أحفاد إلياس - الفصل 25 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أحفاد إلياس)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (25)



ظننت أنا حان وقت الفرح لم أكن أدري أن يوم فرحي سيكون هو يوم جنازتي. بدلًا من أن ارتدي ملابس بيضاء لزفافي تتحول لكفن أبيض لعزائي.


بضوء الأمل، كنت أحسب أن الدموع التي سقطت طويلًا قد حان وقت قطافها ابتساماتٍ تزين المحيا.


لكن الحكاية كُتبت بحبر آخر؛ وكأن القدر كان يتربص بي في أقصى زاوية الضوء ليدفعني نحو عتمة لم أكن أخشاها.


 دخلت قصر الفرح أزف أمنياتي، فإذا بالضحكات تحترق قبل أن تولد، وإذا بالثياب البيضاء التي اخترتها لزفافي تتحول في عين الموت إلى كفن شفيف.


مات الحلم واقفًا وتوارى نبض الحياة خلف سدول صمتٍ ثقيل، فلم أعد أدري هل أنا عروسٌ ودعت دنياها، أم روحٌ تحضر جنازة نفسها فوق تراب الأماني الخائبة.


أحببتك منذ زمن وتفرقنا في طرق مختلفة، ويشاء القدر أن نجتمع مرة أخرى، وتتوجين ملكة على عرش قلبي، ولكن لم يكن في الحسبان أن تكدس لنا المكائد حتى يفرقوا بيننا ويحاولوا قتلي غدرًا وتلطخ دمائي الطاهرة ثوب زفافك، فهل حان وقت الفراق أم أن للقدر رأي آخر؟! 


ولكن حتى وإن افترقنا في الدنيا يكفي أن اسمك أصبح على أسمي فإذا وافتني المنية ستكوني زوجتي في الآخرة كما أصبحتِ زوجتي في الدنيا.

❈-❈-❈

يجلس أوس في مكتبه العريق في صرح شركات إلياس الكبير، وأمامه العديد من الأوراق والملفات وإلى جواره تقف السكرتيرة الخاصة به بينما يجلس في المقعد المقابل المدير التنفيذي بالمجموعة.


أغلق الملف بحدة وصاح بانفعال:

– ده لعب عيال إزاي مش قادرين نعرف إللي بينخور ورانا يا متر؟! مشغل أنا معايا رجالة ولا مشغل عيال في حضانة؟!


ابتلع الرجل ريقه بتوجس، وتحدث بنبرة هادئة:

– اهدى بس يا باشا أنا والله مش ساكت وبدور بنفسي وراء الشركة إللي بتاخد مننا المناقصات بس زي ما قلت لحضرتك أنا وصلت للاسم لكن مين صاحبها الفعلي مش قادر أوصل ليه.


ارتخى في مقعده وتبسم بسخرية:

– يا فرحة أمك بيك.


اتسعت عين الرجل ونظر إلى الأرض بخجل، ببنما حاولت السكرتيرة كبت ابتسامتها بصعوبة.


ضرب بقبضة يده فوق المكتب بحدة، وهتف بنبرة حادة لا تقبل النقاش:

– أرجع من إجازة فرحي وأعرف مين إللي وراء الموضوع ده وإلا قسمًا بربي لهتشوف مني وش عمرك ما شوفته.


بهت وجه الرجل وانتفض من مكانه، وهو يردد بتوتر:

– حاضر يا باشا حاضر أوامر حضرتك.


نهض من مكانه وغمغم بحرج:

– احم ينفع استأذن من حضرتك وأروح أشوف شغلي؟!


وضع أوس يده أسفل ذقنه وهتف متهكمًا:

– يا راجل رايح تشوف شغلك؟! لا لا قول رايح ألعب رايح أغير جو لكن رايح تشتغل متجيش سكة معاك.


تنهد الرجل بأسف وقال:

– حقك عليّ يا باشا إن شاء الله هلاقي حل.


مسح أوس على جبهته بضيق وأشار له:

– لما نشوف روح شوف شغلك لو فيه جديد بلغني حتى وأنا في الإجازة.


صمت لثوانٍ واستطرد محذرًا:

– لو إلياس باشا جه حسك عينك تفتح بوقك بأي حرف سامع؟؟


أومأ بايجاب:

– تحت أمرك.


تحرك الرجل سريعًا هربًا من براثنه، وغادر المكتب وأغلق الباب خلفه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

التفت إلى السكرتيرة التي تقف جواره وتساءل باهتمام:

– عملتي إيه في إللي طلبته منك؟!


تبسمت بهدوء وقالت:

– عملت سيرش عن أفضل الأتليهات وبعت لحضرتك اللوكيشن على الواتساب.


نظر في الساعته وتمتم:

– الساعة بقت أربعة يا دوب ألحق أمشي ولو في جديد كلميني تقدري تروحي تشوفي شغلك.


هزت رأسها بإيجاب:

– حاضر يا فندم.


غادرت إلى مكتبها، بينما نهض هو من مكانه بارهاق شديد، قام بتشمير ذراعيه وفك أزرار قميصه الأولى وتوجه إلى المرحاض بتثاقل ووقف أما صانبور المياه وقام بفتحه وغسل وجهه وذراعيه وبدأ بتدليك عنقه بالمياه الباردة، وكذلك خصلات شعره.


خرج بعد قليل ينشف وجهه بالمنشفة وبعدها توجه إلى جاكيت بدلته المعلق بعناية والتقطه وارتداه بتريث وبعدها أخذ متعلقاته الشخصية من فوق المكتب وغادر من المكتب بل من الشركة بأكملها كي يلحق مشواره برفقة مرام، فهو ترك لها مطلق الحرية في السابق لتفعل ما تشاء وكانت النتيجة أنها لم تفعل شيء من الأساس.

❈-❈-❈

بعد العمل المتواصل لقرابة الخمس ساعات تهاوت مرام على أرضية الغرفة بتثاقل وإلى جوارها غنى. ولكن للحق النتيجة كانت مبهرة فالجناح قد تحول إلى قصر صغير ومملكة تمتاز بالجاذبية والطمأنينة.


دارت غنى بنظراتها حولها وهتفت بحماس:

– الجناح بقة تحفة بجد؟!


أومأت مرام بوهن:

– أيوه بس بعد إيه أنا مش قادرة أقف على رجلي بجد.


تبسمت غنى رغمًا عنها:

– تستاهلي ما هو لو جنابك كل يوم كنتِ تعملي حاجة في الجناح كان جهز من زمان لكن جنابك مكبرة دماغك.


تنهدت مرام بقلة حيلة:

– بصراحة كان عندي أمل أوس يمل مني ويشيل الموضوع من دماغه لكن مع الأسف النتيجة كانت عكسية وكل يوم يزيد العند أكتر.


تساءلت غنى باهتمام:

– ليه مجبتيش هدومك الدريسنج؟!


التوى شفتيها بضيق وتمتمت:

– الباشا رافض ألبس أي حاجة من هدومي القديمة بعد ما نتجوز.


اتسعت ابتسامة الأخرى بحماس:

– واو والله دائمًا بقول إن أبيه أوس ده كريزما وبيفهم. وعايزة الحق هو صح والمفروض جنابك كنتِ تستغلي ده زي أي عروسة وتشتري حاجتك وتفرحي من أول وجديد لكن إنتِ ضاربة بوز البومة بتاعك.


لكزتها مرام في ذراعها بعنف:

– بقى أنا بومة؟!


تأوهت غنى بألم:

– الله أكدب يعني مش أقول الحقيقة؟! المهم أنا هقوم أخد سوى وأنام وإنتِ هتعملي إيه؟!


زفرت بضيق:

– هقوم أجهز عشان أوس قرب يوصل وهنروح نشوف الفستان.


صفقت غنى بحماس:

– متحمسة أوي أشوفه ناوية تجيبه لونه إيه؟!


ابتسمت بخبث وقالت:

– خاليها مفاجأة.


رمقتها بعدم تصديق:

– مفاجأة؟! استر يارب أنا مش مرتاحة ليكي والله بلا هقوم أنا أريح بعد إذنك.


تبمست مرام بهدوء:

– اتفضلي يا حبيبتي شكرًا على تعبك معايا.


غادرت غنى الغرفة بخطوات متثاقلة يملؤها النعاس، تاركة مرام وحدها وسط عبق المكان وسكونه. نهضت مرام ببطء وهي تضم كفيها لتخفف آلام عضلاتها، ثم اتجهت إلى غرفتها ثم اتجهت إلى المرحاض لتنعش وجهها وتستعيد جزءًا من حيويتها استعدادًا للقاء أوس.


بعد أقل من ساعة، كانت مرام تقف أمام مرآة غرفتها ترتدي فستانًا أنيقًا من الكتان بلون اللافندر الهادئ، وتضع لمسات خفيفة من مساحيق التجميل، وبعدها عادت إلى الجناح الجديد مرة أخرى تلقي عليه نظرة أخيرة حين انفتح باب الجناح الخارجي ودخل أوس بخطوات واثقة.


ألقى مفاتيحه على الطاولة الجانبية وتوجه مباشرة نحو غرفتها، متكئًا بكتفه على الإطار بابتسامة خبيثة تكسر هيبته المعتادة:

– شكلي جيت في وقت متأخر ولا الجناح خلص أخيرًا؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

التفتت إليه مرام وعقدت ذراعيها أمام صدرها بحدة مصطنعة:

– الجناح خلص وتعبت فيه لحد ما ظهر بالشكل ده بس ده مش معناه أبدًا إنك كسبت التحدي.


خطا أوس إلى داخل الغرفة بخطوات بطيئة، واقترب منها حتى أصبح على مسافة قصيرة تجبرها على رفع رأسها لتلتقي عيناهما:

– مين قال إنها مسألة تحدي؟ أنا بس كنت عايز أشوفك وإنتِ بتحولي الجناح للشكل ده ، وبعدين تعب العروسة اليومين دول جزء أساسي من تجهيزات العرايس فاضل بس نجيب فستان كتب الكتاب، وكمان هدومك.


حاولت مرام إخفاء ارتباكها من قربه المفاجئ، فأشاحت وجهها بضيق:

– هدومي موجودة ليه نتعب نفسنا ونجيب غيرها؟


رفع أوس حاجبيه بابتسامة واسعة، وقد لمعت عيناه ببريق العبث:

– هدومك القديمة دي تاريخ وانتهى يا مرام على العموم لو جاهزة خلينا نتحرك ونروح نجيب الحاجة.


تنهدت بضيق:

– جاهزة يلا بينا.


انحنى بظهره قليلًا وأشار إليها بطريقة مسرحية:

– اتفضلي يا برنسي ليدز فيرست.


رمقته بحدة وتحركت أمامه على مضض شديد، بينما هز رأسه بيأس وتحرك خلفها….

❈-❈-❈

ملت نوران من المكوث في المنزل بمفردها فمنذ سفر غنى وهي تشعر بفراغ كبير، على الرغم أن غنى عرضت عليها أن تسافر برفقتهم لكن رفضت رفض قاطع هي تعودت على الحياة هنا في الريف، بالإضافة أنها لا تريد أن تكون قريبة من عمر يكفي ما أوصلها إليه حتى الآن.


ارتدت ملابسها وغادرت إلى الخارج تسير وسط الخضرة الطبيعية وتتنعم بنسمات الهواء الطبيعية، ظلت تسير حتى وصلت إلى البحيرة وجلست أمامها بشرود تام.


على الطرف الآخر كان يقف شاب في مشارف عقده الثالث أمام البحيرة ينفث دخان سيجاره بضيق شديد يفكر في حل لتلك الورطة التي ورطه بها والده بعد أن أرغمه على أن يعود قصرًا من الخارج كي يزوجه زوجة مصرية ليضمن استقراره هنا فيما بعد.


زفر أنفاسه بضيق فحياته ليست هنا، عالمه وكيانه أصبح هناك حتى إن رغب في الزواج والاستقرار ستكون زوجة أجنبية يمكنها العيش برفقته هناك وهي موجودة بالفعل صديقته المقربة آن ينتظر حتى يحين الوقت ويتزوج بها حتى لو دون علم والديه وموافقتهم، أما تلك الزوجة التي يرغب فيها والده هنا فستكون مجرد زوجة روتينية فقط تمكث برفقة والديه وترضا بالقليل الذي سيقدمه لها ولكن أين سيجدها تلك.


ألقى عقب السيجارة أرضًا وأكمل سيره واضعًا يده فيجيبه، ولكن أثناء سيره تصنم جسده وهو يرى تلك الجميلة جالسة أمام البحيرة، رباه من أين لها بكل هذا الجمال والبراءة مؤكد أنه يتوهم فلم يرى بمثل جمالها من قبل.


تحرك بخطى وئيدة واقترب منها يتأكد أنها حقيقة ولا يتخيل:

– مساء الخير.


انتفضت نوران من جلستها ونهضت على الفور ووقفت تهندم من ملابسها وحجابها وتعتدل وهي تنتوي الرحيل.


قطع الطريق أمامها على الفور وتمتم دون وعي:

– رايحة فين بس أنا ما صدقت ألاقيكي هو إنتِ حقيقة ولا خيال؟!


طالعته من أعلى إلى أسفل بإزدراء وقالت:

– عايزة أعدي لو سمحت ميصحش كده.


اتسعت مقلتيه مرددًا بعدم تصديق:

– بسم الله ما شاء الله مش بس جمال لا ده صوت ولا في الأحلام.


انفعلت بضيق شديد:

– احترم نفسك يا جدع إنتَ ووسع من قدامي.


أزاحته من أمامها وركضت سريعًا من أمامه عائدة إلى المنزل، ولكن ما لم يكن في الحسبان هو أنه لحق بها فهي صيد وفير بالنسبة إليه قدمها له القدر على طبق من ذهب.

❈-❈-❈

كان أوس يرافق مرام في أتليه الفساتين الضخم وهو يجر قدميه بتذمر شديد، فالمفارقة الغريبة أن عينه التقطت الكثير من الفساتين الجميلة التي أعجبته، في حين ظلت هي مترددة ولم يعجبها شيء. استمر الوضع هكذا حتى خيم الصمت المفاجئ، لتتوقف فجأة أمام فستان أسود استوطن كل انتباهها وسرق أنفاسها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضيق عينيه وتساءل بحذر شديد:

– وقفتي ليه؟!


هتفت بحماس وهي تُشير إلى الفستان:

– إيه رأيك تحفة مش كده؟!


اتسعت مقلتيه مرددًا بصدمة:

– نهارك أسود ومنيل يا شيخة عايزة تلبسي ليّ في كتب كتابي فستان أسود؟! منك لله يا بعيدة ده فرحي مش جنازتي يا بعيدة؟!


ردت بضيق:

– الفستان حلو جدًا وشيك.


صاح بحدة:

– إنتِ مجنونة صح؟! أنسي يا مرام أنسي الأسود تلبسيه عليّ في جنازتي مش فرحي. اتفضلي يلا وبعد إذنك تنقي درس أبيض أو أوفيت مش عايزة تلبسي فستان فرح براحتك لكن اللون بقى من اختياري.


رمقته بضيق:

– على فكرة إنتَ ديكتاتوري.


تبسم بسخرية:

– والله؟! ياريت كنت ديكتاتوري مع جنابك بدل تعب القلب ده. انجزي.


تحرك بخفة وهو يتأمل الفساتين وهي تتبعه حتى توقف أمام درس من اللون الأوفيت أقل ما يقال عنه أنه تحفة فنية، وقفت هي الأخرى تحدق في الدرس لا تنكر أنه جميل بالفعل.


التفت إليها وتساءل بحماس:

– إبه رأيك تحفة صح؟!


أومأت بايجاب:

– حلو فعلًا.


تبسم باتساع:

– خلاص روحي قسيه وأنا مش عايز أشوفه الوقتِ خليها مفاجأة ليّ.


تنهدت بقلة حيلة وقالت:

– حاضر.


ذهبت برفقة العاملة لقياس الفستان وكان الفستان في غاية الروعة عليها كما لو كان خصص إليها، خرجت بعد فترة وقام بشراء الفستان وباقي المتعلقات الخاصة به. وبعدها غادروا استقلوا السيارة وقادها بصمت لاحظت أنهم ليسوا في طريقهم إلى القصر فقطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

– إحنا رايحين فين؟! ده مش طريق القصر.


تبسم بسخرية:

– خطفك عندك مانع.


قلبت عينيها بملل:

– على فكرة بتكلم جد رايحين فين؟!


أجاب باختصار:

– هنروح المول هقعد أنا في كافيه وأسيبك على راحتك تشتري كل إللي إنتِ محتاجة ليه كله يا مرام كله فاهمة؟! يعني حتى لو شرابات تجبيها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

طالعته بعدم تصديق:

– نعم؟! 


رمقها بتحذير:

– نعم الله عليكِ ولا تحبي أنا أجي معاكِ؟! والصراحة أنا متحمس كفاية هلبسك على ذوقي ومزاجي.


أنهى حديثه بغمزه ماكرة، فتنهدت بضيق:

– تمام هجيب.


تبسم بارتياح:

– حلو أوي ياريت بقى تكتري من اللون الأحمر والنبيتي عشان بحبهم.


هتف بتحذير:

– أوعي تجيبي حاجة سوداء هرميها في الشارع.


هزت رأسها بيأس:

– ربنا يهديك….

❈-❈-❈

ولجت سريعًا من بوابة المزرعة وهي تأخذ أنفاسها بصعوبة نتيجة لركضها، فصدمت بوجود سيارة عمر، قطبت جبينها بحيرة وتوجهت إلى داخل المنزل وجدته يجلس في الشرفة وبرفقته الخالة هنية التي تعمل هنا برفقتها.


اقتربت منهم وألقت التحية:

– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


دقق النظر في وجهها وتساءل بتشكك:

– مالك في إيه؟! كنتِ بتجري؟!


هتفت بتهرب:

– لا أنا بس خوفت أتأخر على الرجوع فمشيت بسرعة هي غنى جت مع حضرتك؟!


هز رأسه بنفي:

– غنى مجتش أنا بس إللي جيت جدي بعتني عشان أخدك تحضري كتب الكتاب.


حاولت الاعتراض بلباقة:

– لا شكرًا مفيش داعي.


رفع حاجبه مستنكرًا:

– هو أنا باخد رأيك؟! روحي أجهزي يا نوران يلا عشان نوصل بدري.


تنهدت بقلة حيلة وقالت:

– حاضر…


غادرت سريعًا بدلت ملابسها وارتدت حجابها وحضرت حقيبة صغيرة وبعدها توجهت إلى الأسفل وجدته يجلس في الحديقة ينظرها وهو يحتسي فنجان القهوة خاصته، وما أن رأها حتى وضع الفنجان على الطاولة ونهض من مكانه متوجهًا إلى السيارة وهي تتبعه، استقلت جواره السيارة بصمت تام عائدًا إلى القاهرة مرة أخرى.

❈-❈-❈

في فيلا قريبة من المزرعة لا تبعد عنها سوى عدة أمتار دلف إلى الداخل واضعًا يديه في جيوبه ويطلق صفيرًا باستمتاع.


لاحظه والده وتساءل باهتمام:

– سبحان الله إللي يشوفك وإنتَ خارج يا وليد ميشوفكش وإنتَ راجع.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جلس على المقعد المقابل لوالده وهتف بابتسامة:

– لقيتها يا بابا لقيت العروسة إللي إنتَ عايزها.


رمقه بعدم تصديق:

– بجد؟! ودي تطلع مين؟!


أردف بحماس:

– عرفت إن اسمها نوران ويتشتغل في مزرعة إلياس باشا.


انتفض والده من مكانه وصاح بعصبية:

– نعم نعم إنتَ اتجننت؟! عايز تتجوز خدامة؟!


وضع ساق فوق ساق وتحدث بنبرة باردة:

– والله ده إللي عندي إنتَ عايزني اتجوز ودي إللي اختارتها يا إما هي يا إما تسبني أسافر تاني…

❈-❈-❈

بعد مرور يومين كانت تجهيزات عقد القرآن على قدم وساق، على الرغم أنه حفل بسيط إلا أن أوس كان يشرف على التجهيزات بنفسه وبرفقته إلياس وآصف.


حل المساء وغادر إلياس القصر مرتديًا حلته المنمقة وتوجه إلى منزل وتين كي يقوم باحضرها رغم رفضها الحضور لكن أصر على ذلك يجب أن تكون برفقته وها هي تستقل السيارة إلى جواره مرتدية درس من اللون البينك وحجاب بسيط من نفس اللون ولم تضع أي مستحضرات تجميل على وجهها ومع ذلك كانت أيقونة من الجمال.


التفت إليها بابتسامة:

– زي القمر ما شاء الله.


ابتسمت باقتضاب:

– شكرًا.


استرسل حديثه بحماس:

– هانت كلها أيام ويكون فرحنا وكويس إنك جيتي القصر عشان تشوفي جناحنا بعد ما جهزته.


رفعت كتفيها باللامبالاة:

– مش لازم.


زفر بضيق وقال:

– على راحتك المهم هنروح بكره نختار فستان الفرح.


تبسمت ببرود:

– مفيش داعي أختار معاك إنتَ اختارت كلها حاجة مش هتفرق.


قلب عينيه بنفاذ صبر:

– بجد؟! وأنا إللي هقيس الفستان كمان؟! بس أنا أطول منك شوية مقاسنا مش واحد.


ابتسمت رغمًا عنها، تبسم بدوره:

– أيوه كده اضحكي على الشمس تنور…

❈-❈-❈

يقف أمام المرآة يقوم بإغلاق أزرار قميصه وهو يطالع نفسه بالنهار، قاطعه دق على باب الغرفة توجه إلى الباب وفتحه تفاجئ بوالدته تحمل صغيره الذي يبكي بشدة، حمله على الفور بقلق شديد ويا للعجب هدأ زين واستكان في أحضان والده.


نظرت إليه من أعلى إلى أسفل بانبهار وقالت:

– بسم الله ما شاء الله زي القمر يا حبيبي.


اقترب من والدته وقبل يدها بحب:

– ربنا يخليكي ليّ يا ست الكل.


اعتدل في وقفته ونظر إلى صغيره بحيرة:

– هو زين ماله؟


تنهدت بقلة حيلة وقالت:

– مش عارفة يا حبيبي عمال يعيط مسكتش غير معاك.


قبل صغيره ووضعه فوق الفراش، ولكن الصغير تشبث به وظل يبكي، تعجبت والدته:

– هو فيه إيه الولد ماله؟


تحدث بهدوء:

– خلاص خليه معايا يا حبيبتي متشغليش بالك هي مرام جهزت؟!


أجابت بهدوء:

– غنى ونوران معاها والميك أب ارتيست.


أومأ بتفهم:

– طيب روحي اجهزي يا حبيبتي هو صحيح فين إلياس وآصف والشباب…..


ما كاد أن ينهي جملته إلا واقتحم نوح الغرفة وهو يغني إحدى الأغاني الشعبية وخلفه عمر وآصف وأيهم. 


بسم الله الرحمن الرحيم وهنبدأ الليلة تيرارا تيرارا.. عريسنا الزين كحيل العين وعروسته حلوة وجميلة الليلة دي مفيش زيها، فرحتنا بجد حكاية الكل بيحضر هنا، ويا رب تدوم البداية.


اتسعت ابتسامة أوس بسعادة حتى الصغير اندمج في أحضان والده، اقترب منهم وقام بضمهم بحب.


طالعتهم والدته بفرحة وقالت:

– ربنا يبارك فيكم يارب العالمين.


تركتهم ورحلت وأغلق نوح الغرفة وبدأ يغني من جديد ويتراقص برفقة أيهم وحمل زين من أحضانه والده كي يندمج معهم.


بينما توجه آصف إلى شقيقه الأكبر بمرح:

– أنا بقى إللي هلبسك الكرافت وجاكيت البدلة بنفسي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضمه أوس بحب:

– ربنا يخليك يا حبيبي.


نظر حوله بحيرة وتساءل:

– إلياس فين؟!


– أنا أهو.


قالها إلياس الذي اقتحم الغرفة بعد أن أوصل وتين إلى غرفة العروس…..


اقترب من شقيقه ونصفه الآخر وتوأمه وضمه بحب فهو الوحيد الذي يعلم كل شيء مر به وكان جواره في كل محنة كانوا دائمًا الدعم والسند لبعضهم:

– مبارك يا حبيبي ربنا يجعلها جوازة الدهر.

❈-❈-❈

تجلس سيرين في غرفتها بتوتر شديد تخشى ما سيحدث الليلة، تنظر في الساعة من حين لآخر في انتظار اللحظة الحاسمة. وهي تدعي الله أن تنتهي الليلة على خير وتتخلص من مرام إلى الأبد….


كانت دقات قلبها تتسارع مع كل ثانية تمر، وصوت عقارب الساعة يكاد يطرق رأسها. ورغم البرودة التي كانت تملأ الغرفة، إلا أن العرق كان يتصبب على جبينها. مرام لم تكن مجرد شخص عادي في حياتها، بل كانت كابوسًا جثا على صدرها طويلًا، وسرقةً واضحة لراحة بالها لأسابيع لا تعد ولا تحصى، حتى شعرت أن وجودهما معاً تحت سقف واحد أصبح مستحيلًا.


أخذت سيرين نفسًا عميقًا، في محاولة منها لتهدئة روعها وهي تذكر نفسها بالخطة التي رسمتها طوال الأيام الماضية؛ كل تفصيلة دُرست بعناية، وكل احتمال حُسب حسابه.

❈-❈-❈

تأنقت مرام في فستانها ووقفت أمامهم بتوتر شديد فما كان منهم سوى التسمية عليها فكانت ملكة متوجة وعلى الرغم أن الميك أب كان بسيط إلا أنه أبرز ملامحها الجميلة.


ضغطت على شفتيها بتوتر:

– شكلي حلو؟!


استنكرت غنى حديثها:

– حلوة؟! إنتِ زي القمر يا روحي.


أيدتها نوران بحماس:

– اللهم بارك زي القمر كأن الفستان معمول ليكي مخصوص.


توجهت بنظراتها إلى وتين التي تجلس بحرج شديد، وتحدثت بنبرة هادئة:

– إيه رأيك يا وتين؟!


أجابت على الفور:

– زي القمر ما شاء الله…


دق الباب ودلفت هالة إلى الغرفة وما أن ولجت إلى الغرفة سمت:

– بسم الله ما شاء الله.


خفضت مرام بصرها أرضًا بخجل، تقدمت منها ووقفت أمامها ورفعت وجهها بطرف إصبعها:

– زي القمر يا بنتي.


فتحت لها ذراعيها وسرعان ما ألقت مرام نفسها في أحضانها وكأنها كانت في حاجة إلى هذه المبادرة بالفعل….

❈-❈-❈

في الأسفل يقف الجد إلياس يستقبل المدعوين وبرفقته والدي عمر.


هبط أوس من الغرفة حاملًا صغيره الذي رفض ترك والده ومن خلفه الشباب، توجه إلى جده وانحنى مقبلًا كف يده بحب.


ربت على ظهره بحنو وقام بضمه:

– مبارك يا حبيبي.


رد باحترام:

– الله يبارك فيك يا جدو.


سلم على عمه وزوجته وبعدها نظر إلى جده بترجي:

– مش يلا بقى يا جدو أطلع هات العروسة.


تبسم الجد وقال:

– مستعجل أوي يعني حاضر يا حبيبي.


غادر بالفعل متوجهًا إلى الأعلى كي يحضر العروس بينما حاول إلياس وآصف آخذ زين من والده لكن رفض بشدة وتشبث به وهو يبكي، فما كان منه إلا أن أنزله أرضًا وتمسك بكف يده الصغير ووقف في نهاية الدرج وعينيه معلقة بالأعلى وهو يرى أميرته ومالكة قلبه تتهادى على الدرج برفقة جده اتسعت عينيه بانبهار لا يصدق ما يراه هي جميلة بالفعل ولكن اليوم تخطت مراحل الجمال فسبحان من أبدع وصور، وكأن الفستان قد خصص لأجلها هي فقط، كما أن لفت الحجاب الأنيقة أبرزت معالم وجهها البريئة.


وصلوا إلى ناهية الدرج واستقبلها أوس كان سيرفع يدها كي يستقبلها لكن أوقفه نوح بمرح:

– لا لا لسه لما نكتب الكتاب يا عريس.


ابتسم بهدوء، وتوسطهم الصغير يمسك يدها بيده اليمنى ويد والده باليد اليسرى…


خرجوا إلى الحديقة والجميع من خلفهم جلسوا في المكان المخصص لهم، وزين يجلس على قدم والده بأريحية اقترب منها وهمس في بنبرة تفيض عشقًا:

– أجمل ما رأت عيني فلم أرى بجمالك، ولن أرى جمال بعد جمالكِ.


تبسمت بخجل وقالت:

– لسه كتب الكتاب متكتبش حرام كده.


ابتسم بخفة وصمت فهي معها كل الحق مر الكثير وبقي القليل وتكون زوجته شرعًا وقانونًا، وصمتت اقترب إلياس من أوس وحثه أن ينهض من أجل عقد القرآن، ترك الصغير برفقة مرام أخيرًا بعد أن رضخ الطفل إلى ذلك.


على طاولة مستديرة جلس المأذون متوسط الجد إلياس على اليسار، وعلى يمينه يجلس أوس، فقد كان الجد وكيل مرام بينما كان الشهود إلياس وعمر.


وضع أوس يده في يد جده وفقهم المنديل الأبيض وبدأ المأذون في عقد القرآن، وفور أن انتهى اللقى عبارته الشهيرة.

– بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير.


ما أن أنهى المأذون كلماته حتى بدأ إلياس فى طرق الرصاص في السماء.


بينما اختطف نوح المنديل بمرح:

– حلال عليّ أنا المنديل ده بقى يمكن الدور يبقى عليّ.


نهض أوس ووقف يستقبل التهاني والتبريكات من عائلته وأشقائه، وكان نفس الوضع عند مرام فقد وقف البنات برفقتها يتبادلون الأحضان والقبلات وسط التصقيفات الحارة من المدعوين.


بعد أن سلم على الجميع وتقبل منهم التهاني والمباركات توجه إليها بخطى سريعة كانت تقف في انتظاره بخجل شديد وصغيره يقف جوارها، اتسعت ابتسامته وهو لا يصدق أنها اصبحت امرأته بالفعل صارت زوجته شرعًا وقانون، حب حياته قد أصبحت ملك يمينه. ولكن فجأة انمحت ابتسامته وهو يرى شعاع أحمر مصوب فوق ثوبها لم يدري بنفسه سوى وهو يركض صوبها بسرعة شديدة وسط صدمتها وتعجب الجميع وفي لمح البصر وقف أمامها كسد منيع واخفاها خلف ظهره هي وصغيره في نفس اللحظة التي أطلق بها الرصاص وأخذ موضوعه فوق صدره .


سقط على الأرض بين أحضانها وسط صدمتها ومحاولتها إيقاف جرحه النازف بلا توقف، بينما علت نظراته المحبة نحوها وسط الضباب الذي بدأ يغشى عينيه. جمع آخر رمق من طاقته، ومد يده المرتعشة ليمسح دموعها الدافئة على وجهها، وهمس بصوت خافت بالكاد تسمعه وسط صخب المكان:

– الحمد لله بقيتي على اسمي هموت وأنا مطمئن إنك هتبقي مراتي في الآخرة أنا بحبك يا مرام وعمري ما حبيت غيرك زين في أمانتك إنتِ إللي هتربيه من بعدي….


نطق كلماته أغمض عينيه ببطء وسط صرخات الفزع التي ملأت أرجاء الحديقة ركضت والدته وأشقائه نحوه بفزع، بينما سارع أحدهم بالاتصال بالإسعاف، واندفع آخرون للامساك بسلاحهم وتتبع مصدر شعاع الليزر القادم من إحدى البنايات المقابلة.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل