قراءة رواية (قسوة نصار) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (قسوة نصار)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( توتا محمود) | الفصل: (18)
تدور الكاميرا ببطءٍ شديدٍ في أرجاء الردهة الواسعة، حيث تشتعل النيران الخفية بين الحاضرين دون أن تلمسها أيدي أحد، فتقف «سميحة» منتصبة القامة بوجهٍ محتقنٍ بالدماء من شدة الغضب، وتتحرك عيناها بسرعةٍ عصبيةٍ وهي تمسح المكان كله بنظراتٍ محملةٍ بالازدراء المفرط، بينما يرتجف شقيقها «نصار» بجانبها في مكانه وكأن الأرض قد أطبقت عليه، مسماراً إياه في مكانه تحت وطأة صدمةٍ عميقةٍ تجمدت معها الكلمات في حلقه، لا يستطيع حراكاً ولا نطقاً، وتتدلى كتفاه بضعفٍ واضحٍ بينما تحيط به أجواء المشحونة بالتوتر
لتندفع «سميحة» في هذه اللحظة بكل جسدها نحو «فيروز» دافعة إياها للخلف بقوةٍ جسديةٍ مفاجئةٍ عكست مدى كرهها الدفين، ثم تلتفت بسرعةٍ خاطفةٍ لتطمئن على شقيقها المأخوذ، عاكسةً في عينيها خوفاً محاطاً بسورٍ من القسوة الفاجرة التي تخرج من أعماقها بلا رادع، قبل أن تطلق كلماتها الجارحة بحدتها السابقة المعتادة دون أن تتغير نبرتها الصارمة ولا العلامة الملتصقة بنهاية حروفها، لتستمر في سيلها الهادر من الرفض القاطع بـ
ـ تتقطع أيدك .
تتحرك «سميحة» بكتفيها إلى أعلى في حركة استهزاء واضحة، تلوت شفتيها ببطءٍ شديدٍ بحنقٍ بالغٍ يملأ وجهها، وتفتح فمها بلسانها السليط الذي ينقط سمّاً، رامقةً «فيروز» بنظراتٍ محملةٍ بسخطٍ عميقٍ وكراهيةٍ لا تخطئها العين، قبل أن تطلق سخريةً لاذعةً بكل استخفافٍ تتردد صدى كلماتها في أركان الردهة :
ـ لا وقال ايه احنا ميتين في دباديبك يا بت ، ما في داهيه .
تتقدم «فيروز» خطوةً واسعةً إلى الأمام بكل ثباتٍ، ترمق «سميحة» بنظراتٍ حادةٍ تخترق الحجارة، مركزةً كل اهتمامها وجوارحها على تلك المسألة التي تخص ابنها الصغير دون سواها، فلا شيء في هذا العالم يهمها سواه، لتخرج كلماتها من بين أسنانها مشحونة بالغضب الطاغي بـ
ـ انتِ واخوكي اللي في داهيه، ولو ممشتوش من هنا هبلغ البوليس يتصرف معاكم .
تلتفت «فيروز» برأسها فجأةً في حركةٍ سريعةٍ نحو الداخل، تتقاطع عيناها بلهفةٍ واضحةٍ تبحث عن طوق نجاة، لتطلق نداءها المبحوح بصوتٍ يعلوه القلق :
ـ يا خالتي .
تخرج «لوزة» من زاوية الردهة بخطواتٍ مترددةٍ ومرتبكةٍ، تخفي وجهها بذكاءٍ متوترةً من نظرات «سميحة» و«نصار» المشتعلة التي تحرقها وهي حيّة كأنها ألسنة لهبٍ حقيقية، فتقف مستكنة في مكانها تفرك يديها ببعضهما من شدة الحرج والارتباك، قبل أن تجيب بصوتٍ خافتٍ مرتعشٍ يخرج بحذرٍ شديدٍ :
ـ نعم يا بنتي .
تستدير «فيروز» بجسدها كله في حركةٍ سريعةٍ وحادةٍ مرةً أخرى نحو «نصار» و«سميحة»، متجاهلةً كل شيء، لتطلق أمرها الصارم بنبرة قاسية لا تقبل المناقشة :
ـ نادي الامن خلي يرمى الزباله دي .
يتحرك «نصار» سريعاً ويهتز جسده كمن كاد أن يفتح فمه ليرد بقوةٍ على تلك الإهانة المباشرة، إلا أن «سميحة» تقاطعه في منتصف الحركة، فتقترب بخطواتٍ واسعةٍ متأججةٍ كالعاصفة، وتهتف بوجه «فيروز» بحدةٍ أشد ضراوة متجاوزةً كل الحدود:
ـ مين دول زباله يا زباله يا بنت الزبالين، انتِ نسيتي نفسك ولا ايه يا ختي، اوعى تكوني نفسك صفينار ولا سعاد حسنى بجمالك، فوقي يما انا اخويا زمان بصلك شفقه عليكي، مش أكتر، لكن انتِ واختك وابوكى متستاهلوش حد يحبكم، انتوا هتعيشوا وتموتوا لوحدكم .
ينقبض قلب «فيروز» من الألم العميق كأن طعنةً خنجرٍ قد استقرت في أعماق صدورها، وتتحول نظراتها المكسورة ببطءٍ نحو «نصار» الذي يستدرك الموقف العبثي فيحاول إسكات شقيقته المندفعة، ليهتف بصوتٍ حادٍ يملأه الغضب المكتوم وهو يمد يده الخشنة ليقبض بها على ذراعي «سميحة» بقوةٍ :
ـ كفايه كده يا سميحة ويلا نمشي .
تنفض «سميحة» ذراعيها بقوةٍ وعنفٍ شديدٍ متخلصةً من قبضة أخيها على ذراعيها، وتندفع للأمام بخطوةٍ أخرى وتهتف بحدةٍ أكبر وأكثر شراسة، رامقة «فيروز» بنظراتٍ مملوءة بالاشمئزاز والتقزز :
ـ لا مش همشي، انتِ فاكره نفسك انتِ بس الضحية اللي في القصة دي، لا مش انتِ بس، اخويا كمان معاكى، لو عايزة تجيبي حقك وعندك لسان اوي ومحموقه اوي، يبقي لسانك وشخصيتك الزباله دي تعمليها علي أهل إيهاب، مش علينا وهقولهالك تانى فوقي، فوقي بدل ما وسط بتنتقمي من نصار تخسري نفسك أكتر .
تدير «سميحة» رأسها في بطءٍ لتستقر عيناها على زجاج الحضانة المليئة بالأطفال الرضع وهم يتحركون براءةً، ثم تعيد بصرها بحدةٍ إلى «فيروز»، وتطلق الكلمات بملء فمها مزيجاً من القسوة والاشمئزاز العارم:
ـ انا لولا ابن اخويا مكنتش جيت اصلا .
تتدافع الذكريات في رأس «فيروز» كشريطٍ سينمائيٍّ سريعٍ، فتتذكر حديث «لوزة» السابق الذي أخبرها بأن «نصار» قد اتفق مع «سميحة» خصيصاً لأجل خطف الطفل وإحراق قلبها بنار الفراق، فتشعر بأن الدم ينغلي في عروقها، لتهتف بقسوةٍ مضاعفةٍ تقابل بها هجومهم:
ـ مين قال اصلا اني عايزكى انتِ ولا اخوكى، انتِ اخر واحده تهمني، وبنسبة أن اخوكى بصلي شفقه، اخوكى كان بيتذلل ليا بس عشان اوفق عليه، وانا اللي وافقت عليه شفقه، وانتِ اللي متنسيش نفسك وانتِ بتتكلمي معايا، عيلتكم كلكم كان بتذلل لابويا انه يوافق علي جوزتي انا وفايزة، ويلا برا بقي من هنا .
يكون «نصار» قد وصل إلى أقصى حدود التحمل فلم يعد يطيق سماع المزيد، فتتحول عيناه المظلمتان إلى «فيروز» بنظرة طويلة مليئة بالحزن الخالص المنكسر من حديثها اللاذع والموجع، فهو يدرك تماماً أنها لم تكتفي بالرفض بل أمعنت في إهدار كرامته المتبقية أمامه، ليمد يده بقوةٍ ويشد «سميحة» من ذراعها بشدة محاولاً سحبها للخارج مغادرين أروقة الردهة، غير أن «سميحة» تأبى السكوت وتأبي أن تبتلع ألسنة اللهب التي تشتعل داخل صدرها، فحتى وهي تُجبر على المغادرة لا تنوي أبداً أن تترك تلك الإهانة تمر بسلام، لتصرخ بصوتها العالي المتهدج وسط الردهة :
ـ مين دول اللي بيتذلولو ليكم يا بنت سيد، انتى نسيتي نفسك ولا ايه يما، انا لسه فاكره يوم ما سيد هو اللي اقترح علي ابويا انه يتجوز سالم لـ فايزة، ومين دي يا ختي اللي وافقت شفقه، مش انتِ روحتي قولتي لنصار انك مش قادره تستحملي وتقدم ليكي ، ده انتِ كنتي خايفه نصار يبص لبرا، عشان كده كنتي لزقة، ده القرية كلها قالوا عليكي انتى واختك انكم لزقين ورانا ، وسيد ابوكي طمعان في منصب العمده، هو احنا هنضحك علي بعض، ده انتوا عيلة معفنه مفهاش حد فيكم كويس، طمعانين فيكم وبنتذلل علي ايه يا عيلة وسخه ……
تظل «فيروز» واقفة في مكانها، تتلقى وقع كل كلمةٍ ثقيلةٍ وكأنها حجارة تسقط فوق رأسها مباشرة، بينما تبتعد «سميحة» تدريجياً خارج الردهة مطرودة بفعل يد «نصار» الذي كان يصرخ فيها بأعلى صوت مراراً وتكراراً مطالباً إياها بالصمت المطبق وألا تتحدث بحرفٍ واحدٍ إضافي، لكن هيهات، فهذا هو لسان «سميحة» السليط وتلك هي طبيعة شخصيتها العابثة التي لا تعرف الانكسار أبداً.
تشعر «فيروز» بيدٍ دافئةٍ وضعيفةٍ ترتكت على كتفها المتهالك بوهنٍ شديدٍ، فتلتفت برأسها ببطءٍ لتجدها «لوزة» التي تقف بجانبها مبتسمةً ابتسامةً عريضةً مفعمةً بالشماتة الصريحة والفرح بانتصارها الخفي:
ـ جدعه يا فيروز جدعه يا بنتى، خليكي كده معاهم لحد ما يسيبكوا في حالك .
تغمض «فيروز» عينيها وتطلق تنهيدةً طويلةً ومحمّلةً بالتعب الجسدي والنفسي العارم، بينما ينزف قلبها ألماً لا يطاق بسبب تلك الكلمات اللاذعة التي تقاطعت في أذنيها وكانت مفعمة بأقصى درجات القسوة والمهانة، وتستقر في أعماق روحها غصةٌ خانقةٌ لا تنتهي، فقلبها ما زال يولمها بشدة لكونها صفعته بيديها قبل قليل، ولتلك الكلمات القاسية الجارحة التي ألقتها في وجهه بلا رحمة، فتتمني في سريرتها لو أن الموت يوافيها الآن، يا ليتها تموت حقاً قبل أن تسمع كل هذه الكلمات وتصل إلى هذه القاع المظلم من الألم.
❈-❈-❈
تنساب خطواتهم المتعثرة وتخرج أعقابهم من أبواب المستشفي الواسعة الباردة إلى الهواء الطلق وتحت النجوم ليلاً، حيث يهب نسيم الطريق محملاً بغبار الشارع وأصوات السيارات البعيدة، بينما يندفع «نصار» بخطواتٍ واسعةٍ متسارعةٍ وهو يدفع شقيقته «سميحة» أمامه بحدةٍ وقسوةٍ ظاهرةٍ تعكس مدى ثورته الداخلية وغليان ددمائه، متجهاً بها نحو شقيقهما «فارس» الواقف هناك بعيداً يستند إلى سيارته منشغلاً بمكالمة هاتفية طويلة يتابع تفاصيلها بجدية تامة، وما إن يلمح «فارس» قدومهما بهذه الهيئة المشحونة بالتوتر حتى يسارع بإغلاق الهاتف فوراً ويلقيه في جيبه، ثم يمد يديه ليسند «سميحة» التي تبدو مترنحةً من آثار الصدمة والانفعال، ليهتف فجأة بصوتٍ حادٍ يملأه الاستغراب الشديد والانزعاج وهو يرمقها بنظراتٍ محتارةٍ لا تكاد تصدق ما جرى :
ـ انتِ أي الكلام اللي قولتيه فوق ده، وايه اللى جابك اصلا .
يتألم قلب «سميحة» طعنةً نجلاء من جفاف معاملة شقيقيها وقسوتها عليها في هذه اللحظة التي تنتظر فيها السند، بينما يواصل «فارس» إسنادها من الخلف برفقٍ محاولاً تلطيف الأجواء وحمايتها من انهيار وشيك، إلا أنها تتجاهل تماماً ذلك الألم الجسدي والنفسي المتراكم في صدرها، وترفع رأسها لتجيب بصوتٍ يقطر بنفاذ صبرٍ وضيقٍ بالغٍ :
ـ ده مديت ايـ ـديها عليك، كنت عايزني اتصرف ازاي، اروحها اشكرها مثلا واقولها تسلم ايدك؟؟ .
يتقدم «نصار» خطوةً أخرى نحوها بعصبيةٍ جارفةٍ، ملوحاً بيديه في الهواء ومهتفاً بنفس النبرة الحادة المرتفعة التي تكاد تفقدها السيطرة على أعصابها :
ـ انتِ عكيتها يا سميحة، و زي ما يلعبوا في عقلي، لعبوا في عقلها هي مش ذنبها حاجه .
تقف «سميحة» ساكنةً لثوانٍ معدوداتٍ، تراقب خلالها وجه شقيقها وحركة شفتيه وكلماته التي تدافع عن الجانية، لتشعر بنار الغضب تسري في عروقها أضعاف ما كانت عليه، وتتسع عيناها بذهولٍ من جرأة دفاعه عنها لتهتف بانفجارٍ أشد وهجاً :
ـ انت شايف نفسك بتقول ايه؟؟، انت اتجننت يا نصار؟؟، ايوا هما لعبوا في عقلك والنتيجة أنك طلقتها بس ولا مره ضربتها ولا مره بعزقت في كرامتها الأرض، ده حتي عيلتك اللي من لحمك ودمك ميعرفوش انت سبتها ليه .
لا تكتفي بذلك القدر من الانفعال، بل تتقدم خطوتين إضافيتين وتكمل حديثها بحدةٍ أكثر ضراوة وصوتٍ يرتفع تدريجياً ليعانق عنان السماء من شدة القهر والغليان :
ـ لكن هي بعزقت بكرامتك الأرض، وقالت كلام محصلش انك هتموت وتجوزها وهي ولا فارقه معاها، ضربتك، وكمان بتحرمك انك متشوفش ابنك وكل ده عشان لعبوا في عقلها؟؟؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تستدير «سميحة» قليلاً وتتحرك في مكانها، ثم تقترب من شقيقها مرة أخرى وقد بدأت عيناها تغرقان تدريجياً في دموع ساخنة تحرق جفونها، مسترجعةً شريط معاملته القاسية قبل قليل وصلابته معها، لتهتف بدموعٍ متخافقةٍ وروحٍ منكسرةٍ :
ـ لكن انت لو تسكت عن حقك في انا مش هسكت، ولو انت مكاني وشفت حد بيضربني او يبعزق كرامتى عمرك ما كنت تسكتله، انا عملت اللي انا شايفاه صح، واظن فيروز مش صغيرة عشان يلعبوا في عقلها، ولا انت كمان صغير عشان حد يلعب في عقلك .
تطلق تنهيدةً طويلةً وموجعةً تهتز لها أضلاعها، ثم تلتفت بعيداً عنه لتنظر إلى «فارس» الذي يتابع الموقف برمته بصمتٍ مطبقٍ وذهولٍ، لتهتف هذه المرة بصوتٍ يكسوه حزنٌ دفينٌ جعل الدموع تنهمر غزيرةً على خديها الورديين كأنها ينابيع متفجرة :
ـ روحني يا فارس، وكفاية قله قيمه لحد كده .
يتحرك «فارس» في مكانه ببطءٍ شديدٍ، ويهز شفتيه ويبللهما بلسانه محاولاً ترتيب أفكاره واحتواء الموقف المشحون، سعيماً بشتى الطرق لإصلاح ذات البين بين شقيقيه وإخماد النيران المشتعلة، فيقترب من «سميحة» ويمد يده الحانية ليعانق وجهها برفقٍ بالغٍ، مسحاً بابهامه قطرات الدموع المنهمرة عن خديها بحنانٍ أبويٍّ دافئ:
ـ حقك عليا يا سميحة، حقك عليا انا بس نصار ميقصدش، هو بس متعصب ومتضايق، واحنا اخواته لو مستحملنهوش مين هيستحمله، نجيب حد من برا يستحمله يعني .
تهز رأسها بعنفٍ يميناً ويساراً بلا إرادة، وتهتف بنبرةٍ هادئةٍ منخفضةٍ يلفها الأسى العميق والألم الصادق على حال شقيقها المأزوم ليس إلا :
ـ انا مش زعلانه منه يا فارس، مش زعلانه غير عليه، لو تشوف فيروز وتعاملها هتعمل اكتر من كده وأكتر وهو مش فاهم، مش فاهم اني زعلانه عليه، والله لو اطول امسك البت فيروز اديها علقه ما هتردد .
بينما تقف مستغرقة في مشاعرها، تشعر فجأة بيدٍ دافئةٍ ومألوفةٍ ترتكت برقةٍ بالغةٍ وحنانٍ مفاجئ على كتفها المتهالك، لترفع بصرها الممتلئ بالدموع فإذا به «نصار» يقف قبالتها مبتسماً ابتسامةً صافيةً وخالصةً تزيل غبار الغضب :
ـ خلاص يا ست قلبك أبيض، والصلح خير .
تعقد «سميحة» ذراعيها بقوةٍ فوق صدرها في حركة دلالٍ طفولية واضحة، وتعير وجهها عنه معطية له ظهرها بكبرياء مصطنع وشفاه ملوية بدلالٍ عذب :
ـ لا يا خويا المصالحه دي مش بتأكل عيش خلاص، انا عايزة شوكلاته .
يطلق «نصار» ضحكةً خفيفةً دافئةً تملأ المكان، ويمد ذراعيه ليجعلها تلفت نحوه رغماً عنها، ثم يعانقها بقوةٍ وحنانٍ غامرٍ يضمها إلى صدره وهو يبتسم لها بملء فيه :
ـ عنيا يا قمر انت تؤمر .
وفي تلك اللحظة الهادئة، يقف «فارس» متأملًا هذا المشهد الأخوي الدافئ بصمتٍ مطبقٍ وعيناه تلمعان بمشاعر جياشة، داعياً في صميم قلبه وبكل جوارحه ألا يري مكروه أبداً في أشقائه، وأن يديم الله تلك السعادة والألفة بينهم للأبد.
❈-❈-❈
كانت «سهر» جالسة في غرفتها الصامتة، يغمرها إرهاق عميق يكاد يعتصم بكل ذرة في جسدها، متعبة حتى بلغ التعب منها كل مبلغه وهي منكبة على مذكراتها وكتبها الدراسية، تحاول استيعاب وتثبيت آخر السطور والكلمات.
حتى وبعد مرور عدة ساعات طويلة من الجهد الدؤوب والسهر الموصول انتهت وأخيراً، رفعت رأسها الثقيل ببطء شديد لتلقي نظرة على الحائط، رأت الساعة وجدتها الحادية عشر مساء، مما تنهدت بعمق بالغ يكشف عن حجم الإجهاد المتراكم، فهي قد استيقظت منذ فجر ذلك اليوم، وتحديداً الساعة السادسة صباحاً، صليت الفجر وبدأت مذكراتها.
فـ غداً امتحانها المصيري الذي تبنى عليه آمالاً عريضة، وهي تشعر بالتوتر والقلق العنيف يستولي علي قلبها الخافق وعقلها المشتت معاً، فهي قد تعبت وارهقت طوال هذه السنة الدراسية الطويلة والشاقة، وتتمنى من صميم قلبها أن الله يعطيها من رحمته الواسعة ويکلل تعبها بالنجاح والتوفيق.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تنهدت تنهيدة مسموعه ترددت أصداؤها في أرجاء الغرفة المظلمة، وهي تقترب ببطء وبخطوات متثاقلة من الفراش الوثير، وهي تستعد الى النوم علها تغمض عينيها قليلاً حتي تستيقظ صباحاً بنشاط حتى تراجع ما بقي من معلومات هامة التي خزنتها في عقلها طوال الأيام الماضية، وفي تلك اللحظة الأخيرة، امسكت هاتفها المحمول بيـ ـديها مرتعش وفتحت الإنترنت لتلقي نظرة سريعة، ولكن بهت وجهها وشحب لونها تدريجياً وهي تري رسائلها مازالت معلقة في الشات دون أي رد، وهو آخر ظهور له منذ الصباح.
حتى أن «سما» ابنه عمه لما تيجي اليوم كعادتهن واعتذرت عن الحضور وارسلت له ممرض ليرعى شقيقها اليوم ، يا ربي، ما الحكاية الخلف غيابهم وما القصة الغامضة؟؟
فهي حقاً كانت تظن طوال الفترة الماضية أنه يتعمد تجاهلها ولا يرغب في محادثتها، ولكن يبدوا أن هناك شئ مُريب وغير مألوف هي لم تعرفه بعد ولا تزال تجهل أبعاده، ورغم كل شيء وهواجس القلق التي تعتصم صدرها، تتمنى أنه يكون بخير لا أكثر من ذلك، فالسلامة هي كل ما تبغيه.
وبعد تفكير عميق و مضن استمر حوالي نصف ساعة من تقليب الأفكار والهواجس في رأسها، أغلقت إضاءة الغرفة تغرق في ظلام دامس، واستسلمت أخيراً لسلطان النوم الثقيل بتعب يغلف روحها وجسدها.
❈-❈-❈
جلس «سراج» يقلب بصره في أرجاء المكان ناظراً هنا وهناك، ممسكاً بعصاه أو مستنداً بظهره، يبحث بعينيه المتعبتين عن إبنائه وبناته فلم يجد أحداً منهم في الأرجاء، فاضطر لأن يلتفت ويوجه سؤاله إلى «حنان» باهتمام بالغ وحنان أبوي ظاهر، وهي التي جلست بجانبه على الأريكة بجلستها الهادئة المعتادة، ممسكة بسكين صغير بيدها وتقطع له ثمار التفاح الحمراء شرائح دقيقة أمام عينيه:
ـ امال فين الاولاد مش شايفهم يعني؟؟؟ .
لم تنظر له «حنان» على الإطلاق، ومازالت مستمره في تقطيع التفاح بعناية فائقة وحركات مدروسة، مما هتفت هي بهدوء خادع يحمل تحته براكين من المشاعر المكبوتة:
ـ نصار راح مشوار كده وقال لما اجي هبقي اقولك، انما فارس مع سميحة بيفسح اخته شويه، عشان انت عارف سميحه الايام دي نفسيتها مش كويسه بسبب اللي جرالها، وسهر حبيبه قلبي مطلعتش من اوضتها النهاردة خالص عشان قفلت على نفسها الباب بتذاكر ،ما انت عارف بكرة امتحانها والموضوع مصيري بالنسبة لها.
بينما اكملت حديثها وهي تهتف بنبرة تقطر غيرة واضحة في نبرتها الحادة، فهي رغم سنوات المرور مازالت تغار عليه بجنون من تلك المرأة الملقبة دائماً بزوجته الثانيه والتي تأخذ جزءاً من تفكيره:
ـ انما صفية لما اتطمنت علي الاولاد وكل واحد راح لحاله، راحت نامت من بدري وريحت دماغها
ختمت جملتها الحادة واعطت له طبق التفاح ليكون أمامه بعد ما انتهت من تقطيعة شرائح متناسقة، ولكن حين وضعت الطبق فوق الطاولة الصغيرة، وضعته بعنف متعمد وبصوت مزعج يجعلها تترجم مدى الحنق والضيق الساكن في قلبها منه، كأنها تحاول بصوت الطبق أن تقول له بصمت فاضح ' نعم انا أغار عليك واشتعل من نـ ـار الغيرة'
فهم «سراج» هذه الإشارة النسائية جيداً وشعر بغيرتها المشتعلة من طريقتها، مما نظر لها نظرة فاحصة فوجدها تنظر له بحنق وغضب مكتوم، فهتف هو بنبرة يغلب عليها الحنان المطلق والمداعبة الهادئة لها:
ـ علفكره انا كنت اقصد الاولاد فين مكنتش اقصد صفية لاني اساسا عارف انها نايمه في الوقت ده ومش هشوفها اصلا.
يهتم بها بهذه الدقة؟؟، حقاً يهتم متى زوجته الثانيه تنام، ومتى تستيقظ، وهل هي ساعة معينة يعلم تفاصيلها بدقة، هل حقاً يمزحها بطريقته تلك المستفزة، او حقاً يحاول أن يبرر لها موقفه، فهذا ليس تبرير مقبول أبداً، بل يقشط كلماته القاسية علي الهاوية وكأنه لا يبالي بوقعها المؤلم على قلبها حقاً.
كادت أن تغادر من امامه بكل كبرياء وكرامة محطمة، محترقة بغيره ملتهبة تكاد تعصف بصدرها، ولكن قبل أن تتحرك خطوة واحدة، امسك يـ ـدها بقوة لطيفة وجعلها تجلس على المقعد المجاور له مرة ثانيه برفق، وهتف هو بمزاح خفيف يحاول به تلطيف الجو وحنان ظاهر:
ـ ده الواحد ميهزرش معاكى ابداً يا حنان، اقعدى بس استهدي بالله وبلاش العصبية دي.
نظرت له باشتعال في عينيها وهتفت بحنق وغضب واضح في نبرتها المرتجفة:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ هزار؟؟؟، بقي عارف الست صفيه بتنام امتي وتصحا امتي وتعرف كل تفاصيلها وتقولي هزار يا سراج؟؟ ده انت كده بتولع النار في قلبي بزياده.
ابتسم لها بابتسامة دافئة ومازال يمسك يـ ـدها بحرص حتى يجعلها تستقر ولا تقف وتغادر من امامه بغضب، مما هتف بحنان أعمق وزادت نبرة صوته نعومة:
ـ يا عبيطه ده انتِ اللي في القلب وحدك ومهما حصل مكانتك لا يمكن تتنسي، وشوفتي بقي انا جبتلك ايه معايا وانا جاي؟؟
ختم جملته المفاجئة وأعطي لها وردة حمراء زاهية الرائحة واللون، مما جعلها تبتسم رغماً عنها بخجل شديد وأخذت الوردة منه بحُب جارف ونظرت له مثل النظرة العميقة التي تعطها له كل يوم، حتى بعد سنوات الزواج وما هي هذه النظرة إلا نظرة حُب متجددة لا تموت:
ـ بتعرف تضحك عليا بكلمتين حلوين وكل مرة بتسحرني بكلامك يا سراج طول عمرك بتثبتنى بكلامك .
ابتسم علي خجلها الواضح وهتف هو بحنان بالغ لها وهو يربت برفق على يـ ـدها الممسكة بالوردة:
ـ بقول الحقيقه اللي في قلبي يا ام سالم، ربنا يديمك لينا نعمة ومشوفش فيكي حاجه وحشة ابداً طول عمري.
ختم جملته الدافئة ووقف مستنداً على طاقته المتبقية، ولكن قبل أن يغادر الغرفة متوجهاً لفراشه، أخذ قطعة تفاح صغيرة من الطبق الذي أمامه مباشرة، وقبـ ـلها بحنان فوق فروة رأسها وهتف بصوت متعب ينم عن الإرهاق:
ـ انا رايح انام شويه قبل اذان الفجر، تصبحي علي خير يا ام سالم وخلي بالك من نفسك.
غادر الرجل بخطوات هادئة بينما هي ابتسمت بغلبة محب على أثر مغادرته، وامسكت الورده الحمراء بحنان وابتسمت أكثر وبأعماق قلبها على هذه الوردة البسيطة التي تنسيها كل هموم الغيرة والتعب.
❈-❈-❈
بعد اربع ساعات
تقلبت «صفية» بكسل، وهي تتأوب بنوم، حاولت أن تفتح عينيها جيداً، وبالأخير افتحتها، واشعلت نور الاباجورة الغرفة، وجدت وردة حمراء بجانب الأباجورة، مما جلست نصف جلسه علي الفراش وتفاجئت بالوردة الحمراء التي بجانب الاباجورة، امسكت الورده وابتسمت أكثر مما وجدت هذه الورقة فوقها، فتحتها بفضول وقرأتها بصوت مهموس وهي تبتسم :
" صباح الورد والياسمين عليكي يا ام فارس "
ابتسمت أكثر وهي تـ ـقبل الوردة والورقة، وهي تحمد ربها علي زوج مثله، ومن داخلها سعيدة بداخله لان زوجها «سراج» اعطى لها وردة حمراء وبتلك الكلمات البسيطه التي لمست قلبها، فمهما عدا السنين بينهم او العمر حبها لن يزيل ابداً بلا يزيد من خلال السنين والعمر والعشرة بينهم .
❈-❈-❈
وقف «فارس» سيارته السوداء بثبات تام أمام باب البيت العتيق، مما هتف بصوت يقطر تعباً وإجهاداً وهو يلتفت ببرهة لينظر إلى جانبها حيث تجلس «سميحة» التي كانت تستعد بالفعل لفتح باب السيارة وهمت بالنزول، ولكنها توقفت في مكانها حين بادرها فارس بكلماته العميقة قائلاً:
ـ تفتكري هيبقي معانا حق لو خبينا عليهم الحقيقه؟؟؟
تنهدت هي الأخرى بعمق شديد كأنها تحمل جبالاً فوق عاتقها، وهتفت بنبرة صوت متعبة ولكنها تحمل في طياتها حده طفيفة تكسر صمت المكان:
ـ فارس انا لما حكتلك في البداية قولتلك مفيش حد يعرف ده سر اخوك، وهو قاله ليا أنا وحدي، ولو حد سأل علي نصار وغيابه، نقول صاحبه مثلا في أزمة طارئة، او صاحبه جتله حاله وفاة مفاجئة نطلع منها.
ضقت عينيه بحدة ملحوظة وهو يهتف بنبرة تعلوها الصرامة وأكثر حدة منها:
ـ لا معلش انا مبكدبش، لو حد سألني في البيت هقوله اللي حصل بالظبط، ومفيش حقيقة في الدنيا دي بتستخبي يا سميحة للأبد.
امسكت وجهها بكفيها بغيظ شديد وحنق مبالغ فيه، وهتفت بحنق منه ومن عناده وتصرفاته الثابتة التي لا تلين:
ـ انا كمان مبكدبش ولاهوايتي الكذب، بس احنا دلوقتي مضطرين للسر، لو كل اللي في البيت عرفوا باللي حصل وانكشفت الحقيقة، نصار هينفخنى ويعلقني على باب القرية مرتين، يرضيك نصار يعلقني بجد؟؟؟؟ .
مما نظر بحيرة بالغة لها وهتف بجدية مطلقة وهدوء غريب في نبرته لا تخلو قط من الإرهاق والتعب الجسدي والنفسي الذي يشعر به طوال اليوم:
ـ ما يعلقك على باب القرية ولا حتى باب زويلة التاريخي، مش احسن ما تتعلقي في النار يوم القيامة، اختصاراً للكلام لو حد سألني هقوله اللي حصل ومش هخبي، انا مش كداب.
ختم جملته القاطعة وغادر مقعده من السيارة بخطوات سريعة ودخل الي المنزل الكبير، مما خرجت خلفه سريعاً بخطوات متهدلة وهي تلعن «فارس» في سرها بأسوء اللعنات الممكنة، وهي تشعر بالخوف والرعب يملأ قلبها من رده فعل «نصار» العنيفة حين يدرك أن أحدهم في البيت قد عرف الحقيقة بأكملها، فهي فكرت بسرعة ودهاء أنه إذا سأل أحد «فارس» يجب أن تتولى هي الإجابة بنفسها، ولا تسمح لـ «فارس» بأنه يرد علي أي سائل أبداً فهي ليس لديها أي حل أخر لإنقاذ الموقف.
❈-❈-❈
داخل غرفة «فيروز» في المشفي
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كانت تحطمت بين عواطفها الجارفة، جالسة وحدها في عتمة الغرفة تبكي بمرارة شديدة بعدما تذكرت حديثها الحاد واللاذع الذي وجهته قبل قليل علي شقيقتها، فهي لم تستطيع أن تصمت حيال إهانة «سميحة» وتترك كرامتها تُهدر على الأرض بلا ذنب، لذلك فقط تحدثت بكلمات قاسية ولاذعة وهدرت بكرامة كل من «نصار» و «سميحة» في الأرض دون تردد.
فهي تعترف بينها وبين نفسها أن الأمر كان صعباً ومؤلماً عليها للغاية، ولكن لم يكن لديها أي حل أخر سوى أن تبعزق كرامتها على الأرض وتدوس على عواطفها، فـ يكفي ما حدث معها، ويكفي ما شعرت به من قهر وظلم، ويكفي كل ما مرت به وحدها في صمت مطبق.
تذكرت بوضوح ملامحه المصدومة والمذهولة من حدة حديثها وجرأته، كأنه، كأنه لا يعرفها حق المعرفة ولا يدرك طباعها، فبكت مرة أخرى بانهيار فهى كانت مضطرة تماماً، ومضطرة فقط أن تقول هكذا وتظهر تلك القسوة حتي لا تترك «سميحة» ولسانها السليط ينجحان في إهدار كرامتها وكسر نفسيتها، لذلك قالت ما قالته مجبرة لا مختارة.
راقبت نافذة الشباك الزجاجية بعيون غائمة بالدموع وهي جالسه بضعف علي الفراش المطل للخارج على العتمة، فهى مازالت تشعر بألم حاد ومغص يمزق بطنها، لذلك مسحت دموعها الساخنة بظهر كفها ببطء.
ثم استسلمت لجسدها المنهك ونامت علي الفراش بتعب وهي تسلم أمورها كلها لله وحده مدبر الأمور.
❈-❈-❈
كانت الأجواء خارج الغرفة محتقنة ومغلفة بالتوتر، حيث وقفت «لوزة» منتصبة القامة تعاتب ابنها بعنف وقسوة يغلفها حنق أمومي ظاهر ومكتوم:
ـ انت كنت فين كل ده و مبتردش عليا فى التليفون ليه؟؟ .
حاول الشاب أن يفتح عينيه المنهكتين بصعوبة بالغة وكأنه يحمل فوق جفونه جبالاً من التعب، وهو يهتف بنبرة هادئة يملؤها الإرهاق الشديد وفي أخر حديثه تأوب بعمق كاشفاً عن حجم إجهاده:
ـ قولتلك اني كنت في العربية ونمت والراجل كتر خيره وصلني وكمان صحاني .
مما هتفت الأم بعصبية طفيفة وهي تبتعد عنه بخطوات سريعة وتذهب إياها وإياباً في الممر الضيق:
ـ نصار عرف مكان فيروز، وكان هيشوف ابنه، بس الحمد لله قدرت اتعامل مع الموقف انا والمعلمه بحكمة ودهاء.
اشاح الشاب نظره بعيداً عنها بملل واضح وهو يهتف بحده وقد طفح به الكيل تماماً من ألاعيب وخطط والداته المستمرة:
ـ أنا مش عايز خطط ولا عايز مؤامرة، انا هاخد فيروز وابنى ونمشي من هنا خالص .
كاد أن يغادر المكان بخطوات واسعة، ولكن والدته أوقفته بحده وعصبيه معاً وهي تشير بيديها:
ـ الخطط والمؤمرات دي هي اللي خليت نصار يطلق فيروز، وهي اللي خليت فيروز تجري عليك أنت وتوافق تتجوزك انت، لولا انا والمعلمه وفايزة مكنتش هتشوف ضافر فيروز إلا وفي احلامك .
بينما اكملت حديثها بسخرية لاذعة وهي تنظر له باستهزاء:
ـ فيروز مش هتقدر تمشي غير لما ابنها يقوم من الحضانة بسلامة، ابنها لسه في الحضانة .
نظر لها بعينين تلمعان بالجدية وهو يهتف بسخرية مقابلة من حديثها الاذع:
ـ عارف، انا هشتت نصار، وهنروح انا وهو السجل المدني عشان يكتب اسم ابنه باسمه، وقت ما انا اعمل كده باسم هيظبط كل حاجه في المستشفى وهياخد فيروز بعيد عن المستشفى .
توقفت عن السخرية المفاجئة ورفعت حاجبها بحيرة واستنكار:
ـ انت ليه عايز تسجل اسم ابن فيروز علي اسم نصار انت مش هتسجله باسمك؟؟، وبعدين فيروز هتمشي ازاي وابنها في الحضانة ولو مشيت، نصار هيبقى هنا وهياخد إبنه .
نظر لها بجدية مطلقة وهو يهتف بحيرة من تساؤلاتها المستمرة:
ـ ولما اسجله بإسمي تفتكري نصار هيسكت؟؟، ده هيولع في البلد بل فيها، انا بحاول معاه واحده واحده، ولازم ابن فيروز يتكتب على اسم نصار، حتي علي الاقل اكسب ثقه فيروز وافهمها اني عايز مصلحتها، اما بنسبة هنعمل ايه، في ملكيش دعوه باللي هيحصل، فيروز هتصحى هتلاقي ابنها وكل حاجه تمام .
غادر إبنها من امامها بخطوات سريعة تاركاً إياها وهي لم تفهم شئ ابدا من حديثه المتبوع بالألغاز كيف يقول انهم يغادروا وفي نفس الوقت إبن «فيروز» في الحضانة تحت سيطرة الجميع؟؟؟
❈-❈-❈
تحت سماء الليل الباردة، خرج «إيهاب» من بوابات المشفى العتيق بخطوات بطيئة، وما إن وطدت قدمه عتبة الخارج حتى وجد «نصار» يقف أمامه مباشرة بوقفة ثابتة، ينظر له بنظرات حادة ومفترسة تكاد تحرقه، كأنه ذئب كاسر قد وجد فريسته المنشودة وأخيراً، تنهد تنهيدة مسموعة تردد صداها في المكان، و اقترب منه بخطوات مترددة وكاد أن يفتح فمه ليتحدث معه ويبرر موقفه، ولكن «نصار» لم يعطه فرصة للنطق، بل باغته بلكمة قوية ووحشية على وجهه جعلت الدماء تفر في شفتيه ومما وقع على الأرض من قوة الصدمة، تأوه «إيهاب» بألم شديد وهو يحاول جاهداً أن يقوم من الارض مستنداً على كفيه، و«نصار» ساعده بطريقة خشنة، ولكن حين وقف بالكاد لكمه مرة أخرى ولكن أشد قسوة وعنفاً من الأولى، فوقع مرة ثانية بقسوة على الأسفلت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مما اقترب «نصار» بخطوات بطيئة ومخيفة وهتف بفحيح اعمى يخرج من صميم قلبه المحترق بالغضب:
ـ وحياتك يا إيهاب لهتندم على اليوم اللي فكرت تلعب فيه معايا كويس اوى، انا يوم ما فكرت اقولك يومها افتكرت ان انت غير عيلتك الـ ، بس طالما لعبت معايا بلعبتهم الـ****، مش هسيبكم غير لما اطلع روحكم بإيدي .
لهث «إيهاب» بعنف شديد وتنفس بسرعة مسعورة وهو يتأوه من آثار اللكمات التي مزقت وجهه:
ـ انا عارف اني غلطت بس انا حاولت اقول لـ فيروز علي الحقيقة وهي رفضت حتى تسمعني، لو مش مصدقني روح اسالها قولها كام مرة إيهاب حاول يتكلم معاكى على موضوع نصار، وانتي رفضتي تسمعيه .
ضحك «نصار» ضحكات سخرية عالية وموجعة من كذبته السمجة، وهو يهتف بسخرية لاذعة تقطر احتقاراً:
ـ انت فاكرني عيل بريالة عشان اصدق البوقين الحمضانين دول؟؟؟، فوق يا إيهاب انت بتتكلم مع محامي دماغه و**** .
وقف «إيهاب» بصعوبة بالغة بعد ما عدل ثيابه المبعثرة ومسح آثار الدموع والغبار، وهتف بتأوه مكتوم:
ـ براحتك عايز تصدق صدق مش عايز براحتك انا عملت اللي عليا قدام ربنا ، وهي اللي طلبت هي وابوها انه يمشوا من القرية دي خالص عشان محدش يعرف ان احنا متجوزناش، وانا بعدت انا كمان لما لاقيتها بعدت، لو فضلت في القرية والمفروض قدامهم ان فيروز مراتي، وشايفين ان فيروز مش في البلد هتبقى فضيحة بجلاجل، وانت ذات نفسك، عارف القرية وحواراتها .
نظر له فوجد «نصار» يصمت بغموض يفكر في حديثه بعمق، مما ابتسم «إيهاب» بخبث خفي وسرعان ما أخفيها خلف ملامحه وهو يهتف بطيبة قلب مصطنعه لا تبشر بالخير:
ـ أنا جاي عشان اخلص امانتى قدام ربنا، تعاله نروج السجل الميدانى عشان نكتب اسم ابنك ونسجله بإسمك .
هز «نصار» رأسه ببطء بعد ما نظر اليه نظرات شك لا يفهمها «إيهاب» تماماً، ولكن الحقيقة إن «نصار» يحاول جاهداً أن يصدق جزءاً من كلام «إيهاب» ولكن عقله المليء بالشكوك وبداخله المشتعل يرفضون تماماً تصديقه بعد كل هذا الخراب الذي حدث.
الأهم الآن لديه هو أمر واحد لا غير، أن يسجل اسم إبنه الحقيقي علي اسمه رسمياً، وبعدها سيحل كل شئ مع الجميع وسيصل لـ «فيروز» مهما كلفه الأمر من ثمن.
❈-❈-❈
بعد مرور ساعتين طويلتين من التفكير والذهول، دخل «فارس» غرفته الخاصة به وهو يحاول جاهداً أن يستوعب ويترتب في عقله حديث «سميحة» الأخير وتلك الحقيقة المدوية التي اعترفت له بها، بأن «فيروز» البريئة لم تخونه قط وكل ما جرى لم يكن سوى مؤامرة دنيئة مدبرة من «لوزة» و «فايزة» و «باسم» وذلك الشاب الذي يظهر عليه التزام ديني ولا يفوت أي صلاة في المسجد والذي كان يظنه الجميع طيب القلب «إيهاب».
فهو حتي هذه اللحظة مازال لم يصدق أو يستوعب كيف أن ذلك الشاب النبيل الذي كانت كل أهل القرية تحلف بحسن سيرته وأخلاقه العالية يفعل شئ بهذه القساوة والدناءة مع شقيقه «نصار» المسكين؟؟
دخل الي شرفته الواسعة ببطء، ينظر الي صفحة السماء المظلمة بشرود تائه وعقله يغلي بالأسئلة، وهتف بصوت مهموس وخاشع مؤمن تماماً بأن ربه يسمعه ويرى كل شيء:
ـ كما تدين تدان ولو بعد حين .
قطع هدوء الليل الساكن وهدوء الغرفة المظلمة دخول «سميحة» المفاجئ وهي تصيح بحماس طفولي مبهج، مما التفت لها سريعاً وجدها تعانـ ـقه بقوة وسعادة عارمة لا توصف:
ـ واخيراً اخيراً بقي عندنا احلي نونو رسمي نظمي، نوح نصار سراج السعداوي .
ابتسم علي حديثها العفوي وخرج برفق من اعانـ ـقها وهو يهتف ببعض عدم فهم ومازالت ابتسامة واسعة تشق شـ ـفتيه بتعجب:
ـ قصدك ايه مش فاهم؟؟
بينما ابتسمت بإتساع أكثر جعل وجهها يشرق وهتفت بسعادة حقيقة واضحة على نبرتها المتهدلة:
ـ يعني قلب اخته نصار سجل ابنه في شهادة الميلاد رسمياً، يعني كده نوح رسمي نظمي بقي من العيلة وباسمه الصريح، ياااه ده احنا كنا امبارح لسة بنلعب مع بعض واحنا صغيرين في الشارع، هو كبر امتى للدرجادي وخلتونى عمه حرباية بجد؟؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ضحك علي حديثها الطريف وهتف هو الاخر بسعادة بالغة تغمر قلبه لأجل شقيقه:
ـ عمه حرباية ده بس اللي شغال تفكيرك وعاملك أزمة؟؟.
لكزته على كتفه بخفة وغيظ مصطنع وهتفت بمعاتبة له:
ـ لا طبعا يا اخويا مش شغال تفكيري لوحدي، انا قلت ياخد شهادة الميلاد ويطلع بيها جرى على المستشفى ويحاول يلين راس ست الهانم الحرباية مراته اللي شافت نفسها معرفش ليه ده حتي أبوها سيد راجل صعب.
سند ظهره العريض علي سور الشرفة الحجري وهو يهتف بمرح يلطف به الجو:
ـ تعرفي انا وعمك سيد مش بنطيق بعض خالص، لا هو يطيقني ولا انا بطيقه طايق نفسي، ربنا يديم عدم القبول اللي بيني وبينه لحد آخر العمر.
تجاهلت حديثه الساخر تماماً وهتفت بسعادة مخلصة لشقيقها الغائب:
ـ بس انت ادعى يا فارس ادعى لاخوك يكمل فرحته على خير ويرجع فيروز وابنه لبيته بقي وتنتهي الأزمة دي علي خير.
هز رأسه بيقين وهتف بحنان وهو يربت علي كتفها برفق:
ـ خير ان شاء الله يا حبيبتي، روحي نامي الوقت اتاخر جدا وبقى متأخر، وأنا هقرأ سورة المُلك وأحصن نفسي بأذكار النوم و هنام شويه صغيرين عشان هصحى علي أذن الفجر اصليه في جماعة وكمان اووصل سهر المدرسة بتاعتها وبعدين اروح على شغلي عشان بجدد المكان هناك.
هزت رأسها بهدوء طائع وهتفت بنبرة تعب واضحة هذه المرة قبل ان تغادر الغرفة:
ـ ماشي يا حبيبي تصبح على خير وتلاقيه خير.
غادرت الغرفة بخطوات بطيئة، ولكن قبل ان تغلق الباب خلفها سمعته وهو يهتف بهدوء دافئ:
ـ وانتِ من اهل الخير يا رب.
غادرت وتركت الغرفة هادئة وساكنة مثل الاول تماما، تنهد «فارس» بعمق وأحمد الله، وأخذ يدعى لشقيقه من صميم قلبه دعوات صادقة تخرج من أعماقه ويتمنى أن تتحقق قريباً ليعود السلام إلى العائلة.
❈-❈-❈
بخطوات سريعة متسارعة تملؤها اللهفة والقلق، دخل «نصار» من بوابات المستشفى الواسعة، واتجه بخطوات حثيثة إلى غرفة «فيروز» الخاصة التي كانت بها طوال الأيام الماضية، ولكنه فجأة لم يجدها في مكانها المعتاد، بل وجد الغرفة بها فراش آخر ورجل مُسن غريب نائماً بتعب عميق وتحيطه أجهزة التنفس والإنعاش، مما عقد حاجبيه بدهشة واستنكار بالغ، وهو ينظر الى رقم الغرفة المكتوب بوضوح على اللوحة حتى يتأكد تماماً ولكنه تأكد بما لا يدع مجالاً للشك أنها هي نفس الغرفة بالتحديد التي دخل عليها مراراً حتي يطمئن علي فيروز.
لم يتوقف عند هذا الحد، بل دخل إلى الغرف الأخرى المجاورة لغرفتها علي الأقل أن يجدها هنا وهناك ولكنه لم يجد لها أثراً ابداً، فأسرع بخطوات مرتبكة واقترب من قسم حضانة الأطفال وهو ينظر الي الحضانه بلهفة من خلف الزجاج الشفاف وهو يبحث بعينيه عن وجه إبنه الصغير لكنه لم يجده هو الآخر داخل الحضانة.
مما جعل قلبه الخافق يطرق بقوة كالطبول في صدره وهو لا يصدق أبداً أنهم غادروا المستشفي بهذة البساطة العجيبة، فـ إبنه الصغير مازال في مقتبل حياته ويحتاج قطعا إلى الرعاية والحضانة الطبية وهذا تحديداً ما سمعه مؤخراً من الممرضة المسؤولة، فـ كيف إذن هم ذهبوا وخرجوا بهذه السهولة المخيفة؟؟
اتجه الى الأسفل بخطوات عريضة حتى يبحث عنها ويستفسر من إدارة المستشفى عن سر هذا الاختفاء المفاجئ، وبالفعل نزل بعد ثواني معدودة ووقف أمام مكتب الاستقبال، فنظر إلى شاب في اوائل العشرين من عمره وهو يقف بملل وأمامه شاشة الحاسوب المضيئة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر له بنظرة خاطفة وهتف بصوت خافت ينم عن القلق والتوتر الدفين:
ـ ممكن بعد أزنك اعرف اوضة فيروز سيد السعداوي فين؟؟
نظر الشاب الموظف إلى شاشة الحاسوب وأخذ يبحث بـ أصابعه بسرعة عن الأسم المطلوب في السجلات، وبعد ثواني معدودة رفع نظره إليه وهتف بعملية بحتة لا تحمل أي مشاعر:
ـ مدام فيروز وإبنها مشيوا من ساعة .
عقد حاجبيه بشدة بحيرة بالغة وهو يسأل الشاب بغير تصديق لكل ما يسمعه، وقلبه لا يزال يطرق كالطبول العنيفة داخل صدره:
ـ ازاى وإبنها محتاج الحضانة!
تعجب الشاب تماماً من نبرة صوته المنفعلة وهو يهتف بنبرة مازالت عملية وباردة:
ـ معرفش يا فندم، هي قدامي انها مشيت من ساعة هي وإبنها .
هز رأسه بشرود تام وذهول يعصف بعقله، والتفت سريعة حتى يغادر المشفى بكاملها وهو لا يصدق أبداً كيف غادرت هكذا دون وعي، وكيف يجدها الأن في هذه الدنيا الواسعة واين هي، اين ذهبت هي وطفله الرضيع بمفردهما؟؟
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاثة أشهر كاملة من العذاب والانتظار المرير، عدت مدة طويلة وهو لم يعرف خلالها اي شئ عنها قط كأن الأرض انشقت واطلقت ما في جوفها فاختفت هي وإيهاب تماماً من حياته دون أي أثر، لم يترك طريقة إلا وسلكها، حيث سأل عنها «لوزة» كثيراً بلا انقطاع واخذ يهددها بكل قوة ووعيد حتى تجيب وتدلّه على مكانها ولكن باليد حيلة فلم تنطق بحرف واحد ولم تقول له اي كلمه تكشف سر اختفائها.
أخذ يبحث عنها بعينين متعبتين وقلب يحترق في كل مكان وفي كل بلد وقرية مجاورة، ولكنه في كل مرة كان يعود بخفي حنين، فلم يجدها ابدا مهما حاول وتعب في طريق البحث عنها.
تثاقلت خطى نصار وهو يخطو خارج عتبة منزله، كأن جبال الأرض كلها استقرت فوق كتفيه؛ فوجهه الباهت كشفق آفل يغشاه حزن عميق لا سبر أغواره، ولا يلتفت عقله ولا ينبض قلبه لشيء في الكون بأسره سوى هوس واحد يملس على روحه المكلومة، وهو أن يعثر على حبيبته التي غابت عن بصره ومعها ابنه الذي طال شوقه إليه، فهما اللذان فقدهما مذ ذلك اليوم المشؤوم الذي انطفأت فيه أنوار أيامه.
استدار ببطء شديد نحو سيارته المركونة، وفي تلك اللحظة بالضبط، دوى رنين هاتفه المحمول معلناً عن اتصال ورد إليه من «سميحة»، ذلك الاتصال الذي طالما تجاهله وتجاهل كل ما يربطه بها من إلحاح، فأدار مفتاح سيارته بصمت مطبق، محركاً إياها لتشمل عجلاتها الأسفلت متجهاً نحو مجلس القرية، المكان الذي يفترض أن يقضي فيه وقته مستمعاً ومحالاً لمشاكل أهل قريته وهمومهم، غير أن جسده وحده كان يتحرك نحو المجلس بينما عقله وروحه تائهان في ملكوت آخر، تائهان في تلك اللحظة التي خرج فيها من البيت متجهاً إلى مقر عمله، وهاتفه اللعين لا يزال يرن بلا توقف، يعلن عن إلحاح متواصل يقابله هو بتجاهل متعمد، غارقاً في لجة من التفكير العميق، يتساءل مراراً وتكراراً ماذا عسى أن يفعل، وبأي حيلة أو وسيلة يمكنه أن يجد «فيروز» قلبه التي ملكت روحه؟
مرت خمس عشرة دقيقة كاملة بطيئة كأنها الدهر، لتتوقف بعدها سيارته ببطء شديد أمام مبنى المجلس، وفي تلك اللحظة بالتحديد، كان هاتفه المحمول لا يزال يرن بإصرار جنوني، لم يفصل اتصاله قط طوال تلك المدة، مما جعله يغمض عينيه بقوة، كمن يحاول كبح صاعقة تكاد تضرب رأسه، ليجيب عليها بملل ضارب في أطراف صوته، دون أن يكلف نفسه عناء الاستماع إلى ما تتفوه به:
ـ سميحة طالما انا مردتش يبقي مش عايزة اتكلم او مشغول، سلام بقي ومتتصليش تاني ولما افضى هبقي اكلمك .
أنهى عباراته الجافة تلك، ولم يمهلها ثانية واحدة، بل أغلق الخط في وجهها بلا هوادة وبدون أن يسمع حرفاً واحداً من كلماتها، ثم فتح باب السيارة وخرج منها بخطوات متثاقلة متجهاً نحو باب المجلس، لكنه لم يكد يخطو خطوات معدودة حتى توقف مكانه فجأة كأن سحرًا قد علقه، فقد أضاء شاشة هاتفه معلناً عن وصول إشعار رسالة نصية قصيرة أرسلتها «سميحة»، فانحنى بظهره قليلاً يقرأ كلماتها التي صدمت بصره:
ـ برن عليك من بدري مش بترد ليه، فيروز وإيهاب بيكتبوا كتابهم في بيتهم تعالوا بسرعة عشان نلحق نوقف الجوازه دي .
ما إن استقرت تلك الكلمات في عينيه حتى تجمدت أنفاسه في صدره، وانقطع حبل الهواء عنه، فتراجع إلى خلف بخطوات سريعة مذنبة، واستدار بسرعة البرق ليتجه نحو سيارته المفتوحة، فوثب داخلها بلهفة واضطراب، وما هي إلا لحظات حتى انطلقت السيارة بسرعة البرق تشق طريقها عائدة من حيث أتى.
وبعد عشر دقائق أخرى من القيادة الجنونية، توقفت سيارته بعنف أمام البيت المطلوب، وفي ذات اللحظة وبدقة متناهية، ترجلت «سميحة» من سيارتها التي توقف إلى جواره مباشرة، وأخذ يهرولان معاً بخطوات مذعورة نحو باب المنزل، وما إن اقتربا حتى وجدا باب البيت مشرعاً على مصراعيه، فتسمرا في مكانهما فجأة عند مدخل الباب، كأن طعنة نابتة قد اخترقت صفحتين من الوجدان، بينما كان صوت المأذون يتردد بوقار وهدوء يملأ المكان:
ـ بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهم في خير.
وما إن استقر هذا الدعاء في الآذان حتى انطلقت أصوات الجميع من الحاضرين والشهود مرددين نفس الكلمات بحرارة وفرح كبير غمر أرجاء المكان لأجلهما، وفي تلك اللحظة الفاصلة، شهقت «سميحة» شهقة مباغتة وهي ترفع يـ ـديها المرتجفتين بسرعة فوق فمها محاولة باءت بالفشل الكسير أن تكتم بها صوت شهقتها التي مزقت الصمت وخرجت مدوية، بينما «نصار» الواقف بجوارها، تسارعت نبضات قلبه في صدره بجنون، وأحاطت برقبته قبضة خفية من الخنقة المميتة تشد وثاق عنقه، وهو غير مصدق بالمرة، وكأن عقله يرفض الاستيعاب أن حبيبته وأم إبنه في هذه اللحظة أصبحت لغيره؟..
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (توتا محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
