قراءة رواية بين الرفض والقدر (عريس قيد الرفض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: بين الرفض والقدر
(عريس قيد الرفض)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( عفاف شريف) | الفصل: (39)
أحمق أنت إن ظننت أني خسرت وحدي،
فالخسارة كانت لنا جميعًا،
فالصفعة مرّت على وجه الجميع، تاركةً آثارها بكل قسوة.
بقلمي عفاف شريف
❈-❈-❈
أخبرني يا عزيزي... ما هو الحب؟
أهو ذاك الذي شاهدناه يومًا في رسومنا المتحركة،
حيث تنتهي الحكايات دائمًا بابتسامة، ويهزم العاشقون العالم من أجل بعضهم البعض؟
أم هو ذاك الذي قرأناه بين أسطر الكتب والروايات،
حيث تبدو المشاعر أبدية، والوعود لا تُنكث، والنهايات تُكتب كما نشتهي نحن؟
أم هو ذلك الشعور الذي جعلنا نحلم طويلًا باليوم الذي نحظى فيه به،
ونحسب أن امتلاكه هو اكتمال الحياة؟
أم أنه ليس هذا... ولا ذاك؟
أم أن الحب، في النهاية، لم يكن سوى خدعةٍ بارعة...
اخترعها الكبار،
فآمن بها الصغار،
ثم أمضوا أعمارهم يبحثون عنها... حتى اكتشفوا متأخرين أن الواقع لا يشبه الأحلام،
وأن الحب قد يكون أحد تجليات الأوهام.
❈-❈-❈
"ما بعد الأحكام حين تُدفن العلاقات حيّة"
ردّد بهمسٍ خافت، قاتل، محتضر:
أنتِ طالق يا حور.
سكون تام وصمت خانق.
توقّف للزمن، وتوقّفت عقارب الساعة عن التحرّك.
خفتت الأصوات حتى اختفت.
حتى الهواء لفظ أنفاسه الأخيرة.
تلاشى الأبيض وتبعه الرمادي.
ولم يتبقَّ فقط سوى الأسود،
مؤذٍ وموجع بقتامة جارحة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وقفا أمام بعضهما، تفصلهم خطوات، تفصلها بلاد.
شاحبين مشوّشين كمن تلقّى طعنة غادرة،
مكتشفًا أن الطاعن كان نصفه الآخر.
وكم كان صادمًا قاتلًا.
كم مرّة عليهما؟
لحظات أم ساعات؟ ربما كانت أيامًا وشهورًا.
في تلك اللحظة لم يعد بالأمر المهم.
لم يعد شيء مهم.
صمتت الأفواه عن الحديث،
وتولّت العيون لغة العتاب.
عتاب أقسى من آلاف الكلمات.
يناظرها هو بكل أسى وخيبة أمل،
تخبرها بالكثير وإن لم تنطق شفتاها، ولن تنطق.
ودمعة أبت أن لا تخونه، لكنه لم يسمح لها هو بالتحرّر.
هي خانته.
خانت ثقته وعشقه.
ببساطة، لا تستحق حزنه ولا ألمه ولا حتى دموعًا يبكيها على خسارتها.
هي لا تستحقه وكفى.
لكن غضبه غضّ بصره،
فإن دقّق النظر وأزاح تلك الغمامة عن عينه وقلبه المجروح للحظة واحدة فقط...
لرأى انكسارها وتحطّمها لفتات.
لرأى صدمتها وشهقتها، محاولة التقاط أنفاسها كغريق يحتضر، لا يطلب سوى نفحة هواء.
دقيقة واحدة لعله ينجو،
لكنه ببساطة غرق وابتلعته الأمواج،
حتى صار سرابًا.
هل رأى؟ هل شعر؟
هل رأى قلبها وهو يتحطّم أمامه إلى فتات لا حول لها ولا قوة؟
هل رأى دماء قلبها المعطون طعنة كانت أعمق مما فعلت أمها؟
هل سمع صراخ روحها ألف مرة حتى جفّ صوتها؟
أغمضت عينيها تحجبها عن عيناه العاتبتين.
لا تتحمّل عتابه.
أيعاتبها؟
ونسي نفسه.
كم هو قاسي القلب.
تغلّبت على نفسها وحرقة عيناها الدامية،
وفتحتهما مرة أخرى بحذر.
تناظره بألم،
وكادت بالحديث،
بالتبرير،
بطلب السماح.
فتحت فمها،
لكنها عجزت.
لم تقدر، وعيناها تصطدمان بنقوده التي ما زالت تحملها بين أحضانها.
تضمّها بقوة غير قادرة على تركها،
كأنها التصقت بها،
شاعرة بها كجمر يحرق روحها.
ارتعش جسدها كله كالمصابة بحمّى،
وهي تشعر باحتراق روحها...... وباحتراق روحه معها.
التقط نظراتها للمال،
فازدادت نظراته خيبة وخذلانًا وخزيًا.
فتح فمه يلتقط أنفاسه الثائرة،
وهزّ رأسه بيأس وعدم تصديق.
وأخيرًا تراجع للخلف عدة خطوات،
قبل أن تتشكّل على وجهه ابتسامة ساخرة مريرة تقطر ألمًا وحسرة،
قبل أن يميل ليخرج ما في الحقائب،
يضعهم أمامها واحدة تلو الأخرى.
طقم الذهب الكبير الفخم والذي جلبه مخصوصًا ليزيل همّها وينهي خلافها مع أمها.
وطقمها الخاص الذي انتقاه خصيصًا لها،
انتقاه بكل حب وحنان،
فقط ليسعد قلبها ويتوّج علاقتهم بالمزيد من المودة والرحمة.
كان يريد أن يرى لمعة عينيها،
لكن لما لم يعد يرى سوى الدموع.
وأخيرًا طقم صغيرته شمس.
شمسهم.
وهنا رفع رأسه يناظر صغيرته الغارقة في بكاء حار، ووجه أحمر منتفخ من شدة البكاء.
رفع رأسه يناظرها باتهام واضح بقهر.
هذا كان جزاؤه؟
تحطّم قلبه وقلبها،
تحطّم روحهما بثمن بخس.
بضع ورقات تهدم بيتًا كاملًا.
وأخيرًا وقف،
يناظرها ويناظر أمواله والذهب.
ثم تحرّكت ساقه،
واقترب.
خطوة تبعها أخرى،
حتى وقف أمامها، لا تفصلهم سوى خطوة واحدة فقط.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وطالت نظراته،
وعيناها ترجوه،
وعيناه تجيبانها بألم.
وأخيرًا،
مدّ يده وبحركة سريعة،
انتزع من بين أحضانها الأموال بعنف،
قبل أن يلقيها فوقهم، لتناثر وتهبط على رأسها كحبّات الثلج.
تمتم بألم وهمس خافت:
مبروك عليكي خراب بيتنا يا حور.
هي خططت، وانتي نفّذتي بكل شطارة.
اتفضّلي.
فلوس ودهب.
دول كانوا تمن خراب حياتنا.
بهتت ملامحها وتساقطت دموعها،
تهزّ رأسها بنفي،
بألم.
هي لم تفعل.
لا، لا، لم تفعل ذلك.
والله لم تفعل.
لكن تابع بكل قسوة، وعيناه تصرخان بعذاب:
بس يا خسارة، كان ثمن رخيص أوي.
قالها وعيناه تناظرانها بمرارة وخيبة.
ذلك المنزل اللي بُني بكل حب،
هُدم بكل قسوة ورُخّص ثمنه.
قبل أن يخفض نظره مرة أخرى نحو صغيرته الباكية، والتي ترفع يدها له تطالبه بحملها،
أن تنام بين أحضانه، تطالبه بأمانها المعتاد.
وهنا لم يقدر.
لم يعد يتحمّل.
التفت يغادر المنزل سريعًا من أمامهم،
غير قادر.
لقد خسرها،
وخسرته.
حال بينهم ألف حال،
وسقطت بينهما حكايةٌ كانت تظن أن الحب وحده كفيلٌ بإنقاذها.
❈-❈-❈
ظلام حالك.
رؤية مشوشة.
وهواء بارد يضرب جسدها حتى تكاد تشعر بالتجمد.
وقفت تنظر حولها بخوف وتوتر.
صوت صراخ صاخب جعلها تنتفض مرتجفة، قبل أن تطلق ساقيها للريح، تركض هاربة.
تركض وتركض، حتى سقطت.
رفعت يدها تضم جنينها بخوف ورعب، لا يهمها سواه في تلك اللحظة، والأصوات تزداد علوًّا ورعبًا.
وقفت بساقين مرتجفتين وأكملت ركضًا، متألمة متعثرة.
فتحت فمها تحاول الصراخ، أن تطلب المساعدة، لكن عجزت.
لماذا لا تقدر؟
لماذا لا يخرج صوتها؟
دمعت عيناها شاعرة بالعجز، بالقهر، بالرعب.
ومن حيث لا تدري، رأته.
كان هناك يقف يناظرها بصمت.
هو، لكن ليس هو.
نفس الملامح، لكن قطعًا ليس هو.
ورغم ذلك، ركضت أسرع نحوه، تطالبه بالمساعدة، تطالبه بالأمان.
ومن حيث لا تدري، ظهرت أمامها أفعى ضخمة كبيرة، مخيفة ومرعبة، حاصرتها بسرعة والتفت حولها وجنينها بكل قسوة، بدايةً لهلاكها.
صرخت بكل قوتها وبكت حتى جفت عيناها، تناظره بعذاب، تتألم، تحتضر.
وبقي هو كما هو.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عمر.
عمر.
الحقني.
الحق ابننا.
ابننا يا عمر.
قالتها وروحها تحتضر، وتلك الأفعى تغرز أنيابها بكل قوة، مقررة النهاية.
انتفضت شاهقة، تنظر حولها بفزع ووجه شاحب متعرق، تلتفت حولها بخوف ورعب.
رفعت يدها تمس صغيرها.
كابوس.
لقد كان كابوسًا.
كابوس.
لم يكن حقيقيًّا.
لم يكن.
ما هذا الكابوس؟
ألا يكفيها نومها القلق المضطرب، بل أيضًا يملؤه الكثير من الكوابيس؟
لكن ما معنى ذلك الكابوس؟
وضعت يدها تغطي وجهها بارتجاف، تمسح دموعها شاعرة بروحها ترتجف معها.
ابتلعت تلك الغصة وهي تتنهد بتشوش، شاعرة بألم في جميع أنحاء جسدها.
تشعر أنها تنهار نفسيًّا وجسديًّا.
هي ليست بخير.
ليست بخير أبدًا.
ظلت جامدة تنظر إلى اللا شيء أمامها، قبل أن تلتفت لتناظر عمر الغافي بجانبها، بعد أن عاد متأخرًا طاردًا لوزة وصغارها شر طريدة من فراشهم، قبل أن يلقي نفسه بجانبها ويغط في نوم عميق مرهق.
رنين المنبه انتشلها من شرودها، لتسارع بإغلاقه قبل أن يستيقظ عمر.
واعتدلت تساوي خصلاتها المبتلة، قبل أن تغادر الفراش متحركة بحرص، خشية من إيقاظه أو إيقاظ لوزة وصغارها.
توجهت نحو الخزانة لتخرج ملابسها واحتياجاتها، لترتديها بالحمام.
فعمر نائم ولن يستيقظ الآن، وعمته وسلمى يشغلان الغرفة الأخرى، ولم يتبقَّ سوى الحمام لتبدل به ملابسها لكي لا ينزعج عمر.
خرجت من الغرفة سريعًا، وهي تنظر للظلام الخارجي.
لم تشرق الشمس بعد حتى.
لقد استيقظت ساعتين أبكر من موعدها المعتاد، لتنهي عدة أعمال بالمنزل قبل أن تذهب إلى عملها.
وبالفعل أسرعت بالاستحمام، ولم تغب كثيرًا رغم حاجتها لحمام هادئ مريح.
نظفت ردهة المنزل سريعًا، قبل أن تدلف للمطبخ لتحضر طعام اليوم، فهي لا تدري ما قد يحدث في أسوأ الأحوال إن تأخرت.
لكن تسمرت قدماها على باب المطبخ، وهي ترى الفوضى العارمة بداخله.
اتسعت عيناها وهي ترفع يدها تكتم صراخها الغاضب، وعيناها تجولان على الأكواب والأطباق والطعام المتروك خارج الثلاجة.
أغمضت عينيها رافعة رأسها، تعد حتى عشرة، حتى لا تصرخ، حتى لا تنفجر بهم وتلقي بهم أو بنفسها من الشرفة.
قبل أن تمسح وجهها بتعب حقيقي، مستغفرة ربها طالبة الصبر.
وبالفعل تحركت سريعًا لتنظف وتحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
وبالفعل قضت الساعتين التاليتين تنظيفًا وترتيبًا المطبخ، وهي مصدومة أنهم تناولوا الطعام للمرة الرابعة، حتى أنها اكتشفت انتهاء علبة الحليب الجديدة وآخر عبوة عصير لديهم.
وأخيرًا أطفأت الموقد على الطعام، وتركت إعداد الأرز حينما تعود.
ووقفت تستند على حافة سطح المطبخ الرخامي، شاعرة بالوهن.
وهن لا يجب أن تشعر به في السابعة صباحًا.
ولم يبدأ اليوم فعليًّا حتى.
مسحت وجهها قبل أن تتوجه للخارج لتستعد سريعًا، فقد تأخرت بما فيه الكفاية على العمل.
وما أن خرجت حتى انتفضت صارخة، وعمته تفاجئها مردفة بهدوء:
ـ بتعملي إيه كل ده؟
التفتت لها فريدة تناظرها بوجه شاحب ويدها تحتضن جنينها من أثر الفزعة.
ـ إيه، شفتي عفريت ولا إيه؟
قالتها عمته بتهكم وهي ترى فزعها.
رمشت فريدة بعينيها مرارًا، كأنها تحاول استيعاب متى استيقظت من الأساس.
إلا أنها تنهدت شاعرة باستنزاف، قبل أن ترد بفتور:
ـ لا، أبدًا.
بس مكنتش أعرف إن حضرتك صحيتي.
صباح الخير.
عن إذنك.
قالتها وهي تتحرك من أمامها سريعًا، لتوقفها مرة أخرى مرددة بحزم:
ـ استني، رايحة فين؟
التفتت فريدة نصف التفاتة تناظرها باستغراب، قبل أن تقول:
ـ رايحة ألبس عشان أروح الشغل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حضرتك محتاجة مني حاجة؟
ـ إنتي لسه فاكرة تسألي؟
ما كأنتي داخلة وسيباني كأني مش موجودة.
ـ أممممم، بدأنا بدري أوي النهارده.
يا رب رحمتك يا رب.
همست بها فريدة بخفوت وإنهاك، قبل أن ترفع صوتها قليلًا مردفة بغيظ من بين أسنانها:
ـ أبدًا يا طنط، أنا عمومًا كنت جهزت لحضرتك الفطار في الثلاجة، لأني مش هكون موجودة لما حضرتك تصحي.
بس طالما حضرتك صحيتي، ثواني أجيبه لحضرتك.
قالتها وكادت بالتحرك، إلا أن الأخرى رددت برفض:
ـ لا.
مش عايزة جبن.
مش إنتي مجهزة جبن وكده؟
أومأت لها فريدة بصمت.
لتتابع الأخرى:
ـ لا.
انزلي هاتي فول وطعمية زي بتوع امبارح.
بس هاتي أُغَمِّس.
مش عايزة سندوتشات.
وهاتي عيش سخن من الفرنة.
بس أهم حاجة عايزاه سخن.
مبحبش العيش البارد.
قالتها وهي ترمق نظرات فريدة بسعادة داخلية جاهدت بكل قوتها حتى لا تظهرها لها.
وفريدة كانت تعلم أنها تتعمد استفزازها وخلق شجار من اللا شيء، إلا أنها وللحق لا تفهم السبب.
لذلك أومأت بهدوء وكادت بالدخول لجلب هاتفها للطلب، إلا أن الأخرى كانت أسرع وقد توقعت أن تفعل ذلك، لتردد بحزم:
ـ لا.
مفيش من ده تاني.
التفتت لها فريدة وقد بدأت إمارات الغضب تظهر عليها:
ـ هو إيه اللي لا يا طنط؟
ابتسمت عمتها قائلة بهدوء:
ـ لا، مفيش دليفري تاني.
عندك رجلين انزلي هاتي وحركي نفسك.
وفري فلوس جوزك الشقيان.
ويلا عشان جعانة.
هنا كادت...
كادت أن تنفجر بهم.
لكن دقيقة.
لا طاقة ولا صحة لديها في تلك اللحظة.
تريدها أن تذهب بنفسها؟
حسنًا ستفعل، ليس لأنها أمرتها بذلك، بل فقط لأنها متعبة حقًا ولا طاقة لها لجدال في السادسة والنصف صباحًا.
وبالفعل التقطت إسدال الصلاة وحافظة تقودها وفتحت الباب.
لكن أسرعت الأخرى بتوقيفها مرددة:
ـ فول محوج بالزيت الحار.
طعمية سادة مش محشية.
بتنجان وبطاطس وسلطة وفيها بصل بحبه.
وهاتي ثلاث بيضات مسلوقة.
وشوية بابا غنوج.
وأوعي تنسي العيش.
يكون طازة وسخن.
ظلت فريدة تسمعها وهي تعطيها ظهرها.
وما أن انتهت حتى خرجت وأغلقت الباب خلفها بحدة.
اتسعت لها ابتسامة الأخرى.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وكم كانت سعيدة.
فهي تجهز لها بئرًا للسقوط به.
لكن أحقًا هي من ستسقط...
❈-❈-❈
وصلت لعربة الفول التي تتعامل معها منذ تزوجت، ليهلل صاحبها بسعادة مرددًا:
ـ أهلًا أهلًا بست الكل، صباح الفل.
ـ صباح الخير يا عم خيري.
ـ أؤمريني، طلباتك؟
قالها باهتمام.
أملت عليه كل ما طلبته عمة عمر، قبل أن تقول:
ـ عقبال ما حضرتك تخلص أكون روحت.
ـ جبت عيش؟
قاطعها بهدوء:
ـ لا، وتروحي ليه؟ أنا عندي عيش صابح أهو.
قالها مشيرًا خلفه.
ـ سخن؟
سألته بحرص.
ـ السخن جه أهو.
رددها وهو يشير خلفها لأحد العمال وقد أتى يحمل أقفاص الخبز الساخن.
تنهدت براحة، تحمد الله على تسهيل أمرها.
ـ الحمد لله.
قالتها بسعادة، وأخذت الإفطار سريعًا، ولم تنسَ أن تجلب شطائر لعمر ولها أيضًا، ففي يوم كل منهما طويل ومتعب.
نظرت للساعة بهلع.
وصعدت سريعًا، فقد تأخرت جدًا.
دلفت الشقة، وضعت الطعام أمامها، وأسرعت للحمام لتبدل ملابسها قبل أن تطلب منها أي شيء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وبالفعل، خمس عشرة دقيقة وكانت تخرج.
تمشط خصلاتها بسرعة، قبل أن تتلفت حولها تبحث عن هاتفها، والأخرى تراقبها بضيق.
تذكرت فريدة أن الهاتف بالغرفة، لتدخل سريعًا.
وهناك...
وجدت عمر يجلس على الفراش يحرك رقبته بألم قائلًا لها بتعب:
ـ جسمي كله مكسر.
ابتسمت له بإشفاق، قبل أن تقول:
ـ معلش يا حبيبي.
قوم خد شاور وافطر، وإن شاء الله تبقى أحسن.
أنا جبتلك فطار تاخده معاك الشغل، متنسهوش.
قالتها وهي تلتقط هاتفها، لتقوم بعدها بملء ماء وطعام القطط سريعًا.
وكادت أن تخرج من الغرفة، قبل أن يرفع عمر رأسه مرددًا بهدوء:
ـ فريدة.
التفتت له متسائلة.
لينظر لها بصمت.
ومرت الثواني، حتى همس أخيرًا:
ـ معلش يا فريدة، كنت محتاج فلوس.
وتابع بحرج وضيق:
ـ الفلوس اللي معايا كلها خلصت على الطلبات امبارح.
يعني للأسف حتى مش معايا فلوس أكمل الشهر.
حتى الفلوس اللي كنت شايلها على جنب للبيت اتصرفت كلها.
تسمرت محلها لثانية، قبل أن تؤمئ له برأسها بسرعة مرددة بارتباك:
ـ آه طبعًا يا حبيبي.
حاضر، حالًا هبعتلك فلوس.
أخفض رأسه للأسفل متنهدًا بانزعاج، لتناظره بحزن، قبل أن تتحرك لتجلس بجانبه، ممسكة بيده مرددة بهدوء:
ـ مالك يا حبيبي بس؟
إنت عارف يا عمر، مفيش بينا فلوس أبدًا.
فلوسنا واحدة يا حبيبي.
متقلقش، هي فترة وإن شاء الله هتعدي.
وإن شاء الله مرتبي على مرتبك يكفي لحد ما ربنا يفرجها.
رفع رأسه وشدد على يديها مرددًا بأمل:
ـ يا رب، يا رب يا فريدة.
فترة صعبة أوي.
ـ هتعدي، صدقني.
قالتها بيقين وثقة في الله.
ابتسم لها، وقربها منه، وكاد أن يحتضنها، إلا أن انتفضا على صوت عمته وهي تردد بغضب من الخارج:
ـ بتعملي إيه كل ده يا بنتي؟
تعالي يلا، أنا خلصت فطار، اعمليلي شاي.
احتقن وجه فريدة، وجزت على أسنانها.
ليشدد على يدها قائلًا باعتذار:
ـ روحي إنتي يلا على شغلك.
أنا هتعامل معاها.
أومأت له وتحركت مغادرة الغرفة، وهو خلفها.
وما أن رأتها عمته، وقبل أن تصيح بها، وجدت عمر يخرج خلفها.
رددت بسعادة وفرحة:
ـ صباح الفل يا حبيبي.
ـ يسعد صباحك وعيونك.
وأشارت نحو الإفطار:
ـ تعالي يلا افطر.
ـ أنا خلصت.
ـ بس وماله، أكل معاك تاني.
وروحي إنتي اعمللنا حاجة نشربها.
يلا.
وقبل أن تتابع، قاطعها عمر قائلًا:
ـ روحي إنتي يلا فريدة عشان متتأخريش على شغلك.
أنا هعملك يا عمتي.
ولم تتأخر فريدة، بل حملت حقيبتها وأسرعت في الفرار، مستغلة الفرصة.
وعينا الأخرى تناظران ما حدث بنظرات غير راضية.
ولن ترضى أبدًا.
لا اليوم ولا غدًا.
لن ترضى حتى تحرق صفحات هذا البيت.
❈-❈-❈
هبطت من سيارة الأجرة، تسرع خطاها نحو بوابة الشركة، تناظر ساعتها بضيق، فلقد تأخرت بما فيه الكفاية، بسبب عمته وإفطار عمته ومشاجرات عمته، وحسبي الله ونعم الوكيل في عمته.
زادت سرعتها وهي ترى أحد المصاعد على وشك الإغلاق، لتضع قدمها سريعًا تمنعه قبل أن يغلق أبوابه.
وما أن رفعت رأسها مبتسمة بنجاح، حتى قابلتها عينا مديرها ياسر، تناظرانها بصدمة من مظهرها المبعثر.
تنحنحت بحرج وهي تدلف وتقف بجانبه بأدب وخجل، تود ضرب نفسها بحذاء قديم حتى تكف عن تلك التصرفات، قبل أن تردد باعتذار:
بعتذر لحضرتك عن غيابي عن اجتماع امبارح.
أنا عارفة إن حضرتك أكدت حضور الفريق كده.
لم يرد عليها إلا بعد عدة لحظات، قبل أن يردف:
مريم بلغتني إن عندك ظروف عائلية، مفيش مشكلة.
وما أن فتح باب المصعد حتى خرج متابعًا حديثه:
خلصي ورق المشروع الجديد بأسرع وقت.
لازم يخلص قبل المدة المحددة على الأقل بكذا يوم عشان المراجعة النهائية.
أومأت له بتأكيد.
وقبل أن يغادر، وقف يناظرها قليلًا قبل أن يردد وهو يلاحظ شحوب ملامحها:
إنتِ بخير يا بشمهندسة؟
أيوة، الحمد لله.
شكرًا لسؤال حضرتك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قالتها سريعًا بتوتر.
أومأ لها وغادر سريعًا.
وأسرعت هي لمكتبها، لتقابلها مريم، المهندسة الوحيدة الجديدة بالمجموعة الخاصة بهم.
مريم بابتسامة:
قلقت عليكي يا بنتي.
إنتِ كويسة؟
ارتمت فريدة على مقعدها، مستغلة عدم وجود المهندسين الرجال بعد، قبل أن تردف بتكدير وملامح جعلت الأخرى تنفجر في الضحك بصوت عالٍ:
أنا بعيش أسوأ فترات حياتي.
منهم لله!
حسبي الله ونعم الوكيل في الجواز.
❈-❈-❈
خصلات ناعمة تتداعب وجهه، وضحكات خافتة مشاكسة، ويدان صغيرتان ماكرتان تتخذ صلعته مدارًا لسياراته الحمراء الصغيرة، كانت سببًا في إيقاظه.
فتح تميم عينيه لتقابلهما عيناه الصغيرتان المشابهتان لوهج الشمس، وهو يجلس بجانب رأسه فعليًا، يهديه أجمل وأروع الابتسامات.
مال عليه تميم الصغير سريعًا يقبله، مرددًا عدة كلمات مجهولة المصدر، اعتبرها هو "صباح الخير يا خالو".
اعتدل في جلسته يحمله، يجلسه على ساقه، مقبلًا إياه بقوة، قبل أن يلقيه على ظهره، مدغدغًا بطنه بقوة وشغب.
انطلقت صرخات الصغير الضاحك باستغاثة.
ضمه تميم بقوة إلى صدره، متنهدًا براحة.
لفت انتباه ملابس الصغير وبعض من متعلقاته الخاصة على أحد المقاعد، ليوقن أن آلاء وضعتها له أثناء نومهما.
وبالفعل تحرك بنشاط، يحمل الصغير المشاغب على كتفيه، متجهًا نحو الحمام، يدندن والصغير يريح رأسه على صلعته.
سأله بمشاغبة وهو يقوم بملء حوض الاستحمام:
"نستحمى؟"
أومأ له الصغير بحماس.
وبالفعل، دقائق وكان بداخل الحوض الذي ملأه تميم بالفقاعات، وعدة بطات صفراء صغيرة، وبعض الكرات الملونة، كانوا لديه من قبل.
تخلل خصلات الصغير بسائل الاستحمام، قائلًا بهدوء:
دلوقتي هنخلص وننزل نفطر سوا قبل ما أروح الشغل.
تمتم الصغير بجوع: ممم.
أيوة، مم.
جعان إنت صح؟
قالها تميم بضحك، وهو يرفع قدمه الصغيرة يقبلها ويدغدغها بقوة.
انفجر الصغير في الضحك حتى كاد أن يبكي، وما أن تركه خاله حتى ملأ كفيه بالماء سريعًا قبل أن يلقيهما نحو خاله المنشغل بإحضار شيء من أمامه.
ناظره تميم بصدمة، مرددًا:
إنت بتنتقم مني؟
طيب تعالَ بقى.
قالها وهو يجذبه، يغرقه بالماء، ليغرقا بعضهما البعض، مستمتعًا بلحظاته مع ذلك الصغير، ابنه وإن لم ينجبه، ابن قلبه.
❈-❈-❈
بعد نصف ساعة والكثير من المحايلات والتوسلات لكي يقبل الصغير بالخروج من حوض الاستحمام، وافق على مضض متأففًا، ناظرًا إلى خاله بضيق وقرف.
انفجر تميم ضاحكًا على مظهر الصغير في رداء استحمام أزرق اللون وبه الكثير من البط الأصفر، وجه عابس وخصلات مبعثرة مبتلة.
ضمه بقوة، مقبلًا إياه بقوة على وجنته، قبل أن يجلسه على الفراش، يلاعبه ويراضيه حتى رضي الصغير أخيرًا.
وبدأ بإلباسه ملابسه، من سروال صغير أسود اللون وكنزة قصيرة الأكمام بيضاء اللون.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تحرك يحضر المشط والعطر، وجلس يمشط له خصلاته الناعمة، ويضع له عطره المفضل.
وأخيرًا وقف يناظر بهاء طلعته الطفولية، يكاد يأكله أكلًا.
أتكأ على ركبته، يقبله بقوة، مرددًا:
"تيمو استحمى وبقى زي القمر.
دلوقتي خالو كمان هيدخل ومش هيتأخر.
فـ تيمو هيقعد مؤدب يتفرج على التلفزيون لحد ما خالو يخرج، تمام؟"
وحمله يجلسه على الأريكة الصغيرة بغرفته، وقد فتح له التلفاز على مسلسله المفضل، بعد أن حاوطه بالوسائد، حرصًا ألّا يسقط لا قدر الله.
وسارع بالحصول على حمام سريع، وأذناه ترهفان السمع مع الصغير.
وخلال دقائق كان ينضم إلى الصغير بقميص أبيض ناصع، وسروال أسود أنيق، وسترة رمادية داكنة، وانتعل حذاءً جلديًا لامعًا، ولم ينسَ ساعته باهظة الثمن.
حمل الصغير المشاكس ليقفا معًا أمام المرآة.
كانا ببساطة كاب وابنه.
وعند تلك الخاطرة، قبّل الصغير بحنان وحب حقيقي، مسرعًا نحو الأسفل، محاولًا الانغماس في الحياة، لعله ينسى.
لكن أينسى؟
هيهات من قلبه الأبي.
❈-❈-❈
هبط الدرج يحمل الصغير، لتقابله آلاء وهي تخرج من المطبخ تحمل طبقين يخصان الفطور.
وضعتهما سريعًا وركضت نحو تميم لتقبله، إلا أن الصغير صرخ بغضب وغيرة.
جعلت الأخرى ترفع أحد حاجبيها باستنكار، قبل أن تمسكه من ياقة قميصه قائلة بتهديد:
ولااااا!
ده أخويا قبل ما يكون خالك.
أرجع تميم رأسه للخلف وانفجر ضاحكًا، قبل أن يضم آلاء بقوة، حاملًا إياها هي الأخرى، ويهبط الدرج بهما معًا مرددًا بحنان:
"أهو عشان محدش يزعل."
فاضت الدموع من عينيها وهي تريح رأسها على صدره، قبل رأسها لتتحرك متحكمة في مشاعرها لكي لا تبكي.
اقترب من والده الذي كان يراقبهم بصمت، قبل رأسه ويده، وجعل الصغير يفعل المثل مع جده، وآلاء أيضًا التي احتضنت الصغير، مرددة باشتياق:
قرد بس وحشتني.
تعالى يلا عشان أكلك.
إلا أن الصغير هز رأسه نفيًا، متمسكًا بخاله، الذي تحرك به، يجلس ويجلسه فوق ساقه، قائلًا قبل أن تعترض:
اقعدي أنتي، تيمو هيفطر معايا أنا.
تيمي مم.
قالها الصغير مشيرًا نحو فمه.
"تيمي."
"والله أنا هيبتي بتضيع بسبب عيالك."
قالها وهو يطعم الصغير بحنان، وتابع وهو يلتفت حوله:
"فين باقي الولاد؟"
"نايمين."
أومأت له آلاء سريعًا، مرددًا بسعادة وتأكيد:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
"نوم الظالم عبادة.
الحمد لله، عايزة أشكرهم ورايا حاجات كتير عايزة أخلصها."
اؤمأ لها بصمت، متابعًا إطعام الصغير.
غمغم مدحت بهدوء متسائلًا وهو يلتقط فنجان الشاي:
"هتروح الشركة النهارده؟"
أومأ له تميم وهو يبتلع ما بفمه، قائلًا:
"إن شاء الله، عندي اجتماعات النهارده، وفي شوية حاجات محتاج أراجعها."
"تمام."
قالها مدحت بهدوء، وتابع:
"بس كنت عايزك تعدي على الشركة عندنا، لأني مش قادر أروح النهارده، ولازم حد يتابع الشغل هناك."
"إنت كويس يا بابا؟"
قالتها آلاء بقلق.
ربت على يدها بحنان قبل أن يتابع بمزاح:
"كويس يا لولو.
إنتِ فكراني عجزت؟
أنا شباب أكتر من أخوكي ده."
قالها وهو يضحك، غامزًا لتميم بمشاكسة.
"ربنا يحميك يا حبيبي ويباركلنا فيك."
قالتها آلاء بحنان.
ابتسم تميم وردد بهدوء:
"تمام، عيوني يا حج.
هعدي الأول على الشركة عندك أخلص سريعًا، وأطلع على عندي عشان ألحق الاجتماعات إن شاء الله.
محتاج مني حاجة تانية؟"
قالها وهو يقف يحمل الصغير متجهًا نحو آلاء ليناولها إياه.
وقفت ومدت يدها لتحمله، إلا أن الصغير تمسك برقبة خاله برفض شديد.
قطبت حاجبها وأمسكت ذراعه تشده لها، إلا أن الصغير صرخ بقوة ورفض، متشبثًا أكثر بخاله.
استشعر تميم غضبها ورفض الصغير، لينظر لها بهدوء ويمسد على ظهر الصغير بحنان، مرددًا بهمس:
"تيمو حبيبي، روح يلا مع ماما، وأنا هخلص الشغل وهاجي بسرعة.
ووعد هجبلك حاجة حلوة."
لكن ما فاجأ الجميع هو أن الصغير دس رأسه في صدر خاله، وقد بدأ في بكاء حار حزين.
قطبت آلاء حاجبيها تناظره بقلق، ووقف مدحت متابعًا ما يحدث بقلق أكثر.
فتميم الصغير لا يبكي كثيرًا.
هو ماكر، لكن لا... هذا بكاء مختلف.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ربت خاله على ظهره بحنان وقلق وخوف، وانتبه فجأة
ربنا يكون الصغير بيتألم ولا يقدر على البوح.
جلس وحاول أن يرى وجهه، إلا أن الصغير رفض وظل يدفن رأسه في صدر خاله، يبكي أكثر.
"معقول يكون موجوع وأنا مش فاهمة؟
تعالَ ناخده على الدكتور يا تميم."
همست بها آلاء بارتجاف ورعب.
"بابا..."
قالتها وعيناها تصرخان رعبًا.
أسندها والدها قائلًا محاولةً اطمئنانها:
"استهدي بالله يا بنتي، في إيه؟ ليه القلق ده كله؟
مظنش أبدًا إنه ده موجوع، كان لسه بيفطر ما شاء الله وكان كويس.
شوفه كده يا تميم."
قالها مشيرًا لابنه الذي يضم الصغير بقلق وخوف أبوي هو الآخر، محاولًا معرفة ما حدث فجأة.
وقبل أن يطول قلقهم، ردد الصغير بخفوت وشهقات تقطع القلب:
"تيمو باي."
زفر تميم براحة، مشيرًا لآلاء أن الصغير بخير، لتجلس هي ملتقطة أنفاسها.
ناظرها لهم بغيظ، راغبًا في ضربهم سويًا على هذا الدلال المائع.
ومدحت أيضًا، الذي يجلس يراقب ما يحدث بتسلية.
فذلك الصغير تحديدًا قادر على التلاعب بهم جميعًا.
ربت تميم على ظهره، مرددًا بهدوء:
"تيمو."
لم يرد الصغير.
ليتابع الآخر بهدوء يلفه بعض الحزم:
"تيمو، رد على خالو."
رفع الصغير رأسه من بين أحضان خاله، وناظره بعين ما زالت دامعة.
ليتابع تميم:
"حبيبي تيمو الشاطر، بص خالو هيروح الشغل بسرعة بسرعة وييجي، وإنت هتفضل هنا مع ماما وجدو."
إلا أن الصغير قلب شفتيه، وكاد أن ينفجر في البكاء مرة أخرى، مرددًا:
"تيمو باي."
احتضنه تميم بحنان، مربتًا على ظهره.
تنظر له أخته بعجز.
لم يفعلها من قبل.
ماذا يحدث مع الصغير؟
ناظر أباه لينظر له بحيرة هو الآخر، قبل أن يتنهد ويقف يحمله، مرددًا بهدوء:
"جهزيلي حاجته يا آلاء، هاخده معايا، مش مشكلة."
"إيه؟"
قالتها آلاء بعصبية، وتابعت وهي تقترب محاولة أخذ الصغير:
"هات يا تميم، أنا هتعامل.
مش معقول تروح بيه الشغل، إنت مش رايح رحلة.
هاته وأنا هتصرف."
إلا أن الآخر ابتعد عن متناول يدها، مرددًا بهدوء:
"إنتِ مش بتقولي وراكي حاجات وبابا عايز يرتاح؟
خلاص هاخده، وأنا إن شاء الله هحاول متأخرش، وهيقعد هناك معايا عادي.
تيمو مؤدب ومش هيعمل دوشة أو شقاوة، صح يا تيمو؟"
أومأ له الصغير ببراءة.
لتنظر له آلاء بجنون، ورددت بعدم فهم:
"إيه؟
إنت فاكر هيقعد مؤدب؟
إنتوا عايزين تجنوني!"
وكادت أن تكمل صراخها بهم، قبل أن تصمت لثوانٍ، قبل أن تتابع بشماتة وتأكيد، وعيناها تناظره بغيظ وصبر قد نفذ:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
"تصدق وتؤمن بالله، إنت تستاهل!
لأنك مش هترتاح غير لما يعمل فيك موقف يخليك تقول حقي برقبتي.
تمام، هجهز الشنطة.
خده.
خده عشان يربيك.
استحمل بقى اللي هيحصلك."
وصعدت للأعلى بسرعة لتحضير الحقيبة، وهي تسب دلالهم لذاك الصغير.
ووقف تميم ينظر إلى الصغير بريبة، يقابله الآخر ببراءة وابتسامته تقطر عسلًا.
ليتمتم تميم لنفسه بثقة:
"لا يمكن أن تفعل تلك الملامح أي مصائب.
أو يمكن..."
❈-❈-❈
وقف تميم يناظر آلاء بصمت، مستمعًا إلى الوصايا العشر.
لا تصدق أن صغيرها سيقضي نهارًا كاملًا بدونها.
لم تحدث سوى في تلك الفترة المشؤومة بالمستشفى حين إجهاضها.
تنهدت وهي تتابع:
"أرجوك يا تميم، متخلوش يغيب عن عينك.
أنا لحد اللحظة دي مش متخيلة إنك هتاخده معاك.
بجد، بالذات إنك هتبقى مشغول واليوم مليان."
وتابعت برجاء قلق دون إرادة منها:
"خلي بالك منه. أنا جهزتلك كل حاجة تخصه: أكل، الببرونة، فاكهة وخضار اللي بيحبهم، طقمين كاملين، شوز وكروكس عشان لو رجله وجعته، مشط بتاعه والمراية، إنت عارف تميم بيحب يشوف نفسه بعد ما يتسرح.
وكمان هو أهو معاه البطّة بتاعته وشنطته الصغيرة."
قالها مشيرة للصغير الذي يجلس في المقعد الخاص به بالخلف، محتضنًا بطته الصفراء وبجانبه حقيبته الصغيرة..
وهنا حاول، والله حاول، أن يكتم ضحكاته، إلا أنه لم يستطع، فلم يجد نفسه إلا وهو ينفجر ضاحكًا، والأخرى تناظره بغيظ، قبل أن تمد يدها تضربه بقوة في صدره، متأوهة بسببها.
مرددًا بألم:
"آه يا غبية، إيدك تقيلة."
ناظرته بحاجبين متلاعبين، ليميل نحوها، يتسند بيدها على كتافها، مرددًا بتأكيد:
"تميم في عيني، لا تقلقي.
هنكلمك فيديو كول طول اليوم، وأنا بلغت إنهم يربطوا الفون بتاعك على كاميرا مكتبي، اللي في أغلب اليوم هنكون فيها، فهتشوفيه وتطمني عليه."
تنهدت بقلق يغلبها دون إرادة منها، قبل أن تردف بتذكر:
"آه صح، أنا نسيت أسألك عملت إيه في موضوع الشغل بتاعي ."
أغمض عينيه متأوهًا بتذكر، قائلًا باعتذار:
"سامحيني يا لولو، نسيت خالص.
إنتِ عارفة..."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وصمت للحظات قبل أن يتابع، محاولًا إثنائها عن رأيها:
"لسه مصممة تشتغلي بعيد عننا أنا وبابا برضو يا الاء ؟"
مدت يدها تمسك يده بقوة، مرددة:
"صدقني يا تميم، مش تمرد أبدًا مني، بس أنا محتاجة أبعد.
محتاجة أسند نفسي بنفسي.
أكون أقوى بنفسي، مش بيكم.
أخرج بره دائرة الأمان.
مش عشان هي خانقني أو عشان مش حبة خوفكم ودعمكم ووجودكم، بس لأني محتاجة أتمرد على نفسي.
يمكن أقدر أرجع زي ما كنت زمان.
وأول خطوة هي إني أواجه العالم الخارجي بعد انقطاع سنين عنه.
فاهمني؟
فاهم قصدي؟"
شدد على يدها قائلًا بتفهم، رغم قلقه:
"فاهم. أنا في ضهرك دائمًا، أوعي تشكي في ده."
"حاضر، اعتبرِي الموضوع خلصان."
"النهارده هجبلك التأكيد بتاعه."
ابتسمت وارتمت بين أحضانه بسعادة، ليضمها بقوة.
إذا أرادت التحرر فلتتحرر، وليحاطوها هو بحمايته دون أن تشعر.
هي بحاجة لبداية جديدة وتستحقها.
لكن السؤال الأهم...
أين هو المكان المناسب لتلك البداية؟
أفاق من شروده على مجي منير من خلفهم، يناولهم حقيبة الصغير.
لتتسع عينا تميم بغير تصديق وهو يردد:
"إيه ده؟
إنتِ أكيد بتهزري!
إنتِ عايزاني أروح الشغل بشنطة زرقا عليها بط أصفر؟"
بررت بتأكيد:
"دي شنطة تميم الخاصة، إنت عارف هو مابيروحش في حتة من غيرها."
فتح فمه وكاد أن يسبها هي وابنها، إلا أنه عاد وأغلق فمه، مرددًا لنفسه أن يكون أخًا وخالًا جيدًا.
"تبا لهم جميعًا."
حمل منها الحقيبة بغضب، والتفت نحو الصغير حيث يقبع في كرسيه الخاص، مرددًا بغيظ:
"أتمنى تكون مبسوط يا تميم بيه في الرحلة معانا."
صفق الصغير سعيدًا وهو يرى حقيبته الخاصة.
وضعها تميم بجانبه، وابتعد مفسحًا المجال لآلاء لكي تودعه.
وبالفعل وقفت تقبل وجهه ويده، قبل أن تقول:
"هتوحشني يا تيمو أوي.
اسمع كلام خالو، وبلاش شقاوة."
ليرد لها الصغير بقبلات كثيرة، مرددًا:
"لأ، باي."
ابتسمت له بحنان، وهي تمسك يده مقابلةً إياه بحنان، مرددة:
"باي يا قلب لأ."
"أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه."
قالتها وهي ترفع يدها تودعه.
وتحركت السيارة، وقلبها يرافقهم، ككل أم، وبكل حب، ولسانها لا يكف عن الدعاء لصغيرها وأخيها، عوضها الغالي في تلك الحياة.
أدامه الله في كل أيامهم.
آمين.
❈-❈-❈
وفي سبقٍ صحفيٍّ كان حديثَ الساعة، مشهدٌ لم يروه من قبل، وربما لن يتكرر أبدًا مرةً أخرى.
تسمر الجميع وهم يشاهدون السيد تميم، يدلف للشركة، يحمل حقيبةً زرقاء اللون بها الكثير من البط الأصفر، وبجانبه صغير بديع الجمال يخطو خطواتٍ بطيئةً متعثرة.
صغير يشبهه حد الجنون، ولولا ثقتهم ومعرفتهم أنه عازب، لظنوا أنه، وبلا شك، ابنه.
ابتسمت الوجوه وهم يرون تدلل الصغير حيث يسير خطوتين ثم يقف، وظل هكذا في تدلل على تميم الذي يناظره بصبرٍ يُحسد عليه.
وهناك...
توقفت خطواتها بصدمة وهي تراه يدلف بعد غيابٍ طويل، لم تره عيناها على الحقيقة، يصطحب ابن شقيقته.
ذلك الصغير المدلل لم تنساه أبدًا.
رفعت يدها تمس خصلاتها، متذكرةً ما فعله، وهي تراه يسير بدلال، وعلى ظهره حقيبة صغيرة بلونٍ أصفر زاهٍ، صُمّمت على هيئة بَطّةٍ لطيفة، تتدلّى من جانبيها جناحان صغيران، بينما زيّنت واجهتها عينان دائريتان ومنقارٌ برتقالي صغير.
حقيبة على شكل بطة، وأخرى بيد تميم بها بط، ويحمل هو بطةً في حضنه.
ما كلُّ البط هذا؟
قالتها لنفسها ساخرة.
قبل أن تنقل عيناها نحو تميم، تتأمله بإعجاب صارخ، مفضوحٍ للأعمى.
كانت عيناها تبرقان ببريقٍ متملّك.
ستحصل عليه.
ستمتلكه.
سيكون لها مهما كلّف الأمر.
ستكون زوجة تميم العسلي، وقريبًا جدًا.
وفي نفس اللحظة، اصطدمت عيناه بعينها بعدما شعر بأحدهم يراقبه، ليتصدم بعينيها، تلك التي تناظره بعينين تود اختراقه.
آسيا، قريبة قطعة السكر.
وكأنه لا يكفيه الألم، لتأتي تلك، داعسةً على جرحه، مذكّرةً إياه بما لا يستطيع أن ينساه.
أخفض عينيه سريعًا، وانحنى يحمل الصغير رغم اعتراضه، مسرعًا نحو مكتبه.
وهي تناظره بابتسامة عابثة خبيثة.
هتهرب لفين يا تميم؟
من وإلى، كلهم ليا.
عضّت على شفتَيها بتفكير، قبل أن ترفع هاتفها، مرددةً بهدوء:
اسمعني كويس ونفّذ اللي هقولك عليه.
عايزك تجيبلي شوية حاجات.
حالًا.
بدون تأخير.
❈-❈-❈
كانت كما هي، في فراشها منذ استيقظت، تشعر بالخمول وعدم رغبة في التحرك من محلها.
ومتى أصبح لها رغبة في شيء؟
كلها أيام وتمضي، ولا فرق.
شاهدته يتحرك يستعد لكي يذهب للعمل،
أو
إلى حيث سيذهب، لم تعد واثقة إلى أين يذهب بالضبط.
فآسيا أخبرتها أنه يغادر الشركة في كثير من الأوقات ولا يعود إليها،
والإجابة دائمًا اجتماعات خارجية،
ولا دليل آخر
حتى تثبت إدانته.
وقف يناظر نفسه بخيلاء وثقة وابتسامة لطالما لم تكن من نصيبها.
اهتمام فاق اهتمامه على مدار سنوات عمره.
نقلت عيناها تنظر للساعة.
متأخر ساعتين عن موعده المعتاد.
آسيا غادرت، وهو ما زال يقف يهندم نفسه كمن هو متجه لأحد المواعيد الغرامية.
وعند تلك الخاطرة،
ابتسمت ساخرة بمرارة.
موعد غرامي...
أهذا يعرف الغرام؟
لا يعرف سوى العذاب.
وأمامها، أثارت بسمتها الساخرة انتباهه،
ليردد بهدوء وهو يلتفت لها يرتدي ساعته:
بتضحكي على إيه؟
ثم يعني لسه قاعدة على السرير؟ مش من عوايدك.
اعتدلت وهي تردد بترقب:
ده على أساس إن ورايا حاجة تتعمل يعني؟
ما أنت عارف.
بس قولي، وبمناسبة العوايد،
مش ملاحظ إنك بقيت تتأخر أوي على الشغل؟
مش من عوايدك يعني.
ده أنت طول عمرك مواعيدك يتظبط عليها الساعة،
بس بقالك فترة بتروح متأخر.
وصمتت للحظة،
قبل أن تتابع:
وبترجع متأخر أوي كمان.
كان قد انتهى من ارتداء ساعته،
فعاد ينظر لنفسه في المرآة وقال:
من إمتى بتسألي؟
مش من حقي؟
قالتها بعصبية لم تقدر على التحكم بها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لا، مش من حقك.
قالها بتأكيد وثقة،
وتابع وهو يلتفت ليواجهها قائلًا:
مش من حقك،
ومش من حقك حاجات كتير أوي كمان.
كل ده امتيازات فقدتيها لما أهملتي في تربية بنتك.
بنتك اللي رفضت تميم ابني شريكي،
رفضت تكون مراته واحد من أهم رجال الأعمال في البلد.
وعشان إيه؟
عشان في الآخر
تروح تتجوز الجربوع بتاعها ده وتحط من اسمي ومكانتي في الأرض.
فلا يا صفية، مش من حقك.
ومش عايز كلام كتير في الموضوع ده،
عشان كلامي مش هيعجبك وهتزعلي أوي.
وتحرك ليغادر الغرفة بعصبية،
إلا أنها قاطعته بصوت غاضب:
أنا هخرج النهارده.
التفت إليها سريعًا مرددًا بحزم ورفض قاطع:
أظن مش هنتكلم في الموضوع ده تاني، صفية.
مفيش خروج.
مفيش حفلات ولا اجتماعات مع العيلة،
ولا أي حد.
أزاحت الغطاء عن ساقها بعصبية وجنون،
ووقفت تواجهه قائلة برفض وعدم فهم:
هو إيه اللي لا؟
يعني إيه؟
لحد إمتى هفضل محبوسة كأنك بتعاقبني؟
هو إحنا هنا في سجن ولا إيه، شوكت؟
أنا سكت كل ده عشان مقدّرة غضبك وعصبيتك،
بس أنا بقالي شهرين ممنوعة أخرج بدون سبب واضح.
لا، وكمان منعتني أتعامل أو أقابل أي حد من معارفنا أو قريبنا،
أو حتى أحضر الحفلات الخاصة بالجمعية،
اللي أنت كثير من الأوقات كنت بتجبرني أحضرها عشان مكانتنا.
في إيه؟
أنا مش فاهمة.
كأنك مش عايزني أشوف الناس،
ولا الناس تشوفني.
اهتزت حدقتا عيناه لثانية واحدة،
ثانية واحدة فقط،
قبل أن يتحكم بها،
ويردد بحسم:
قراري وقلته.
مش هتخرجي لفترة.
وتابع بتحجج:
لحد ما الناس تبطل تتكلم عن جوازه بنتك من الجربوع ده،
وينسوا أصلًا إن كان لينا بنت.
وقبل أن تقاطعه بانفعال،
صاح بحدة:
كلام مش عايز.
كلامي هيتنفذ.
وتابع بتحذير وغضب:
بلاش تختبري غضبي.
وغادر.
وظلت هي محلها،
قبل أن تلقي بنفسها على الفراش،
تضع وجهها في الوسادة وتصرخ بقوة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لا تفهم،
ولا تقدر على التحمل
أبدًا.
❈-❈-❈
دلف لمكتبه يحمل الصغير الغاضب والذي يحاول ويريد النزول للسير وحده.
أنزله ووقف يضع يده في خصره يناظره بغيظ شديد.
ذاك الصغير المدلل بفساد، على رأي الاء.
ووقف الصغير يبادله إياه بنظرات شقية قبل أن يردد، مشيرًا لكوب الماء على المكتب ببراءة: «انبو».
ناظره تميم بحنان قبل أن يجلس ويحمله ليجلسه على ساقه، قبل أن يسقيه بهدوء.
وما أن تنتهي حتى أنزله قائلًا بهدوء، وهو يضعه على الأريكة: «اتفضل اقعد يلا اتفرج على فيلم كرتون».
إلا أن الصغير تشبث برقبته، رافضًا الجلوس.
ناظره الآخر باستغراب قبل أن يتمتم: «مش لسه كنت متضايق عشان شايلك؟
لا حول ولا قوة إلا بالله.
خلاص تعالي اقعد على رجلي وأمري لله.
شكلك هتغلبني يا تيمو».
وبالفعل جلس وأجلسه على ساقه، وبدأ في مراجعة عدة ملفات سريعًا، قد سبق وطلب أن يكونوا على مكتبه قبل وصوله.
فلا وقت لديه للأسف.
واليوم مليء بالاجتماعات والمراجعات.
وبداخله، والحقيقة المرة، أنه كان يريد أن يهرب من هنا بأسرع وقت.
وكان المكان بات يخنقه.
لم يعد يريد أن يظل في مكان يذكره بها أكثر وأكثر بها.
ليس لرغبته،
بل لخجله من نفسه.
خجله من قلبه،
اعتراف يخجل من أن يعترف به.
أن يفكر في امرأة لم تعد تحل له،
امرأة أصبحت زوجةً لآخر.
هذا يقتله، يحطمه.
لكن يشهد الله عليه أنه دفن ذاك القلب تحت التراب.
لكن ماذا بيده إن كان ما زال ينبض بحبها؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
❈-❈-❈
أغلقت التلفاز بغضب.
تكاد تشعر برأسها سينفجر من التفكير.
منذ مغادرة عمر وهي تجلس ترغي وتزبد محدثة نفسها كالمجنونة، لا تطيق دفاعه عنها، لا تطيق وجودها من الأساس.
وما يزيد غيظها ومقتها أن الأخرى لا تعطيها فرصة أبدًا.
تصمت تارة وتحاول التمرد تارة،
وفي الحالتين لا تعطيها مرادها بكل أسف.
انتفضت على ارتماء سلمى بجانبها،
لتشهق بخضة قائلة بغضب: خضتيني يا زفتة!
طيب اعملي أي صوت.
استغفر الله العظيم من كل ذنب عظيم أنا مش طايقة نفسي .
وتابعت بغيظ:
لسه فاكرة يختي إن أمك قاعدة لوحدها؟
تأففت سلمى بضيق قبل أن تردد: أوف يا ماما، أعملك إيه أنا يعني؟
أنا أصلًا صحيت من الجوع.
هاكل وأدخل أكمل نوم ثاني.
يلا ناديها تحضرلي فطار بسرعة.
رمقتها أمها شزرًا، وأشاحت وجهها للناحية الأخرى بضيق مرددة: اتزفت راحت شغلها.
قومي طفحي نفسك.
آه، سيبالك القطار في الثلاجة.
تأففت سلمى بضيق وهي تتابع: إيه القرف ده!
أنا أصلًا مش فاهمة إزاي عمر وافق على شغلها.
مش ده عمر اللي كان بيقول مش مشغل مراتي؟
أهي بتروح وتيجي على كفيها.
فالح بس يتشطر عليا.
ناظرتها أمها بغضب،
لتقترب منها أكثر تردد بتملق: خلصت بقى يا ماما؟ أنا عملت إيه لكل ده؟
ما إنتِ طول عمرك بتقعدي لوحدك طول اليوم، إيه اللي جد يعني؟
أو مش ده اللي مضايقك أصلًا؟
قالتها بتخمين، وعيناها تراقب غضب أمها.
وتابعت بترقب: إيه اللي حصل؟
هي البتاعة دي ضايقتك تاني؟
أنا أصلًا مش عارفة إنتِ ليه بتسكتيلها.
المفروض تديها على دماغها وتاخد بالجزمة.
قالتها بحقد وغل.
ناظرتها أمها بغضب أكثر مرددة، وهي تضرب فخذها: تحسي عمالة عمل ولا سحراله!
أنا معرفش إيه ده.
هتطق من جنابي.
لو تشوفي بيعاملها إزاي!
ناقص يشيلها من على الأرض شيل.
وكل ما أتكلم يسكت ويدافع عنها.
ألقت سلمى برأسها على فخذ أمها مرددة بلامبالاة: هنعمل إيه يعني يا مامتي؟
فكك منها، كتها داهية تأخذها.
حسبي الله ونعم الوكيل فيها، زي ما خدت عمر منا.
أنا بكرهها يا ماما.
«مش قدّي أبدًا».
وصمتت طويلًا،
قبل أن تردد:
«هنعمل إيه؟ هنعمل إيه؟ هنعمل...»
ظلت تكررها مرارًا وتكرارًا.
حتى صمتت لتناظرها سلمى بتساؤل لم يدم طويلًا قبل أن تأتيها الإجابة،
وأمها تردد بعين خبيثة وحقد: أنا هقولك هنعمل إيه.
طرطقيلي ودانك بقى واسمعي اللي هقوله كويس أوي.
❈-❈-❈
وقفت أمام الباب تضم علبة كبيرة زرقاء اللون بين يديها، قبل أن ترفع يدها تدق الباب بهدوء، ودلفت بعد أن سمعت إذن الدخول.
رفع رأسه ينظر لمن أتى، لتتسمر عيناه على آسيا التي تدلف تتهادى في خطواتها نحوه، تناظره بعيني قوة تكاد تخترقه.
بشمهندسة آسيا.
اتفضلي، محتاجة حاجة؟
قالها وهو يرجع ظهره للخلف، يضم الصغير الذي ترك بطته، يناظرها بملامح ممتعضة وعين متربصة.
اقتربت منه دون أن تنطق ببنت شفة، إلى أن وصلت إلى حافة المكتب، ووضعت الصندوق من بين يديها، مرددة بهدوء وصوت ناعم:
طيب قولي صباح الخير الأول.
ناظرها بحرج قبل أن يقول بهدوء:
صباح الخير يا بشمهندسة.
صباح النور يا تميم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قالتها بنعومة، متخلية عن اللقب كأنهم أصدقاء مثلًا، وتابعت بعتاب:
بعتلك كذا مرة، لكن أنت مبتردش عليا، فاعتبر ده تجاهل منك ليا، ولا انشغال شديد لدرجة إنك مش فاضي ترد على مجرد مسدج؟
احتقن وجهه بحرج، هو بالفعل تجاهل رسائلها متعمدًا، لكن لم يتوقع في أسوأ الأحوال أن تعاتبه كأنهم أصدقاء مثلًا.
تبا، تبا.
ارتبك للحظة، ولم يجد ما يقوله، قبل أن يردف بهدوء ورزانة:
أنا بالفعل شوفت الرسايل، لكن أنا وضحتلك قبل كده يا بشمهندسة، أنا برفض الطريقة دي.
إحنا هنا مدير وموظفة، وأفضل نحتفظ بألقاب والمكانة بينا بعد إذنك يا بشمهندسة، لأننا ببساطة مش أصدقاء، ومظنش هنكون أبدًا.
قالها مشددًا.
اتسعت عيناها قليلًا من وقاحة كلامه، ثم أسرعت بخفضهما، لا تتخيل ما نطق به.
إلا أنها تغلبت على حرجها، وسارعت برفع وجهها مرددة بقوة وعين تشع تصميمًا:
لِوهلة لو حد سمعك، هيظن إني بطلب منك تتجوزني مثلًا يا تميم.
قالتها بمكر، مشددة على اسمه دون ألقاب كأنها تتحداه، وإن أرادت إرباكه فقد نجحت بالفعل، وكم سعدت.
حسنًا، هو لن يأتي بالطريقة المباشرة، سيتعبها جدًا، لكن ألا يستحق؟
بلى.
لذلك لا يوجد أمامها سوى سياسة النفس الطويل، وكم هي بارعة في تلك الأمور.
لذا اقتربت أكثر، خطوة تلو الأخرى، حتى اقتربت من تميم وأصبحت تقف بجانبه، قبل أن تميل للأمام، حتى ظن أنها تميل نحوه وكاد أن يوبخها وينتفض من محله.
إلا أنها لم تكن تميل نحوه، بل مالت تجاه الصغير الممتعض، والذي استعد ورفع يده ليهجم عليها، يأتي بها من خصلاتها الناعمة.
إلا أنها أسرعت وأمسكت بيده الصغيرة، وقد توقعت، ورددت من بين أسنانها قائلة بهدوء مصطنع، كي لا تصفعه قليل الأدب هذا:
تميم، أنت مش فكرني؟
ناظرها الصغير بقرف، وكاد تميم أن يتدخل وهو يلاحظ غضب الصغير، وأنه وفي أي لحظة قد يأتي بها من خصلاتها أو من أي مكان آخر.
فلا يهتم الصغير بتلك الشكليات.
إلا أن الأخرى كانت مستعدة تلك المرة، وهي تميل تقرب الصندوق منهم، لتفتحه وتخرج عددًا كبيرًا من البطات والدمى الصغيرة المبهرة.
بطات خطفت قلب الصغير المغفل، وهو يميل يناظرهم يفتح فمه بانبهار طفولي متخلف، كأنه لا يملك أي بط في حياته.
مغفل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وبالفعل انبهر الصغير، وظل يعافر مع خاله لكي يجلسه على المكتب ليلعب بالبطات كما يريد.
وبالفعل أجلسه تميم على المكتب ليشرع في اللعب بسعادة.
هز رأسه بيأس وابتسم وهو يراقب ابتسامة الصغير، واتسعت ابتسامتها هي الأخرى وهي تشاهد أولى إنجازاتها.
صغير ثغراته معروفة، لذلك.
هي: واحد.
تميم: صفر.
وبالفعل اعتدلت وتحركت لتعود لتجلس أمامه، واضعة ساقًا فوق أخرى.
وهنا بدأت الخطة.
صمتت ثواني، ثواني أثارت فضول الآخر، قبل أن تخفض صوتها وقد رسمت تلك الابتسامة الفاتنة قبل أن تقول:
وليه منبقاش أصدقاء يا تميم؟
ليه بتحاول تتجنبني؟
يعني، أنا في الأول والآخر أعتبر بنت أونكل شوكت، شريك والدك، يعني تقريبًا عيلة واحدة.
اهتزت عيناه عند نطقها للفظ ابنه.
لا، لا.
فهناك ابنة واحدة فقط أحبها وعشقها عشقًا كبيرًا، فكانت النهاية أن نحرت قلبه.
أغمض عيناه بضيق، وفتحهما سريعًا، وقبل أن ينطق بحرف، تابعت هي وقد بدأت تتحدث بصوت خافت، وأضافت إلى كلماتها مسحة من الحزن، كأنها تتعمد أن تلامس نقطة ضعفه:
أنا مليش أصدقاء هنا خالص.
مش بس كده، الكل بيتعامل معايا بحذر شديد بسبب قربي من أونكل شوكت.
الكل بعيد عني.
الكل بيتجنبني أوي.
حتى مش قادرة أتعلم وآخد خبرة بشكل كافي، لأن المعظم شايف إني مستحقش شغلي أصلًا.
الكل شايف إني خدت مكان أنا مستحقهوش.
أنا محتاجة مساعدتك يا تميم.
أرجوك ساعدني.
لو سمحت.
قالتها برجاء، وقد بدأت لمعت عيناها بالدموع، وأخفضت وجهها بضيق وحرج.
أما هو فكان يناظرها بصمت، وقد لانت ملامحه قليلًا، وبدا التأثر جليًّا في عينيه.
يفهم ما تقوله.
هو نفسه مر بما تقوله.
ربما لم يكن الأمر متعلقًا بها وحدها؛ فالموظفون لطالما نظروا إلى أبناء المديرين وأقاربهم بعينٍ مختلفة.
يكفي أن يعرفوا صلة القرابة حتى تتغير نظرتهم إليهم؛ يظنون أنهم لم يصلوا إلى أماكنهم بفضل كفاءتهم، وأن الأبواب فُتحت لهم لمجرد أنهم يحملون اسمًا له وزنه داخل الشركة.
ولهذا يتعاملون معهم بتحفّظ، يراقبون خطواتهم أكثر من غيرهم، ويتصيدون أخطاءهم، وكأنهم ينتظرون منهم زلةً واحدة تثبت أنهم لا يستحقون المكان الذي وصلوا إليه.
وربما كانت هي الأخرى تدفع ثمن ذلك الاسم، قبل أن تمنحهم فرصةً واحدة ليعرفوا من تكون حقًا.
لذلك تنهد بضيق من أجلها.
يعلم جيدًا معنى النبذ، ويعرف كم هو قاسٍ.
لذلك تحرك من مكانه، أنزل الصغير وبطاته أرضًا لكي لا يقع، قبل أن يقترب منها، يجلس أمامها مرددًا بهدوء:
ممكن تهدي يا آسيا.
ده طبيعي جدًا، الأغلب بيتعامل على أساس إنك متستحقيش.
يمكن فعلًا هما دائمًا هيبعدوا عنك وهيتصيدوا ليكي الأخطاء، لكن بشغلك واجتهادك هتثبتي إنك هنا عشان تستحقي، مش عشان اسم أو مكانة.
فاشتغلي على نفسك، وريهم إنك فعلًا تستحقي.
وصمتت.
وصمت.
وأخيرًا همست برجاء وعيناها لامعتان:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
طيب ساعدني يا تميم.
أرجوك.
أنا محتجالك.
قطبت بين حاجبيها مرددًا بعدم فهم:
أساعدك إزاي؟ مش فاهم.
المعظم هنا بيرفض يديني معلومات أو يساعدني، لكن مظنش في حد أحسن منك أقدر أتعلم منه وأستفاد من خبرته العملية الكبيرة.
ساعدني يا تميم.
اسمحلي نكون أصدقاء، أتعلم من مدير في خبرتك.
أرجوك، أنا فعلًا محتاجة ده.
صمت.
وطال صمته.
وظهر على ملامحه التوتر والارتباك، كأنه بالفعل مشتت في الاختيار، وبين رفض شديد تعددت أسبابه، ذكره همسها الحزين بشقيقته، فلم يجد نفسه سوى وهو يهمس باستسلام:
هساعدك يا آسيا.
وهنا انفرجت شفتاها في ابتسامة كبيرة ممتنة سعيدة، وقد لمعت عيناها بانتظار.
تلجم نفسها بألف لجاف لكي لا تقف تقفز وتصرخ بسعادة.
وفي تلك اللحظة أيقنت أنها تخطت أولى عقباتها الكبرى معه، وها هي تدلف إلى عرين الأسد.
وأن النصر سيصبح حليفها مهما طال انتظارها.
تميم لها.
منها وإليها.
ولن يذهب سوى إلى أحضانها.
مهما حدث.
مهما حدث.
❈-❈-❈
ما أن غادر من أمامها، حتى ظلت واقفةً محلها كما هي.
لا تبكي...
لا تصرخ...
لا تتحرك.
فقط تحدّق أمامها بعينين زائغتين، كأن عقلها يرفض تصديق ما حدث.
تسللت الشحوبة إلى وجهها حتى غدا أبيض كوجه ميت، وانطفأت ملامحها تمامًا، وكأن الحياة قد انسحبت منه دفعةً واحدة.
حاولت أن تلتقط أنفاسها، فلم تستطع.
وضعت يدها فوق صدرها، تتلمس قلبًا بدا وكأنه لم يعد يعرف كيف ينبض، ثم ترنحت خطواتها.
سقطت.
بلا مقاومة.
بلا صوت.
وكأن جسدها لم يعد يملك حتى القدرة على حمل الوجع الذي تركه خلفه.
وحين استقرت على الأرض، بقيت عيناها مفتوحتين للحظات، جامدتين في الفراغ الذي اختفى فيه حسام، قبل أن تنسدل جفونهما ببطء.
وجهها شاحبًا كأنها فارقت الحياة...
إلا من دمعةٍ وحيدة انزلقت من زاوية عينها، وكأنها آخر شيءٍ بقي فيها قادرًا على البكاء.
ولم تقدر على ضم صغيرتها الباكية بحرقة، ترجوها أن تفيق.
كأنها تخلت عن الحياة،
وتخلت الحياة عنها.
❈-❈-❈
#عريس_قيد_الرفض
#بين_الرفض_والقدر
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (عفاف شريف)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
