قراءة رواية (قسوة نصار) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (قسوة نصار)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( توتا محمود) | الفصل: (17)
كانت «صفية» و «حنان» تخطوان نحو باحة القصر الداخلي بخطوات مثقلة تعج بالتعب والإرهاق بعد نهار طويل شاق؛ فقد قضت الساعات الماضية في جولة ميدانية رفقة «سراج» ليتفقدا معاً الزرع والأراضي الزراعية الفسيحة، ويقضيان بعض الوقت في الجلوس هناك وسط الطبيعة والهواء الطلق، متطابقتين بذلك عادتهما الأسبوعية الراسخة في تخصيص يوم كامل أسبوعياً لزيارة الزرع والاطمئنان على أحوال الأرض معاً.
وما إن عبرتا عتبة الباب ودلفت الداخل حتى استقبل صمت البيت نبرة حادة وصراخاً مدوياً، إذ برزت «كريمة» فجأة لتتوسط المكان، وتهتف بصوتها العالي والغاضب وهي تقترب بتهديد واضح من «كيارا»:
ـ هما اهلك معلموكيش التربية أن عيب تمسكي ايد راجل، لا وكمان بتعترفي بحبه، دي ايه البجاحة دي يا بت؟؟؟
رفعت «كيارا» بصرها إليها بملامح يملؤها الذهول وعدم الاستيعاب بتاتاً، لتجيبها بكل براءة وهدوء مطلق يناقض عاصفة الغضب المشتعلة حولها:
ـ انتي مين؟؟؟ .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فلم تدرك «كريمة» عواقب أفعالها، بل اشتعلت شراسة وغيظاً، فهجمت عليها كفهدة مفترسة وتجذبها بعنف وقسوة من خصلات شعرها، هاتفة بغيرتها العمياء وحقدها الطافح:
ـ أنا اللي هربيكي يا روح امك .
وكادت أن تفتك بها وتنهش روحها لولا أن ظهر من يدفعها للخلف بقوة ويبعدها بعيداً عن «كيارا»، لتسارع الأخيرة بالاحتفاء والاختباء خلف ظهر «فارس» الذي كان يتابع تفاصيل الموقف برمته بذعر واضطراب شديدين، فهو بحكم أخلاقه وتربيته لا يملك الحق في التدخل المباشر في شجار السيدات أو الدخول بينهن، مكتفياً بمراقبة ما يحدث من مسافة آمنة.
غير أن ذلك لم يزد «كريمة» إلا جنوناً وسعاراً وهي تراها تتوارى خلفه، فالتفتت نحو من تجرأ وأبعدها لتجدها «سهر»، فما كان منها إلا أن دفعتها دفعة خفيفة، لكن القدر جعل خلف «سهر» كرسياً خشبياً فوقعت عليه بفعل الدفعة، وأثناء محاولة «كريمة» التقدم مجدداً للانقضاض على «كيارا»، تراجع «فارس» خطوات سريعة للخلف ليبتعد تماماً عن «كريمة» وعن «كيارا» حرصاً منه على ألا يلمسه أحد أو تتشابك أيديهما في فعل محرم يغضب الله.
وحينها لم تحمل «كريمة» صبراً، فهجمت لتلوي ذراع «كيارا» بقوة، هاتفة بعصبية هستيرية مفرطة:
ـ وانتِ بقي يا ماما مش عارفه هو ملك لمين، خاطب لمين، بيحب مين طيب، ولا انتي شوفتي الواد محترم ومؤدب وحلو وجود بوي في قولتي تاخديه كده .
ولم تكتفِ بذلك، بل أكملت وهي تعاود جذبها من شعرها بقسوة متقطعة وتارة أخرى تترك ذراعيها لتباشر إهانتها:
ـ فارس خط احمر، اوعى تقربي عليه تاني يا بت، بدل ما اقتلك، انتي فاهمه؟؟ .
وما هي إلا لحظات حتى شعرت «كريمة» بمن يقبض على معصم يدها بحدّة وقوة جبارة تدفعها بعيداً عن «كيارا»، ولم تكن تلك إلا «حنان» التي طفح بها الكيل وبلغ السيل الزبا معها، فرفعت سبابتها في وجهها صارخة بقسوة وحزم لا يعرف المداهنة:
ـ فارس مش ملك حد، ولا ملكك انتِ، انتِ اللي ضيعتيه من ايدك بخيانتك وبقذرتك ، وحسك عينك تقربي لابني تاني او من ناس اللي في القصر، امور الهرج والمرج دي مش هنا خالص سامعه؟؟؟.
تجمعت الدموع بغزارة في عيني «كريمة» تحت وطأة تلك الكلمات اللاذعة القاسية التي مزقت كبرياءها، فألقت نظرة مكسورة محاولة إعانة «كيارا» والاطمئنان عليها، ثم التفتت بعينين دامعتين مستعطفتين نحو «فارس» لعلها تظن بنظرة حنان منه، لكنه أشاح بنظره بعيداً عنها تماماً، ليتجرع قلبها مرارة الألم ويصيبها في مقتل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفتت بعد ذلك نحو «سهر» التي كانت قد سقطت على الكرسي بسبب دفعتها السابقة، فاقتربت منها بلهفة نادمة وساعدتها على النهوض برفق، هاتفة بصوت خافت يقطر حزناً وأسفاً:
ـ سامحيني .
فأومأت «سهر» برأسها في تعقل وتفهم عميق، وربتت بوهن على كتفها بحركة خفيفة، هاتفة بصوت مشحون بالمرارة:
ـ هو فين عمو سراج .
ضيقت «سهر» عينيها بذكاء، فقد أدركت الآن المغزى الحقيقي وراء وجودها هنا في هذه اللحظة بالذات، هاتفة بهدوء لا يتناسب بتاتاً مع حالة الصخب الدائرة حولها:
ـ برا مع عمو وائل .
أهتزت رأسها بالاستيعاب والاستسلام، واستدارت لتغادر أرجاء البيت بخطوات مكسورة وحزن عميق يثقل كاهلها؛ فـ «حنان» كانت محقة في كل حرف نطقته، وهي وحدها من فرطت بـ «فارس» وأضاعته من بين يديها باستهتارها، والآن ها هو ذا جزاؤها الأوفى وعقابها المرير الذي لا تملك مفراً من تحمله والرضوخ له.
راقبتها «صفيه» بنظرات محملة بالشفقة والحزن وهي ترى مغادرتها للبيت، ثم حولت بصرها نحو «فارس» لتجده غارقاً في حزن بائن، فهو في قرارة نفسه وباطن فؤاده لم ينسها قط ولم يستطع محو آثارها من قلبه، مما جعل «صفيه» تطلق تنهيدة عميقة مسموعة ومحملة بوجع أم على ألم ابنها.
وكادت أن تجلس لترتاح من عناء اليوم، فإذا بصخب مفاجئ يقطع سكون المكان؛ إذ رأوا «نصار» يهرول بجنون هابطاً على الدرجات بسرعة جنونية ليغادر القصر بأكمله، وما هي إلا لحظات حتى هوى قلب «صفية» واستقر في قاع قدميها ذعراً، لتشرع في النداء عليه بصوت مرتجف محاولة فهم كنه هذا الأمر الخطير، لكنه لم يلتفت لأحد ولم يرد على نداءاتها الملحة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
همّ «فارس» بالركض خلف شقيقه بسرعة محاولاً استيقافه، لكنه لم يدركه أو يلحق به نظراً لأنه قفز داخل سيارته وانطلق بها كالبرق مختفياً عن الأعين، وحينها أسرع «فارس» بقرار حاسم ليتصل بوالده ليخبره بالأمر ويعرف مكانه، ظاناً أن «نصار» ربما قصد والده متجهاً إليه.
وكادت «صفية» أن تفتح فاهها لتتكلم وتعلق على الفوضى العارمة، حتى باغتوهم جميعاً بصوت صراخ امرأة مرعب قادم من الخارج، فما كان من «صفية» إلا أن اقتربت بخطوات متعبة نحو الدرج، هاتفة بصوتها المنهك الممزوج بالغضب والسخط:
ـ انا هروح اشوف في ايه، وانتم اطمنوا على كيارا، مكنتش خروجه خرجنها انا وحنان يا ولاد الكلب .
اتجهت «صفية» بالفعل بخطوات مسرعة من غرفتها وقصدت جناح «فارس»، وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى فتحت الباب على مصراعيه لتطلق شهقة مدوية من شدة الصدمة والهول؛ فقد كانت الخادمة المسكينة ملقاة على الأرضية الباردة تصرخ وتستجير بدموع حارقة، وفوقها «سميحة» التي كانت تنهال عليها بلكمات مبرحة تارة، وتعضها بقسوة من يديها وزراعيها تارة أخرى، وتضربها بلا رحمة وبكل ما أوتيت من قوة.
لم تتردد «صفية» لحظة واحدة، فأسرعت بإغلاق الباب خلفها بحزم، ثم هجمت لتجذب «سميحة» وتخلص الخادمة من تحت يدها بصعوبة بالغة وسط سيل من ألاعيب الشجار وأسوأ الألفاظ النابية التي كانت تطلقها «سميحة»، حتى تمكنت أخيراً من إبعاد الخادمة التي انكمشت في ركن الغرفه تبكي بانهيار من أثر الضرب المبرح:
ـ بالله عليكي يا صفية هانم خليها تبعد عني وانا والله ك ما هكررها .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أخذت «سميحة» تلتوي وتتلوى بانفعال جنوني محاولة الإفلات من قبضة زوجة أبيها، بينما كانت تصيح بحدة طاغية يملؤها الحقد والغضب:
ـ ابعدى عنى يا مرات ابويا، اربي الولية بنت ******، وحياه امي لاوريها واخلي اللي ما يشتري يتفرج عليها، بقي انتي يا وليه ****** بتبعينا عشان خاطر لوزة، بقي انتي عصفوره لوزة، اه يا ******* .
ظلت تلاحق الخادمة بأقذع الشتائم وأسوأ الألفاظ حتى نجحت «صفية» في حجزها وإبعادها عنها بحدة بالغة، لتنفجر «صفية» في وجهها بعصبية مفرطة وقد بلغ السيل الزبا ونفد صبرها تماماً:
ـ جرالك ايه يا بت انتى، ما تفهميني وتقوليلي في ايه .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
همّت «سميحة» بالحديث وكشف المستور، لكنها تكلست مكانها حين تذكرت عهدها الصارم مع «نصار» بألا تطلع أحداً على ما يدور، فأطلقت تنهيدة عميقة مسموعة تكتم بها غيظها وهي تحاول جاهدة أن تستعيد هدوءها وتلجم لسانها، لكنها فشلت ذريعة لتجز على أسنانها بحدة وقسوة عاكسة مدى احتقان صدرها:
ـ مفيش حاجه، بس اكتشفت انها بتقول كل الأخبار لست زفته لوزة، ولوزة بتسخن فيروز علي نصار .
وهنا تدخلت «صفية» بنبرة منتقدة حازمة وهي ترمقها بنظرات عتاب:
ـ ميصحش برضوا تضربيها، دي ست قد امك، عيب يا سميحه، متفتريش علي خلق الله يا سميحه .
فما زادها ذلك إلا اشتعالاً وغضباً، فاقتربت منها بخطوات واسعة وتهديد صريح هاتفة بصوت يقطر غيظاً:
ـ بقولك ايه يا مرات ابويا اطلعي انتي منها بدل ما اشفي غليلي كله فيكي .
فلم تتحمل الأخرى هذا التطاول، فاقتربت هي الأخرى متأهبة بشراسة، لترد بصوتها المرتفع المعبر عن استنكارها الكامل:
ـ مهو ده اللي ناقص يا قليلة الرباية، ده اللي ناقص انك تمد ايدك عليا، لا وكمان بتهددي .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفعت سبابتها في وجهها بينما كان جسدها بأسره يرتعش عنفة وتوتراً من كبت غضبها الطاغي الذي لم تعد تستطيع احتماله، ليهتز المكان لصوتها العالي الحاد:
ـ وحياه امي انا ماسكه نفسي عليكي بالعافيه اطلعي انتي منها يا خاطفة الرجاله .
عقدت «سميحة» حاجبيها بغضب أسود واشمئزاز، وأشاحت بيدها بعنف مطيحة بإصبع «صفية» الذي ترفعه في وجهها:
ـ تصدقي يا بت يا سميحه امك فضلت تدلع فيكي لحد ما بوظتك، و الكلمه اللي قولتيها هقولها لابوكي لما يجي عشان انتي قليلة الرباية ومحدش بيوقفك عند حدك .
أنهت عباراتها القاسية واستدارت بخطوات غاضبة مغادرة المكان، وما إن ألقيت جملتها الختامية حتى ردت عليها «سميحة» بلسانها السليط وصوتها المرتفع بلا مبالاة:
ـ ومين اللي هيوقفني عند حدي انتي يا مرات ابويا، انا وانتي قاعدين ونشوف هتعرفي توقفيني عند حدي ولا لا، انا وانتي والزمن طويل يا صفية .
أغمضت «صفية» عينيها بقوة ومرارة بالغة بعد أن استمعت إلى وقاحتها وسليط لسانها الذي ما عاد يحتمل أو يُطاق، واستدارت بخطوات متعبة لتغادر ذلك المكان متجهة مباشرة نحو غرفتها لتوارى غضبها ووحدتها خلف جدرانها.
❈-❈-❈
كان يندفع بسيارته الفارهة على الأسفلت الممتد بسرعة البرق وجنون عارم، وقد شتت تفكيره بين لهفته المجنونة وضغط الطريق، فأخرج هاتفه المحمول بيد مرتجفة متصلًا بـ «جمال» وهو لا زال منشغلاً بالقيادة العنيفة والسيطرة على مقود السيارة.
وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى أتاه الرد السريع من «جمال» الذي كان قد خرج لتوّه من السيارة مستأذناً من «إيهاب» الذي يغلي قلبه قلقاً واضطراباً على مصير «فيروز»، ليهتف مستفسراً بنبرة مستعجلة:
ـ الو يا باشا .
أتاه صوت «نصار» الصارم الحاسم محملًا بتعليمات لا تقبل النقاش:
ـ بص يا جمال، حاول توقف في اي كافتيريا، وتجيب منوم، وتحطه في اي حاجه بيشربها او ياكلها، وينام وحاول تتأخر علي اقد متقدر لازم انا اللي اوصل قبلك، وقت ما اوصل المستشفي هبعتلك رسالة تيجي برضوا علي اقل من مهلك، لازم انا اللي اوصل قبلك انت سامع .
فأجاب «جمال» بتأكيد وطاعة تامة:
ـ سامع يا باشا، حاضر انت تؤمر .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فأردف «نصار» بتحذيرات أخيرة مشددة:
ـ ومتخلهوش يحس بحاجه، يلا سلام .
فرد عليه «جمال» :
ـ سلام .
أنهى «جمال» المكالمة وأغلق الخط، ثم استدار بخطوات سريعة ليعود إلى جوار السيارة ويفتح بابها مترجلاً للداخل. وما إن استقر في مقعده حتى التفت برفق نحو «إيهاب» المخنوق بقلقه، ليرسم على محياه ابتسامة مصطنعة غلفتها المزاح الخفيف لتهدئة روعه:
ـ دي ام العيال، كانت عايزه شويه حاجات .
فابتسم «إيهاب» بصعوبة بالغة وابتسامة مكسورة لم تلبث أن تهافتت تحت وطأة ملامح وجهه المشحونة بالهلع والخوف الأعمى:
ـ انا اسف جدا اني تقلت عليك نروح شرم، بس انا ماليش غيرك انا لازم اروح لمراتي دلوقتي، مراتي بتولد .
هز «جمال» رأسه باحتواء بالغ وامتصاص لتوتره، ليهتف بنبرة هادئة مطمئنة بعد أن أدار محرك سيارته لتتحرك ببطء وحذر:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ لا تقل ولا حاجه انا قولتلك اني رايح شرم ومتقلقش يا بيه، مراتي كانت زيها كده وانا كنت قلقان والحمد لله قامت بسلامه، وبعدان كل ده طبيعي، متقلقش وروق .
اكتفى «إيهاب» بهز رأسه بهدوء ممزوج بالانكسار دون أن يضيف حرفاً واحداً أو ينبس بكلمة إضافية، وأشاح بوجهه لتتسمر عيناه ناحية زجاج النافذة، ناظراً بشرود وذهول نحو تفاصيل الطبيعة المتسارعة من حوله، بينما كان قلبه الصغير يلهج بالدعاء الخاشع والابتهالات العميقة لرب العالمين، متوسلاً أن تحفظ عناية الله «فيروز» وألا يصيبها أو يمسها أي مكروه أو أذى في هذه اللحظات العصيبة.
❈-❈-❈
مرت ساعتان كاملتان دهراً من الانتظار والترقب على أحر من الجمر، ساعتان ثقيلتان كادت أثقالهم أن تمتص طاقة الصبر من قلبها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كانت «سهر» جالسة أمام كتبها ومراجعها، لكن عقلها لم يكن في صفحات المذاكرة، بل كان معلقاً بشاشه هاتفها المحمول الذي أرسلت عبره لـ «عمار» عدة رسائل متتالية محملة بالاشتياق واللهفة للاطمئنان عليه، لكنه لم يفتحها أبداً ولم يكلف نفسه عناء إرسال حرف واحد ردًّا عليها أو حتى ليروي ظمأ قلقها المتأجج.
تراكمت الظنون في رأسها وتضاربت الأفكار المؤلمة، فراحت تتساءل بحرقة واستغراب: هل هو يتعمد تجاهلها؟ ولماذا يا ترى يفعل بها هذا؟
فهما بالأمس القريب كانا يقضيان الساعات الطويلة متكلمين متبادلين أطراف الحديث بحب ودفء، فما الذي تبدل وانقلب هكذا فجأة في غضون ساعات قليلة ليكون حالهما اليوم مختلفاً إلى هذا الحد البائس؟
لم تستطع أن تفهم كنه هذا التغير المفاجئ والموجع، وألفت العذار لنفسه مرات ومرات، ظانة أنه ربما يشغل نفسه بأمر طارئ أو أن ظروفاً قاهرة تشغله عنها تماماً، لذلك قررت أن تكف عن تفقد الشاشة، فرمت الهاتف جانباً بغصة مريرة في حلقها، وأجبرت نفسها على العودة لمتابعة مذاكرتها واستذكار دروسها، فـ امتحانها الدراسي المنشود بات على أبواب الغد وعليها أن تستعد له بكل ما أوتيتا من تركيز وعزم، لكن قلبها المرتجف ظل منقسماً بين هلع القلق العارم عليه وبين رهبة امتحان الغد الذي يهدد استقرارها، لتغرق في قلق مضاعف لا أفق له.
أطلقت تنهيدة طويلة محمولة بتأفف ضجر وسخط خفي، وما هي إلا ومضة حتى غاصت جوارحها مجدداً في بحور المذاكرة والكتب المفتوحة أمامها، منغمسة في حفظ السطور والكلمات، لدرجة أنها لم تنتبه أبداً لمرور الساعات أو تدفق الوقت من بين أصابعها.
❈-❈-❈
خطت «سميحة» خطواتها الثقيلة لتلج إلى جوف شقتها الهادئة، وأطبقت الباب خلفها بحذر شديد وإحكام تام؛ فقد كانت للتو قد فرغت من النزول إلى الطابق السفلي لتوجه تهديداً مرعباً وصارماً للخادمة، متوعدة إياها بالقتل واجتثاث حياتها بيدها إن هي تفوهت بحرف واحد أو تجرأت على نقل أي شيء عما يدور من خلف الظلال.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اتجهت نحو غرفة نومها لتضيء مصباحها الخافت، فوقع بصرها فوراً على هاتفها المحمول المتروك جانباً، وكان الشاشة تومض بضوء متقطع وتحمل اسماً مألوفاً وهو «سعيد».
لاحظت كم الاتصالات الهائلة الفائتة التي غمرت الجهاز، فاستبد بها الهلع لتبادر بالاتصال به فوراً، ظنة منها أنه لابد وأن يكون قد توصل إلى أمر جلل أو أدرك حقيقة ما يجرى بالتاكيد.
وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى أتاها صوته عبر الخط محاملاً باللغة الترقب:
ـ الو يا هانم .
أسرعت «سميحة» بالجلوس على حافة فراشها الوثير، هاتفة باهتمام بالغ وتركيز شديد انعكس بوضوح تام على خبايا نبرتها:
ـ خير يا سعيد عرفت ايه؟؟؟ .
ابتسم هو بسخرية واضحة لإدراكها المبكر لذكائه، بينما فتح باب سيارته ليدخل إليها متململاً بحماس بعدما ظفر بمعلومة جديدة كلياً:
ـ ايوا يا هانم راقبت لوزة ولاقيتها وقفت قدام المستشفى ودخلت المستشفى المهم عرفت مكان فيروز، هي في مستشفي اسمها…… في شرم الشيخ .
انتفضت فجأة من مجلسها لتستوي واقفة على قدميها في جزء من ثانية، هاتفة بقلق جارف وقلب يقرع في صدرها كالطبول الملتفة:
ـ مستشفي، مستشفي ليه يا سعيد .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فابتسم باستهانة مستأنفاً حديثه بلهفة وغرور متزايد:
ـ لسه داخل المستشفي دلوقتي وسألت علي اسم فيروز سيد السعداوي قالولي دي بتولد في اوضة العمليات، في عرفت ان لوزة جات هنا عشان تتطمن عليها زي ما كنت شاكك بالظبط .
اتسعت عيناها بذهول جاحظ، وتحركت بخطوات متخبطة ومجنونة نحو خزانة ملابساتها لتنتشل منها عباءتها وطرحتها بغية الانطلاق واللحاق بالموقف، بينما ظل قلبها يضطرب بشدة وعنفوان قلق لا يهدأ:
ـ ولاده ايه؟؟، دي لسه فيروز في اواخر السابع، انت متأكد يا زفت انت.
تملك التوتر الشديد قلب «سعيد» جراء حدة نبرتها وقلقها المتأجج، فتلاشت تلك اللهفة الزائفة من صوته واستحال إلى الارتباك:
ـ معرفش يا هانم انا لسه داخل المستشفى وسأل عليها، قالولي في اوضه العمليات لسه بتولد .
فأسرعت تهتف باضطراب وهي تتأهب للركض والاستعداد للخروج فَوْراً، فقد أدركت الآن بكل جلاء ووضوح لماذا غادر «نصار» بمثل تلك السرعة الجنونية، فهي لا شك تعلم أنه قد بلغ الخبر وهرع إلى هناك قبل أي شخص آخر:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ طيب اقفل اقفل وانا هكلمك تاني سلام .
ولم تمنحه فرصة كافية حتى لتلقي الرد أو سماع صوته، فأطبقت الخط بعنف في وجهه دون تريث.
وبسرعة البرق، راحت ترتدي عباءتها السوداء القاتمة وفوقها طرحتها العريضة، ثم هرولت لتغلق باب شقتها بإحكام، متوجهة كالريح نحو الدرج لتنزل إلى الطابق الأرضي.
وما إن وصلت حتى وجدت «فارس» برفقة والدها هناك، فلم تتردد لحظة واحدة، بل هجمت لتقبض على كف «فارس» المصدوم وتجره بقوة نحو الخارج، هاتفة بنبرة مشحونة باللهفة والخوف:
ـ يلا يا فارس بسرعة تعاله معايا.
عقد الشاب حاجبيه بحيرة مفرطة و مشاعر ممزوجة بالدهشة العارمة حيال تلك ردة الفعل الهوجاء والسريعة، ليهتف بصوت يملؤه التساؤل:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ اروح معاكي فين .
وما إن استقرت بجوار مقعد القيادة في السيارة حتى هتفت بلهفة طاغية وسرعة مذهلة أجبرته بلا تردد على صعود السيارة وإدارات محركها:
ـ مش وقته، مش وقته اركب وانا هقولك علي الطريق .
أنهت عبارتها وانطلقت السيارة تشق طريقها بعنف، بينما استمرت هي في تفحص الطريق بلهفة وقلق بالغين، رافعة كفيها متضرعة بدموع مبطنة إلى رب العالمين ألا يصيب «فيروز» أو طفلها الوليد أي سوء أو مكروه قط.
❈-❈-❈
كان «جمال» يمسك بمقود سيارته ويمضي بها على أمن من مهله وبطء شديد يعكس حالة الملل الضاربة في أعماقه، بينما كان «إيهاب» يستغرق في سبات عميق ونوم ثقيل بجانبه على مقعد المرافق، غارقاً في غيبوبة مفتعلة إثر تناوله لتلك القهوة الملغومة التي وضعت له فيها جرعة من المنوم القوي لتبقيه غائباً عن الوعي.
وما إن مضت ثوانٍ معدودات على قيادته المنفردة حتى تملكه الضجر والسأم من طول الطريق، ليقرر التوقف تماماً بعد أن بلغ حدود محافظة «المنيا» العريقة.
التقط هاتفه المحمول بأصابع متململة وأخذ يجري اتصالاً هاتفياً بسيدة «نصار»، وما هي إلا ثوانٍ معدودات حتى أتاه الرد، ليهتف «جمال» بنبرة يغلفها الاطمئنان والاستفسار:
ـ اي يا باشا وصلت ولا لسه؟؟؟ .
جاءه صوت «نصار» عبر السماعة محملاً بعبارات العجلة والترقب:
ـ داخل اهو علي شرم الشيخ بس لسه موصلتش للمستشفي، هو صحي ولا لا .
فألقى «جمال» نظرة جانبية سريعة نحو رفيقه الغارق في نومه، متأملاً هدوءه التام، ليهتف بملل وضيق ظاهر:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ لا يا باشا إيهاب نايم بس امه مبطلتش رن عليه .
فجاءه الأمر الحاسم والسريع لينهي الحوار:
ـ خليها ترن، اقفل دلوقتي عشان خلاص دخلت علي شرم، وخليك واقف، اتحرك بس لما اوصل انا المستشفي .
هز «جمال» رأسه استجابة للأمر، وتهدج صوته بهدوء وهو يريح جسده المنهك للخلف على وسادة مقعد القيادة المريح:
ـ ماشي يا باشا سلام .
أنهى المكالمة وأغلق الخط، ثم رمى «إيهاب» بنظرة مليئة بالملل والسخرية وهو يراه غارقاً في نومه العميق، غير مدرك لأي من الكوارث والأحداث الجسام التي تدور من حوله ولا يدري شيئاً عما يخبئه له القدر.
تأفف «جمال» بضيق شديد من حالة الانتظار، وقرر أن يشغل وقته، فأدار سيارته وترجل منها ليركنها بإحكام واطمئنان أمام إحدى الاستراحات على الطريق، وأغلق أبواب السيارة بأكملها بالمفتاح لضمان الأمان، متوجهاً لتناول وجبته المفضلة والشهية التي لم تكن سوى طبق لذيذ من المشاوي الطازجة.
❈-❈-❈
تراجع إيقاع السيارة فجأة وبشكل مفاجئ وغير متوقع، مما جعل «سميحة» تنتفض في جلستها وترمي «فارس» بنظرة حادة ملؤها التوتر والانزعاج مما حدث.
ولم يكد يمر سوى ومضة حتى سارع «فارس» بفتح باب السيارة ليترجل منها محاولاً فهم كنه الخلل وما يدور من حوله، ففتح دولاب السياره الأمامي وراجع كل التفاصيل والأدوات ليجد أن كل شيء يبدو على ما يرام وبمكانه الصحيح، فجال في ذهنه تساؤل حائر ومربك، إذاً ما هي المشكلة الحقيقية وراء هذا التوقف المفاجئ؟
وما هي إلا ثوان معدودات حتى نزلت «سميحة» هي الأخرى من السيارة، وأخذت تنظر حولها بتوجس وتتأمل امتداد الصحراء الفسيحة المترامية والأتربة المتطايرة في الأفق؛ فهما الآن يقفان في قلب العاصمة الكبرى «القاهرة».
تلك المدينة الساحرة التي لم تراها عيناها طوال حياتها قط، بل كانت تكتفي بسماع حكاياتها وأخبارها عن بُعد فقط.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فهي امرأة تفضل الانعزال وحياة المنزل بطبيعتها، تستهويها جدران بيتها وتألف السكون فيه، ولا تطيق مغادرته أو الخروج إلى العالم الخارجي إلا لضرورة قاطعة لا مفر منها.
التفتت ببصرها نحو «فارس» الذي كان يستغفر ربه بصوت خافت وهو يستند بظهره المتعب على هيكل السيارة الخارجي، لتسأله بنبرة مشحونة بالاستفسار:
ـ في ايه؟؟؟ .
وجه «فارس» إليها نظرة غاضبة محملة بالحنق المكتوم، ليفتر ثغره عن ابتسامة خفيفة ويهتف بنبرة مازحة اعتاد عليها في كل الظروف الصعبة:
ـ البنزين مقدرش يستحمل لحد شرم، وصلنا القاهره وقالنا معاكم ربنا بقي .
وقفت بعيداً عنه بعدة خطوات وهي تضيق عينيها، هاطفة بحنق شديد وغيض يملأ صدرها:
ـ وانت متعرفش انه البنزينه مش هتكمل؟؟.
فأجابها هو بملامح تحيرها حنقها الظاهر، مع ومضة خفيفة من المزاح لا تفارقه:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ اعرف منين انا انه احنا كنا رايحين شرم، انتي لسه حكيالي الحكاية .
فصاحت هي بحدة مفرطة وهي تلعن حظها العاثر في تلك الرحلة المشؤومة:
ـ انا اللي غلطانه، كنت ختها مواصلات احسن .
التفت نحوها بجسده كله ووسع عينيه بذهول تام غير مصدق لما يسمع، ليهتف بنبرة مشككة في عقلها:
ـ تروحي مواصلات من اسيوط لشرم؟؟، انتي عبيطه يا سميحه .
فأطلقت صرخة مكتومة تعج بالضيق والغيظ، هاتفة بصوت يتهدج وكأنها على وشك البكاء:
ـ اعمل اي يعني انا .
نظر إليها بضيق واضح، وتنفس بعمق نفاذ صبر وهو يلتفت براقباً الطريق الخالي من حولهما:
ـ في عربيات ماشية هوقفهم يساعدونا وخلاص .
هزت رأسها موافقة وهي تراقب حركة الطريق معه بعيون ترقب وحذر، غير أنه في تلك اللحظة بالذات شعرت بأن الأرض من تحت قدميها تبدأ بالاهتزاز هزة خفيفة غريبة.
فتحت عينيها على وسعهما وتلاشى توازنها تماماً، لتجد نفسها تهوي وتجلس مرغمة على الأرض الصلبة، هاتفة برعب عارم خيم على روحها:
ـ انا دايخه، حاسه بالارض بتتهز .
راقب هو الآخر أديم الأرض وهي ترتجف وتتموج أمامه بهزات خفيفة متتالية، فلم يجد مهرباً سوى أن يجلس بقدمين مرتجفتين بجانب سيارته، هاتفا بنبرة يغلفها خوف أقل حدة لكنه ينم عن إدراك مفزع:
ـ ده مش دوخه ده زلزال .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وما إن استقر صوته حتى انقلب الحال وتحولت الأرض إلى كتلة من الجحيم المتحرك، إذ ضرب الززال بقوة وعنف جبار، مما جعل «سميحة» تطلق صرخة مدوية تفطر القلوب رعباً، هاتفة بصوت متهدج أشد بكاء وانهياراً:
ـ استر يارب، استر يارب .
وبينما كانت تواصل البكاء بحرقة وتتابع بعينين زائغتين هذا الاهتزاز المخيف للأرض من حولها، راحت تعانق جسدها النحيل بذراعيها بقوة بحثاً عن الأمان المفقود، وشرعت تردد بصوت يملؤه اليقين والخوف:
ـ ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُوهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ .
أنهت تلاوة آية الكرسي بخشوع وذعر، محشرة رأسها بين ركبتيها ومطلقة كلمات الشهادة بخوف، بينما هبط «فارس» على ركبتيه مغمضاً عينيه بقوة، مستشعرًا عنف الأرض وهي ترتجف تحته، ليهتف بتضرع خاشع:
ـ اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك.
ظل يردد دعاءه مراراً وتكراراً بقلب خاشع ووجل، وما هي إلا ثوان معدودات حتى سكنت الأرض وهدأت رجات الزلزال كأن شيئاً لم يكن.
جلسا معاً يلتقطان أنفاسهما بصعوبة بالغة وتسارع جنوني، وكأنهما ركضا مسافات طويلة في سباق مع الموت، بينما كانت السيارات على الطريق المجاور تواصل مسيرها وكأن شيئاً لم يحدث قط.
اقترب منها بخطوات بطيئة ومد يده الحانية ليساعدها على النهوض والوقوف على قدميها بثبات، وهو يهتف بنبرة هادئة محاولة لتهدئة روعها بينما صدره ما زال يعلو ويهبط بسرعة:
ـ اهدى يا سميحة، خلاص الزلزال مشي اهدى .
فرفعت رأسها المرتجف وقد غرقت صفحات وجهها بدموع الرعب، وما زال قلبها يدق بقوة وعنف كالطبول في صدريتها، فهي كادت تفقد حياتها من شدة الهلع.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وما إن استعاد توزانهما حتى فاجئهم صوت رجل قادم من بعيد بسيارته التي توقفت بالقرب منهما، ليهتف بنبرة قلقة وهو يرمق «فارس» باهتمام:
ـ في حاجه، محتاجين مساعدة؟؟؟ .
تقدم «فارس» بخطوات واثقة ليقابل الرجل وجهاً لوجه، هاتفا بنبرة رجل يحاول التماسك:
ـ فعلا احنا محتاجين مساعده، البنزين بتاعنا خلص، ومعرفش اي بنزينه هنا او قريبة من هنا .
ألقى الرجل نظرة فاحصة مشفقة على حالة «سميحة» الباكية المرعوبة، ثم ما إن تبين موقفهما حتى اتجه بخطوات سريعة نحو سيارته ليعود بعد لحظات حاملاً جرکناً كبيراً مليئاً بالوقود، ليهتف بهدوء وشهامة:
ـ خد البنزين ده حطه في عربيتك، كنت شيله في وقت احتياطي، وانا كده كده قربت علي البنزينه ابقي اشتري غيره .
ابتسم «فارس» بامتنان عميق، واجتاحته موجة من الإحراج والأدب الرفيع ليهتف بصوت خافت:
ـ مينفعش اخده من غير فلوس في قولي هو كام وادفعه ليك .
فابتسم الرجل بسعة صدر وهو يملي عينيه بتفحصه، هاتفا بفضول وديع:
ـ هو انت منين؟؟
فرد عليه «فارس» بنفس الابتسامة والأدب المعهود:
ـ من اسيوط واول مره اجي القاهرة .
وهنا ابتسم الرجل الغريب بشاشة بالغة، وربت بحنان وأخوة على كتف «فارس» بوهن، مردفاً بعبارة مراوغة محببة قبل أن يستدار عائداً إلى سيارته:
ـ اعتبر دي هدية من المصريين الجدعان، وشرفتنا ونورت مصر يا نجم النجوم .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسم له «فارس» بتقدير بالغ، وقبل أن يهم الرجل بتشغيل محرك سيارته، دفعه الفضول واللهفة للهتاف بصوته:
ـ مقولتليش اسمك ايه؟؟؟ .
أدار الرجل مفتاح سيارته ليدور المحرك، والتفت إليه مودعاً بابتسامته المراوغة التي رافقته طوال حياته:
ـ اسمي ابراهيم الكاوي يا عسل ، ولو روحت الوراق ابقى اقول اسمي وهيعملوا معاك احلى واجب هناك، يلا سلام عليكم .
ألقى تحلم الوداع وغادر بسيارته متلاشياً في الطريق، تاركاً خلفه طيفاً لشاب مألوف الملامح، كلما نظر إليه المرء شعور بغامر الراحة والونس الجميل يغمر قلبه.
حينها، انحنى «فارس» بحماس، ممسكاً بجركن البنزين ليقترب به من سيارته، مستعداً لاستئناف رحلته ومتابعة طريقه كما بدأه تماماً.
❈-❈-❈
مرت ساعة كاملة ومضت دقاقها كالسياط على قلب «نصار» منذ أن وطأت قدماه أعتاب المشفى، حيث بادر فور وصوله بإرسال رسالة مفصلة إلى «جمال» يطلب منه الاستعداد التام للسفر وطي صفحة هذه الرحلة ليكمل طريقه نحو مصيره مثلما بدأه وحيداً.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وما إن فرغ من ذلك حتى توجه بخطوات متعجلة نحو موظف الاستقبال في الطابق السفلي ليسأل عن اسم حبيبته ومكان وجودها، وما إن أخبره الموظف برقم الغرفة ورسم له الاتجاهات حتى انطلق هلعاً لا يلوى على شيء، مستعداً بكل جوارحه للحظة اللقاء المرتقبة، بينما كان قلبه الصغير يدق في صدريته بجنون وعنف غير مسبوق من شدة القلق والخوف عليها.
صعد السلالم واخترق الممرات بقدمين ترتجفان حتى اهتدى أخيرًا إلى باب الغرفة المنشودة، فدفع الباب ودلف إلى داخلها دون حتى أن يكلف نفسه عناء طرقه أو الاستئذان، ليجدها ترقد بسكون على فراش المرض الأبيض وقد غطى الوجه إرهاق عميق وتعب بائن جراء ما عانته.
لم يستطع الصبر طويلاً، فاقترب منها بخطوات متخبطة تملؤها اللهفة، وانحنى ليمسك بيدها الضعيفة ويطبع عليها قبلات حانية دافئة، فهو الذي أهلكه الشوق القاتل لتلك الكف، واشتاق لكل تفصيلة صغيرة وكبيرة تخصها وتنبض بروحها.
سحب كرسياً ووضع بجوار السلسلة وجلس عليه مطبقاً بجلوسه، مغرقاً في تأمل ملامحها الهادئة بملء عينيه.
وأثناء جلوسه بجوارها، فتحت أبواب الذاكرة لتتداعى على عقله صور ذكرياتهم السابقة معاً، فتجمع في عينيه غيم كثيف من الدموع الحارقة وهو يستعيد شريط الماضي، متذكرًا كيف جرحها بقسوة، وكيف ظلمها معه بغباء وجهل، وكيف تعنت عليها وظلمها دون أن يمنح نفسه فرصة لسماعها أو إنصافها بالعدل ولو لمرة واحدة.
لقد كان يظن بها الظنون السيئة التي جعلته يمقت نفسه ويشعر بالازدراء تجاهها ولا يتقبلها أبداً؛ فهو وإن كان بعيداً عن وطنه وأرضه لسنوات طويلة عجاف لم يشعر يوماً بطعم الغربة الحقيقية، لكنه اليوم حين ابتعدت عنه هي وجد نفسه غريباً ضائعاً لا يعرف لنفسه اسماً ولا حالاً، فهي وحدها وطنه الأبدي، ذلك الوطن الذي مهما هرب منه ومهما فعل كان يعود إليه طائعاً ليلوذ بأحضانها الدافئة.
ووسط هذا الفيض من الندم، عاود الانحناء ليلثم يدها بعدة قبلات متتالية فوق أصابعها الباردة، بينما خانته دموعه لتفر هاربة وتخط مجاريها على خديه، مرسلاً أمنية واحدة خاشعة بأن يعود به الزمن إلى الوراء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نعم، كان يتمنى بكل جوارحه أن يعود الزمن أدراجه ليصلح خطيئته الشنعاء، ويمحو آثار ما اقترفه بحقها، ويعود بالورق إلى تلك اللحظة كي ينصفها حق الإنصاف، ويستمع ملياً لوجهة نظرها وحقيقة قلبها الطاهر ونقاء سريرتها.
فهو وحده من مهد الطريق لأولئك السيئين ليعبثوا بينهم ويفرقوا شملهم، وهو السبب الجذري والمذنب الأكبر، والظالم الذي تجنى على فؤاد قلبه ومهجة وطنه.
وفي خضم هذه الدوامة من المشاعر، فتحت باب الغرفة ودلفت الممرضة بخطوات واثقة وهي تظن خطأً أنه زوجها المحب، فهتفت بنبرة مطمئنة حانية وما زالت ترى أمارات القلق البالغ ترتسم على وجهه لأجلها:
ـ متقلقش هى كويسه، والبيبي كمان كويس هو في الحضانة دلوقتي، هي ولاده كانت صعبة اوى، بس الحمد لله عدت على خير، هو بس في مشكله .
وفي تلك اللحظة ذاتها، كان «نصار» غارقاً في تفحص ملامح «فيروز» المتعبة، وما إن استوعب كلمة "مشكلة" حتى انتفض ورفع أنظاره المفزوعة ليسددها بحدة بالغة نحو الممرضة، هاتفاً بصوت محمل بالقلق العارم بينما ظل محافظاً على جلسته القريبة جداً من «فيروز» وممسكاً بيديها المرميتين بالقرب من فمه.
وما زاد من روعه توتر الممرضة الواضح، لتسارع بالهتاف باعتذار وأسف شديدين:
ـ انها مش هتقدر للاسف انها تخلف تاني .
وما إن سمع تلك الكلمات حتى أطلق تنهيدة عميقة ومسموعة هبطت من أعماقه، ليهتف بذات نبرة القلق المهووس:
ـ أهم حاجه هي، هي كويسة؟؟ ،والبيبي كويس؟؟
وعندما رأت كمية الخوف واللهفة المرتسمة على محياه، هزت الممرضة رأسها بتهدئة ولباقة، هاتفة بكل ثقة واطمئنان:
ـ هي كويسه وهي نامت بسبب البنج والارهاق، والبيبي كويس هو هيقعد اه فتره في الحضانة بس هيبقي كويس متقلقش .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شعر برغبة عارمة تجتاحه، فنظر إليها وتهكم بفضول ملح وهو يشتعل شوقاً لرؤية ابنه الذي يعد قطعة منه ومن روحه:
ـ اه اه ممكن طبعا، قوم معايا اورهولك .
ختمت الممرضة جملتها واستدارت لتغادر الغرفة أمامه، فنهض «نصار» من جلسته وتبعها بخطوات سريعة بعد أن طبع قبلة دافئة مطولة فوق فروة رأس «فيروز»، وظل يتابع الممرضة لثوانٍ معدودات حتى توقفت فجأة في ممر الطابق، وأصبحت تنظر من خلال جدار زجاجي شفاف يفصل الممر عن غرفة داخلية تضم عدداً كبيراً من أسرة الأطفال الرضع.
وقف «نصار» إلى جوارها يتابع بأعين مشدودة تحركات الصغار البريئة، حتى أشارت الممرضة بسبابتها نحو فراش رضيع صغير وجميل يرقد بسلام تام، بلا حركة، مستغرقاً في نوم عميق يشبه طمأنينة الملائكة الأطهار.
وهناك، علت محيا «نصار» ابتسامة واسعة وعريضة كادت تشق وجهه، وأخذ يشير بيد مرتبكة نحو ذلك الطفل بتأكيد بالغ للممرضة، بينما كانت عيناه تبرقان بوميض الفرح الممزوج بغيمة شجية من الدموع، ليهتف بنبرة طفولية حماسية تفيض بالتلعثم:
ـ هو ده، ده ابني؟؟ .
فاهتزت رأس الممرضة إيجاباً وهي ترى في عينيه طوفان السعادة والحماس الغامر، فرفعت صوتها تؤكد له:
ـ ايوا هو ده .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ختمت عبارتها وهي تتأمل بإمعان وجه «نصار» المشرق ببهجة لا توصف، وهو تارة يطلق ضحكات خفيفة من الأعماق، وتارة يتأمل الصغير بحماس جارف، وتارة أخرى يخاطبه بنبرة طفولية بريئة؛ فهذا الكائن الصغير الماثل أمامه ليس سوى قطعة مقطوعة منه ومن حبيبته «فيروز»، فيا له من شعور طاغٍ بالجمال جعل قلبه ينبض بقوة وعنف كالطبول الملتفة.
وما هي إلا لحظات حتى استدارت الممرضة وغادرت المكان بهدوء، تاركة إياه وحيداً في تلك اللحظة الأبدية ليغرق في تأمل ابنه بسكينة مطلقة.
كانت «لوزة» في تلك اللحظة تقبض بكفيها المرتجفتين على أدوية «فيروز» الطبية، تلك الأدوية التي كانت تضم بين علبها وصفات من الفيتامينات المقوية نظراً لحال «فيروز» الصحية التي كانت ترزح تحت وطأة وهن شديد وضعف مفرط أنهك جـ ـسدها.
كانت تشق طريقها الهادئ عبر ردهات المشفى الواسعة، ممسكة بهاتفها لتجري اتصالاً تلو الآخر برقم «إيهاب»، محاولة الوصول إليه لعل وعسى أن يجيب، لكن دون جدوى؛ فقد خاب ظنها في كل مرة ولم يتكئ الهاتف على إجابة منه.
تملّكها القلق وتسلل إلى أعماقها شعور ثقيل بالخوف، فهو لم يعتد أبداً على تجاهل اتصالاتها أو التخلف عن الرد في مثل هذه الظروف.
وبينما كانت تسير بخطوات بطيئة وحذرة وسط الممر الممتد، توقفت فجأة عن السير، وباتت ترمش بعينيها عدة مرات متواليات في محاولة يائسة لاستيعاب ما تراه أمامها، عاجزة عن تصديق الواقع الماثل أمام ناظريها.
فهي تراه «نصار» يلتصق بالزجاج الشفاف المطل على غرفة الحضانة، مستغرقاً في تأمل ابنه بعينين زائغتين، مما جعل الرعب يسري في عروقها لتتراجع خطوات للخلف مذهولة، هاتفة بتوتر بالغ وقلق عصيب خوفاً من أن تنكشف خيوط لعبتها وتفضح سرها:
ـ ده ايه اللي جابه ده؟؟ .
أخذت تتنفس بسرعة وجنون، مستشعرة خطورة الموقف الذي وقعت فيه، فالتفتت بذعر وأخذت تهرول عائدة نحو غرفة «فيروز» لتتدبير أمرها سريعاً قبل أن يكتشف أمره ويحترق كل شيء.
لقد بات واضحاً جلياً أنه قد عرف الحقيقة بأكملها، وأدرك يقيناً أن هذا الصغير هو ابنه صلبةً ولحماً، وليس طفل «إيهاب» كما ادعوا، وبات لزاماً عليها أن تتصرف فوراً، لكن كيف السبيل للخروج من هذا المأزق الفادح؟
وجدت نفسها تحترق في مأزق سيء لا مهرب منه، فما أن مرت ثوانٍ معدودات حتى حسمت أمرها واتجهت مسرعة نحو غرفة «فيروز»، بينما كانت أصابعها تعبث بشاشة الهاتف لطلب رقم محدد مسجل بلقب «المعلمة».
وما هي إلا لحظات قصيرة حتى اتاها الرد الجاف والعصبي ينهش هدوءها عبر السماعة:
ـ هو انا مش قولتلك ميت مرة متتصليش عليا غير لما اتصل عليكي، ولا انتِ عايزه تكشفينا وتريحي نفسك .
تجاهلت «لوزة» تلك النبرة العصبية الحادة، وانفجرت متحدثة بلهفة بالغة وصوت مهموس يخفي خلفه رعشة الخوف:
ـ الحقي يا معلمه، نصار هنا، وشاف إبنه في الحضانه .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
فجاءها ردها محملًا بصدمة مدوية وثقل يكاد يوقف نبضات القلوب:
ـ ايه؟؟؟ .
فأردفت «لوزة» بنبرة راجية شبه باكية تعكس مدى انهيارها:
ـ ده اللي حصل تقريبا كده، هو عرف ان إبنه، وعرف كمان انها لسه متجوزتش إيهاب، امال هو وصل هنا ازاي .
وما إن سمعت تلك الكلمات حتى تسلل التوتر العارم إلى الطرف الآخر من الخط، لتعم لحظات من الصمت المشحون، قبل أن تنفجر «المعلمة» بقرار قاطع لا رجعة فيه وعيناها تشتعلان بغضب أسود لا يعرف الرحمة:
ـ اسمعي اللي أقولك عليه، وتنفذيه بالحرف الواحد سامعه؟؟
هزت رأسها بقوة رغم أن الأخرى لا ترها، وسرعان ما شرعت تلك المرأة الملقبة بـ«المعلمة» في حبك خطة خبيثة، ضائعة الأثر، كفيلة بأن تخرب كل شيء وتهدمه في جزء من ثانية، فـ«نصار» لم يترك لها مجالاً لخيار آخر أو تراجع. وما إن أسدلت الستار على تفاصيل خطتها المشؤومة حتى هتفت «لوزة» بوجع ورعب طافح:
ـ طب ولو فيروز عرفت هنعمل ايه؟؟ .
استبد بالمرأة الضيق والملل من جبنها وخوفها الدائم، فصاحت بصوت حاد قاسي عبر سماعة الهاتف:
ـ اسمعي يا لوزة قولتلك من اول يوم، عايزه تشتغلي معايا يبقي اركني خوفك علي جنب، فيروز مش هتعرف، ولو هو عرف يبقي فيروز لسه متعرفش، صحى فيروز وابدئي بالخطة، ومتتصليش بيا غير لما تقوليلي الخطة تمت، سلام .
لم تمنحها فرصة لالتقاط أنفاسها، فأغلقت الخط في وجهها بلا مبالاة، تاركة إياها وحدها في مواجهة مصيرها.
وهناك، استمدت «لوزة» بعض الشجاعة الوهمية مذعنة لفعل كل ما أمرت به، مسلوبة الإرادة في سبيل غاية واحدة وهي سعادة ابنها ليس إلا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وعليه، أغلقت الهاتف وألقته جانباً، واقتربت من فراش «فيروز» لتشرع في إيقاظها بهمس خافت رقيق، فلما فشلت في تحريك ساكن فيها لشدة استغراقها في النوم، اضطرت لرفع صوتها لتخترق حجب الإرهاق، مما جعل «فيروز» تتألم وتنتفض منزعجة من هذا الإزعاج الفاجئ، هاتفة بصوت يقطر ضيقاً وألماً:
ـ أي يا خالتي في ايه؟؟ .
رسمت «لوزة» على محياها ملامح البراعة والجدية المطلقة، وشرعت تساعدها على الاعتدال في جلستها لتأخذ وضعية نصف الجلسة، هاتفة بحزم مصطنع:
ـ قومي معايا يا فيروز وفوقي كده عايزه اقولك علي حاجه .
فتحت «فيروز» عينيها ببطء وصعوبة بالغة، وبدت ملامحها شاحبة منزعجة بشدة لعدم قدرتها على الشعور بجـ ـسدها الذي خدره ذلك البنج اللعين بالكامل، فلفظت بصوت واهن:
ـ ايه يا خالتي .
لم تنتظر طويلاً، بل جلست على الكرسي المجاور لسرير المرض، ومالت عليها هاتفة بنبرة مشحونة بالجدية المفتعلة:
ـ انتِ لازم تفوقي، وتصحصحي كده عشان نعرف نفكر صح للمصيبة دي .
وما إن استوعبت كلمات حتى تبدلت ملامحها تماماً وتحولت إلى الجدية المذعورة، وفتحت عينيها بقوة ووسعتهما هلعاً من هول الكارثة التي تلقى على مسامعها. وحين رأت تلك الحالة من التخبط تملكتها، استغلت الموقف وأكملت بملامح حزينة مزيفة تقطر مكراً:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ نصار عايز يحرق قلبك على ابنك، وقال ايه عايز ياخده منك، الممرضين قالوله لا مينفعش ده الواد لو طلعته من الحضانة هيموت ويفرفر منك، مسمعش لحد ما الممرضين رفضوه، وانا سكته، وهو سكت بس انا سمعته بيتفق مع اخته الحرباية اللي ما تتسمى سميحة، انه هيخطف الواد وقال أي متفق مع دكتور هنا، عايز يحرق قلبك يا فيروز، وكل ده عشان يرضى الست جيسيكا بتاعته، البت الاجنبيه دي .
هوى قلب «فيروز» في قاع صدريتها، وبدأت تتنفس بسرعة جنونية ولهفة قاتلة يغلفها خوف عميق طغى على كل حواسها لتصرخ برعب لا يوصف:
ـ وبعدان يا خالتي هعمل ايه، اوقفه ازاي؟؟؟.
رفعت «لوزة» أحد حاجبيها بمكر ودهاء خبيث، وأجابتها بنبرة تفيض استفزازاً وخبثاً ممزوجاً بالاستعجال:
ـ برضوا انتِ متعرفيش توقفيه ازاي؟؟؟ ، ده واقف قدام الحضانة مستني حركه كده ولا كده ويخطفه ويحرق قلبك عليه لازم تقفيله يا فيروز، لازم نصار يتربي، نصار طالع ظالم ومش بيهمه حد غير انه يحرق قلبك .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وما هي إلا لحظات حتى اشتعل قلب «فيروز» بنيران الغضب الأمومي المشتعل، وأخذت عينيها تغرقان تدريجياً بطوفان من الدموع الحارقة وهي ترفض تماماً تصديق هول ما تسمعه عن طليقها، بينما كانت «لوزة» تراقب ردود أفعالها بدقة بالغة لتؤكد نجاح خطتها، هاتفة بمزيد من التحريض الخبيث:
ـ انتِ هتفضلى قاعدة و تولولي كده زي النسوان، بقولك هيخطف إبنك ولو معملتيش حاجه كده، هيحرق قلبك عليه .
حينها، فاض بها الكيل وتفجرت طاقة الغضب الجارف في صدرها، فهتفت بصوت يهتز بغضب أمومي ضاري وعيناها تفيضان بآلاف الحكايات من الخوف الساكن على طفلها الوحيد، مؤكدة لنفسها وللجميع أنها لن تسمح له مهما بلغ الأمر بأن يمسه بسوء أو يؤذيها دونه:
ـ ساعديني يا خالتي وقوميني وقوليلي الحضانة دي فين .
وعند سماع تلك الكلمات التي أثمرت تماماً كما خططت، ارتسمت على شفتي «لوزة» ابتسامة انتصار خبيثة، وأسرعت لتمتد يداها وتساعد «فيروز» على النهوض من فراشها بالطريقة التي رسمتها لها مسبقاً لتحقيق الغاية المرجوة.
❈-❈-❈
ما إن اقتربت السيارة وتوقف إطاراتها ببطء أمام بوابات المشفى الشامخة، حتى أعلنت الأجواء عن حالة من التوتر المشحون واللهفة التي لا تطاق؛ فلم تكن «سميحة» لتملك صبراً يذكر أو قدرة على الانتظار حتى يفرغ «فارس» من ركن السيارة أو إطفاء محركها، بل دفعت الباب بعنف ومغادرة المقعد بلهفة وثبات عجيب، ملقية بكل التريث خلف ظهرها لتبدأ خطواتها المتسارعة والمحمومة نحو مدخل المشفى برمتها.
كانت تهرول بقلب يخفق بشدة وأنفاس متقطعة تعكس مدى هلعها وقلقها البالغ على مصير من جاءت تطمئن عليها، وما إن تجاوزت الأبواب الزجاجية الفاصلة حتى ألقت بجسدها المنهك نحو مكتب موظف الاستقبال، لتبادر بالسؤال فوراً وبعجل شديد عن اسم «فيروز» ورقم غرفتها، متخبطة في مشاعرها بين الخوف والترقب.
وبمجرد أن تفوه الموظف بالرقم والدلائل المحددة لموقع غرفتها، لم تنتظر ثانية إضافية، بل انطلقت بخطوات أسرع وأكثر اضطراباً لتخترق الممرات والدهاليز الطويلة، قاطعة المسافات نحو تلك الردهة المقصودة التي تحتضن بين أرجائها غرفة «فيروز»، حاملة معها سيلاً من الهواجس والمخاوف التي لا تنتهي.
❈-❈-❈
كان ما زال عائماً في ملكوت تأمله الساحر، متيمًا بكل تفصيلة صغيرة وكبيرة من تفاصيل ذلك العالم المصغر الماثل أمامه، عاجزاً عن التوقف عن التمعن فيه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كانت أنامله تتحرك برقة مفرطة وشغف طفولي، تلمس بترف وتؤدة سطح زجاجة الشفاف البارد، كأنه يمسك بين راحتيه أرواحاً هشة يخشى عليها من نسمة الهواء، وكأنه يحمله بحنو الأب المتيم العاشق لكل أثر يخصه.
لم يكن ليعير أي انتباه للكون بأسره، ولم يكن ليدرك كيف تسرقت ساعات النهار أو انقضت دقائق الوقت، فمن غرق حتى أذنيه في لجج السعادة المطلقة والفرح الخالص، لا يلتفت لزمان ولا يعبأ بمكان؛ لقد تلاشت عنده كل حدود الواقع، وبات العالم بأسره يختزل في هذه الزاوية الضيقة وتلك الهيئة الآسرة التي أسرت عقله وقلبه معاً، مستغرقاً في تأمله بغشوة من النشوة العارمة التي فصلته عن الواقع وجعلته لا يرى سواه.
وفي خضم هذا الفيض الجارف من المشاعر، وباتصال صامت بين حواسه المتيقظة للشغف، بدأ صخب المكان يتسلل إلى وعيه ليشعر بحضور دافئ يقترب ويقف بمحاذاته تماماً.
استدار برأس متلهف وقلب ينبض بلهفة العشاق ليتفقد من يشاركهم ذات اللحظة، فإذا بها حبيبته التي استوطنت روحه، حبيبة قلبه النابض، ونور عينيه اللتين لا ترون في الوجود سواها، وملاذ فؤاده المسكين الذي أضناه الشوق والوجد.
ومع ومضة الامتنان الجارف لكونها قد شاركته هذا الحضور وجلبت له هدية العمر، تفتحت شفتاه عن اسمها الذي يجري في دمائه بقدسية مطلقة:
ـ فيروز .
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وبينما كانت ابتسامته العريضة محفورة بعمق على ثغره كعلامة فرح أبدية، ختم جملته وهو يشير ببنان يده نحو صغيره الماثل بينهما، ليهتف بصوت يقطر سعادة وبهجة غامرة:
ـ بصي ابننا .
لكن رياح الواقع العاتية هبت فجأة لتجتاح بساتين الحلم، إذ نطقت بكل قسوة جبارة وتجبر لا يرحم، وهي تعقد يـ ـدها باحتقار أمام صـ ـدرها في حركة دفاعية منفرة:
ـ ده ابنى انا، مش ابنك .
تسمر «نصار» مكانه، وارتسمت على محياه ملامح الذهول والغرابة الشديدة، ليهتف بحيرة مكتومة وهو يحاول سبر أغوار نظراتها، ليكتشف فجأة أن عينيها لم تعودا تنطقان بالعشق، بل تحولتا إلى لهيب مستعر من الغضب الضاري الذي يكاد يحرقه ويسحقه حياً:
ـ فيروز؟؟ مـ…….
وما أن همّ بإتمام حرفه حتى قطعته بوحشية حادة، إذ تقدمت نحوه بخطوات واسعة مرعبة، ورفعت سبابتها بقسوة مباشرة أمام وجهه لتنذر بالهلاك، هاتفة بصوت يفيض حدة وارتفاعاً يعكس مدى الغليان الداخلي:
ـ إياك ، إياك تجيب اسمي علي لسانك الوسخ ده تاني سامع؟؟.
ولم تكتفِ بذلك الحد من الإهانة، بل أكملت وهي ترميه بنظرات محملة بطاوف الكراهية والنفور المطلق، نظرات استلت قطرات الحياة من قلبه وأذاقته مرارة الألم المبرح:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ـ وبعدان انت جاي ليه عايز ايه يعني، عايز تحرق قلبي علي إبني؟؟؟
فزّ من هول الصدمة، وهز رأسه بلا استيعاب ولا تصديق، ليهتف بلهفة منقطعة النظير وهو يعج بالحيرة أمام هذا الاتهام الظالم، متسابقاً مع عقله الذي عجز عن إدراك كيف يمكن لها أن تفكر به بهذه الطريقة الدنيئة:
ـ لا يا فيروز انا مش قصدي كده انا…..
وللمرة الأخرى، لم تمنحه فرصة لإتمام دفاعه أو تبرير موقفه، ولم يكن القطع هذه المرة بالكلمات، بل جاء بصوت مدوٍ موجع؛ صفعة قوية ألقتها على وجهه بكل ما تملكه من جبروت أمام مرأى ومسمع الجميع، لتنحر كرامته وتمرغها في الوحل بلا أدنى رحمة أو شفقة.
وعندها انفجرت بقسوة واشمئزاز طافح جعل قلبه يهوي من صدره ليسقط صريعاً تحت قدميها:
ـ قولت إياك تنطق اسمي علي لسانك الوسخ ده تاني، يا خي انا بقرف منك، وبقرف لما بتقول اسمي، بكرهه نفسي وبكره قلبي اني حبيت واحد زيك .
و……
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (توتا محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
