صياد النايا آل حنايا جـ2 - الفصل 2 | آية العربي

قراءة رواية (صياد النايا آل حنايا جـ2 ) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (صياد النايا آل حنايا جـ2)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (آية العربي ) | الفصل: (2)



دُوّن في قانون الحكمة 

بألا تعطي نصيحة لشخصٍ دون أن تجربها ، لا تتظاهر بالوعي، بامتلاك مفاتيح الفهم، بالإحاطة والعلم بكل شيءٍ، وأنت مرفه تعيش بسلام فوق برجٍ محصنٍ ضد التجارب.

احذر من أن تمارس تنظيرك بنعمتك على مُبتلى، وإياك أن تنصب للخطائين فخاخًا قاسية 

نوعان فقط يحق لهما فحص آلام الناس وجروحها ، طبيبٌ رحيمٌ يطهر ويعالج، وحكيم مرّ على كؤوس التجربة المُرة فتذوق من كل كأسٍ رشفة، حتى بات يعلم جيدًا نوع المُر والمصل.

بقلم آية العربي  


❈-❈-❈


في اليوم التالي صباحًا 


وقف على مقدمة السلم الداخلي لمنزله، ينادي بعلو على ابنه سيد قائلًا :


- سيد  ...  يا سيد.


بعد ثوانٍ وقف ابنه يطالعه بتهكم من أعلى الدرج ويتساءل  : 


- فيه إيه يابوي ع الصبح؟ ماعرفش أنام زين؟ 


نطق حسنين بحدة ملوحًا  : 


- روح غير خلجاتك وتعالى عشان نروح المشوار ده بدري بدري  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ترجل من الأعلى حتى وصل إليه يطالعه بنعاس وترقب متسائلًا  : 


- مشوار إيه ده اللي هنروحه الساعة سابعة الصبح؟ 


نطق حسنين بمغزى وتخطيط مسبق : 


- حنروح نجابل عبدالله جبل ما يدلى على اسكندرية، كتب الكتاب تم خلاص ولازمن ينفذ وعده، حتيچي ويايا ولا اروح لحالي؟ 


لم يتوقع المدعو سيد أن ينفذ والده ما يريده بهذه السرعة، ولكنه يدرك أنه إن أراد شيئًا يجب أن يفعله، أراد البرلمان ودخله ونجح في الانتخابات، والآن يريد أن يدلف مجال الاستثمار والسياحة وسيفعل بواسطة عبدالله . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تحمس المدعو سيد ونطق وهو يومئ وينطق بترقب  : 


- لاء چاي وياك طبعًا مادام الحكاية فيها مصلحة، بس حتنفذ وعدك ليا، فاكره ولا نسيت . 


ربت على كفه يومئ بابتسامة مرتديًا قناع الطمع وهو يؤكد  : 


- فاكر يا ولد حسنين، حط في بطنك بطيخة صيفي، أبوك ماحياكلش حجك واصل  . 


ابتهج وتحدث بحماس  : 


- يبجى حطلع اسبح ع السريع والبس، استناني يا سيادة النائب . 


قالها وضحك فتباهى حسنين وتحرك يجلس على الأريكة ينتظره ويستعيد ما حدث. 


قبل يومين. 


( في الاسكندرية، وأمام شركة عبدالله في طريق جانبي. 


وقفت سيارة حسنين وبداخلها يجاوره ابنه، ينتظران اللحظة المناسبة لتنفيذ خطتهما، فبعد أن انتهت الانتخابات البرلمانية وحقق الفوز وبات نائبًا يخدم دائرته، أتى ليحل مسألة ابنته من جذورها، إما العودة معه إلى الصعيد وليردها لزوجها الذي عاد من سفره، أو القتل، لا يوجد حلًا ثالثًا، كالبقاء هنا بمفردها مثلًا . 


جلسا يراقبان الموظفين وهم يغادرون، وإلى الآن لم تخرج، وينتظرها السائق في مكانه المعتاد. 


ترجل عبدالله واستقل سيارته يغادر دون أن يراهما، لذا نظر إلى ابنه ونطق بقسوة  : 


- هي لسة فوج، انزل هاتها وتعالى، خد بالك زين، لو ماچتش برضاها يبجى بالسلاح  . 


أومأ سيد متأهبًا، وترجل يلتفت هنا وهناك، ثم عبر بخطواتٍ ممنهجة نحو البناء، ودلف دون أن ينتبه له سائق نهاد، واستخدم المصعد ليصل سريعًا إليها. 


كانت مازالت تجلس تستمع إلى حكايات صديقتها نشوى التي لم تنتهِ، والتي تؤجلها إلى بعد انتهاء العمل يوميًا. 


نهضت تنظر حولها فلم تجد أي أحد، لذا قاطعتها تنطق  : 


- ما فضلش غيرنا في الشركة، جومي يالا يا نشوى نروح نكمل حديتنا في الشجة، عشان حمزة دلوق صحي . 


نظرت نشوى في ساعة يدها سريعًا قبل أن تشهق وتنطق وهي تستقيم  : 


- ياخبر ابيض داحنا اتأخرنا والكلام اخدنا فعلًا. 


جمعت أغراضها، وكذلك نهاد وتحركتا في الردهة قاصدتان المصعد، ولكنهما وجدتاه يُفتح ويظهر منه شقيقها . 


تجمدت نهاد مكانها تطالعه بريبة وتتمتم أمام نظرات نشوى وتوترها  : 


- أخوي؟ 


حدجها بغضبٍ دون هدنة، وخطا بعنفٍ نحوها يقبض على رسغها ويتحرك بها ناطقًا بنبرة حادة  : 


- اتحركي يالا  . 


سحبها دون إرادتها فأسرعت نشوى تلحق بها وتحاول سحبها من بين يده مرددة  : 


- ابعد عنها يابني آدم انت ، الحقووني. 


توقف مكانه ينظر إلى نشوى شزرًا ويقول  : 


- بعدي يدك يا حُرمة احسنلك.. 


لم تفعل بل حاولت سحبها فالتهمت نهاد منها القليل من الجرأة وثبتت أقدامها أرضًا وباتت تواجهه بنظراتها، بينما نشوى نطقت موبخة بجسارة  : 


- اتحرمت من دخول الجنة يا بعيد ، الحقوني يا نـــــــــاس  . 


وجد نفسه محاصرًا بينهما، نهاد باتت تقاومه وتحاول ألا تنقاد لسحبه، ونشوى تصرخ وتعنفه بلسانها وتسحبها نحوها، فـ خشي أن يكشف أمره، لذا أخرج سلاحه وبدون أي تردد كان يشهره نحو رأس نهاد متوعدًا  : 


- لو ماتحركتيش معايا دلوك حفجر راسك جدامها  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تجمدت نشوى لثانية لا تستوعب ما تراه، بينما تسلطت نظرات الخيبة والانكسار من نهاد نحوه وهي تردد بنبرة محترقة حتى الرماد  : 


- حتجتلني يا سيد؟ 


لم يتأثر قيد أنملة، بل نطق مؤكدًا  : 


- ايوة اجتلك واخلص من العار اللي چبتيهولنا، مابجيناش عارفين نمشي في النچع بسبب عملتك  . 


استغلت نشوى حديثه معها وأسرعت تعبث بهاتفها الذي تمسكه، واستطاعت طلب رقم عبدالله الذي أجاب يردف  : 


- خير يا نشوى؟ 


لم تنطق حرفًا بل جعلته يستمع إلى نهاد وهي تنفض يدها منه بجسارة، وتنطق بقهرٍ اخترق حلقها فشقه وأدماه : 


- عملت إيـــــــــه؟ چبتلكم العار ليه؟ هو انتو كفرة؟ ماتعرفوش الدين ولا الحجوج؟ اطلجت من واحد جهر جلبي، حجي ولا مش حجي ياخوي ؟ 


أُعمي على قلبه فلم يشعر بأيٍ مما تقوله ، بل يراها متمردة عاصية على العادات فنطق  : 


- بجولك إيه؟ خلصي واجفلي حنكك، مافيش حاچة من اللي حتجوليها حترچعني عن اللي چاي فيه، حديتك كله على بعضه حيخليني اخلص عليكي دلوك، حترچعي ويانا ع النچع وأبوكي حيردك لچوزك والبُلغة فوج راسك . 


كان عبدالله يستمع وبتصرف بديهي منه كان يلف عائدًا إلى الشركة التي لم يبتعد عنها، بل يسرع بقيادته ليصل ويرى ذلك المتعجرف الهمجي ويلزمه حده  . 


نطقت نشوى وهي تبكي مما تراه وتسمعه ولم تحتمل ما يحدث  : 


- انت اخوها إزاي؟ هو مافيش في قلبك رحمة؟ بتقولك اتجوز عليها وقهرها وهي كل اللي عملته انها اطلقت وجت هنا تشتغل، والكل بيشهد بأخلاقها، دانت المفروض تفتخر بيها وتحتويها وتقف معاها، انت لا يمكن تكون اخ  . 


كلمات نشوى لم تزده إلا غضبًا قرر صبه على نهاد، فعاد يستعمل العنف واندفع مهتاجًا ترك رسغها وقبض على حجابها بقسوة، تعمد الفتك بخصلاتها التي تستنجد من أسفل الحجاب الذي تفكك وهو يسحبها وينطق حتى بات على بعد خطوة من المصعد  : 


- جدامي، أني حوريكي، إنتِ محتاچة رباية من لاول وچديد  


كانت تحاول الفكاك من بين يده، ونشوى تلحقها وتصفع قبضته، وفي يده الأخرى السلاح، ولكنه يفوقهما قوة وقسوة. 


حاولت نهاد الوصول إلى معصمه حتى نجحت، فقامت بعضّه بقوة جعلته يحررها متألمًا، فأسرعت تلقي بنفسها داخل أحضان نشوى وتحاول لملمة حجابها وتبكي بقهر وجسدها يرتعش دون هوادة ، أما هو فنظر لهما بغضبٍ عاصف قبل أن ينطق بجنون  : 


- الحريم حيتغبلو عليا؟ مابجاش سيد ولد حسنين إن ماوريتك يا ****  . 


قذفها بسبابٍ حارق اخترق جدار قلبها، وعاد يلتهم المسافة وينزع حجابها عنها ويقبض على خصلاتها مباشرةً فتمزقت بين يديه فصرخت متألمة جسديًا ونفسيًا . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يبالِ بل بات ينزعها بقسوة حتى توقف أمام المصعد وكاد أن يضغط على الزر ولكنه وجده يفتح ويظهر بداخله عبدالله الذي ما إن رأى المشهد هذا حتى أسرع يخطو ويوجه له لكمة قوية جعلته يترنح ويترك نهاد التي انهارت أرضًا تبكي ونشوى تحتويها وتبكي من أجلها وتحاول وضع الحجاب على خصلاتها المبعثرة وهي تحمد ربها أن عبد الله بات هنا . 


استقام سيد وحدجه بغضبٍ، فنظر عبدالله إلى نهاد لا يصدق حالتها المزرية وما تعرضت له، لذا عاد إليه ينطق بحدة  : 


- إنت مجنون؟ إيه اللي بتعمله في اختك ده يا بني ادم؟ 


نطق بهياجٍ حاد  : 


- مالكش صالح، بعد عن سكتي، أني النهاردة يا جاتل يا مجتول لو ماخدتهاش ومشيت. 


كان حسنين قد رأى عودة عبدالله، فقرر أن يصعد وينهي هذا الأمر، لذا تبعه ودلف إلى الشركة وبالفعل استقل المصعد هو الآخر ووصل إليهم فوجدهم في حالة هرج، لذا نظر إلى ابنته ونطق بغلظة: 


- عاجبك اللي عملتيه ده؟ مبسوطة دلوك بلمة الغُرب حواليكي؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم تنطق، باتت تشعر أنها ستفقد الوعي في أقرب وقت، ونفذت طاقتها كليًا فباتت تحتمي في نشوى التي تحتويها، وتركت عبدالله يحاول التصرف معهما فنطق بنبرة متروية  : 


- يا حچ حسنين اللي بتعملوه ده مايصحش أبدًا، بنتكم ماعملتش حاچة تسيء لكم، واللي سيد بيعمله ده يتحاسب عليه بالقانون وبالعرف بتاعنا كمان، قوله يسحب سلاحه وخلونا نتكلم بالعقل  . 


نظر له حسنين نظرة شائكة وابتسم ينطق باتهام لاذع لا يفلح سوى برميه : 


- وانت بجى مصلحتك إيه يا ولد طه ؟ لاتكون انت اللي مخليها تسيب بلدها وتيچي على اهنة وتتمرد على راچلها؟ 


جحظ عبدالله من اتهامه وهز رأسه، ولكن سيد جن جنونه وأسرع يخطو نحوها ويعمر سلاحه ويشهره نحو رأسها مباشرةً وينطق  : 


- يبجى اللي زي دي موتها حلال يابوي  . 


لن تقاوم، بل استسلمت للموت حقًا، تستشهد بربها مما يحدث منهما، وانطفأ الأمل في عينيها اللتين أغمضتهما وانتظرت الطلقة من فوهة سلاح شقيقها، ولكن عبدالله نطق بشكلٍ مفاجئ : 


- طب أنا طالب إيد نهاد على سنة الله ورسوله  . 


بنظراتٍ حادة نطق شقيقها بهياج  : 


- إنت بتجول إيه؟ إنت مچنون ولا عجلك فوت ؟ 


تنفست نشوى أملًا، بينما هي كانت في وادٍ بعيد، لا تسمع، لا ترى، لا تتكلم، ولم تعد تشعر بأي شيء. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطق عبد الله وهو يوجه نظراته بحذرٍ إلى السلاح تارة وإلى حسنين تارة أخرى  : 


- قول لابنك ينزل السلاح يا حچ حسنين وأنا حنفذلكم كل اللي حتطلبوه، ومستعد اتچوز نهاد حالًا، ماعنديش أي مشكلة، بس خليه ينزل سلاحه، لو نفذ اللي في دماغه حيروح ورا الشمس  . 


فكر حسنين سريعًا، وكالعادة تغلبه أطماعه ومصالحه الشخصية، فنظر إلى حلمه الثاني والتالي بعد فوزه في الانتخابات ، وسريعًا ما رجحت كفة رغباته لذا نطق بترقب  : 


- حتكون جد كلمتك ولا حترچع فيها؟ 


- حديت إيه ده يابا؟ 


نطقها سيد بصدمة ليسرع عبد الله مؤكدًا  : 


- حنفذ كل كلمة قولتها، مستعد اتچوزها حالًا  . 


أشار حسنين إلى ابنه المصدوم بأن ينزل سلاحه ونطق بخبثٍ  : 


- يبجى نطلع كلنا ع الصعيد، والحديت ده تجوله جدام اخوي ويعرف إنك عايزها بكيفك، بس اعمل حسابك إنك حتنفذ أي طلب اطلبه منك بعد الچوازة دي 


قرأ استغلاله جيدًا، فهو يعلمه منذ زمن ويدرك طريقة تفكيره ، لذا لف نظره سريعًا يتفحص نهاد البائسة وشبه الفاقدة للرشد، فعاد إليه ينطق بإيماءة مبهمة  : 


- تمام  . 


❈-❈-❈


وصل إلى وجهته البعيدة، ووصلت معه حقيبة الذكريات التي ينوي فتحها والعيش فيها قدر المستطاع. 


استقبله صديقه بترحاب حار، وغادر بعد أن أوصله لمسكنه. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

دلف يجر حقيبته وينظر حوله إلى المكان الذي قرر أن ينعزل فيه بعيدًا عن الخيبات، في محافظة الوادي الجديد، وتحديدًا داخل إحدى شقق مدينة باريس. 


جلس على أقرب أريكة، ينظر للمكان من حوله، وعيناه لا تلتقط أي تفاصيل، بل يرى الماضي منقوشًا على الجدران الأربعة، لا يشعر الآن سوى بالعجز والفشل، حاول أن يحمل بين كفيه كبريائه وعناده وحبها، وجميعهم سقطوا، كان عليه أن يتخلى عن واحدٍ منهم، كان عليه أن يلقي بعناده عرض الحائط ليستطيع التمسك جيدًا بكبريائه وبها. 


الآن هو هنا وحيدًا يعاني الخيبة والخيانة والخذلان الذي اشتراهم بعدم رشد، سيبقى هنا لا يعلم إلى متى، ولا يعلم إن كان سيعود أم لا، جُل ما يعلمه جيدًا الآن أنه لا يرغب في رؤية الوجوه المألوفة مطلقًا. 


رن هاتفه فالتقطه ونظر إلى الشاشة، لثانية.. اثنتين.. خمس ثوانٍ...  حتى توقف الرنين، ليبتسم ساخرًا وألم الخذلان يمزق روحه وهو يرى اسم والده، هل يظن أنه سيجيبه؟ 


أغلق الهاتف تمامًا، ونزع شريحتي الاتصال من مكانهما، ثم دس يده في جيبه يستل الشريحة الجديدة التي اشتراها منذ قليل. 


وضعها في الهاتف، وأعاد تشغيله، ليبدأ من جديد، برقمٍ جديد، بصدمةٍ قاسيةٍ، بحلمٍ بات منعدمًا، بـ طاقةِ عنادٍ مستهلكة، بقلبٍ حل عليه الظلام، بفكرٍ قُدّ من وعيد. 



❈-❈-❈


جلس عبد الوهاب في غرفة مكتبه يشعر بالإحباط بعدما أعاد الاتصال بابنه ووجده مغلقًا. 


يستعمر قلبه زلزالًا ينشط باستمرار، حتى بات قلبه مفتتًا محملًا بالانكسارات، ومع ذلك يأبى ذلك الزلزال تركه، يحتله بشكلٍ لعين. 


ماذا كان يجب عليه أن يفعل بعد أن خذله أولاده؟ وكيف يفعلها ويرضي ضميره دون أن يحزنهم كما أحزنوه وأحنو رأسه بينه وبين نفسه. 


هل أخطأ حينما اختار ألا يقسو على ابنة أخيه التي ذاقت الويلات؟ هل كان عليه أن يجاريهم فعلًا وهو يراها تنهار أمامه كمبنى التهمته الشقوق من كل اتجاه؟ 


لقد حاول جاهدًا أن يحافظ عليها رحمةً ورغبةً في أن تصبح ملاذًا آمنًا لابنه، يُقسم أنه يحبه أكثر من أي شيء، لذا اختارها له. 


يعترف الآن أنه أخطأ في طريقة جمعهما، ولكنه لم يخطئ في رؤيته. 


حاول أن يحافظ عليها بكل ما أوتي من توازن، وألا يفعل كما فعل شقيقه بها، فطلقها منه، وشجعها على العمل، ووافق على سفرها مرغمًا، فعل هذا وهو يأمل من داخله أن تطمئن حتى تقوى، وبرغم كل هذا، لم يستطع أن يحميها من غدر شقيقه، قوته لا تردع الغدر والضرب من الظهر، ولو كانت قوته كافية لاستطاعت على أقل تقدير من ردع شقيقته التي كاد سحرها وشرها أن ينهي حياة ابنته  . 


نقطة ضعفه أشقاءه، ونقطة قوته أولاده، ماذا كان عليه أن يفعل بعدما خانه شقيقاه، وخيبا آمال والديه؟ 


ليس نادمًا على ما فعله أمس، ولكنه لن يكف عن المحاولات، وسيأخذ بجميع الأسباب التي تقع في قبضته، إما أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، أو لا يقضي، في كلتا الحالتين سيكون راضيًا عما يحدث، ولن يندم، فما حدث أمس كان قرارًا صائبًا، وها هو يستعيد ما حدث  ... 


ليلة أمس نهارًا 


( وصلت نهاد إلى منزل والدها تحتضن صغيرها برفقة عبدالله وحسنين وابنه، دلفت بخطى مهزوزة إلى الداخل، لم تطأ قدماها هنا منذ أن خرجت عروسًا، هذا المنزل تكرهه، يذكرها بكل المساوئ التي مرت بها، ولكنها تنقاد معهم بلا أي مقاومة، وباستسلام تام باتت على يقين أنه الوسيلة الوحيدة للنجاة من براثن هؤلاء المدعوون بأهلها، داخلها ينادي بخفوت باسم عمها، تتمنى أن يأتي ويخلصها بأي وسيلة، إلا قرار العودة إلى مهران، خاصة وهي بهذا الكم من الانكسار، الموت بالنسبة لها أهون من أن يصبح هو منقذها. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جلست بينهم في بهو المنزل، تحتضن الصغير وتحتمي به، تسمعهم يتحدثون ويقررون عنها، وتسمع والدها وهو يهاتف عمها ويطلب حضوره، تسمع صوت شقيقها راجح وهو ينضم إليهم دون أي ذرة اهتمامٍ بها، تسمع صوته وهو يؤيد قرارات والده القاسية، وثلاثتهم ينعتوها بكلماتٍ مُرة لا يضاهي مراراتها شيئا. 


لم ترفع نظراتها نحوهم، إن فعلت ستتلوث عينيها برؤيتهم، لن تفعل، هم ليسوا جيشها الحامي، هم جيشًا اغتصب حقها في الحياة  . 


لم يمر وقت طويل حتى أتى عبد الوهاب، ودلف يلقي السلام متعجبًا من وجود نهاد وحفيده وعبدالله  . 


جلس بينهم وارتكزت عيناه على نهاد باهتمام يتساءل  : 


- إيه اللي حصل؟ ومالها نهاد؟ 


كان عبدالله في موقفٍ لا يحسد عليه، بينما أجابه حسنين باستعلاء متعمد : 


- عبدالله طلب يدها للچواز، وأني وافجت  . 


لم ينطق عبد الوهاب بشيء لثوانٍ، حيث أن الصدمة ابتلعت أحرفه، ليلتفت ينظر إلى عيون الجميع حتى استقر عند عبدالله يسأله بغضبٍ  : 


- معناته إيه الحديت ده؟ 


ازدرد عبدالله ريقه ولم ينظر إليه بل نظر أرضًا يوضح  : 


- صحيح يا عمي، أنا طلبت ايد نهاد على سنة الله ورسوله. 


حدجه باستنكارٍ وغضب، ثم لف نظره إلى شقيقه لبرهة ونطق بحدة  : 


- إنت عارف ده معناته إيه يا حسنين؟ كانك چنيت ع الآخر؟ 


نطق حسنين باستعلاء ملغم بأطماعه : 


- چنيت ولا عجلت هي بنتي وأني حُر فيها، ابنك الخايب طلجها وماعرفش يكسر شوكتها يبجى أني اتصرف، وحتتچوز عبدالله الليلة يعني حتتچوزه، وإلا أخواتها يخلصوا عليها. 


حدجه شرزًا وحاول أن يستوعب باطن الأمور، من المؤكد هناك أمرٍ ما يدور في رأسه، لذا نطق بجمود : 


- دلوك بنتك؟ مش كنت اتبريت منها؟ مالكش صالح بيها. 


- لاء ليا صالح، بعد عنها انت وولدك وبزيادة اللي عملتوه وخلتوها لطخت سمعتنا في الطين بطلاجها وسفرها وشغلها، الحل الوحيد عشان تنفد بجلدها هو چوازها من عبدالله . 


عقله يدور في فلكٍ تائه، نظر إلى نهاد المنطوية بشكلٍ لافت، حتى أنها لم تنظر إليه، لذا أشار نحوها يتساءل بتهكم  : 


- إنتو عملتو فيها إيه؟ 


لم ينطق أحد، بل أن المدعو سيد يطالعه بكره ولم ينسَ تلك الصفعة التي تلقاها منه أمام الجميع آنذاك، لذا يجلس متقدًا بالغضب الذي يود به إشعال المجلس. 


نهض عبد الوهاب يتجه نحوها، وبالفعل وصل إليها وجلس يلتقط منها الصغير الذي ابتسم له فبادله وعاد يهتم بالنظر إليها ويتساءل أمامهم وهو يرفع وجهها إليه بيده الأخرى: 


- عملو فيكي إيه؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اغرورقت عيناها بالدموع ونظرت إليه باستنجاد لوهلة قبل أن تنطق بكلمات تفطر القلوب : 


- أني كان لازم افهم إني ماليش أي حج يا عمي، أني كنت غلطانة جوي لما فكرت إن فيه طاجة نور ظهرت جدامي ومشيت فيها، أني من زمان جوي ماليش حج في حاچات كتير، وكان لازمن اكمل على إكدة، أني دلوك ندمانة إني اطلجت من ولدك. 


شهقت ببكاء حاد تستطرد أمامهم بيأسٍ قاتل : 


- مكانش حيحصل حاچة لو دنيتني كيف الحريم اهنة، عملت لحالي جيمة كدابة وفكرت إن ليا حجوج، اتبترت على نعمة ابنك ياعمي، مكانش فيها حاچة لما أعيش ويا ضُرة تشاركني فيه، مكانش فيها حاچة لما تيچي تعيش جدامي في الجصر ويبجى هي ليلة واني ليلة، أني ابجى ايه ولا ابجى مين علشان احس ولا اتوچع؟ أني ولا حاچة يا عمي، ولا اسوى أي حاچة. 


لفت أنظارها نحو شقيقها وأشارت عليه تنطق بنبرة تقطع نياط القلوب الحية  : 


- اخوي رايد يجتلني لاجل ما يغسل عاري، أخوي جال عني ****، وأبوي شايف اكدة هو كمان، كانو حيجتلوني امبارح يا عمي، كسرو جيمتي وداسو على خاطري جدام عبدالله، عشان إكدة طلبني للچواز  . 


عم الغضب أرجاء جسده، حتى اعتلى ملامحه وهو يلتفت وينظر لثلاثتهم ناطقًا بنبرة صلدة  : 


- ماعنديش حاچة اجولهالكم، انتو ربنا سلط عليكم نفوسكم، شركم خلاص اتملك منكم، خاف ربنا انت وعيالك يا حسنين بدل ما نهايتك تبجى كيف اختك  . 


نهض يحمل حفيده وينطق بصرامة  : 


- جومي مدي جدامي  . 


أسرعت تنهض لتتحرك معه ولكن هب شقيقها سيد ينطق بتأهب حاد  : 


- ماحتطلعش من اهنة غير في حالتين، يا اما وهي مرت عبدالله، يا إما وهي چثة. 


حدجه بغضبٍ حاد ونطق متوعدًا  : 


- بعد يا كلب من جدامي بدل ما اهينك  . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يكن عبد الوهاب يتوقع كم هذا الغل في قلوبهم، حيث أن ثلاثتهم تكالبوا عليه، فاقترب سيد وراجح من نهاد ينقضان عليها وينزعانها من خلفه، فأسرع يحاول سحبها وبات الصغير يصرخ بين يديه فتحرك عبد الله يحمله عنه ويحاول إبعادهم دون جدوى، حيث أن الغل ضاعف قوتهما عليها، فباتت تصرخ على صرخات صغيرها واشتعلت الأجواء بكلمات حسنين القاسية حينما نطق يتوعد لها  : 


- اكتمي يا بت بدل ما نجطع خبرك، حتفضحينا يا بنت الـ ***. 


كلماته حفزت قسوة سيد فتهاوى بكفه الغليظ على وجهها بصفعة حادة ليمنعها من الصراخ، فانهارت أرضًا تحت أقدامهم، فأخرج سلاحه مجددًا يصوبه تجاهها، وأسفل نظرات عبد الوهاب وعبدالله اللذان تجمدا للحظات قبل أن ينطق عبد الوهاب باستنزاف  : 


- سيبـــــــــوها  . 


لم يفعلوا، بل قيدها راجح كأن لديه ثأرٍ معها، كأنها قتلت أعز ما يملكه، كأنها حرمت عليه السعادة، دون أي شعورٍ بالشفقة، بينما قام سيد بتعمير سلاحه وبالفعل كان ينوي قتلها، فقد أخذت وقتًا أكثر من اللازم  . 


انقض عليهم بغضبٍ ضاعف قوته حتى نجح في نزعها من بين أيديهم واحتضنها بحماية وهو يطالعهم بجنون ونظراتٍ حارقة تمنى لو تجسدت وأحرقتهم ثلاثتهم أحياء، وحينما رأى في أعينهم وحوش الغدر والظلم والغل، التفت إلى عبدالله ونطق   : 


- روح هات مأذون وتعالى ع الجصر، أني اللي حچوزهالك . 


سحبها معه وغادر هذا المنزل الخبيث، وهو ينوي عدم دخوله مطلقًا، ورفع أي دعمٍ عن شقيقه الظالم ،وتزويج نهاد من عبدالله،حتى لو كان على حساب ابنه،فربما يستطع عبدالله حمايتها من غدر هؤلاء 


عودة للوقت الحالي 


نهض يتحرك خارج مكتبه، ليجد صابحة تجلس في البهو تطعم الصغير وتدلـله ولكنه في حالة مزاجية سيئة،حيث لم يعتَد الابتعاد عن والدته كل هذا الوقت،خاصةً في الليل، حيث أن ليلة أمس نام بصعوبة بالغة.


 اتجه إليها وجلس فنظرت له باهتمام، فهو أيضًا لم ينم ليلة أمس، وهي كذلك، لذا سألته بترقب  : 


- عرفت حاچة عن ولدي يا عبده؟ 


هزت رأسه بلا، فسكنت الخيبة تقاسيمها وتنفست مطولًا، ثم عادت تطعم الصغير لقمة قبل أن تطالعه مجددًا وتستطرد بمراعاة  : 


- طب جوم ادخل چوة وناملك شوية وحبجى اصحيك كمان ساعتين ولا حاچة. 


هز رأسها مجددًا ونطق وهو ينهض  : 


- لا مجايليش نوم، أني حروح اتمشى حبة، لما نهاد تيچي اديني رنة. 


تساءلت بترقب  : 


- هي چاية؟ 


التفت ينظر إلى الصغير لبرهة قبل أن يجيبها بثقة  : 


- حتاچي  .



 

❈-❈-❈


وقفت ريم أمام مرآتها تهندم نفسها للذهاب إلى لقاء العمل، خلال الفترة الماضية كان معتز يحاول استقطابها مجددًا إلى شركته، ولكنها لم ترضخ، ليس لأنه تخلى عنها مسبقًا، فقد اكتشفت أنه كان محقًا، وبالفعل تم خداعها، ولكن موافقته على شروط المدعو أحمد أكدت لها أنه ليس محل ثقة، فقد قبل بمشاركته ليتحدى به جابر، وهذه الأجواء لا تروق لها كليًا. 


شيئًا ما في أعماقها يخبرها أن ما فعله جابر بها كان لسببٍ ما تود معرفته، وكبرياءها المجروح يرغمها على المضي قدمًا، دون معرفة شيء، فمهما كانت الأسباب والتوابع هو خدعها واستغلها بالفعل، ولا يجب أن تلتمس له ولو مقدار ذرةٍ من عذرٍ. 


لذا فكل محاولاته السابقة في التحدث إليها، أو في محاولة إقناعها، أو في مهاتفتها، وتوسلاته، باءت بالفشل، لم تعطِ له قيد أنملة من فرصة، ولكنها تجلس هنا ليلًا وتستحوذ عليها الأفكار، التي تجعلها عالقةً بين حبه وخداعه. 


تذكرت، حينما ذهبت إلى الشركة لتوقع عقد فض الشراكة.. 


قبل أيام 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

( خطت في الردهة المؤدية إلى مكتبه، يجاورها مستشارها القانوني،  تسير بثقة بين الموظفين، ورآها كمال فحياها برأسه فابتسمت له بثبات ، ثم التفتت منعطفة حتى توقفت أمام مديرة مكتبه التي رفعت سماعة الهاتف تخبره. 


ولم يكن بحاجة إلى ذلك، فهو يراها من خلال الكاميرات منذ أن أتت، وأخيرًا رآها، بعد طول انتظار، وحرمانًا جافًا منها. 


سمح لها بالدخول، فتحركت تقف أمام الباب وتطرقه ثم لفت مقبضه ودلفت بملامح علاها الجمود، وأردفت وهي تنظر داخل عينيه  : 


- سلام عليكم  . 


تبعها دخول المستشار الخاص بها الذي أردف السلام مثلها، ودلف يبتسم فطالعه جابر بتهكم ولكنه أجابهما وهو يشير نحو المقعدين بمهنية وهيمنة  : 


- وعليكم السلام، اتفضلوا  . 


جلسا سويًا ونطقت ريم وهي تشير نحو الرجل قائلة بشكلٍ مباشرٍ  : 


- ادي لمستر جابر الأوراق اللي معاك لو سمحت يا أستاذ رؤوف. 


أومأ وبالفعل أخرج الأوراق من حقيبته يناوله إياها، فالتقطها منه جابر بضيق، حيث أدرك أنها لا تود التعامل معه بنفسها. 


تكافئه برؤيتها بعد محاولات فاشلة، وتعاقبه بجفائها وبرودها الحاد كأنها لا تعرفه مسبقًا، وبين المكافئة والعقاب يجلس يتلوى على صفيحٍ ساخن، ويجاهد بألا يظهر ذلك. 


فتح الملف يتفحصه ببطءٍ متعمد أدركته جيدًا لذا نطقت بنبرة هادئة  : 


- طبعًا انا أمنت وحذفت كل حاچة تخص بصماتي البرمجية أو انظمتي الخاصة للشركة. 


ابتسم يومئ مرارًا، ثم رفع نظره يحدجها لبرهة قابلته بتظاهر ناجح بالثبات، قبل أن يردف بإعجاب  : 


- ولا مرة خيبتي ظني فيكِ يا آنسة ريم، بس اكدة فيها خسارة ليكي. 


حاولت ألا تسمح له بالتأثير عليها، ولكنها حدقت فيه ونطقت بثقة عالية   : 


- بالعكس، الخسارة مش ليا، الخسارة من نصيب المكان ده من غيري، وأنا چاية عشان أوقع، مش عشان اتفاوض .

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انزعج من تصريحها الصارم هذا أمام الرجل، لذا نطق بحذرٍ  :


- ماتنسيش بردك إن دي شركة چابر الـ....


قاطعته تردف باستهانة :


- ماتضيعش وقتنا ووقع يالا يا مستر چابر  .


صمت يطالعها ويزدرد ريقه، وقد رأى وجهها الصلب وسمع نبرتها اللاذعة، وأدرك أنها لم تأتِ إلا لتنهي كل شيء، لم تأتِ ومعها أي قطرة حب، لذا تنفس مطولًا يبتلع حدتها برغبته ، وأمسك بقلمه، ووقع، ينهي آخر رابطٍ بينهما . 


نهضت تميل قليلًا وتسحب نسختها من أسفل يده، ثم استقامت تنظر للرجل قائلة  : 


- يالا بينا يا أستاذ رؤوف  . 


نهض رؤوف معها وتحركا يغادران، ولكن جابر لم يحتمل ما تفعله لذا نطق قبل أن تغادر المكتب  : 


- ثواني يا آنسة ريم  . 


توقفت مكانها وتوقف رؤوف معها، فنهض جابر يتحرك نحوهما، ونظر إلى رؤوف يسترسل بترقب  : 


- بعد اذنك ثواني  . 


أومأ رؤوف وتحرك يسبقها نحو الخارج بخطوات، بينما وقفت أمامه تخفي توترها من وجوده أمامها، ليتفحص ملامحها باشتياق حتى استقر عند عينيها ونطق بنبرة مبطنة بالندم والتمني  : 


- بلاش الچمود ده يا ريم، اديني فرصة واحدة ، ماتحاوليش تجنعيني أنك حذفتي كل اللي كان بينا كانه وهم. 


ابتسمت بخفوت ونطقت بثبات  : 


- كنت مفكرة إن العقل اللي بيدير شركة أمن سيبراني فاهم كويس يعني إيه منتهي الصلاحية، كل شيء بينا انتهى يا چابر، عن اذنك. 


تحركت تغادر برأسٍ شامخة، وقلبٍ مرتعش من سطو كلماته، يتبعها بنظراته وندمه وحزنه وتصميمه بألا يستسلم مطلقًا  ) 


عودة للوقت الحالي 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أفاقت من شرودها على رنين هاتفها، تناولته ونظرت لتجده معتز يهاتفها مجددًا، زفرت تفكر سريعًا ثم أجابته تردف  : 


- مساء الخير يا مستر معتز  . 


نطق متلهفًا بعدما علم بفض شراكتها مع جابر  : 


- ريم ممكن تسمعيني؟ لو سمحتي أنا فعلًا المرة دي محتاچك معايا، خلينا نتقابل في الشركة ونتكلم، لو ماقتنعتيش صدقيني مش حكلمك تاني، وبالنسبة لموضوع أحمد مش زي ما انتِ فاكرة، احمد كان عايز يأكد لي إن انتِ ماعندكيش أي علم باللي چابر بيخطط له، وأنا كنت غلطان چدًا لما ماصدقتكيش، أنا مستعد اقدملك كل الاثباتات اللي تطمنك وترچعي تشتغلي في شركتك تاني، ولو تحبي تشتغلي في أي فرع تبعنا، حتى لو عايزة تسافري تشتغلي برا مصر أنا بالفعل بفتح فرع جديد للشركة مع شريك نرويچي وممكن تبقي معانا هناك،المهم إنك تسامحيني وتسبيني أكفر عن ذنبي  . 


السفر إلى الخارج كانت وسيلة إغراء ناجحة منه لها، حيث أن هذا ما تريده منذ زمن وتتمناه، ولكنها لم تظهر له ذلك لذا نطقت بهدوء  : 


- معلش يا مستر معتز، سيبني على راحتي، لما الاقي نفسي مستعدة لقبول عرضك حتواصل معاك، عن اذنك . 


أغلقت معه سريعًا، ووقفت تستغفر ربها على ما يعتليها من ضيقٍ وحزن، وأصابها التردد من الذهاب إلى مقابلة العمل تلك، هل تذهب؟ أم تفكر في عرض السفر والابتعاد عن هنا؟


هل تعطي فرصة جديدة لمعتز؟ ليس عليها أن تثق فيه، عليها فقط أن تتمسك بفرصة سفرها والابتعاد إن كانت مناسبة، ولكن كيف ستقنع شقيقها ووالدتها بذلك؟؟؟ 


❈-❈-❈



وقف أمام باب غرفتها يطرقه بترقب، وانتظرها لتفتح له، وبالفعل فتحت بعد أن ارتدت حجابها، تطالعه بنظراتٍ منكسرة، فنطق بابتسامة هادئة  : 


- ممكن نتكلم شوية؟ 


أومأت بتوتر ووقفت تائهة لبرهة لا تعلم هل يقصد هنا أم في الأسفل، ولكنه أشار برأسه نحو الداخل حتى يتثنى له الحديث بأريحية دون أن تتنصت عليهما زوجة شقيقه . 


أفسحت له المجال، فدلف الغرفة ووارب الباب ونطق وهو يشير لها نحو المقعد  : 


- اتفضلي اقعدي. 


تحركت وسبقها، وجلسا سويًا قبالة بعضهما، طوال الليل يفكر كيف يتعامل معها، فهو يعلم أنها مازالت عالقة تحت أنقاض القسوة، وطوال ليلها تفكر في صغيرها وكيف هو وكيف كانت ليلته،حتى أن حنينها وصل إلى لبنها فزاد منصوبه في صدرها فتألمت فوق آلامها ألم.


 كلاهما لم يناما إلا غفوات متقطعة لا تسمن ولا تغني من جوع. 


تنفس وتساءل مباشرةً بنبرة مراعية  : 


- ناوية على إيه يا نهاد دلوقتي؟ 


رفعت نظرها تطالعه، ثم نطقت بخفوت  : 


- حروح الجصر دلوك، لازمن اتحدت ويا عمي، ولدي ماينفعش يبجى بعيد عني مهما حصل. 


أومأ مؤيدًا فهذا ما توقعه منها : 


- وأنا معاكي في قرارك، بس الأول قبل ما تستردي ابنك لازم تستردي نفسك، الأيام اللي فاتت دي كانت تقيلة چدًا وصعبة عليكي، وطبيعي تنهاري وتحزني من اللي حصل، بس أنا بقولك كفاية انهيار وحزن يا نهاد، كفاية عليكي كدة، حاولي بقى من هنا ورايح تتعاملي مع الموج اللي حيواجهك. 


حدقت فيه لبرهة، عن أي تعامل يتحدت؟ ألم يرَ بأم عينيه ما حدث معها؟ كيف تتعامل مع موجٍ قرر أن يلتهمها وهي لا تجيد السباحة؟ 


نطق كأنه قرأ ما يدور بخلدها  : 


- خليني اعلمك العوم ياستي. 


قالها مرحًا يبتسم فنطقت بحزن  : 


- في الفاضي بردك، أني دلوك الكل شايفني كسرت الأصول وجومت الدنيا في بعضها، مهما حاولت في الفاضي، كل اللي رايداه ان اخد ولدي وابعد عن اهنة على جد ما اجدر. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

زفر مطولًا يتفهم جُل ما تمر به، ثم نطق يوضح قناعاته : 


- إحنا هنا في الصعيد الچواني يا نهاد، الخروچ عن العادات چريمة يُعاقب عليها الناس، وأنا نفسي واجهت ده أول ما رفضت اتچوز بنت عمي وصممت على مراتي الله يرحمها، وقتها والدي رفض وكان حيتبرى مني، بس أنا ماتراجعتش لإنهم ماقدروش يقنعوني إن عادة تخالف شرع، من حقي اختار اللي أنا عايزها، مش من حقهم يچبروني، مش حرام ولا عيب إني ارفض واطالب بحقي مادام حقي ده مايخالفش ديني، صحيح ردود الأفعال بتبقى صعبة وقاسية بس مع الوقت بيتعودوا، خصوصًا لما اللي قدامهم بيثبت انهم كانو غلط وبيقرر ينچح في حياته، وفي الحالتين الناس هنا مش حتسيبك في حالك، سواء خالفتي عاداتهم أو مشيتي عليها. 


تستمع له بإنصاتٍ وكلماته تتوغل عقلها، بينما هو يسترسل  : 


- واهو بسبب العادات دي أخويا اتچوز بنت عمي، وبقى فيه حاچز نفسي بيني وبينه هو اللي بناه بأفكار في دماغه هو لوحده، والله أعلم مين اللي زرعها، علشان كدة برغم عشقي للبلد دي حتلاقيني دايمًا بعيد، الناس هنا على اد ما هما كرما وأولاد أصول، بس مابيرحموش اللي بيخرج عن طوعهم . 


وجدها توميء مرارًا فتابع بتروٍ  : 


- إنتِ ماعملتيش حاچة غلط، الإهانة مش أمر طبيعي، الظلم مش عادة، مكانش ينفع تضحي بكرامتك علشان سلام مش حقيقي، انتِ ماغلطتيش، إنتِ بس حاولتي تفتحي باب أوضة ضلمة اللي جواها رافضين أي ضوء، وعلى فكرة فيه كتير قبلك عملوها ونجحوا، المهم ماتخلوش عن أخلاقهم ومبادئهم، علشان كدة لازم تقوي وتدوري على نفسك كويس، البيت اللي فيه إرهاق نفسي وذهني وعاكفي للست مستحيل تلاقي فيه سلام، مراتي الله يرحمها لما كنت اشكرها على كل اللي بتعمله معايا ومع الأولاد، كانت ترد وتقولي إن أنا الخيمة اللي مضللة عليهم من المشاكل ومهيألهم السلام النفسي،مع أني كنت بقوم بدوري الطبيعي كزوج وكأب،بس كنت بفرح لما بحس إنها مرتاحة ومطمنة،لإن ده حيعود على أولادي وعليا .


 التمعت عيناها تأثرًا بكلماته فاستطرد محفزًا : 


- من هنا ورايح هتلبسي توب المحاولات مش الاستسلام، من هنا ورايح لازم تواجهي أي حد يقف قدامك، تواجهيه مش تتحديه، وأنا حفضل دايما معاكي لإن احنا فينا كتير جدًا من بعض، ويمكن دي النقطة اللي شديتني ليكي أول ماعرفت بانفصالك عن مهران. 


قطبت جبينها باستفهام فتابع يوضح  : 


- إنتِ مش ضعيفة، إنتِ صممتي ع الانفصال، ودي قوة كنتِ محتاجة حد يدعمها، ومحتاجة قوة زيها علشان تاخدي ابنك، وانا معاكي وحدعمك. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نطقت توضح بخوفٍ ينهش قلبها   : 


- بس أني خايفة، ماعيزاش اخسر عمي، هو الوحيد اللي بيحبني بچد، هو الوحيد اللي بيخاف عليا. 


أومأ مؤيدًا ونطق  : 


- مش حتخسريه، روحي واتكلمي معاه وانا متأكد إنك حتلاقي حل، وزي ما قولتلك أنا حفضل علطول داعم ليكي، عايزك تفوقي وتواجهي كل اللي أذوكي بنسخة چديدة منك تثبتي فيها إنك ماعملتيش حاچة غلط، بالعكس إنتِ لازم تبقي قدوة. 


ابتسمت برغم آلامها ونطقت توضح  : 


- كدة حيتجال عني بساعد الستات تخرب بيوتها، وحفتح على حالي چبهة حرب مانيش جدها، اسلم حل هو البعد. 


أومأ يجيبها  : 


- حنبعد، بس مهما بعدنا حنرچع تاني هنا، دي بلدنا وهنا أصلنا، الأقصر نداهة ماحدش بيقدر يبعد عنها مهما حاول، وانتِ مش حتخربي بيت حد، بالعكس انتِ هتحولي تجربتك لحل مشاكل ناس كتير، دوري على مركز الغلط اللي كان موجود في العلاقة دي، وحطي ايدك عليه، وأنا متأكد إنك حتنجحي   . 


أيدته تنطق وقد شعرت بالقليل من الراحة بعد كلماته  : 


- معاك حج  .

❈-❈-❈


الجنون والهياج كلمتان خفيفتان عما فعله منذ ليلة أمس، حتى أن الفوضى عمت الشقة من حولها نسبةً للحالة التي تلبسته، خاصةً بعد محاولاتها للوصول إليه عبر الهاتف ولكنه لم يعِرها ذرة اهتمام، طلقها ورحل كأنه تناول قدحًا من القهوة في مقهى ورحل، هكذا بسهولة تضاهي سهولة جوازهما، بعد كل محاولاتها في التخلص من نهاد والاستحواذ عليه لها وحدها يطلقها؟؟ 


لن تقف مكتوفة الأيدي، ضعيفة، بلهاء، هي ليست نهاد لتفعل، ستحارب بكل ما أوتيت من قوة لتحتل مركزها كزوجة مهران آل حانا الوحيدة والأبدية، لن ترضح لهذا الطلاق اللعين ولن تعترف به، كيف يطلقها بعدما أخبرته أنها حامل؟ هل أصابه الجنون؟ 


وصلت إلى الشركة وصعدت بتعالٍ يلازمها، إن لم يأتِ ويجلس مكانه ويباشر عمله فستفعل هي، ستتخذ من مكتبه مركزًا لها، هي الزوجة القانونية ولن تصبح غير ذلك. 


خطت بين الموظفين، ولا أحد هنا يواجهها، الكل ينظر لها بتهكم وهي تسير باتجاه مكتبه ولا تبالي، جميعهم بالنسبة لها أقل من أن تلتفت لهم. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وصلت المكتب فنهضت السكرتيرة تنطق  : 


- مدام تيا مهران بيه مش هنا وبلغنا إنه مش جاي! 


التفتت تحدجها شزرًا ونطقت بغضب  : 


- وانتِ مالك هو أنا كنت سألتك؟ أنا عارفة جوزي فين، وأنا اللي هكون مكانه لحد ما يرجع، فهمتي؟ 


لم تستطع الموظفة أن تعترض، بل أومأت وتركتها تقتحم الغرفة وتصفع الباب خلفها، وتتجه نحو المكتب تجلس خلفه بأريحية زائفة تنافي انصهارها الداخلي، جلست تنظر للبعيد وتنطق بوعيد  : 


- ماشي يا مهران، مابقاش تيا إن ما خليتك إنت اللي ترجع وتعتذر مني على اللي عملته. 


مالت تنظر إلى بطنها، تملس بكفها عليها وتبتسم، ثم همست بخفوت  : 


- هنشوف يا بيبي  . 




في الخارج 


حاولت الموظفة الوصول إليه لتبلغه بما حدث، ولكنها لم تستطع أن تصل، فقد أخبرها عبر رسالة بريدية أنه لن يأتي لفترة من الزمن، وأغلق بعدها، فهل عليها أن تتواصل مع الحاج عبد الوهاب وتخبره؟ أم تنتظر خبر من مديرها أولًا؟ خاصة وأن السيد عمار ليس هنا هو الآخر؟



❈-❈-❈


في شقة نوح 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جهز الفطور كعادته، وانتظرها إلى أن تخرج من الحمام، الحياة معها ممتعة للدرجة التي لا يود تركها مطلقًا، وإن فعل وتركها يشتاقها ويعود إليها سريعًا . 


إنها تشبة نسمة هواء منعشة في حرارة صيفٍ حارقة، تحيطه بنسمات نعومتها ودلالها وعطرها فيدمنها كل ليلة كما لم يتوقع أن يفعل. 


وضع الأطباق على طاولة الطعام الخشبية الموضوعة في ركنٍ داخل المطبخ، واتجه يحضر الشاي، بينما هي خرجت من حمامها ترتدي قميصًا قصيرًا من القطن الناعم، وتلف خصلاتها بمنشفة لا تمنع تسرب قطرات المياه حول رقبتها . 


اتجهت إليه تطالعه بحبٍ فائض وهو يقف يواليها ظهره، شم رائحتها فالتفت يطالعها كليًا بنظرات هائمة ثم ابتسم ينطق وهو يمسك بالإبريق ويصب في الكوب : 


- مش حتبطلي تحلوي بقى! 


ابتسمت واتجهت تجلس بدلال استلهمته منه، ليعطيها الكوب الخاص بها وينتشل كوبه. 


 اتجه يجلس أمامها فتناولت قطعة خبز تغمسها بالمربى وتمدها له تطعمه إياها فتناولها منها يستطعم مذاقها الممتع بهمهمة جعلتها تبتسم وتطالعه بمقلتين صافيتين تمت إزالة الحزن منهما بنجاح . 


ولكن شيئًا ما يؤرقها، خاصةً بعدما أغرقها حبًا وحنانًا وأيقنت أنها لم تكن تُعامل إلا باستعباد ظالم ومقيت، ميراثها الذي التهمه شقيقها، لا يجب أن تتركه له، لا يجب أن تتنازل عن حقها. 


مسبقًا لم تكن تريد سوى العيش بسلام، والآن بعدما رأت نوح وعاشرته أدركت أن السلام لا يتحقق إلا باسترداد الحقوق من مغتصبيها، وميراثها هو حقٌ لها، ويجب أن تستعيده. 


وهذا ما أفاضت به حينما سألها نوح ما بها فنطقت : 


- أني عايزة اطلب ورثي يا نوح . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

حدق بها لبرهة يستشف سبب هذا الآن، خاصةً وأنها لم تكن تريده، لذا تساءل بترقب : 


- حقك طبعًا، بس إيه اللي جد؟ 


عادت تغمس قطعة خبزٍ بالجبن وتطعمه متعمدة تزويده بالدلال الذي يحبه منها، وأجابته بقناعة زرعها بها : 


- إنت صح يا نوح، ده حجي وماينفعش اهمله أو اتنازل عنه لواحد ماشوفتش منه غير ظلم وافترى، لو كان حنين عليا وطلب عيني حديهاله، إنما مسعود اخوي مايستاهلش اتنازل عن مليم من حجي، علشان اكدة عايزاك تساعدني اخد ورثي منه . 


نعم يؤيدها، وهذه قناعاته مثلها، برغم خوفه عليها مما سيواجهانه سويًا، ولكنه سيدعمها بكل ما أوتي من قوة وحب و مساندة، لذا نطق بهدوء : 


- تمام يا مندولينة أنا معاكي في أي حاچة حتعمليها، علشان ده حقك زي ما قولتي، بس خلينا نبعت وسيط لاخوكي يتكلم معاه الأول قبل ما نلجأ للقانون، لان مسعود ملاوع ومش حيسكت وانا مش حابب اتقابل معاه، حشوف كدة محامي كويس وثقة ونروح نقابله والمطلوب ينفذه . 


مدت يدها تضعها على كفه ونطقت تبتسم له قائلة : 


- ربنا يبارك لي فيك. 


احتوى كفها ورفعه يلثمه ثم نطق بغمزة عشق : 


- بحبك . 


- وأنا كمان  


❈-❈-❈


في قصر آل حانا . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جلست صابحة مع ابنتها نوارة التي أتت لزيارتها، سردت لها ما حدث مع نهاد وسط صدمة وذهول من الثانية التي لا تستوعب ما حدث، لذا نطقت بحزنٍ بالغ : 


- واخوي راح فين ياما؟ ماحدش كلمه ؟ 


هزت صابحة رأسها المجهد الذي استعمره الصداع وهي تجيبها : 


- ولا عارفين حاچة عنه، بس أخوكي چابر جال إنه حيعرف مكانه، لما نشوف يا بتي، ربك يچيب العواجب سليمة. 


جلست عاجزة عن استيعاب ما حدث، وكيف لنهاد أن تتزوج من عبدالله هكذا بين ليلة وضحاها، لذا نطقت بغيظ : 


- منك لله ياعمي انت واولادك، جاسي وظالم كيف عمتي نچوى بالمللي، الناس دي من دمنا ولحمنا كيف ياما؟ 


أومأت صابحة بوهن ولم تجِب بل نادت على حسناء تردف متألمة : 


- بت يا حسنـــــــــاء . 


جاءت راكضة تطالعها فتابعت : 


- هاتيلي حباية للصداع وادخلي بصي على حمزة واطمني عليه . 


- حاضر يا ست صابحة، منها لله أمه . 


أخرستها نوارة بغضب : 


- منك لله إنتِ، بتدخلي في اللي مالكيش في ليه؟ روحي شوفي شغلك ومرة تانية الزمي حدك احسنلك، بدل ما اجول لابوي. 


ازدردت حسناء ريقها ونطقت تتلعثم : 


- ماجصديش حاچة يا ست نوارة، بس اصل يعني حمزة صعبان عليا وــــــ. 


- ماحتبجيش أحن عليه من أمه، شوفي شغلك واسمعي كتير واتحدتي جليل. 


أومأت وتحركت تحت نظراتهما تنفذ ما طلبته صابحة التي تؤيد كلمات ابنتها داخليًا، برغم حزنها من نهاد لأنها تراها أخطأت في البداية بسفرها وابتعادها عن القصر، ولكنها تدرك أن حسنين يشبه بالفعل شقيقته نجوى في الشر والظلم . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظرت إلى ابنتها وتساءلت حينما تذكرت أمرها : 


- بنت الحية عاملة إيه؟ خدي بالك منها زين يا بتي، فتحي عينك عليها لاحسن دي تسرج الكحل من العين . 


أومأت تنطق بحزن حينما تذكرتها وتذكرت نظراتها نحوها صباحًا أثناء ذهابها إلى الجامعة، وكيف كانت تطالعها بكرهٍ صريح : 


- أني وعيالها زين ياما، ويونس كمان واخد باله، بس عمتي منصورة مصدجاها وبتحبها جوي، ودي اللي مخوفني، عمتي طيبة زي أبوي وجلبها حنين والبت دي عايشة دور اليتيمة المجهورة، ربنا يستر منها ياما. 


أومأت صابحة وشردت للبعيد، وطرأت نهاد على عقلها وتساءلت، هل ظلمتها؟ هل قست عليها أمس؟ هل يمكن أن تتذوق نوارة من نفس الكأس؟ هل خالفت ضميرها؟ 


التهمها وحش الخوف من هذه الأفكار، خاصةً حينما استطردت ابنتها تشرح مخاوفها : 


- أني بشوف نظراتها ناحية يونس ياما، وشيفاها وهي مستكتراه عليا، بس بحمد ربنا إنه فاهمها، نفسي بس عمتي تشوف وشها الحجيجي، ويونس كمان يفهم ان اللي زي دي ماحتتظبطش واصل، ربنا يستر . 


أومأت صابحة ونظرت لها تنطق بشرود : 


- ربنا يستر يابتي . 


في هذه الأثناء دلفت نهاد القصر بخطى مترددة، وملامح ذابلة حزينة، تلقي السلام عليهما بتوتر، فنهضت نوارة مسرعة تتجه نحوها وتعانقها عناقًا لم يكن اشتياقًا بقدر ما كان دعمًا، وكانت بحاجته كثيرًا، فتعلقت بها بقوة، تبادلها تحت أنظار صابحة وحسناء التي جاءت تناولها حبة المسكن. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تناولتها صابحة وجلست تحدق بنهاد وملامحها ودموعها برأفة، حتى ابتعدتا عن بعضهما وسمعت نهاد حسناء وهي تردد : 


- حمزة لساته نايم يا ست صابحة . 


أومأت وأشارت لها أن ترحل ففعلت على مضض، بينما تقدمت نهاد من صابحة تنطق بنظرات لائمة : 


- عايزة اتحدت ويا عمي . 


نظرت نوارة إلى والدتها التي لم تجِبها على الفور، بل ظلت تنظر إليها لبرهة قبل أن تومئ قائلة وهي تشير نحو المكتب : 


- هو كمان رايد يتحدت وياكي چوة، ادخليله . 


أومأت والتفتت تطالع نوارة وتبتسم لها ابتسامة باهتة ثم تحركت تخطو نحو مكتبه . 


كان في هذه الأثناء يستمع إلى الموظفة التي تخبره بما تفعله تيا وكيف اقتحمت مكتب مهران واحتلته لنفسها، لذا أغلق معها والغضب يسكن ملامحه، وحاول أن يهاتف مهران ولكن لم يستطع الوصول إليه، لذا قرر أن يطلب رقم عمار الذي كان يتلذذ بالرمان فلم يستطع الرد سريعًا، ولكن عبد الوهاب كان مُلحًا في طلبه، فأجبر عمار على الرد بنبرة مبحوحة يحاول أن يخفي بها أثر ثورة مشاعره : 


- كيفك يا ابوي، ليك واحشة يا غالي، كنت لسة حكلمك. 


نطق عبد الوهاب بغضب وغلظة لا يسمعها عمار إلا نادرًا : 


- احچز طيارة في اجرب وجت وانزل يا عمار لاجل ماتوجف الحية دي عند حدها، مفكرة نفسها صاحبة الشركة وواخدة براحها. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يستوعب عمار مقصده لذا تساءل ببلاهة وهو يقبض على فرحة كي لا تهرب عنه : 


- هي مين دي يا حاچ؟ 


أجابه بتجهم وهو يسمع طرقات على باب مكتبه : 


- البلوة اللي أخوك بلانا بيها . 


فُتح الباب وظهرت نهاد فطالعها والغضب يعتليه، لذا زفر وأغلق الخط مع ابنه ثم وقف يتطلع عليها لبرهة قبل أن ينطق ويشير لها نحو الأريكة : 


- اجعدي . 


نفذت أوامره واتجهت تجلس فتحرك يجلس قبالتها وينظر لها مترقبًا فنطقت بتوتر : 


- أني چاية اخد ولدي يا عمي . 


يعلم جيدًا أنها ستأتي ولن تكف عن محاولاتها في أخذه، لذا نطق بحدة متعمدة صدمتها : 


- لاء، ولد ولدي حيتربى إهنة، مالوش طلوع برا الجصر واصل . 


انشطر قلبها من نبرته التي أدركت صرامتها، ولهجة الردع التي تحدث بها، لذا حاولت أن تتماسك ونطقت بجرأة كاذبة : 


- ماجولتليش ليه الحديت ده جبل ما تچوزني لعبدالله؟ ولا ده كان فخ ليا ياعمي؟ معجول انت كمان تعمل فيا اكدة؟ 


لم يبدِ تأثره بها بل نطق على نفس الوتيرة : 


- إيوا فخ، زي ماهو نصب ليا فخ واني صدجته ووثجت فيه، واجنعني أنك تسافري، وولدي الغبي كمان اجنعني، وطبعًا انتِ كنتِ طايرة من الفرحة ونفسك تبعدي عن اهنة، ولما وافجت وبعدتي عني إيه اللي حُصل؟ مبسوطة اكدة دلوك؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هزت رأسها بلا ونطقت تعترف : 


- لاء، مش مبسوطة، بس أني ماتحملتش أشوفهم جدامي كل يوم، ماتحملتش أكون جاعدة في الجصر وييچي هو زاير يشوف ولده ويرچع عندها، ماتحملتش اشوفكم وانتو مهاينش عليكم بعده عنكم، ماتحملتش ضغطه عليا من كل ناحية ياعمي، ماتحملتش اسمع منه أنه بيحبني بعد كل اللي عمله معايا، جولي ياعمي، هو فيه راجل ينفع يحب اتنين مع بعض؟ 


- عايزة الحج بالعلم والدين ولا اچاملك؟ 


نطقها مترقبًا فأجابته : 


- جول ياعمي. 


أومأ يجيب : 


- ينفع يعامل الاتنين بالمودة والرحمة اللي ربنا جال عنهم، بس مشاعره مالوش سلطان عليها. 


هزت رأسها لا تحتمل هذا الألم ونطقت : 


- وأني طاجتي ماتتحملش العيشة دي، لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. 


أومأ يتنفس بحرارة فتابعت بترجٍ وتوتر : 


- ماتحرمنيش من ولدي يا عمي، بالشرع والجانون هو من حجي لإنه رضيع ومحتاچني چنبه، أحب على رچلك ماتبعدنيش عنه . 


وجدته ينكس رأسه ويستند على عكازه ولم يجِبها لبرهة فاستطردت بجرأة نبعت من قلب أم منفطر على صغيرها : 


- ياعمي إنت غلاوتك في جلبي ربنا وحده اللي يعلم بيها، أني كنت بتمنى تكون أبوي مش عمي، أني شوفت منك دعم وحنية يخلوني أعيش تحت رچليك طول العمر، ماعيزاش ازعلك مني والچأ للجانون، خليني اخد ولدي وامشي وأني عمري ما حبعده عنكم مهما حصل . 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفع رأسه يطالعها بثقب وينطق : 


- بالجانون؟ حتدخلي الجانون بينا يا نهاد؟ دي أخرتها؟ 


نجح في تأنيبها ولكنها أجابته بخفوت : 


- ماتحرمنيش منه أبوس يدك، ماتظلمنيش ولا تظلمه إنت كمان . 


أومأ ونطق بنبرة ثاقبة لا تقبل التفاوض : 


- يبجى تخليكي اهنة في لوجصر، وماتروحيش اسكندرية، وتيچي كل يوم تجعدي معاه وترضعيه وتبجي ترچعي على بيت چوزك، غير إكدة ماعنديش حديت تاني. 


نهض بعدها يدب عصاه أرضًا واستطرد بهيمنة : 


- ولو عايزة تلچأي للجانون، توكلي على الله .


نطقها وتحرك يغادر بتقاسيم مشدوهة،ينوي التوجه إلى الشركة،ليرى تلك الدخيلة ويوقفها عند حدها . 


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (آية العربي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

7 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل