قسوة نصار - الفصل 16 | توتا محمود

قراءة رواية (قسوة نصار) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: (قسوة نصار)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( توتا محمود) | الفصل: (16)


ـ وبعدان يا سراج في حال نصار هنسيبه كده؟؟؟


خرجت هذه الكلمات من «صفية» وهي تجلس بجانب «سراج» بقلب ممزق وأم فطور يقطر دماً علي ابنها الوحيد، فمر شهرين علي زواج «فيروز» وإبنه تغير تماماً منذ ذلك اليوم المشؤوم وتحول إلى شبح إنسان، فهو لم يخرج من غرفته المظلمة إلا لضرورة قاهرة، لم يجلس معاهم ابداً علي مائدة الطعام ولا حتى يأكل لقمة واحدة تشبع جوعه، يقضي معظم ايامه ولياليه في غرفته كأنه سجين محكوم عليه بالمؤبد في زنزانة انفرادية.


ـ اعمل ايه يا صفية حاولت كتير اعرف ماله ومعرفش الواد حاله اتشقلب مرة واحدة من يوم جوازه فيروز .


تنهدت هي الأخرى بحرقة تكاد تحرق ضلوعها فهي حزينة علي حاله الذي يدمي العين ويפطر القلوب، فهو دائما شارد الذهن، لا يتحدث كثيراً وكأن الكلمات هجرت لسانه، ومن النادر أن يأكل شئ يقيم صلبه، لا يجلس معاهم أبداً في جلسة أسرية، ولا يخرج من البيت ابداً للتنزه، يتابع أخبار القرية البسيطة من خلال المجلس فقط ويحل المشاكل كعمدة لهذه القرية العريقة بكفاءة وصرامة، ثم يعود لغرفته وحيداً كما كان كأنه يهرب من العالم بأسره.


كانت تتمني بكل جوارحها أن الاذى والهم لا يصيب أولادها قط، ولكن حكمة الله عز وجل أقوى وأعظم من كل شئ في هذا الكون، تدعي في كل صلاة أن السعادة والاطمئنان تطرق بابهم من جديد بعد طول هجر، نظرت إلى شرفتها الواسعة وهي تنظر الي الذرع والحقول الخضراء الممتدة بمد البصر وتلك الرائحة الزكية التي ممزوجة برائحة الذرع الطازج والتراب المبلل، اغمضت عينيها بقوة تستمتع بتلك الطقس العليل والهواء النقي الذي يداعب وجهها.


أفاقت فجأة على صوت أذان الفجر العذب الشجي الذي يصدح في الأفق، مما ردت وراء الأذن كلمات التوحيد بخشوع وهي تدخل الى الداخل تستعد لصلاتها المفروضة، وجدت «سراج» زوجها يخرج من الغرفة بخطوات ثابتة، يتجه إلى المسجد الكبير حتى يصلي صلاته في جماعة بخشوع.


نظرت إليه بحزن دفين ونظره شاردة عميقة وهو يخرج من باب البيت وهي تدعي من كل قلبها المكسور ومؤمنة يقيناً أن دعوتها ستتحقق عما قريب وأن السعادة الحقيقية ستطرق بابهم بكل تأكيد لتزيل غيوم الحزن الطويلة.


❈-❈-❈


استيقظت «سميحة» علي صوت الأذان العذب الذي يخترق الصمت الساكن الليل، مما جلست على الفراش نصف جلسة بتثاقل وإرهاق يثقل كتفيها، وبعد ثواني معدودة قامت بخطوات بطيئة وهي تتجه الى المرحاض حتى تتوضأ وتؤدي فرضها بخشوع وخضوع تام للمولى عز وجل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وبعد دقائق معدودة خرجت من المرحاض ووجهها يقطر بماء الوضوء الطاهر، واشعلت نور الاباجوره الهادئة بحذر حتى تضئ الغرفة بنور خافت ودافئ، فتحت دولابها الخشبي الواسع وهي تبحث عن اسدلها المعتاد للصلاة، ولكن شيء ما غامض وقع من دولابها فجأة بغير قصد منها وبدون إنذار، نظرت أسفلها بفضول حتى ترى ما هو الشئ الذي وقع على الأرض وتسبب في ذلك الصوت الخفيف، تصنمت مكانها كأنها تم تمثال من ركام وحبست انفـ ـاسها للحظة واحدة كادت تقطع حبل حياتها وهي ترى بصدمة عميقة عباية «على» البيضاء الملقاة أمام قدميها، مما جلست علي ركبتيها بسرعة جنونية وبانهيار تام، وهي تمسك العباية بكلتا يديها بقوة ولهفة، وعينيها يجتمعون غيمه من الدموع الغزيرة التي كادت تغرق وجهها، عانـ ـقت العباية بقوة إلى صدرها وهي تبكي بحزن مرير ممزق للقلب علي فارقه الأبدي :


ـ فرقتني بدري يا علي، ربنا يرحمك يا حبيبي، ربنا يرحمك ويغفرلك .


ختمت جملتها المرتعشة بوهن وأخذت تبكي عليه بحرقة لا توصف فهي لم تنسى ذكره أبداً، هو كان زوجها وسندها في الحياة، نعم تضايقه كثيراً بحديثها العفوي وسليط لسانها أحياناً، ولكن حقاً اشتاقت له بكل جوارحها وبطريقة تتجاوز حدود العقل.


اشتاقت لحنانه الدافئ الذي كان يغمرها، وخوفه الجنوني عليها، وغيرته الطاغية، وهدوئه الذي كان يمتص غضبها، وعصبيته التي كانت تزيدها تعلقاً به، اشتاقت لكل شئ يخصه هو وحده دون غيره.


فهو لم يدفن جـ ـسده الطاهر فقط في تلك المقبرة الباردة المظلمة، بل دفن معها قلبها وروحها ايضاً لتبقي هي جسداً بلا روح حتى يكتمل اللقاء.


❈-❈-❈


انتهت «سهر» من مذاكرتها الشاقة المنهكة وهي تتنهد بصوت مرتعش ينم عن إرهاق جارف، فـ امتحاناتها المصيرية هذا الأسبوع الذي يحدد مستقبلها، وهي تجاهد نفسها كثيراً وتصارع النعاس حتى تعرف كل معلومة صغيرة وكبيرة وتراجع عليها مراراً وتكراراً بتركيز قاتل، سمعت صوت اشعار مفاجئ لرسالة جديدة على تطبيق الماسنجر، مما اقتربت من هاتفها المحمول الذي يلمع علي الطاولة بخطوات بطيئة، وهي رأت رسالة من «عمار»، نعم فهما اصبحوا اصدقاء مقربين جداً، وتشعر «سهر» في أعماق قلبها بأنه معجب به وبكل تفاصيله، ولكنه لم يطق الاعتراف أو يقول ابداً، لذلك هي تكتم مشاعرها ولا تقول ايضاً، مؤمنة تماماً بمبدأ أن يجب على الراجل أن يبادر هو أولاً بالخطوة وليس الفتاة أبداً.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رأت رسالته وابتسمت بابتسامة واسعة أنارت وجهها الباهت وهي تجلس على الفراش باسترخاء :


" كفايه كده يا سهر، روحي صلي ونامي، وانا هرن عليكي اصحيكي تكملي "


ابتسمت بحرارة لاهتمامه الجارف بها، ولخوفه الواضح عليها وعلي راحتها، لذلك ردت عليه بأسرع ما يمكن :


" حاضر، انا اصلا خلصت يبقالي بس احل علي الامتحانات والمحافظات واجيب امتحانات سابقة وكده خير اوي "


ارسلت له تلك الرسالة وفي ثواني معدودة رآها فهي رأت حالته تظهر بأنه نشط الأن، مما نظرت بلهفة بالغة إلى الشاشة تنتظر ردة فعله، حتي ثواني معدودة وجاء الرد سريعا :


" خير ان شاء الله، خلاص بقي بكره اصحى براحتك، ولما تصحي كلميني، قومي يلا صلي "


ابتسمت بعشق وهي تقرأ الرسالة كلمة بكلمة واخذت تكتب له بلهفة واضحة :


" لا لا صحيني برضوا، خايفه المنبة ميصحنيش عشان لما مش بنام نومي بيبقى تقيل جدا، و حاضر هقوم اهو هصلي "

ارسلت له الرسالة وبعد دقائق معدودة رد عليها ولم يعجبها هذا الشئ قط فهي ترد عليه باللهفة كلها وتبقي في المحادثة تنتظر حديثه، وهو يخرج من المحادثة فجأة ولا تعرف ما عساه يفعل فهذا الوقت المتأخر :


" خلاص يا ستي هصحيكي حاضر، هستاذنك انا بقي عشان الحق الصلاه، يلا تصبحي علي خير "


ردت عليه برد هادي ينم عن خيبة أمل طفيفة فهي كانت تتمنى أن يظل معاها ويسهر معها طوال الليل، ولكن فاجأها برده السريع :


" وانت من اهل الجنة "


أرسلت الرسالة واغلقت هاتفها بقوة، وهي تتجه بخطوات متثاقلة إلى المرحاض حتى تتوضي وتودي فرضها بخشوع، فـ اليوم الذي حذفت فيه تلك المنشور المشؤومة، هي دخلت واعتذرت له بمرارة، فـ حديث شقيقتها اللاسع حسسها بالذنب الفظيع، لذلك دخلت اعتذرت له بكل صدق، وهو تفهم الوضع بسعة صدر وأخذوا يتحدثون بعدها بعمق.


فهي تشعر بالخوف المرعب والرهبة القاتلة إذا لم يحبها يوماً ولم يشعر بأي شئ تجاهها، وان كل ما تشعر به ليس الا وهم عابر وسينتهي بكارثة.


يجب أن تضع حداً صارماً لتلك المشاعر، فهي نعم تحبه وتتيم به، ولكن يجب أن لا تتعشم ابدا حتي لا تكون النتائج وخيمة ومحطمة لقلبها البريء.


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


❈-❈-❈


قد انتهي « نصار» من أداء فرضه بخشوع وخضوع تام لله عز وجل، فهي صلي في غرفته الواسعة التي تفوح منها رائحة المسك والفطرة، جلس على سجادة الصلاة الوثيرة وأخذ يقرأ اية الكرسي بخشوع وتدبر يزلزل الجبال، وبعدها شرع في ترديد أذكار الصباح بقلب خاشع ولسان لاهج بالحمد، وبعدها أتم أذكار النوم المباركة ليحصن نفسه بها من كل شر.


مما تنهد بتعب عميق أرهق روحه وجسده، وعينيه شبه مغلقتين من شدة الإرهاق والسهر، شغل راديو صغير علي قرأن بصوت الشيخ المنشاوي العذب الخاشع وهو يهتف بآياته القرآنية التي تخترق القلوب.


اتجه الي الفراش الوثير ببطء، ونام على ظهره متمدداً في راحة تامة، و اغمض عينيه بقوة وابتسم نصف ابتسامة هادئة وحانية حين هتف الشيخ بصوته الملائكي المؤثر وهو يهتف بتلك الاية العظيمة التي لامست روحه وجعلته يبتسم برضا وسط همومه:


" ‏﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ . "


شعر وكأن ربه العظيم يسمعه ويشعر به وبكل ذرة ألم ووجع يمر به، لذلك نام باطمئنان عميق يسري في شرايينه وهو متأكد تمام التأكد ان كل شئ سيسير على مايرام في النهاية، ربما ليس غداً ولكن في يوم من الأيام القريبة القادمة بإذن الله.



❈-❈-❈


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أخذت تتأمل بطنها المنتفخة بملامح يملؤها الذهول والإنهاك، وكأنها تراجع شريط حياتها القاسي الذي تحول في لحظة إلى جحيم لا يطاق، وبعد ذلك شردت ببصرها وهي تنظر لامواج البحر العاتية، التي تشبه في صخبها واضطرابها صراع روحها المعذبة، فهي عندما كذبت تلك الكذبة انه تم الغاء عقد زواجها، لأن المأذون رفض أن يعقد القران وهي حامل، وكأن الأرض دارت بها وبأسرارها التي كادت أن تفضح على رؤوس الأشهاد.


Flash back


كانوا جالسين جميعاً أمام المأذون، والأجواء مشحونة بالتوتر والقلق، مما تأمل «فيروز» وهتف باحترام وهدوء :


ـ هو انتِ حامل يا فيروز .


هزت رأسها بدون أن تتحدث وهي لا تفهم سؤاله، وعلامات الدهشة والوجوم تكسو محياها البريء، مما نظر بغضب للجميع وهتف بحده :


ـ طالما هي حامل عايزين تكتبوا عليها ليه طالما حامل .


لحظت«لوزة» ضيق «إيهاب» مما ترددت بتوتر وهتفت بتلعثم :


ـ بس هي يا شيخ مش حامل من جوزها الأول هي حامل من….


قطعها الشيخ بحده وهتف بأحترام رغم غضبه :


ـ لا يجوز، مينفعش طالما هي كانت حامل وكانت متجوزه قبل كده وهو طلقها، في فترة العدة مش تلات شهور، فتره العده هتنتهي لما تخلف وتقوم بسلامه، وأما مسألة النسب فلها طريقها الشرعي والقانوني، لكن حد يكتب عليها وهي حامل ولسه مطلقه مينفعش .


تردد «سيد» وهو ينظر الي الشهود بإحراج بالغ وقلبه ينبض بالخوف، وهتف بخجل للمأذون :


ـ يا شيخ هو انت هتعرف أكتر مننا بقولك البت مش حامل من جوزها .


نظر الماذون له بحده وهتف بغضب شديد وصوته ارتفعت قليلاً من انفعاله العارم :


ـ أنا ماليش دعوة بكلام الناس اللي قدامي إنها اتطلقت وهي حامل، وعدة الحامل شرعًا تنتهي بالولادة، اما دلوقتي مفيش عقد جواز .


ختم جملته بحسم قاطع وغادر من أمامهم بغضب، مما تنفسوا بحده وصدرهم يعلو ويهبط من شدة الصدمة، أما «سيد» هتف بقلق مفرط وهو يضع يـ ـده على رأسه بقلق شديد من حديث الناس وألسنتهم التي لا توفر أحداً :


ـ اعمل ايه كتب الكتاب اتلغي، والناس هتاكل وش البت .

مما هتفت «لوزة» بوهن وضعف وهي تربت على كتف «إيهاب» الذي يبدو متوتراً وعقله يفهق بالأفكار المظلمة :


ـ كل تأخيره وفيها خيره ان شاء الله .


مما وقف «إيهاب» فجأة وهتف بتوتر شديد وخوف مكتوم من شيء لا يعلمونه ولا تدرك عواقبه :


ـ احنا نقول للناس ان احنا كتبنا كتب الكتاب، عشان محدش يتكلم مع فيروز، وبعد ما فيروز تقوم بسلامه نكتبه كده في المحكمه، اي رأيكم؟؟، وفيروز تسافر تبعد بعيد عن اهل البلد كده شوية، نفهم الناس ان انا وهي في شهر عسل، وانا هبعد عن القرية و هاخد شقة برا .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لحظ «باسم» توتره الشديد ولهفته الجنونية على أن الناس يعرفون بزواجه من «فيروز» لكنه لم يفهم أبداً لما يفعل ذلك بتلك المبالغة المريبة؟؟؟


آفاق «باسم» علي صوت «سيد» وهو يهتف بلهفه قاتلة وعينيه تبرقان بارقة أمل واهية :


ـ وأنا موافق


وبالفعل بدوا يقولون للناس انهم كتب كتابهم، وحتي الناس أعلنت هذا الخبر في المساجد بصوت عالٍ هز أرجاء المكان.


flash back


اما هي غادرت من البلد الملعونة بذكرياتها، واتجهت الى شرم الشيخ الدافئة، فـ بطنها يزداد كبر يوماً بعد يوم وثقلاً على جسدها النحيل، لذلك اتخذوا قرارا صارماً أنها ستولد بعيد عن القرية تماماً، وترافقها ممرضين التي جلبهم لها «إيهاب» بعناية فائقة حتى يعتنوا بصحتها طوال الوقت و حتى لا تبقى وحدها وحيدة في تلك الشقة المقفرة، تنهدت بتعب مرير يمزق صدرها، وهي تتذكر ملامح «نصار» العالقة في مخيلتها فهي حقاً اشتاقت له كثيراً بشوق يوازي بحار الأرض.


لم ترى وجهه منذ شهور طويلة أكلت من عمرها، والأن يوجد في بطنها قطعه منه تنبض بالحياة، لذلك هون عليه قسوة الغياب قليلاً، دخلت الي الشرفة الباردة واغلقتها بإحكام، واتجهت بخطى متثاقلة إلى الفراش الواسع حتى تستريح من عناء التفكير، «إيهاب» منذ ذلك اليوم الأسود لم يتحدث معها كثيراً حتى تشعر بالراحة النفسية، وفي الحقيقه انها تشعر بالراحه هكذا بعيداً عن صخبهم وضجيجهم.


فهي الآن في الشهر السابع من الحمل، وتشعر بكل شئ دقيق يخص جنينها بوضوح يمزق قلبها، تشعر بأنه يتحرك برفسات صغيرة وتتخيل «نصار» معاها في الغرفة يبتسم على ابتسامتها الشاحبة، ويتحمس مثلها لكل حركة، ولكن حينما تفيق من أحلام اليقظة، وتجده غير موجود بجانبها تشعر بالحزن الأسود يستولي على قلبها بالكامل ويهشم بقاياه.


فهي سمعت من «لوزة» في مرة من المرات وهما تتحدثان انه بخير تماماً ومتحمس للمجئ «جيسيكا»، نعم فهي سمعت بكل حرقة وقسوة انه سيتم زواجه منها قريباً، وستعيش معه في القصر الملكي الذي كان من المفترض أن تملكه هي.


الخبر هذا أتاها كالصاعقة آلامها أشد الألم، ألم قلبها المكسور و فؤادها المحترق، وعشقها الأعمى له الذي تحول إلى رماد.


ألم ذكرياتها الجميلة التي تحولت لسكاكين وكل شئ خطر على بالها وبكى له عقلها.


فـ يكفي ما حدث من مآسي، ويكفي ما حدث لها من قهر وما حدث لقلبها الذي بات ينزف بصمت قاتل لا ينتهي.


❈-❈-❈

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كان «زياد» غارقاً في بحر عميق من الأفكار المظلمة والهواجس التي تتقاذفه يميناً ويساراً، وهو جالس بكل همومه على تلك القهوة الشعبية الصاخبة بينما أمامه مباشرة يجلس «فارس» وبجانبه تماماً «حازم»، وكان «فارس» و «حازم» منغمسين تماماً في حديث عشوائي جانبي متبادل ولا ينتبهون أبداً لصمت «زياد» الثقيل ولا لملامحه الشاحبة، وبعد مدة طويلة نسبياً لاحظ «فارس» صمته المطبق وسكونه المريب مما هتف بتساؤل مفاجئ وكأنه انتشله بالقوة من دوامة أفكاره السوداء التي لا تنتهي أبداً وتتطاير في رأسه بلا توقف:


ـ مالك يا بني فيك ايه؟؟


مما هتف «زياد» بضيق بالغ ونفاد صبر ونظر لـ «فارس» بحيرة تكاد تعصف ببهجة روحه:


ـ خايف اخد قرار غلط يخص ساره.


نظر له «حازم» بملل ظاهر وبضجر من مشاكل أصدقاء شقيقه العاطفية التي لا تنتهي أبداً ولا تجلب سوى الصداع:


ـ قرار أي يا ابو قرار.


نظر له «زياد» بملل أكبر وهتف بنبرة مازحة وساخرة وهو يسند ظهره العريض بكل راحة على الكرسي الخشبي القديم الذي يجلس عليه:


ـ انا عندي موهبة تكرار الأخطاء بحذافيرها علشان الخطأ اللي نعرفه احسن من الخطأ اللي منعرفوش طبعاً.


نظر له «فارس» بابتسامة ساخرة وباردة وهتف بهدوء تام وببساطة مستفزة:


ـ خد الريسك يمكن تظبط، ولو مظبطتش كدا كدا قراراتك كلها غلط، زودهم واحد مش فارقه كتير.


ابتسم «حازم» بوسع وهتف بسخرية لا تقل حدة هو الآخر وهو ينظر لأخيه بضحكة خبيثة:


ـ حصل وانا اشهد.


ضحك الثلاثة بصوت عالٍ حتى اهتزت الجدران من حولهم وجلسوا يسخرون من بعضهم البعض بلا مبالاة تامة، وبعدها عادوا ليتحدثون عن أمور عشوائية تافهة هكذا هي حياتهم البسيطة، يتبدد الضيق وينجلغ الهم في جلستهم الصاخبة تلك وكأن شيئاً لم يكن.



❈-❈-❈


كانت «سميحة» تخرج ببطء شديد من باب شقتها الفاخرة متجهة إلى الأسفل عبر الدرج العريض، وهي ترتدي عباية خليجية سوداء فخمة وداكنة يزينها طراز ذهبي براق يخطف الأنظار، وتترك شعرها الأسود الطويل ينسدل بحرية تامة على كتفيها، وبينما هي تتجه إلى الأسفل بخطوات متأنية وجدت «نصار» يفتح باب غرفته ببطء شديد وهو شارد الذهن تماماً وكأن روحه تحلق في مكان آخر، مما جعل قلبها يعتصر ألماً على حاله وهزيمة شقيقها، فنادت عليه بصوت خافت وحنون، مما التفت لها بدهشة بالغة بعد ما فتح غرفته، وبحركة سريعة جعلته يدخل الغرفة مرة أخرى وتغلق هي الباب خلفهما باحكام، مما ضاق حاجبيه بحيرة بالغة واستغراب شديد:


ـ عملالك عصير مانجا إنت وفارس يستاهل بوقكم.

عقد يـ ـده أمام صـ ـدره العريض باسترخاء وابتسم لها ابتسامة شاحبة:


ـ شكرا يا حبيبتي.


نظرت إليه بابتسامة باهتة تمسح قلبها وأمعنت النظر فيه وهو يجلس بهدوء على الأريكة الوثيرة وهتفت بحنان يقطر خوفاً عليه:


ـ مش هتحكيلي مالك؟؟


نظر لها بحيرة أعمق وابتسم ابتسامة باهتة أخرى لا تصل إلى عينيه المنهكتين:


ـ مفيش يا سميحة، مشاكل القرية كتييرة، بقعد معاهم وأحل مشاكلهم وبروح أنام بس كده.


جلست هي الأخرى بشكل مقابل له مباشرة على الأريكة وهتفت بحنان جارف وعتاب نابع من أخت محبة:


ـ مفيش إيه يا حبيبي؟ ده وشك باين، إنت مش بتخرج من الأوضة يا نصار، ده أنا أكتر واحدة عارفاك، وأقرب واحدة ليك، مش هتقولي ولا تحكيلي؟


تنهد تنهيدة ثقيلة ومحملة بهموم الجبال وهتف بنبرة حزينة طفيفة تكاد تخفي وراءها براكين من الغضب والندم:


ـ مفيش يا سميحة، أنا بس…


قطعته هي فوراً وهتفت بحنان أكثر بكثير وهي تمسك يـ ـده بحنان دافئ ومحتوي:


ـ طيب والله لو قولتلي فيك إيه أو بتفكر في إيه، وعد مش هقول لحد خالص، بس فهمني في إيه معاك يمكن أساعدك.


ابتسم ابتسامة مؤلمة ألمت قلبها وجعلته ينزف بغزارة وهي ترى شقيقها الأكبر وقرة عينها بتلك الحالة المدمرة:


ـ مفيش حد هيقدر يساعدني يا سميحة.


ربتت على يـ ـده برفق كأنها تشجعه بكل جوارحها على التحدث وإخراج ما بصدره وإخبارها بكل الأسرار:


ـ جربني ومش هتندم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر مطولاً لهيئتها ووجدها بالفعل صادقة تماماً وتريد مساعدته بأي طريحة ممكنة ومهما كانت التضحيات، مما تنهد بعمق وحكى لها كل شيء تفصيلياً منذ تلك الليلة السوداء التي رأى فيها «فيروز» في أحـ ـضان «إيهاب»، حكى لها كل شيء ودون نقصان عن مكالمة الغفير له، وعن ما قالته الداية «حميدة» في تلك الليلة المشؤومة، وعن ما سمعه بأذنيه من «فايزة»، وحكى لها أيضاً بكل شفافية عن محادثة «إيهاب» له، حكى لها كل دقيقة وكل تفصيلة، وبعد ما انتهى تماماً وجدها تنظر إليه بصدمة عميقة ومذهولة من الحقائق المخفية التي لم تكن تخطر على بال بشر، وهتفت بصدمة عارمة بعد ما جمعت الخيوط والأحداث معاً في عقلها المتقد:


ـ يعني إنت اللي ولعت في الحنة؟؟


هز رأسه بالإيجاب وهتف بنبرة صادقة وخاشعة نابعة من قاع قلبه هذه المرة:


ـ أيوا، بس أقسم بالله أنا بعت رجالي يبعدوا الرجالة اللي في الحتة اللي هولع فيها، وفعلاً بعدوا، وبعد ما شافوا النار والنار مسكت في بعضها، إيهاب طلع كل الناس ومحدش جرى له حاجة، وحتي لو لا قدر الله إيهاب معرفش يخرجهم، كانت الإسعاف والمطافي كانوا في الشارع اللي جنبهم، ورجالتي كانت قدام النار بيراقبوا الرجالة كلها طلعت ولا لا.


هتفت هي الأخرى بعد ما تنهدت تنهيدة طويلة ومطولة وهتفت بضيق حاجب واضح وهي تبتعد عن جانبه وتذهب إياها وإياباً أمامه بغضب وتفكير عميق:


ـ علي حسب كلامك في كل الليلة دي، إن فيروز حامل منك إنت، مش حامل من إيهاب، وإن اللي عمل كده لوزة وفايزة وباسم، بس في حاجة أنا مش فاهمها خالص، إزاي فيروز تتجوز إيهاب؟! وإزاي الماذون سمح بده؟، مهو لو اتجوزته يبقي جواز باطل شرعاً، لأن لازم تولد الأول عشان العدة بتاعتها تنتهي، ياما هما كدبوا علي البلد كلها وقالوا إنها اتجوزته عشان إنت متقوليش لـ فيروز الحقيقة


ختمت جملتها فوقفت باحثة عن إجابات وهي تنظر إليه ووجدت ملامحه هادئة تماماً كأنه يعرف بحديثها مسبقاً، وهتف هو الآخر بنبرة هادئة وثابتة:


ـ عارف كل ده، عشان كده أنا بدور علي الماذون عشان أشوفه فعلا كتب الكتاب ولا لا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت له هي الأخرى بنظرات غامضة وعقلها يفكر بجنون في كل الاحتمالات، مما هتفت بحيرة شديدة كأنها تحدث نفسها بصوت عالٍ:


ـ يعني باسم كان متفق مع فايزة، وقالوا لأبوها إن باسم حامل منه ده علي حسب كلام الداية، وبعدها فايزة متفقتش مع باسم تاني، اتفقت مع لوزة، بس إزاي؟؟


عقد حاجبيه «نصار» بحيرة أشد وهو ينظر لها بتركيز تام:


ـ إزاي إيه؟؟


جلست أمامه مباشرة على الأريكة التي كانت خلفها وهي تفكر بشرود تام وعمق لا يصدق:


ـ إزاي لوزة وفايزة مع بعض؟، ده هما الاتنين مش بيطيقوا بعض طيارة، ده بينهم مصانع الحداد، كنت قبل ما تيجي من السفر، كانوا كل يوم مشكلة مع بعض، إزاي اتفقوا كده بالشكل ده؟؟


نظر لها بهدوء وهتف بنبرته البسيطة والواقعية تماماً:


ـ المصلحة بتجمع يا سميحة، يعني لو أنا إنتِ بينا مصانع الحداد، ومصلحتنا واحدة، لا إنتِ عارفة تعمليها لوحدك، ولا أنا عارف أعملها لوحدي، فـ عشان كده اتجمعنا ونسينا كل الزعل عشان المصلحة نعملها ونخلص.


نظرت له بشك وهتفت بغير تصديق وعقلها مازال يعمل في كل الاتجاهات بلا توقف:


ـ تمام، أنا معاك بس في حد أكيد صالحهم علي بعض، والحد ده يبقي هو طرف تالت، ومصلحته واحدة، إنه يخرب عليك إنت وفيروز، عشان كده جمع بين فايزة ولوزة


نظر بملل واضح لها وكأنه لا يضع حديثها في رأسه أبداً وهتف ببرود نسبي:


ـ استحالة ده يكون كلام منطقي، فايزة ممكن تتنازل وترروح لـ لوزة والعكس صحيح، ولو في طرف تالت يبقي باسم مفيش غيره أصلاً.


هزت رأسها بعنف بلا وهتفت هي بحدة بالغة حتى تجعل شقيقها يفهم أبعاد الكارثة:


ـ لا، استحالة يكون باسم، لان علي حسب كلام اللي إنت سمعته من فايزة، باسم اتركن علي الرف عشان هو أول واحد متفق مع فايزة، ولما لقيت فايزة متفقة مع لوزة، ومن غير ما يدخلوا باسم في الخطة بتاعتهم، جاب عاتب فايزة إنها مقالتلوش ولا حاجة من الخطة اللي اتفقت فيها هي ولوزة

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت له ووجدته لا يصدقها تماماً، ولا يصدق تفكيرها العميق، مما هتفت هي الأخرى بتصميم أعمى على رأيها وصحتها:


ـ أوعدك إني هخليك تصدق إني صح، وإن فعلاً تفكيري ده صح وفي طرف تالت متخفي، جمع بين فايزة ولوزة، ومصلحته إنه مش عايزك إنت وفيروز تتجمعوا ببعض أبداً، أنا هثبتلك ده، وهجبلك كمان الماذون، وإنت دورك تدور علي فيروز وتلاقيها


هز رأسه باقتناع طفيف مما اقتربت منه بخطوات سريعة وهي تقبله فوق رأسه بحنان طفولي وهتفت بصوت دافئ يملؤه اليقين:


ـ أوعدك إني هساعدك، أنا واففة جنبك وإنت مش لوحدك أبداً.


ابتسم لها ابتسامة حقيقية وهتف وهو يربت على يـ ـدها بحنان أبوي:


ـ ربنا يديمك ليا يا حبيبتي وميحرمنيش منك ولا من وجودك جنبي ابداً.


ختمت جملتها بحماس وغادرت الغرفة فوراً حتى تستعد لكشف الحقائق المستفزة، واتجهت الي شقتها سريعاً بخطوات واثقة، وهي تبحث باهتمام بالغ عن دفتر تلك الأرقام القديمة، تبحث عن رقم معين بدقة، وبالأخير وجت الدفتر المخفي في درجها العتيق وبحثت بين الأرقام عن رقم ما، وبعد دقائق معدودات وجدت الرقم المطلوب وجلبت هاتفها المحمول حتى تتصل به حالاً وهي تهتف بصوت مهموس وملتزح: 


ـ يا رب ما يكونش غير الرقم بتاعه، يا رب


وبعد ثوانٍ معدودة رد عليها رجل ما بصوته الخشن، مما هتفت بلهفة بالغة بعد ما سمعت صوته المميز:

ـ محمود معايا؟؟

انتظرت حديثه حتى يرد عليها بتأكيد، وبعد ثوانٍ ردت عليه وهتفت بلهفة أشد:


ـ أنا سميحة مرات علي الله يرحمه، فاكرني؟


ابتسمت باتساع بالغ وهتفت باحترام وتوقير:


ـ تسلم الله يخليك، إنت عامل إيه وأخبارك إيه؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انتظرت ثوانٍ أخرى حتى ردت عليه وهتفت بإحراج شديد وارتباك واضح:


ـ الحمد لله كلنا كويسين، أنا كنت عايزة أطلب منك طلب محروجة منك جداً فيه.


انتظرت حتى ينتهي حديثه اللبق، مما ردت وهتفت بشكر عميق له:


ـ شكرا جدا يا محمود، طول عمرك صاحب واجب وأصيل، أنا بس كنت عايزة أعرف عنوان حد ساكن في أسيوط ضروري.


صمتت للحظات حتى تسمع رده القاطع وبعدها ردت بلهفة مشتعلة وهتفت:


ـ آه، آه، عارفة اسمه، الماذون إسلام بدوي حسنين.


انتظرت رده بفارغ الصبر وبعد ثوانٍ ردت عليه بابتسامة نصر واسعة ترتسم على شفتيها:


ـ شكرا جدا يا محمود، معلش هتعبك معايا وجايز أكون أزعجتك.


صمتت حتى رد عليها بلباقة واحترام بالغ حتى ردت عليه بهدوء تام وامتنان لا يُقاس:


ـ تمام، شكرا جدا لحضرتك، مع السلامة.


ختمت جملتها وألقت الهاتف جانباً بعد ما سجلت الرقم بعناية فائقة، وبعد ذلك أهملت الهاتف تماماً، وأخذت تفكر بهدوء بالغ وعقلاني في ذلك الحديث الطويل الذي قاله لها «نصار»، مما وقفت فجأة وأمسكت الهاتف مرة أخرى بعد ما طرحت في عقلها فكرة عبقرية ستنفذها على الفور، وأخذت تتصل على رقم آخر وسرعان ما رد عليها المتصل من الطرف الآخر، مما هتفت بغموض وخبث لا يليق إلا بها وحدها:


ـ ألو يا سعيد، جهز نفسك عشان هتشتغل الفترة الجاية مع بعض في شغل عالي، والشغل هو لوزة وفايزة


ختمت حديثها بابتسامة غامضة وساخرة، وعدت نفسها سراً أن الأيام المقبلة لن تبشر عليهم بالخير أبداً بل تحمل في طياتها جحيماً لا يرحم.



❈-❈-❈


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كان «فارس» سيتجه بخطوات واسعة نحو غرفته الخاصة التي تقع في الأعلى وكأنه يريد الهروب من هذا المكان كله، ولكن قطعت طريقه المفاجئ نبرة صوت «كيارا» الناعمة وهي تناديه باسمه، لم يلتفت لها قط وظل ناظراً إلى الأمام بثبات بينما هي تقف خلفه مباشرة بانتظار التفاتة واحدة، مما هتفت باشتياق حقيقي ولهفة جارفة تقطر عشقا له:


ـ ازيك يا فارس.


رد عليها بهدوء تام واحترام بالغ ولم يلتفت لها أبداً وظف على وقفته:


ـ بخير.


ختم جملته القصيرة القاطعة وكاد أن يطلع على الدرج الخشبي بخطواته، ولكنه توقف مسماراً في مكانه حين هتفت بنبرتها المشتاقة التي تفيض رجاءً ودلالاً:


ـ انا جاية اقولك وحشتيني علي هيئة ازيك، في ازيك اوي.

حبست أنفاسه بصدمة بالغة وعقد حاجبيه وهتف هو بتوتر واضح ومفضوح ولم يلتفت لها أيضاً:


ـ بصي يا كيارا انتي زي اختي سميحه وسهر بالظبط متختلفيش عنهم، في ياريت يكون في حدود ما بينا.


كاد أن يتجه إلى الدرج مرة أخرى وبدأ يرفع قدمه للصعود، ولكنه تجمد للمرة الثانية وبشكل مرعب حين شعر بملمس يـ ـديها الرقيقتين تمسك يـ ـده بقوة ودون إذن، مما التفت لها هذه المرة بعينين تشتعلان ذهولاً وكاد أن يهتف بنبرة غاضبة وحادة تحرق كل شيء، ولكنها سبقته وهتفت بهيام مطلق وهي تنظر له بعينين مليئتين بالحب والجرأة المجنونة:


ـ انا بحبك يا فارس.


اصطدم صدمة عمره للمرة الثانية وأصابه الشلل المؤقت وهو يرمش عدة مرات سريعة غير مصدق لما تقوله أذناه في هذا الصباح، وسرعان ما أفاق من غيبوبة صدمته وكاد أن يهتف بغضب عارم وجنون للمرة الثانية ليوبخها أشد توبيخ، ولكن أحداً ما قطعه بصوت صارخ ومرعب، ولكن ليس «كيارا» هذه المرة بل «كريمة» التي ظهرت فجأة وهي تهتف بعصبية مفرطة وجنون أشعل المكان:


ـ الله الله واي كمان تاني يا حلوه؟؟؟



❈-❈-❈


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كانت «فيروز» تتربع على السرير الأبيض في تلك الغرفة الهادئة، تشاهد شاشة التلفاز بلا مبالاة ظاهرية بينما كانت يداها المرتجفتان تمسكان بطنها المنتفخ بقوة وألم يمزق أحشاءها تمزيقاً، فبطنها تؤلمها وتعتصرها منذ ساعة كاملة دون أن تهدأ أو تلين أبداً، لذلك كانت تبحث بيأس عن أي شيء يسليها أو يلهيها لتتنسى تلك الآلام المبرحة التي تكاد تفتك بروحها، ولكن الألم كان يزداد ضراوة ووحشية مع كل ثانية تمر، حتى إنها لم تتحمل وتجاوزت حدود الطاقة البشرية وهي تطلق تأوهات مؤلمة ومبحوحة من قاع صدرها المنهك وهي تعتصرهما بين يديها بألم لا يُطاق، وهي تحاول بكل ما تبقى لها من طاقة واهنة أن تيقظ الممرضين النائمين أو الغافلين عنها، مما فاق الممرضون فجأة بذعر هائل وهلع عميق وهما يشاهدان صراخها الحاد والجنوني الذي يفوق احتمال أي بشر، فالألم يزداد ويزداد بلا توقف وكأن جحيماً قد فتح أبوابه عليها.


مما صرخت الممرضة بحدة مرعبة وبصوت يملؤه الرعب وهي تهتف بالممرضة الأخرى بكل قوتها:


ـ دي بتولد، ولادة مبكرة لازم تروح المستشفي دلوقتي.


ولكن «فيروز» كانت ستصرخ من شدة الألم الذي يفوق الوصف وتبكي بحرقة بالغة وتمزق الهواء بنحيبها، وهي تشعر ببرودة الماء يتدفق بغزارة تحت قدميها وهي تطلق صرخة مرعبة مؤلمة حد البكاء والانهيار وهي تنادي بكل ما أُتيت من قوة على شخص واحد فقط تصرخ باسمه وكأنه طوق نجاجه الوحيد في هذا العالم المظلم، وهو «نصار».


❈-❈-❈


بعد ما أغلقت المكالمة مع «سعيد» واتفقت معه تماماً على أن يراقب «فايزة» و «لوزة» طوال هذه الفترة وابتدأً من هذا اليوم المشؤوم، فهي لن تثق فيهم أبداً وتريد أن تعرف بمن يلتقون في هذه الأيام، ومن يقابلهم أو يتحدث معهم، تريد أن تعرف كل شاردة وواردة حتى تمسك الدليل القاطع على صحة تفكيرها، وبأن بالتأكيد هناك طرف ثالث في هذه القصة المعقدة، كادت أن تخرج من شقتها المظلمة وتترك هاتفها المحمول خلفها ولكنها توقفت في مكانها حين رن هاتفها مرة أخرى بشكل مفاجئ، مما اقتربت من الهاتف بخطوات بطيئة ووجدت المتصل هو «سعيد» مما عقدت حاجبيها بشك عميق وريبة قاتلة وردت عليه، وسرعان ما رد عليها «سعيد» بدون أن يسمع حتى ردها أو يلتقط أنفاسه من سرعتها:


ـ الو يا هانم، لوزة دلوقتي خرجت بالعربية، وأنا وراها أهو.


مما هتفت هذه المرة بجدية مفرطة ونبرة تقطر حزماً وصارمة:


ـ خلي بالك يا سعيد، وخليك وراها، ممكن تقابل فيروز في أي لحظة، وعين واحد من رجالتك يراقب فايزة.


ـ أوامرك يا هانم، سلام دلوقتي عشان أنا بسوق العربية وأنا وراها دلوقتي.


هزت رأسها بعنف وهي تضع يـ ـدها على خصرها بحركة حادة وهي تغلق الخط بقوة، مما تنهدت تنهيدة مسموعة وثقيلة للغاية على صـ ـدرها المليء بالهموم، مسكت الهاتف في يـ ـدها وكادت أن تخرج من باب شقتها للمرة الثانية، مما الهاتف رن مرة أخرى بشكل درامي مما تنهدت وهي تظنه بالطبع «سعيد» ولكن وجدته «محمود» الضابط الصديق المقرب لـ «علي»، مما ردت عليه بسرعة بالغة ولهفة تكاد تقترب من البكاء:


ـ الو يا محمود، لقيته؟


جلس على المكتب الجلدي ببطء وهو يريح ظهره بالكرسي الذي يجلس عليه بارتياح وهتف بابتسامة ودودة ودافئة:


ـ أيوا يا سميحة لقيته، عنوانه بالظبط هو……


ابتسمت بسعادة عارمة تجتاح قلبها وهي تكتب العنوان بالتفصيل الممل على شاشة الهاتف حتى لا تنسى حرفاً واحداً وهتفت بشكر حقيقي ينبع من أعماق روحها:


ـ شكرا جدا يا محمود، مش عارفة أشكرك ازاي بجد.


نظر إلى الأوراق الكثيرة التي في يـ ـده بتركيز شديد وهتف لها بحنان مبالغ فيه ونبرة ناعمة:


ـ ولا يهمك، أنا في الخدمة دايماً، وقت ما تعوزي حاجة كلميني، بس انا معايا رقم تليفونه لو عايزة فهو……

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أخذت تكتب خلفه بسرعة والسعادة تطرق بابها بقوة وأخيراً حصلت على معلومة ذهبية ستساعد شقيقها بكل ما أوتي من قوة، وبعد ما انتهى تماماً هتفت هي بسعادة طاغية استشعرها هو بوضوح تام من خلال نبرات صوتها المرتجفة:


ـ شكرا جدا يا محمود، مش عارفة أشكرك ازاي حقيقي.

ابتسم على ابتسامتها العذبة وتجاهل تماماً تلك الأوراق التي أمامهم وما زال يسمع صوتها المُحب لقلبه المفتون بها:


ـ لا شكرا إيه! إنتِ عايزاني أزعل منك؟ وقت ما تحتاجيني هتلاقيني يا سميحة.


ابتسمت هي بخجل شديد توردت على إثره وجنتاها وهتفت بلهفة فارغة:


ـ تمام يا محمود، تسلم، أنا هقفل بقي، عايز حاجة؟


تنهد تنهيدة مسموعة وعميقة جداً سمعتها هي جيدا بأذنها وهتف بنبرة هادئة ودافئة:


ـ عايز سلامتك يا سميحة، مع الف سلامة.


ابتسمت هي بابتسامة واسعة وهي تغلق الهاتف تماماً بعد ما هتفت بصوت خافت:


ـ مع السلامة.


تنهدت بصوت مسموع يعكس مدى إرهاقها، وخرجت من شقتها حتي تتجه مباشرة الي شقيقها، ولكنها وجدت تلك الخادمة الملعونة تتصنت على «نصار» أمام الباب وكأنها تقصد ذلك عمداً وبدبر مسبق.


وبعد ما انتهى «نصار» تماماً من مكالمته الطويلة، دخل الي الشرفة حتى يفعل مكالمة أخرى، حاولت أن تقترب من الباب أكثر وأكثر حتى تسمع شيئاً، ولكن لا جدوى من ذلك فهي لم تسمع أي شيء بسبب أن الصوت كان بعيداً عليها جداً وصوته مهموس وخافت للغاية، مما اتجهت بسرعة البرق الي غرفة «فارس»، كادت أن تتجه الي الغرفة خلفها مباشرة، ولكنها سمعت صوت شجار حاد وقوي صادر من «كريمة»، نظرت بعينين مسصورتين إلى الأسفل فوجدت «فارس» و «كيارا» و «كريمة» يتشاجرون، مما تجاهلت كل هذا الصخب وتلك التفاصيل، واتجهت مباشرة الي الغرفة التي دخلتها الخادمة وفتحتها على مصراعيها حتي تسمع بوضوح ما تقوله تلك المرأة الخائنة:


ـ ردي بقي يا لوزة ضروري.


استشاطت «سميحة» غضباً وجنوناً عند سماع هذا الاسم الذي ينبض بالسم، وما زالت «سميحة» تقف خلفها تماماً تسمعها جيداً وتلتقط كل كلمة، وتلك الخادمة تعطيها ظهرها بالكامل وتتصل على الهاتف بإلحاح، ولكن «لوزة» لا ترد أبداً ولا تجيب، مما فتحت تطبيق الواتساب الشهير وأرسلت لها رسالة صوتية طويلة بعض الشيء:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

" إزيك يا هانم عاملة إيه، برن عليكي كتير مش بتردي، على العموم كنت عايزة أقولك خبر، نصار قدر يوصل لرقم المأذون، وعنوانه، وهو دلوقتي تقريباً بيكلمه، بس مقدرتش أسمع أي حاجة ده اللي حصل، مستنياكي تحوليلي الفلوس والحلاوة. "


انتهت من رسالتها الصوتية تماماً وأرسلتها لها ولكن ظهر لها علامة صح واحدة فقط باهتة، معنى ذلك تماماً أنها لم تفتح الإنترنت الآن ولم تستلمها، مما ابتسمت هذه الخادمة بخبث والتفتت خلفها حتى تخرج من الغرفة، ولكنها شهقت شهقة مرعبة ومسموعة حين قبضت «سميحة» بقسوة شديدة وعنف أعمى على لايقة ملابسها وهي تهتف بعصبية جحيمية وتهزها بعنف مميت:


ـ آه يا ولية يا خرفانة بقي بتشتغلي عند لوزة؟ ده أنا هوريكي وهخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي ويشمت فيكي. 


دفعتها للخلف بقوة وحشية وجذبت هاتفها المحمول منها في لمح البصر، وحذفت هذه الرسالة التي أُرسلت للتو وتلك المقطع الصوتي المشؤوم، مما كسرت لها الهاتف تعذيباً وتشفياً أمام عين الخادمة المصدومة، حتى بقي الهاتف قطع صغيرة مهشمة ومتناثرة من شدة تكسيرها له بيدها، وهي تقترب منها أكثر وأكثر وعلى وشك الانقضاض عليها بوحشية بالغة وهي تهتف بوعيد مرعب ونبرة تفوح بالشر:


ـ تعالي بقي أوريكي اللي يخون اسياده واللي يشتغل عند الكلبة دي يتعمل فيه إيه 



❈-❈-❈


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ـ انت متأكد ان كتب الكتاب متكتبش؟؟ 


قالها «نصار» بنبرة ترتجف رجفة توحي وكأن روحه تُنزع من جسده، وهو لا يصدق أبداً ما تسمعه أذناه الحائرتان، غير مصدق لتلك الخيوط التي تكاد تلتف حول رقبته، مما أكمل المأذون بحدة بالغة، مدافعاً عن نفسه بحرارة وشراسة وهو يتحدث معه على الهاتف المحمول:


ـ إيوا، أنا رفضت أكتب الكتاب، وقولتلهم بالحرف الواحد لا يجوز شرعاً وقانوناً، العدة بتاعتها لسه مخلصتش، العدة بتنتهي لما هي تخلف وتقوم بسلامة، وأنا ماشي فعلا من البلد سمعت من جامع المسجد أنهم كتبوا كتابهم، وده كدب بس مرضتش أتكلم فقلت أنا مالي ومال وجع الدماغ ده.


ابتسم له «نصار» ابتسامة باهتة شاحبة، وما زال يتحدث على الهاتف بكل جوارحه، وهتف بنبرة هادئة وغامضة، وهو ما زال يمسك الهاتف بقوة يضعه على أذنيه وكأنه حبل النجاة الوحيد في هذا العالم المظلم:


ـ شكرا جدا جدا، تعبتك معايا، مع السلامة.


أغلق الهاتف بلهفة وسرعة جنونية وهو يبتسم ابتسامة عريضة هزت أركان وجهه، فهو كان خائفاً رعباً لا يمكن وصفه من خسارتها الأبدية، خسارتها تلك ألمت قلبه المكسور تمزيقاً وجعلته لا يبدو على ما يرام طوال الأيام الماضية، والآن، يجب أن يجدها بأي ثمن، حتى يذهب إليها راكعاً ليعترف لها بكل شيء في قاع قلبه ويقول لها تلك الحقائق التي ستغير مجرى حياتهما للأبد.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وما إن سكن الهاتف حتى اهتز بشدة في يده، مما وجده «جمال»، ذلك الرجل الذكي الذي كلفه خصيصاً بأن يراقب «إيهاب» طوال الوقت، لأنه كان يتيقن أنه في يوم ما سيلتقي بـ «فيروز»، فهو عرف بمعلوماته الاستخباراتيّة الخاصة أنه يعيش في شقة بعيدة خارج تلك القرية لوحده، لذلك شك في الأمر برمته بأن «فيروز» ليست معه في تلك الشقة، لذلك حب أن يتأكد بنفسه هل تزوج «إيهاب» بـ «فيروز» بالفعل أم أنها مجرد أكاذيب، والآن، جاءه الخبر اليقين وهو تأكد بالفعل من كل الشكوك.


رد على الهاتف بلهفة لا توصف، مما رد «جمال» من الطرف الآخر بلهفة أشد وصوت شبه مسموع يخالطه التوتر والخوف:


ـ ألو يا باشا، أنا كنت براقب إيهاب بيه، وركب عربيته وفجأة مرة واحدة عربيته اتعطلت في نص الطريق و شايفه بعيني وهو بيحاول يقف عربيات، والعربيات ومش راضية تقف له خالص لحد ما فكرت أنا أقف أساعده، عربيته اتعطلت ومحتاجة ميكانيكي شاطر، فـ قولتله مفيش هنا ميكانيكي غير بعد عشرين كيلو على الأقل، فطلب مني أوصله شرم الشيخ في مستشفى……، عشان مراته رايحه تولد في المستشفى . 


تجمدت العروق تماماً في جسده كله كأنه تحول إلى تمثال من الثلج، وجحظت عينيه حتى كادت أن تخرج من محجريها، وقلبه يدق بجنون وعنف داخل صدره لدرجة أنه يكاد يخترق ضلوعه:


ـ فيروز…

و….

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (توتا محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل