق بحرف واحد.

التقطت نور الموبايل ببرود في البداية، وظنتها رسالة عادية من العمل أو إشعاراً تافهاً، لكن بمجرد أن وقعت عيناها على الكلمات: "الحروف الأولى مش هتحميكي.. اللي كتب الحروف قادر يمسح صاحبها"، تيبست أصابعها حول الهاتف.

ساد الصمت الغرفة لثوانٍ طويلة بدت كالساعات. انمحت معالم العناد مؤقتاً من وجه نور، وحلت مكانها سكتة مفاجئة، وهي تعيد قراءة السطر المقتضب مرة واثنين وثلاثة، بينما كان هدوؤها يشي بأنها تحاول استيعاب حجم الخطر الذي طرق بابها أخيراً.

تابعت نور القراءة بجمود بدد بقايا النوم في عينيها، قبل أن تضع الهاتف على المكتب بحركة ظهرت متزنة، رغم الخفقة السريعة التي ضربت صدرها.

أمسكت يارا ذراع نور بقوة وقالت بنبرة متحشرجة من القلق:

ـ عمي لازم يشوف الرسالة دي يا نور.. حالا! الكلام ده ميتسكتش عليه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تحركت نور بسرعة وأمسكت يد يارا لتوقفها، وقالت بنبرة باردة تحاول بها طمأنة نفسها قبل طمأنة بنت عمها:

ـ الرسالة دي عادية يا يارا.. دايماً بيجيلي رسائل تهديد ومفيش حد بينفذ، دي مجرد حرب نفسية عشان أخاف وأتراجع.

هزت يارا رأسها برفض قاطع وعيناها تلمعان بالدموع:

ـ بس المرة دي عدوك مش سهل! ده (م. غ) يا نور.. يعني بلمسة واحدة ومن غير ما يرف له جفن، بسهولة يتخلص منك ومحدش هيعرف لك طريق!

التقطت نور هاتفها مجدداً، ونظرت إلى الشاشة بتحدٍ وعناد عاد ليتملكها من جديد، ثم التفتت إلى يارا وقالت:

ـ مش هيعمل حاجة يا يارا.. أنا مكتبتش اسمه، أنا كتبت حروف بس. وبعدين لو فكر بس يؤذيني، وقتها يتحمل النتيجة! أرجوكي بلاش تقولي لبابا.. أنا مأمنة نفسي كويس، ولو حصل لي أي حاجة، المقال الجاي والملفات اللي معايا هتكون كفيلة ترميه في السجن بقية عمره.

رغم التردد الواضح الذي شلّ حركة يارا، ونظرات الخوف التي لم تفارق وجهها، إلا أنها هزت رأسها ببطء وقررت الصمت الآن، تفادياً لانفجار أزمة في البيت لا يعلم أحد عواقبها.

حاولوا رسم ملامح طبيعية على وجهيهما، وهبطتا معاً إلى الطابق السفلي. وحين خطت أقدامهما ردهة الطعام، وجدتا شاكر وسوسن يجلسان في انتظارهما لتناول الإفطار معاً، حيث كان الهدوء الذي يلف المائدة يخبئ خلفه عاصفة أوشكت أن تبدأ.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ما إن جلست البنتان على مقاعدهما، حتى رفع شاكر عينيه عن الصحيفة التي كانت بيده، ونظر إليهما بطرف عين، ثم قال بنبرة تملأها الدعابة:

ـ أهلاً بالهوانم.. كل ده تأخير؟ أنا قولت زمانكم بتفصلوا لبس جديد للشركة والجرنان تحت في الأوضة!

التفتت يارا إليه بسرعة، ورفعت يديها ببراءة مصطنعة وهي تقول بضحكة خفيفة لتلطيف الأجواء:

ـ نور السبب يا عمو.. أنا بريئة ومليش دعوة! أنا صاحية ولابسة ومستنياها من بدري، وهي اللي كانت في عالم تاني.

انطلقت ضحكات خفيفة من شاكر وسوسن على طريقة يارا الطفولية في الدفاع عن نفسها، لكن نور لم تستطع مجاراة الضحك تماماً. فرغم ابتسامتها المجاملة، إلا أن حساً صحفياً مدرباً جعلها تلاحظ النظرات المتبادلة بين والدها ووالدتها؛ نظرات كانت غريبة، تحمل مزيجاً من الفخر المكتوم والقلق الشديد.

وضعت نور قطعة الخبز من يدها، ونظرت إليهما بفضول وقالت:

ـ إيه الحكاية يا جماعة؟ بتبصولي كده ليه.. في إيه؟

عدّل شاكر جلسته، وتلاشت ابتسامته تدريجياً ليحل محلها وقار أب يحمل في قلبه الكثير، ثم أشار بيده إلى نسخة مبكرة من الجريدة كانت موضوعة بجانبه على الطاولة، وقال بهدوء:

ًـ الحكاية إني قريت مقالتك الجديدة يا نور.. لسه واصلة لي من المطبعة من شوية.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ابتلعت نور ريقها، ورغم دقات قلبها المتسارعة بعد رسالة التهديد، إلا أن عنادها المهني برز فجأة، فنظرت في عيني والدها مباشرة وسألته بنبرة ترقب:

ـ وقلت إيه بقى يا بشمهندس؟ يهمني أعرف رأيك.

أرخى شاكر ملامحه الصارمة وهو ينظر إلى عيني ابنته، ورغم نبرته الهادئة التي لم ترتفع، إلا أن نبرته كانت حاسمة كالسيف، تعكس ضيق صدره الذي بدأ ينفد:

ـ رأيي إنك بتلعبي بالنار يا نور.. المرة دي أنتِ عديتي الحدود، وأنا مش هسكت كتير على تهورك واندفاعك ده. أنتِ فاكرة إنك لما تكتبي حروف أولى محدش هيفهم؟

حاولت نور المقاطعة لكنه رفع يده بوقار أجبرها على الصمت، ليكمل بنفس الهدوء المخيف:

ـ أنا سايبك تجربي وتشتغلي وتكتشفي الدنيا، بس لما الأمر يوصل لسلامتك وسلامة البيت ده، يبقى لازم يكون ليا وقفة. لو الموضوع اتكرر، أنا بنفسي هكلم أستاذ حسن المصري، وهطلب منه ينقلك لقسم تاني في الجريدة.. قسم بعيد تماماً عن الحوادث والتحقيقات، حتى لو وصل الأمر إني أمنعك من النزول.

نظرت نور إلى والدها بصدمة، بينما التزمت يارا الصمت التام وتبادلت نظرات قلقة مع سوسن التي بدت موافقة تماماً على كل كلمة قالها زوجها.

شحب وجه نور وتحركت الكلمات في حلقها لتعترض، وقالت بنبرة حادة ومستنكرة:

ـ تنقلني يا بابا؟ أنا مش طفلة علشان...

قطعت سوسن كلماتها بحسم لم تعتده نور منها، ووضعت كوب الشاي على الطاولة بقوة لتقول بنبرة باكية يملأها الرعب:

ـ أبوكي عنده حق يا نور! أنا معنديش استعداد أخسر حد من عيلتي.. أنتِ باندفاعك ده بتفتحي النار على الكل مش على نفسك لوحدها! أنتِ مش عايشة في الدنيا دي بطولك يا بنتي، فكري فينا شوية.

ساد صمت ثقيل على المائدة، ونظرت نور إلى طبقها بعجز، بينما كانت يارا تتابع الموقف بقلب منقبض وهي تتذكر رسالة التهديد التي تخفيها في جيبها.

نهض شاكر من مقعده وهندم جاكيت بدلته وقار، ثم التفت إلى يارا وقال:

ـ يلا بينا يا يارا علشان متأخر على مواعيدي في الشركة.

وقبل أن يخطو خطوة واحدة، التفت إلى نور ونظر إليها بنظرة أخيرة صارمة، وقال بنبرة هادئة لكنها قاطعة كالسيف:

ـ أي غلطة جديدة منك يا نور.. وقتها تتحملي النتيجة، والكلام ده ملوش رجعة.

تركها شاكر وتحرك نحو الباب الخارجي، لتنهض يارا مسرعة وتحمل حقيبتها وتخرج وراءه دون أن تنطق بكلمة، تاركة الغرفة غارقة في توتر خانق.

التفتت نور إلى والدتها لتجد والدتها تنظر إليها بتردد وعيناها ممتلئتان بالدموع. اقتربت الأم من ابنتها ببطء، وربتت على كتفها بحنان جارف وهي تقول بصوت مرتجف:

ـ قدري خوفنا عليكي يا نور.. إحنا ملناش غيرك.

نظرت نور إلى والدتها بقلة حيلة، وحاولت بنبرة يائسة أن تدافع عن الشغف الوحيد الذي يمنح حياتها معنى، فقالت:

ـ بس ده شغلي يا ماما.. ده طريقي اللي اخترته، ومقدرش أكون مجرد صحفية بتكتب عن الطبخ والموضة!

تنهدت سوسن بمرارة، ونظرت في عيني ابنتها مباشرة وقالت لها جملة واحدة هزت ثباتها:

ـ شغلك.. ولا حياتك وحياة عيلتك يا نور؟ أنهي فيهم الأهم؟

عجزت نور عن الرد، ولم تجد كلمات تواجه بها دموع والدتها وخوفها الحقيقي. تيبست مكانها لثوانٍ، ثم التقطت حقيبتها وهاتفها عن الطاولة بآلية، وقررت أن تنهي هذا النقاش الذي لن يصل إلى حل.

تحركت بخطوات سريعة نحو الباب وهي تمتم بصوت خافت:

ـ أنا متأخرة على الجريدة.. سلام يا ماما.

خرجت نور من المنزل والخطوات تسابق دقات قلبها؛ فبين رسالة التهديد المجهولة على هاتفها، وبين إنذار والدها الصارم، كان عليها أن تصل إلى مقر الجريدة في أسرع وقت لتواجه أستاذها حسن المصري وتعرف الخطوة القادمة.

❈-❈-❈


المشهد الثاني: في عرين الأسد


على الجانب الآخر من المدينة، وتحديداً في أحد المكاتب الفخمة ذات الإطلالة البانورامية على النيل، كان الصمت يخيم على الأرجاء، لا يقطعه سوى صوت تقليب أوراق الصحف بنبرة حادة ومنتظمة.

كان (م. غ) يجلس خلف مكتبه الضخم المصنوع من الخشب الأبنوس الأسود، ملامحه جامدة كأنها نُحتت من صخر، وعيناه الضيقتان تلتهمان السطور المكتوبة في الصفحة الأولى لجريدة الصباح. كان المقال يحمل عنواناً عريضاً، وبجانبه الحروف الأولى من اسمه التي وضعتها نور كإشارة واضحة لكل من يفهم خبايا السوق.

وقف رجله الأول وذراعه اليمنى أمام المكتب، يفرك يديه بتوتر وقلق لم يستطع إخفاءه، وقال بصوت منخفض:

ـ يا باشا، البنت دي عديت حدودها أوي.. المقال قالب الدنيا من الفجر، وفي ناس بدأت تتكلم وتفسر الحروف. لو سكتنا، هتكبر ومحدش هيعرف يلم الموضوع.

بطء شديد، أطبق (م. غ) الصحيفة ورماها على المكتب بإهمال، ثم أخرج سيجاراً فاخراً وأشعله، ونفث دخانه الكثيف في الهواء وهو ينظر إلى الفراغ بنظرة باردة تخلو من أي مشاعر، وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل موتاً زؤاماً:

ـ أنا مابحبش الوش.. والصحفية الصغيرة دي فاكرة إن القلم اللي في إيدها هيدير البلد. أنا بعت لها قرصة ودن صغيرة على الصبح.. رسالة تفوقها.

رد رجله بسرعة وهو يتقدم خطوة:

ـ ولو مأثرتش فيها يا باشا؟ البنت دي شكلها عنيدة ومش بتخاف، وأبوها البشمهندس شاكر راجل له تقله برضه.

التفت (م. غ) بكرسيه ليعطي ظهره للرجل وينظر إلى النيل من وراء الزجاج، وقال بصوت خفيض وقاطع:

ـ لو مأثرتش.. يبقى القلم اللي فرحانة بيه ده يتكسر، وتختفي هي وقلمها من الوجود. مش (م. غ) اللي حتة عيلة في أول حياتها تلوي دراعه وتلعب باسمه. راقبها.. وعايز خطوتها الجاية تكون تحت عيني قبل ما تخطيها.

فُتح باب المكتب بقوة، ودخل مدحت وعلامات الضيق واضحة على وجهه، وهو يمسك بنسخة من جريدة الصباح ويشير إليها بحدة قائلاً:

ـ أنت إزاي ساكت على الصحفية دي يا بابا؟ البلد كلها بتتكلم من الفجر، والحروف الأولى واضحة ومحدش غبي! البنت دي لازم تقف عند حدها فوراً عشان تعرف هي بتتكلم عن مين.

التفت (م. غ) بكرسيه ببطء شديد، ونظر إلى ابنه بنظرة هادئة ألجمت انفعاله، ثم نفث دخان سيجاره برتابة وقال بصوت منخفض وحازم:

ـ اهدأ يا مدحت.. العصبية مابتجيبش نتيحة. مش إحنا اللي نتحرك بردود أفعال سريعة عشان مقال في جرنان.

رد مدحت بضيق وهو يضع الجريدة على المكتب أمام والده:

ـ يعني هنقعد نتفرج عليها لحد ما تجيب اسمنا صريح في المقال الجاي؟

ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يقول (م. غ) بنبرة باردة:

.ـ مش دلوقتي.. لسه شوية. الشغل الصح بيتعمل على الهادي ومن غير شوشرة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم عدل جلسته وأشار بيده لابنه مكملاً بأمر قاطع:

ـ اسمعني كويس.. أنت هتاخد بعضك دلوقتي وتروح الجريدة تقابل صاحبها بنفسك. هتقعد معاه وتعرض عليه عقود إعلانات القرية السياحية الجديدة بتاعتنا.. عرض مالي كبير ومغري جداً.

عقد مدحت حاجبيه بعدم فهم وسأل:

ـ عقود إعلانات؟ إحنا بنكافئهم يا بابا؟

نظر إليه (م. غ) بنظرة ذات مغزى وهو يجيبه بنبرة متهكمة:

ـ العرض ده قصاده شرط واحد وواضح.. يلم البنت دي، وينقلها من قسم التحقيقات لأي قسم تاني ملوش ثقل، تروح تكتب لها كلمتين عن الموضة ولا الطبخ بعيد عننا. صاحب الجريدة رجل بيزنس في النهاية، وهيعرف إن مصالحه وفلوسه أهم من قلم صحفية متمردة.

فهم مدحت اللعبة، وظهرت على وجهه علامات الارتياح، ثم هز رأسه بالموافقة قائلاً:

ـ تمام يا بابا.. اعتبره حصل، مسافة السكة وأكون عنده في المكتب.

بمجرد أن خرج مدحت من مكتب والده متوجهاً بسيارته نحو مقر الجريدة، كانت "نور" قد وصلت بالفعل وصعدت الخطوات المؤدية إلى الطابق الصحفي وعلامات الإرهاق والضيق تبدو على وجهها بسبب نقاشها الأخير مع عائلتها.

دقت باب مكتب رئيس التحرير، حسن المصري، ودخلت دون مقدمات. كان حسن يجلس خلف مكتبه المليء بالأوراق والمسودات، فنظر إليها وتنهد بعمق كأنه كان ينتظر دخولها في أي لحظة.

وضعت نور حقيبتها بعصبية وقالت:

ـ صباح الخير يا أستاذ حسن.. طمني، إيه أخبار المقال؟ ردود الأفعال إيه؟

خلع حسن نظارته الطبية ووضعها على المكتب، ونظر إليها بنظرة هادئة لكنها تحمل لوماً عاتباً وقال:

ـ صباح النور يا نور. اقعدي أولاً واهدي شوية.. والدك كلمني من شوية، وقلقان عليكي جداً يا بنتي.

تغيرت ملامح نور وظهرت عليها علامات الاعتراض الشديد، وقفت وقالت بنبرة حادة:

ـ بابا كلمك؟ وأكيد طلب منك تنقلني أو توقفني! أرجوك يا أستاذ حسن، أنت عارف إن...

قاطعها حسن بحسم رافعاً يده، ومغلقاً الباب أمام أي نقاش:

ـ نور، أنا مقدر خوفه، والدك عنده حق يخاف عليكي، والموضوع المرة دي عدى الحدود وعيلتك مش حمل قلق.

شعرت نور بالحصاد ينهار من حولها، لكن عنادها جعلها تفكر بسرعة في مخرج بديل، فاقتربت من المكتب وقالت بنبرة رجاء حارة:

ـ طب بلاش نوقف التحقيق.. أنا عندي اقتراح؛ إيه رأيك أكتب من هنا ورايح باسم مستعار؟ محدش هيعرف إنه قلمي، وبكده نشيل القلق عن بابا وماما، وفي نفس الوقت نكمل كشف المستور وما ننسحبش.

صمت حسن يفكر في اقتراحها ويقلبه في رأسه، وفي تلك اللحظة بالذات، فُتح باب المكتب الخارجي، ودخلت السكرتيرة بخطوات مرتبكة، ونظرت إلى حسن وقالت بنبرة متوترة:

ـ أستاذ حسن.. في بره الأستاذ مدحت، ابن (م. غ)، وطالب يقابل حضرتك حالاً لأمر مهم.

وقعت الكلمات كالصاعقة داخل المكتب. اتسعت عينا حسن بذهول، والتفتت نور بسرعة نحو الباب والصدمة تقيد حركتها، بينما كان الخطر الذي تحاربه بقلمها قد أصبح على بعد خطوتين فقط من مكان وقوفها.

نظر حسن لنور بهدوء وثبات حاول الحفاظ عليه، وأشار بيده نحو الباب قائلاً بنبرة آمرة ومنخفضة:

ـ روحي على مكتبك دلوقتي يا نور.

ثم التفت إلى السكرتيرة وقال بملامح جامدة:

ـ خلي الأستاذ مدحت يتفضل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تراجعت نور بخطوات بطيئة، وفي نفس اللحظة التي فتحت فيها الباب لتخرج، كان مدحت يخطو إلى الداخل. في تلك الثانية الفاصلة، التقت عيناهما في مواجهة صامتة؛ نظرات مدحت كانت تحمل بروداً وثقة غريبة، بينما كانت نظرات نور حادة، متفحصة، ومليئة بالتحدي. مرت من جانبه بخطوات ثابتة وغادرت المكتب، ليغلق الباب وراءها.

التفت حسن إلى ضيفه، وحافظ على هدوئه التام وهو يشير إلى المقعد أمامه قائلاً:

ـ أهلاً يا أستاذ مدحت، اتفضل.

ثم نظر إلى السكرتيرة قبل أن تغلق الباب وأردف:

ـ اثنين قهوة مظبوط لو سمحتِ.

أومأت السكرتيرة وغادرت، لتتركهما في صمت قصير قطعه مدحت وهو يعتدل في جلسته، ويبدأ بالحديث بنبرة عمليّة وواثقة:

ـ أستاذ حسن، أنا مش هطول عليك وهدخل دغري في الموضوع. إحنا بنجهز لحملة إعلانية ضخمة جداً للقرية السياحية الجديدة بتاعتنا، وجريدتكم من المؤسسات اللي يهمنا نتعاون معاها. أنا جاي أعرض عليك بروتوكول إعلانات سنوي، وبمبلغ مالي كبير، رقم يضمن للجريدة طفرة حقيقية الفترة الجاية.

صمت حسن لثوانٍ، يتأمل العرض ويستوعب أبعاده، ثم قال بنبرة متزنة:

ـ ده عرض مغري جداً يا أستاذ مدحت.. ومفيش أي مؤسسة صحفية تقدر ترفضه، بس أكيد العروض الكبيرة دي بيبقى وراها التزامات.

ابتسم مدحت ابتسامة خفيفة ورفع حاجبيه قائلاً:

ـ بالظبط كده.. إحنا فعلاً عندنا شرط.

عقد حسن حاجبيه وسأله بفضول حذر:

ـ وإيه هو الشرط ده؟

سحب مدحت نفساً وهتف بنبرة هادئة وكأنه يطلب أمراً عادياً:

ـ الشرط إن الصحفية نور شاكر تتنقل من قسم التحقيقات والحوادث، وتروح أي قسم تاني.. الفنون مثلاً، أو الموضة.

ساد صمت ثقيل في المكتب، ووضع حسن يديه متشابكتين فوق سطحه وهو ينظر إلى مدحت بنظرات مبهمة، يفكر في أبعاد هذه المساومة العنيفة التي تغلفها الملايين.

لاحظ مدحت هذا التردد، فمال بجسده إلى الأمام قليلاً، ونفث كبرياءه بنبرة حملت تحذيراً مبطناً وخبيثاً:

ـ أظن يا أستاذ حسن.. إنك مش عاوز الجريدة بتاعتك تتقفل، أو يحصل لها مشاكل أنت في غنى عنها.

حافظ حسن على بروده، ولمت عينيه بنبرة مهنية وهو يرد بثبات:

ـ أنا مقدر كلامك يا أستاذ مدحت، بس الموضوع مش بالبساطة دي. مبيعات الجريدة والاشتراكات زادت بنسبة كبيرة جداً الفترة الأخيرة بسبب مقالات نور وتحقيقاتها. وعشان أخد قرار بنقلها للقسم الفني أو الموضة، لازم يكون في سبب مهني مقنع أواجه بيه البنت نفسها، وقبلها أواجه بيه مجلس الإدارة اللي يهمه الأرقام والمبيعات.

تغيرت ملامح مدحت فجأة، واختفت الابتسامة الدبلوماسية ليحل محلها وجه قبيح من التهديد الصريح. نهض من مقعده ببطء، واستند بكلتا يديه على مكتب حسن وهو يقول بنبرة منخفضة لكنها حارقة:

ـ مجلس الإدارة والمبيعات مش هينفعوك لو المقالات دي موقفتش يا حسن بيه.. وقتها أنت بتفتح الجحيم على نفسك وعلى كل اللي شغالين معاك في المكان ده، والموضوع مش هيبقي قفل الجريدة بس.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تراجع مدحت خطوة إلى الخلف، وهندم جاكيته وهو يضيف ببرود:

ـ أنا هدي لك أسبوع واحد بس تفكر.. أسبوع كامل تظبط فيه أمورك وتشوف مصلحتك فين. مستني ردك.

دون أن ينتظر سماع إجابة، التفت مدحت وتحرك بخطوات واسعة مغادراً المكتب، تاركاً خلفه باباً يتأرجح، وعاصفة صامتة توشك أن تعصف بالجريدة وبكل من فيها.

كانت نور تقف على مقربة من الممر، تتظاهر بمطالعة بعض الأوراق وعيناها تراقبان مكتب رئيس التحرير بقلق. ما هي إلا دقائق حتى فُتح الباب وخرج مدحت بخطوات سريعة وواثقة، والغرور يملأ ملامحه. لم يلتفت حوله، بل اتجه مباشرة نحو المصعد وغادر الدور بالكامل.

بمجرد اختفائه، تحركت نور بسرعة نحو مكتب حسن المصري، وفتحت الباب دون أن تنتظر السكرتيرة. كان حسن يجلس وعلامات الإرهاق الشديد بادية على وجهه، يمسك برأسه بين يديه.

اقتربت نور من المكتب وسألته بنبرة لاهثة ومتوترة:

ـ حصل إيه يا أستاذ حسن؟ مدحت ده كان جاي هنا ليه وعايز إيه؟

تنهد حسن بعمق، ورفع نظره إليها، ثم قص عليها تفاصيل العرض والتهديد المبطن، والمهلة التي تركها له مدحت قبل أن ينفذ وعيده.

استمعت نور إلى الكلمات وكأن بروداً شديداً سرى في جسدها؛ تلاشت ملامح التحدي من وجهها وحل محلها خوف حقيقي. لم يكن هذا الخوف على نفسها أو من رسالة تهديد غامضة على هاتفها، بل كان خوفاً على المكان الذي احتضن شغفها، وعلى زملائها والجريدة التي قد تضيع بسبب قلمها.

سألت حسن بصوت خافت مرتعش:

ـ وقرارك إيه دلوقتي يا أستاذ حسن؟ هتنقلني فعلاً؟

نظر إليها حسن بنظرة أبوية حانية، وقال بجدية:

ـ أنا مش هبيع صحفية شاطرة زيك يا نور، ومش هقبل إن حد يلوي دراع الجريدة. بس إحنا لازم نتحرك بذكاء ونهدي العاصفة دي شوية.. عشان كده، أنا موافق على اقتراحك. ه تستني فترة قصيرة، كام يوم بس الموضوع يهدى، وبعدها تكملي نشر المقالات والتحقيقات الجاية.. بس باسم مستعار.

شعرت نور براحة نسبية غلفت خوفها، وهزت رأسها بالموافقة السريعة قائلة:

ـ أنا موافقة جداً.. ده الحل الصح اللي هيحميك ويحمي الجريدة، وفي نفس الوقت مش هيخليني أسكت.

أومأ لها حسن مشيراً بالهدوء، فتحركت نور بخطوات هادئة نحو الباب، وعادت إلى مكتبها وهي تحمل في رأسها ألف فكرة وفكرة حول كيفية صياغة مقالها القادم دون أن يترك خلفه أثراً لاسمها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

خارج مبنى الجريدة، كان مدحت يقف بجوار سيارته الفارهة، يراقب مدخل المبنى بعينين ضيقتين تحملان مزيجاً من الغطرسة والترقب. لم تكن تهديداته لحسن المصري سوى الخطوة الأولى في مخطط أكبر.

أشار بيده لأحد رجاله، الذي كان يقف على مسافة قصيرة منه يراقب المشهد بصمت، فاقترب منه الرجل بانحناءة خفيفة.

قال مدحت بنبرة حادة وصوت خفيض:

ـ اسمع.. الصحفية دي، نور شاكر، عايزك تتابع تحركاتها دقيقة بدقيقة. أي مكان تروحه، أي حد تقابله، وأي حرف تكتبه.. عايز أعرف كل حركة وكل تفصيلة في يومها.

أومأ الرجل بطاعة، فاستطرد مدحت وهو يفتح باب سيارته:

ـ مش عايز أي غلطة.. البنت دي لازم تكون تحت عيني لحد ما الأسبوع يخلص. اتحرك.

وبكلماته الأخيرة، صعد مدحت إلى سيارته وانطلق بسرعة مخلفاً وراءه دخان إطاراته، بينما بدأ رجله في اتخاذ موقعه لبدء المراقبة، لتُسدل الستار على هذا الفصل بتوتر يحيط بكل خطوة تخطوها نور.

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل