ما تبقى لدي - الجزء الثاني من ثنايا الروح - الفصل 10 | رانيا الخولي

تم النشر في: 18 مايو 2026

قراءة رواية ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: ما تبقى لدي 

ثنايا الروح الجزء الثاني 

رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات

الكاتبة: رانيا الخولي

الفصل العاشر 

تم النشر الإثنين 

 18/5/2026



 
في اليوم التالي 
كانت روزالين تجلس على أريكة خشبية في الحديقة شاردة الذهن كعادتها تتأمل النافورة الصامتة
 كانت تشعر بأنها طائر غريب حط في غير سربه محاطة بثراء لم تره إلا في الأحلام، وبأشخاص هم سبب كوابيسها
 كل ركن في هذا القصر يصرخ باسم التهامي
 الاسم الذي سرق طفولة أبيها وحياتها
 فجأة قاطع شرودها صوت خطوات ثابتة تقترب التفتت لتجد تميم يقف على بعد أمتار قليلة، يحمل في ملامحه جدية غير معتادة.

اقترب ببطء وجلس على مسافة مناسبة منها تاركًا مساحة كافية حتى لا تشعر بالتهديد
 ساد صمت قصير لم يقطعه سوى حفيف أوراق الشجر
عاملة إيه النهاردة؟ أتمنى تكوني مرتاحة.

نبرته الهادئة جعلتها تتوجس لم تكن معتادة على هذا الهدوء منه
كويسة... شكرًا.

لاحظ تميم أنها تضم يديها في حجرها بقوة في محاولة لإخفاء شيء ما
 ركز نظره للحظة فرأى ما كان يبحث عنه: 
رعشة خفيفة تكاد تكون غير ملحوظة في أطراف أصابعها إنها علامة الخوف التي أصبحت بمثابة بوصلة له في التعامل معها.

 تحدث بنبرة أكثر دفئًا وكأنه يقدم لها حلًا لمشكلة لا أمرًا مفروضًا
روزالين... أنا عارف إن وجودك هنا وضع غريب عليكي وعلينا وأنا فكرت في الموضوع ده كتير.

انتظرت بقلق وقلبها يدق بقوة
 ماذا يريد؟ هل سيكشف حقيقتها ويطردها؟

_إحنا هنا في الصعيد وعاداتنا وتقاليدنا مختلفة عن أي مكان تاني في العالم
 وجود بنت غريبة عايشة في بيت فيه شباب مش مقبول لا في عاداتنا ولا في ديننا.

توقف للحظة ليرى أثر كلماته بدت حائرة، وهذا ما أراده
_ أنا راجل متدين وليا أصولي ووجودك بالشكل ده بيحطني في موقف صعب قدام نفسي وقدام ربنا، حرام إنك تفضلي قاعدة معانا كده وإنتي غريبة عننا.

عندما ذكر كلمة حرام لاحظ أن رعشة يدها زادت قليلًا
 لقد لمس وترًا حساسًا هي الآن لا تواجه جبروت عائلة التهامي فقط، بل تواجه معتقداته الدينية الراسخة

اقترب قليلًا وخفض صوته كمن يشاركها سرًا
_ عشان كده أنا لقيت حل... حل هيريحك ويريحنا كلنا هيخليكي تاخدي راحتك في البيت ده زي ما إنتي عايزة من غير ما حد يبصلك بصة غريبة أو تحسي إنك مقيدة.

نظرت إليه بعينين متسعتين لا تفهم إلى أين يريد أن يصل
_ إحنا لازم نتجوز.

سقطت الكلمة على اذنها كصخرة تجمدت في مكانها وشعرت بالدم يهرب من وجهها رعشة يدها تحولت إلى اهتزاز واضح لم تعد قادرة على السيطرة عليه

لاحظ تميم رد فعلها العنيف فسارع بإضافة الطعم الأخير ليجعل الفخ يبدو وكأنه ملاذ آمن
_ اسمعيني للآخر قبل ما تخافي ده مش جواز بجد ده مجرد حل مؤقت طول فترة إقامتك هنا، جواز على الورق عشان وجودك يبقى قانوني وشرعي ومحدش يقدر يتكلم كلمة واحدة لما تقرري تمشي كل حاجة هتنتهي كأنها محصلتش.

بدأت روزالين تفكر بسرعة محمومة 
زواج؟ 
منه هو؟
 هذا يعني الاقتراب من قلب العدو يعني أن تصبح جزءًا من العائلة التي أتت لتدميرها
 الخوف كان يصرخ في داخلها لكن صوت الانتقام كان يهمس بإغراء
 رأت في عرضه فرصة لم تكن تحلم بها كيف ستنتقم منهم وهي مجرد ضيفة عابرة؟ أما كزوجة لابنهم... فستكون في قلب الحصن مطلعة على كل الأسرار قادرة على توجيه ضربتها من الداخل

ضعفها وخوفها كانا يخبرها أن تهرب، لكن ذكرى والدها ومعاناتها أشعلت فيها شرارة التحدي
 هي هنا باسم مستعار وجواز سفر مزيف هذا الزواج لن يكون حقيقيًا من الناحية القانونية بالنسبة لهويتها الأصلية يمكنها أن تلعب اللعبة وعندما تحصل على ما تريد، ستختفي... ستهرب بهويتها الحقيقية تاركة وراءها "روزالين" الزوجة مجرد شبح في حياة تميم التهامي.

رفعت عينيها المرتعشتين ونظرت إليه
 حاولت أن تظهر بمظهر المترددة الخائفة التي ليس لديها خيار آخر
_ولو... ولو أنا وافقت... هل ذلك هيكون مؤقت؟

أومأ تميم برأسه ببطء مخفيًا ابتسامة انتصار داخلية لقد ابتلعت الطعم
_ده وعد مجرد فترة وهتعدي موافقة؟

أخذت نفسًا عميقًا وكأنها تقفز في فراغ لا تعرف قراره
_موافقة.

…….

كانت أجواء القصر مشحونة بترقب خفي
 دعا جاسر أفراد أسرته المقربين للاجتماع في البهو  
 جلست نغم بجوار زوجها يرتسم على وجهها قلق أمومي بينما وقف يامن متكئًا على أحد الأعمدة يراقب والده بنظرة تحليلية تميم كان يقف قرب المدخل صامتًا كتمثال أما روزالين فكانت تجلس على طرف أريكة بعيدة، تشعر بأنها محور هذا الاجتماع الغامض.

جمعتكم النهارده عشان في قرار مهم تميم خده ولازم كلكم تعرفوه.

تعلقت كل الأنظار بتميم الذي لم يتحرك من مكانه
أكمل جاسر موجهًا حديثه لزوجته نغم بشكل أساسي
_ تميم قرر انه هيتجوز روزالين.

ساد صمت مذهول لثواني قبل أن تنفجر ردود الفعل المتناقضة
أول من تحدث كان يامن، الذي تقدم خطوتين وعلامات الرفض والغضب واضحة على وجهه
يتجوزها؟! إزاي يعني يا أبويا؟ ده جنان! إحنا منعرفش عنها حاجة وفجأة أخويا يقرر يتجوزها؟ أنت موافق على المهزلة دي؟

كان صوته عاليًا وحادًا مما جعل روزالين تنكمش في مقعدها
 قبل أن يرد جاسر التفت إلى ابنه الغاضب وأرسل له غمزة سريعة حادة وغير ملحوظة إلا لمن ينتظرها كانت رسالة واضحة:
 "اهدأ، ليس الآن سأشرح لك لاحقًا."

فهم يامن الإشارة على الفور تراجع إلى مكانه لكنه ظل يطلق نظرات نارية تجاه أخيه، ويداه مشدودتان في غضب مكتوم

على النقيض تمامًا انطلقت صرخة فرح مكتومة من تاليا وليال وقفت الفتاتان بسرعة واقتربتا من روزالين المصدومة تحتضنانها بحماس
قالت تاليا بفرحة حقيقية
ده بجد؟ هتتجوزي تميم؟ ياااه أخيراً مبروك يا روز هتبقي مرات أخونا.

وأضافت ليال وعيناها تلمعان
_أنا كنت حاسة مبروك يا حبيبتي البيت ده كان ناقصه وجودك فيه علطول.

كانت روزالين متجمدة في مكانها تتلقى التهاني والأحضان وهي في حالة ذهول تام
 أتت إلى هنا لتنتقم من هذه العائلة، لتفككها كما تعتقد أنها فعلت بأسرتها
لكنها الآن تجد نفسها محاطة بدفء ومحبة لم تتوقعهما أبدًا
 فرحتهما الصادقة غير المصطنعة كانت كالسهم الذي اخترق درع الكراهية الذي بنته حول قلبها.

نظرت إلى نغم والدة تميم، تتوقع أن ترى في عينيها الرفض أو الشك، لكنها وجدت شيئًا مختلفًا
كانت نغم تنظر إليها بنظرة معقدة مزيج من الحيرة والقلق ولكن أيضًا... لمحة من القبول الحزين وكأنها استسلمت لقرار ابنها العنيد.

كل هذا المشهد كان يدور في رأس روزالين كدوامة
 كيف يمكن لأعدائها أن يكونوا بهذه الصورة؟ 
لأول مرة منذ وصولها، تسلل إلى قلبها شك حقيقي: هل هي قادرة حقًا على مواجهة هذه العائلة الجميلة بشكل مرعب؟

……….

ما إن تفرق الجمع حتى تبع يامن والده إلى المكتب
 أغلق الباب خلفه بهدوء لكن هذا الهدوء كان يسبق عاصفة من الأسئلة
 كان وجهه متجهمًا وعيناه تقدحان بلهيب القلق والغضب المكتوم

وقف جاسر خلف مكتبه متوقعًا هذه المواجهة
 استدار ليواجه ابنه 
بدأ يامن حديثه بنبرة مهذبة، لكنها مشبعة بالاعتراض
_ ممكن أفهم يا أبويا؟ ممكن أفهم إيه اللي بيحصل بالظبط؟

جلس جاسر خلف مكتبه مشيرًا لابنه بالجلوس لكن يامن ظل واقفًا
_اقعد يا يامن.

_مش هقعد قبل ما أفهم إزاي حضرتك توافق على جوازه زي دي؟ إزاي تسمح لتميم يربط اسمه ومستقبله بواحدة منعرفش أصلها من فصلها؟ أنا اللي اكتشفت إن باسبورها مزور وحضرتك عارف ده كويس يعني البنت دي كدابة ومزورة وإحنا بنكافئها ونجوزها لأخويا؟

نظر إليه جاسر بهدوء ثم ألقى بقنبلته الخاصة
_ اسمعني يا يامن في حاجة جوايا بتقولي إن البنت دي مش شريرة زي ما إنت متخيل، أنا شايف في عينيها خوف وحيرة أكتر من الحقد تزويرها للورق ده ممكن يكون معناه إنها هربانة من حاجة، مش بس جاية تخطط لمصيبة.

_وممكن تكون ممثلة بارعة يا أبويا ده احتمال مننساهوش.

_وعشان إكده وافقت على خطة تميم ده كان طلبه هو مش قراري
 هو اللي أصر إنه يتجوزها عشان يكون قريب منها عشان يبقى ضلها ويعرف كل نفس بتتنفسه عشان يعرف هي جاية ليه لوحدها ولا في حد بيحركها.

اقترب يامن من المكتب ووضع يديه عليه وانحنى نحو والده
_ولو؟ ولو فشلت الخطة؟ ولو البنت دي قدرت تضحك عليه؟ ولو اللي وراها طلع أخطر من اللي نتصوره؟ مينفعش يا أبويا... مينفعش نحط تميم في الخطر ده لوحده
 ده توأمي أنا حاسس بالخطر اللي هو داخل عليه.

كان صوته يرتجف قليلًا في النهاية كاشفًا عن الرابط العميق الذي يربطه بأخيه

نظر جاسر إلى ابنه بحنان أبوي
_ وأنا مقدرش أحط ابني في خطر لكن تميم عنيد وإنت عارفه كويس لو كنا رفضنا كان هيتصرف لوحده بطريقة أخطر على الأقل دلوقتي كلنا معاه في الصورة وإنت هتكون عينه وعقله القانوني في الموضوع ده أنا محتاجك معاه مش ضده يا يامن.

صمت يامن وبدأ الصراع يدور في رأسه بين منطقة كمحامي يرى الأدلة المادية 
(التزوير والكذب)
وبين قلبه كأخ يشعر بالخطر المحدق بتوأمه كان والده محقًا تميم لن يتراجع
 دوره الآن ليس المعارضة بل الحماية.

أخيرًا تراجع ببطء وأومأ برأسه على مضض.
_أنا معاه بس لو حسيت للحظة واحدة إن الخطر بقى أكبر من اللازم أنا هتدخل بنفسي حتى لو ده معناه إني أقف في وش تميم.

ابتسم جاسر ابتسامة باهتة
_وأنا عارف إنك هتعمل كده عشان كده أنا مطمن المهم إن كتب الكتاب يكون باسرع وقت عشان تكون تحت عينيا، عايزين يكون يوم الخميس الجاي ان شاء الله.

……..

كانت أصوات الضحك والتحضيرات تملاً ممرات المنزل فالكل يستعد لحدث لم يكن متوقعاً بهذه السرعة
 دخلت تاليا وليان غرفة روزالين بحماس وهما تمسكان بهواتفهما.

_ روزا.. يلا يا حبيبتي قومي البسي عشان ننزل نختار فستان الفرح.. المول مستنينا.

رفعت روزا رأسها عن الوسادة وعيناها غائمتان بالتعب
_مش قادرة يا ليان.. حاسة بصداع رهيب ومش قادرة أخرج في الشمس.

اقتربت تاليا منها بقلب حنون ووضعت يدها على جبينها
_سلامتك يا روزا خلاص ولا يهمك أنا هكلم (أتيليه) المول اللي بنتعامل معاه وهيبعتوا لنا صور الموديلات على الواتساب ونختار منها وهيبعتوا حد ياخد مقاساتك هنا في البيت.

بالفعل بدأت الصور تتوالى على شاشة الهاتف
 كانت فساتين مبهرة لكن عين روزا استقرت على فستان أبيض هادئ طويل وبأكمام دانتيل رقيقة محتشم وراقي في آن واحد.

_ده.. ده جميل قوي.

ابتسمت نغم التي دخلت الغرفة في تلك اللحظة
_بقيتي بتتكلمي بلهجتنا يا روزا.

حاولت روزا الابتسام فهذه اللهجة التي كان يتحدث بها والدها معها وقد خرجت منها بتلقائية
_لقد تعودت عليها وأحاول اتقانها حتى اتحدث معكم بحرية.

نظرت نغم للثوب الذي اختارته
_ ذوقك يجنن يا روزا.. وعارفة إن تميم هيتبسط بيه قوي لأنه مبيحبش الحاجات المكشوفة.. الفستان ده لايق عليكي وعلى وقارك.

بعد ساعات وصل الفستان للقصر دخلت روزا غرفتها وأغلقت الباب خلفها لتقيسه وقفت أمام المرآة الكبيرة وهي ترتدي القطعة البيضاء التي بدت وكأنها صممت خصيصاً لجسدها النحيل.

نظرت لنفسها في المرآة.. كانت تبدو كالملاك.. لكنها كانت تشعر بأنها شيطان يرتدي ثوب الطهر
_ليه بيعملوا معايا كدة؟ ليه الحنية دي كلها؟

همست لنفسها وهي تلمس الدانتيل الرقيق بأصابع مرتجفة
_جاسر التهامي اللي دمر جدي هو نفسه اللي ابنه بيحميني دلوقت.. ونغم اللي بتعاملني كأني بنتها وتاليا وليان اللي بيحبوني بجد.. أنا جاية أهد البيت ده ولا جاية ألاقي فيه أهلي اللي ضاعوا؟

نزلت دمعة وحيدة على وجنتها الشاحبة
_أنا لازم أمشي.. لازم أهرب قبل ما قلبي يضعف أكتر من كدة.. الانتقام ده نار هتحرقني أنا قبلهم.

بسرعة وبحركة يائسة بدأت تحاول فك أزرار الفستان وهي تبحث بعينيها عن جواز سفرها وحقيبتها الصغيرة كانت تنوي الهروب في تلك اللحظة بالذات.. الهروب من طيبتهم التي تقتلها.

لكن فجأة.. طرقات قوية على الباب قطعت حبل أفكارها
_روزا.. خلصتي؟ عايزين نشوف الفستان عليكي يا عروسة.

قبل أن تجيب.. فتح الباب ودخلت وتاليا وليان تجمدت روزا في مكانها والفستان لا يزال يلف جسدها
ارتمت ليان في حضنها وهي تضحك
_ إيه الجمال ده تميم لو شافك كدة هيتجنن.. الفستان عليكي أحلى بكتير من الصور.

أما تاليا فاحتضنتها من الجهة الأخرى
_مبروك يا روزا.. بجد إحنا فرحانين ليكي من قلبنا.. إنتي تستاهلي كل خير.

وجدت روزا نفسها محاصرة بأحضانهم الدافئة.. بكلماتهم الصادقة.. وبفرحتهم التي لا تشوبها شائبة تلاشت فكرة الهروب مؤقتاً تحت وطأة هذا الحب الذي لم تعهده من قبل.. وشعرت بأنها تغرق في بحر من البياض لا تعرف كيف تخرج منه.

……..

تم تجهيز الغرفة على عجل وبشكل بسيط يليق بعقد قران مفاجئ لم تكن هناك زينة صاخبة، جلس المأذون بوقاره خلف طاولة خشبية منخفضة وأمامه دفاتر الأوراق الرسمية
 رائحة المسك والبخور الفاخر تملأ الهواء، مما يضفي جوًا من الرهبة على الموقف.

كان تميم يجلس في مواجهة المأذون وبجواره والده جاسر كوكيل للعروس الغريبة التي لا أهل لها هنا
يامن وقف في زاوية بعيدة يراقب المشهد بذراعين معقودتين وملامح متجهمة، كأنه يشهد على توقيع معاهدة استسلام لا عقد زواج.

وعلى الجانب الآخر جلست روزالين في فستان أبيض بسيط اختارته لها تاليا بدت فيه كزهرة برية وضعت في إناء من ذهب. كانت تجلس بجوار نغم التي ربتت على يدها برفق، في لفتة أمومية زادت من ارتباكها.

داخل عقل تميم

ينظر إلى يد المأذون وهي تفتح الدفتر
ها قد بدأت المسرحية.
 يمرر بصره على روزالين الجالسة بالقرب منهم
 تبدو صغيرة وهشة في هذا الفستان الأبيض للحظة خاطفة شعر بوخزة غريبة شيء يشبه الشفقة لكنه سحق هذا الشعور بقسوة
"لا تنخدع بمظهرها يا تميم هذه حفيدة صخر هذه هي الأفعى التي أدخلتها إلى بيتك بنفسك كل رعشة في يدها كل نظرة خائفة في عينيها قد تكون مجرد تمثيل متقن هذا ليس زواجًا بل هو إعلان حرب صامت كلماتي القادمة لن تكون عهدًا بالحب بل قسمًا بكشفها تلك ستكون سجينتي
 وهذا القفص الذهبي... هو تصميمي أنا

داخل عقل روزالين

تسمع صوت المأذون يرتل بعض الأدعية، لكن الكلمات لا تصل إلى عقلها
كل ما تراه هو وجه تميم الهادئ بشكل مرعب
زوجي.
الكلمة تبدو مثيرة للسخرية
 هي الآن ستتزوج الرجل الذي يمثل كل ما تكرهه ابن الرجل الذي دمر حياتها
 تنظر إلى يديها المرتعشتين في حجرها وتقول من خلف قلبها الذي ينبض بشدة
"اهدئي... اهدئي هذه مجرد خطوة تذكري أبيكى... تذكري حرمانه وقهره هذا الفستان الأبيض ليس ثوب زفاف بل هو زي التخفي وهذا العقد ليس رباطًا مقدسًا بل هو تصريح بالدخول إلى أرض العدو أنا لست روزالين، أنا الشبح الذي عاد ليطالب بحقه
 اسمي المستعار سيحميني وهذا الزواج الباطل هو سلاحي سأبتسم وسأومئ وسأقبل... حتى تأتي اللحظة التي أحرق فيها كل شيء.
هذه كلمات عقلها الذي آبى الرضوخ لقلبها الذي يطالبها بالتنعم بذلك الدفئ الذي يحيط بالجميع
مد المأذون يده ليصافح تميم الذي وضع يده في يده بثبات وبدا الشروع في عقد القران


بعد الانتهاء تحدث المأذون بصوت لطيف 
_موافقة يا ابنتي؟

رفعت روزالين نظرها التقت عيناها بعيني تميم الباردتين للحظة، شعرت بقشعريرة تسري في جسدها أومأت برأسها بصعوبة وهمست بصوت بالكاد يسمع
_ موافقة.

في عقلها: 
..موافقة على بدء هذه الحرب.

_على بركة الله بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.

انطلقت زغرودة خافتة من تاليا التي كانت تتابع من بعيد بينما علت وجه جاسر ابتسامة متكلفة

كانت الأجواء في القصر هادئة بشكل مخيف بعد انتهاء مراسم عقد القران 
لم تقبل نغم تجاهل ابنها لزوجته فمنذ أن جعلها تمضى على العقد ذهب مع رجال العائلة للحديقة ولم يعد حتى الآن 
شعرت بالاحراج عندما لاحظت حزن روزا ظنا منها أنها حزنت من تركه لها.

نهضت وهي تمسك بهاتفها وتتصل عليه وعندما أجابها 
_تميم انت فين؟ سايب عروستك في يوم زي ده وقاعد مع الرجالة ليه؟

تطلع تميم إلى يامن الذي يجلس قبالته بعدما انصرف الجميع
_حاضر يا امي جاي.

أغلق الهاتف فسأله يامن
_في ايه؟

تنهد تميم
_دي امك يا سيدي بتقولي قاعد برة ليه وسايب عروستك، شكلها عايزة تطمن عليا.

ضحك يامن وتابع مزاحه
_طيب ما تطلع وتطمنها.

هنا نفد صبر تميم وبحركة سريعة التقط ميدالية مفاتيحه الثقيلة التي كانت موضوعة على الطاولة بجانبه وطوحها باتجاه يامن بقوة وهو يصيح به
_امشي من قدامي يا يامن بدل ما أخلي ليلتك دي في المستشفى.

لكن يامن الذي اعتاد على حركات أخيه منذ الصغر انحنى بسرعة البرق ليتفادى الميدالية التي مرت فوق رأسه بسنتيمترات قليلة لتستقر فوق العشب الأخضر خلفه

ضحك يامن بصوت عالي وهو ينهض
_طيب لو احتجت أي نصيحة قانونية في (فض الاشتباك) الليلة دي تليفوني مفتوح المحاماة في الخدمة دايماً

هز تميم رأسه بيأس وهو يرى أخاه يختفي داخل القصر ثم انحنى ليلتقط مفاتيحه وهو يتمتم بابتسامة خفيفة غلبت تجهمه
_عيل مجنون.. ربنا يهديك يا يامن.


_تميم.

توقف تميم واستدار كان جاسر يدلف من البوابة الخارجية يراقبه بنظرة معقدة مزيج من الفخر والقلق الذي لا يخطئه تميم أبدًا
 تقدم جاسر نحوه حتى وقف أمامه مباشرة
وضع جاسر يده على كتف ابنه، وضغط عليها بقوة، كأنه يحاول أن ينقل إليه قوته ودعمه
_أنا عارف إنك قدها وقدود... بس قلبي لسه خايف عليك.

نظر تميم في عيني والده ورأى فيهما الخوف الصادق الذي لا يظهره جاسر التهامة لأي شخص آخر في العالم
 _متقلقش يا أبويا أنا عامل حساب كل حاجة الخطة هتمشي زي ما اتفقنا بالظبط.

كانت هناك لغة خاصة بينهما لغة الثقة المطلقة
جاسر يثق في دهاء ابنه وتميم يستمد قوته من ثقة والده
هذا الرابط كان أقوى من أي خطة وأي عدو
لكن كان هناك سؤال أخير يؤرق عقل جاسر القانوني سؤال ينم عن قلقه من التفاصيل الدقيقة التي قد تدمر كل شيء
_ فيه حاجة واحدة بس محيراني... جوازكم بالشكل ده يعتبر غير شرعي إنتوا متجوزين باسمها المستعار مش اسمها الحقيقي يعني قانونًا هي مش مراتك.
كان جاسر يفكر كمحامي يرى الثغرة القانونية التي قد تستغلها روزالين ضدهم في أي لحظة
ابتسم تميم ابتسامة خفيفة وطمأن والده بنبرة هادئة
_ قانونًا عندك حق
 لو رحنا بكرة الشهر العقاري الورقة دي ملهاش أي قيمة روزالين ميلر شخصية وهمية
لكن شرعًا... هي مراتي.

نظر إليه جاسر بحيرة فتابع تميم توضيحه
_ الجواز في ديننا يا أبويا أساسه الإيجاب والقبول والإشهار هي وافقت وأنا وافقت، بحضور وليها اللي هو حضرتك وبشهادة الشهود اللي هما خالي ويامن والكل هنا في القصر وفي البلد عرفوا إنها بقت مراتي شروط الزواج الشرعي كلها اتحققت هي قدام ربنا مراتي، وده اللي يهمني دلوقتي
 أما القانون فده درع لينا وليها بعدين لما كل حاجة تنكشف

نظر جاسر إلى ابنه بإعجاب لقد فكر في كل شيء لم يترك ثغرة دينية أو اجتماعية يمكن أن تُستغل
ربت تميم على ذراع والده الذي كان لا يزال على كتفه في حركة عكست الأدوار للحظة، حيث أصبح الابن هو من يطمئن الأب
_اطمن يا كبير كل خطوة محسوبة.

أومأ جاسر برأسه ببطء وقد تلاشى آخر أثر للقلق من عينيه وحل محله الرضا والثقة الكاملة
_ربنا معاك يا ابني.


استجمع تميم شتات نفسه وعدل من وضع سترته ثم بدأ يسير بخطوات ثابتة ووقورة نحو الداخل متوجهاً إلى حيث تنتظره روزا مع والدته

كانت تجلس بجوار عائلته بعيون حائرة كأنها تتساءل عن سبب بقاءها
تقدم منهم وعند رؤيته تقدمت منه تاليا لتقبله
_مبروك يا حبيبي.

قبل تميم جبينها
_الله يبارك فيكي عقبالك.

تقدمت منه ليال لتقبله بدورها
_مبروك لأحلى عريس شوفته في حياتي.

كانت الاختان يحيطونه بشكل جعلها تتذكر آدم مما جعل الدموع تتجمع في عينيها لكنها استطاعت اخفاءها وتمتمت بلهجة جاهدة ان تجعلها ثابتة.
_انا هطلع اوضتي.

نظرت نغم إليه 
_تميم مستني ايه اطلع ورا مراتك.

اوما برأسه وصعد خلفها وعندما همت بالاقتراب من غرفتها أوقفها قائلاً 
_بس دي مش اوضتك.

توقفت دون النظر إليه 
_اعلم ذلك لكن هاتفي بالداخل سأجلبه اولًا.

بمجرد أن انغلق الباب انهار السد الذي كانت تحاول ترميمه طوال اليوم
لم تكن دموعاً عادية بل كانت شهقات مكتومة تخرج من أعماق روحٍ محطمة
استندت بظهرها على الخشب البارد وشعرت بأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها فانزلقت ببطء حتى استقرت على الأرض، وضمت ركبتيها إلى صدرها كجنين يبحث عن مأوى
_آدم…

خرج الاسم من بين شفتيها المرتجفتين كأنه استغاثة غريق
تذكرت وجهه تذكرت تلك الليلة الباردة في أمريكا حين كان يلف معطفه حول كتفيها الصغيرتين وقت انقاذها من بين ايديهم ويهمس لها بيقين
_لا تخافي أنا أمانك نادي.. لن أترك يد أن تتجرأ وتلمسك.. أنا الجدار الذي تسندي عليه عندما تميل بيكِ الدنيا كلها.

غرزت أظافرها في ذراعيها وهي تنتحب بنشيج مرير جعل جسدها كله يهتز بعنف
_ كدبت يا آدم.. كدبت وتركتني.. 
كانت ترى في مخيلتها مشهد موته يتكرر كشريط سينمائي لا ينتهي.. نظرته الأخيرة التي كانت تحمل اعتذاراً لأنه سيرحل ويتركها وحيدة في غابة الذئاب.

اختنق صوتها بالعبرات وأصبحت أنفاسها متلاحقة كأن الهواء يهرب من الغرفة
 كانت تشعر بأن الفستان الأبيض الذي ترتديه هو "كفن" لكرامتها ولقضيتها
 كل لمسة حنان من نغم، وكل نظرة وقار من تميم، كانت تطعنها في قلبها لأنها تذكرها بما فقدته.. تذكرها بأنها "خائنة" لذكرى آدم ولانتقام عائلتها
في تلك اللحظة، لم تكن روزا الغامضة، ولا نادين المنتقمة.. كانت فقط نادي الفتاة التي فقدت أمانها الوحيد، وتركت لتواجه مصيرها عارية الصدر أمام سهام القدر.

كان واقف خلف بابها
يسمع شهقاتها المكتومة ذلك النشيج الذي يخرج من أعماق محطمة وسمع الاسم الذي همست به بمرارة:
 آدم
انقبض قلبه بوخزة غيرة لم يفهم سببها لكنها سرعان ما تحولت إلى حيرة قاتلة
 من هو آدم الذي تستنجد به في ليلة زفافها؟ ولماذا تبكي بهذا القهر وهي في بيت لم يقدم لها سوى الكرم؟
أغمض تميم عينيه واستند بجبهته على خشب الباب البارد كأنه يحاول امتصاص جزء من ألمها
كان يشعر بارتعاش جسدها من خلف الخشب وشعر برغبة عارمة في اقتحام الغرفة، ليس ليحاسبها بل ليضمها ويخبرها أن "الأمان" الذي تبحث عنه قد يكون هنا.. بين يديه هو
لكنه ظل واقفاً كتمثال رخامي، يصارع كبرياءه وشكوكه وهو يهمس لنفسه بصوت غير مسموع
_ إنتي مين يا روزا؟ وإيه الوجع اللي شايلاه في قلبك ده كله؟

تراجع خطوة للخلف وأخذ نفساً عميقاً مقرراً أن يمنحها دقائق أخرى لتجمع شتات نفسها قبل أن يفرض عليها واقعها الجديد كزوجة لـ "تميم التهامي".


وقفت
 روزالين وحدها أمام عتبة حياتها الجديدة والمزيفة ترددت للحظات ثم دفعت الباب ببطء ودخلت

كان الجناح فسيحًا وأنيقًا يغلب عليه الطابع الذكوري العملي
 أثاث داكن وشرفة تطل على الحدائق المظلمة
 كان تميم يقف عند الشرفة يعطيها ظهره وينظر إلى سواد الليل
 عند سماعه صوت الباب وهو يغلق خلفها استدار ببطء.

في تلك اللحظة شعرت روزالين بأن الغرفة الفسيحة قد ضاقت فجأة حتى كادت أن تختنق
 هي الآن معه وحدها، في مكان مغلق
 لم يعد هناك جاسر أو نغم أو حتى يامن الغاضب فقط هي وهو.

بدأ تميم بالحديث بنبرة عملية، خالية من أي عاطفة
_زي ما اتفقنا ده مجرد وضع مؤقت عشان كده لازم نكون في أوضة واحدة قدام الكل لكن كل واحد فينا هينام في مكان.

أشار بيده إلى السرير الكبير في منتصف الغرفة ثم إلى أريكة طويلة وفاخرة في زاوية أخرى.
_ ده سريرك أنا هنام على الكنبة.

كان من المفترض أن تشعر بالارتياح لهذه الكلمات، لكن مجرد فكرة وجوده معها في نفس الحيز جعلت أنفاسها تضطرب
 بدأت يداها ترتعشان بشكل لا إرادي، وهي العادة التي تفضح كل مخاوفها حاولت إخفاءهما خلف ظهرها، لكن الأوان كان قد فات.

تلقائيًا ودون وعي منها قفزت إلى ذهنها صور ومشاهد مؤلمة من الماضي
مشاهد من المطعم الرخيص الذي كانت تعمل به
 رجال بنظرات جائعة يحاولون جذبها من ذراعها، كلماتهم المقززة تتردد في أذنها
 ثم صورة "آدم" وهو يقف كجدار صلب بينهم وبينها يصرخ فيهم ليبتعدوا، يحميها بجسده وصوته كان هو درعها.

لمحت عينا تميم الحادتان تلك الرعشة التي استولت على يديها، ورأى في عينيها ظل الرعب الذي حاولت إخفاءه
فهم على الفور مصدر خوفها لم يكن خوفًا من الخطة أو الانتقام، بل كان خوفًا أنثويًا بدائيًا من رجل غريب تشاركه غرفته لأول مرة.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة رانيا الخولي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل