تاريخ النشر: 29-04-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثاني والثلاثون
تم النشر الأربعاء
29/4/2026
تنويه
بعض التعليقات بتقول الأحداث بطيئة وعاوزين أنهى بسرعة اولا الرواية مكتوبة كاملة وهي مش رواية رومانسية علشان أنهى الأحداث بسرعة واجمع الابطال بسهولة الرواية اجتماعية درامية بتناقش واقع عايشينه بس هسال سؤال ياترى في نظركم لو جيهان انفصلت تماما عن يوسف ده حل انتم بتتعاملوا من جانب البطلة لكن السؤال التاني لو جيهان انفصلت عن يوسف هل هيقدر يستقر مع باقي زوجاته؟!
لو عاوزين أنهى الأحداث بسرعة هيكون برضه نفس المشكلة وتقولوا الأحداث بطيئة عاوزه إجابة على اسئلتي وقريب هعمل مناقشة عن الاحداث معاكم .....
❈-❈-❈
العودة للحاضر:
فتحت سميرة الباب لتجد نور تقف أمامها بكامل أناقتها وحقيبتها بيدها. ساد صمت رهيب، وتجمدت الكلمات على لسان سميرة التي لم تتوقع أبداً رؤية ضرتها الثالثة في هذا التوقيت، خاصة والجميع يعلم بتوتر العلاقة بينها وبين يوسف.
سميرة بصدمة وهي لا تزال ممسكة بمقبض الباب:
ـ نور! مش معقول.. إنتِ إيه اللي جابك دلوقتي؟
خرج تامر وعدنان على صوت سميرة، واتسعت عيناهما بذهول حين رأيا نور تقف على الأعتاب، وكأنها قطعة من لغز معقد عادت لتظهر في وقت غير مناسب تماماً، بينما كان يوسف في غرفته بالداخل، يصارع ألمه، غير مدرك أن زوجته الثالثة قد عادت لتقلب الموازين من جديد.
اقتربت ندى بخطوات حذرة، تراقب المشهد بفضول وقلق، محاولة فهم ما الذي أتى بـ نور في هذا التوقيت الصعب. أما عدنان، فقد حافظ على وقاره المعتاد واستقبلها بهدوء شديد، مرحباً بها بكلمات مقتضبة، بينما ظل تامر واقفاً في صمت تام، تتقاذفه الأفكار حول رد فعل أخيه المنهك في الداخل.
دخلت نور معهم إلى الصالة، وجلست في توتر واضح. ولأول مرة، شعرت سميرة بخوف حقيقي يمنعها من الدخول إلى غرفة يوسف؛ فهي تعلم مدى حساسية موقفه وتخشى أن يكون خبر وجود نور هو القشة التي تقصم ظهر طاقته المتبقية.
أحست ندى بارتباك سميرة، فتقدمت بهدوء وقالت:
ـ أنا هدخل أقوله يا سميرة، ارتاحي إنتِ.
اتجهت ندى نحو غرفته، وطرقت الباب بخفة. سمعت صوته المتعب يأذن لها بالدخول، ففتحت الباب ببطء. بمجرد أن رآها يوسف، شعر بارتباكها الملحوظ، فقطب حاجبيه وسألها بنبرة قلقة:
ـ في إيه يا ندى؟ وشك ماله؟ حصل حاجة لجيهان؟
قالت ندى بصوت منخفض:
ـ لا يا يوسف.. جيهان كويسة، بس.. نور بره في الصالة وعايزة تشوفك.
بمجرد سماع اسم نور، انتفض يوسف من مكانه بحركة مفاجئة، وكأن تياراً كهربائياً سرى في جسده. لكن جسده المنهك لم يسعفه، فترنح وكاد أن يسقط ثانية على الفراش من شدة الألم في ظهره وقدمه. سارعت ندى إليه، وأحضرت له العصا التي يستند عليها عادةً في نوبات تعبه الشديد بعد تعرضه للحادث.
استند يوسف على العصا بيد مرتعشة من الغضب والارتباك، واتجه مع ندى نحو الصالة بخطوات ثقيلة ومسموعة. في تلك الأثناء، كان تامر قد آثر الانسحاب وصعد لغرفته هرباً من هذه المواجهة، بينما أخذت سميرة الأولاد وصعدت بهم للطابق الأعلى لتجنبهم حدة الموقف.
خرج يوسف لِيجد نور جالسة بجوار والده عدنان. تسمر مكانه وهو يتكئ بكل ثقله على عصاه، ونظر إليها بنظرة حادة، مزيج من العتاب والدهشة، بينما ساد صمت خانق في المكان، قطعه فقط صوت أنفاس يوسف المتهدجة وهو يحاول استيعاب وجودها أمامه الآن.
انسحبت ندى بهدوء تام وهي تراقب الموقف بحذر، بينما نهض عدنان بوقار ليترك لهما مساحة للحديث. وقبل أن يخطو خطواته بعيداً، اقترب من يوسف ووضع يده على كتفه، ثم همس بصوت منخفض لا يسمعه غيره:
ـ اهدا يا ابني.. فكر في اللي في بطنها، الجنين مالوش ذنب في أي خلاف. خليك حكيم في كلامك.
أومأ يوسف برأسه ببطء وهدوء لوالده، وكأنه يطمئنه بأنه سيتحكم في أعصابه. صعد عدنان إلى غرفته، فخيم الصمت على الصالة، ولم يبقَ سوى يوسف ونور. جلس يوسف في المقعد المقابل لها، واضعاً يديه فوق عصاه التي يستند عليها، وظل ينظر إليها بعينين متعبتين، منتظراً منها أن تبدأ هي بالكلام وتفسر سبب ظهورها المفاجئ.
كسرت نور الصمت، وبدت نبرة صوتها مزيجاً من العتاب والحزن، وقالت وهي تنظر للأرض تارة وإليه تارة أخرى:
ـ أنا زعلانه منك يا يوسف.. من وقت ما خرجت من المستشفى وإنت ولا سألت عني، ولا كأن في حياتك واحدة اسمها نور شايلة ابنك في بطنها. مكنتش متخيلة إن هون عليك للدرجة دي، ولا إن اهتمامك بيا كان مجرد فترة وخلصت.
كان يوسف يستمع إليها وهو يشعر بآلام جسده تزداد، لكن كلمات عتابها أضافت ثقلاً آخر فوق صدره. ظل صامتاً للحظة، يحلل نبرة صوتها، والارتباك الذي رآه في عينيها.
ارتسمت على وجه يوسف ابتسامة ساخرة ومريرة، وهز رأسه ببطء وهو ينظر إلى عصاه ثم يرفع عينيه إليها، ونطق بنبرة حادة اخترقت سكون الصالة.
هتف يوسف بسخرية:
ـ مين اللي يسأل على التاني يا نور؟ أنا اللي المفروض أسأل وأنا مش قادر أتحرك من مكاني بسبب رجلي اللي اتصابت في الحادثة؟ ولا إنتِ اللي كان المفروض تكوني جنبي في الظرف ده؟
اعتدل في جلسته رغم الألم الذي نهش ظهره، وتابع بصرامة أكبر:
يوسف:
ـ إنتِ اللي حطيتي نفسك في الموقف ده يا نور. أخطاءك من أول ما دخلتي البيت هي اللي وصلتنا يا لهنا. أنا قولت ليكي قبل كدة، وأنا في كامل قوتي، إني مبسمحش بالتجاوز من أي حد.. وأنا دلوقتي، ورغم تعبي، لسه يوسف اللي مبيقبلش إن حد يتخطاه أو يفتكر إنه يقدر يضغط عليا.
ساد صمت قاطع بعد كلماته، حيث كان يوسف يتنفس بصعوبة، وعيناه تراقبان رد فعلها، وكأنه يضع أمامها مرآة الحقيقة التي حاولت الهروب منها. أكمل وعصاه تضرب الأرض بخفة لتأكيد كلامه:
ـ أنا ممكن أقلب في لحظة لو حسيت إن اللي قدامي بيحاول يلعب دور الضحية وهو اللي بدأ بالغلط. فبلاش نتكلم في مين سأل ومين مسألش، وخلينا في المهم.. إيه اللي جابك دلوقتي؟
ظهر الارتباك على وجه نور، وبدت وكأنها لم تتوقع أن يكون يوسف بهذه الحدة رغم مرضه، بينما كان هو ينتظر إجابتها التي ستحدد مصير وجودها في المنزل الليلة.
بدأت نور تدافع عن نفسها بنبرة مكسورة، والدموع تحجر في عينيها، وقالت بصوت يرتجف:
ـ أنا عملت كدة من غيرتي عليك يا يوسف.. كنت شايفاك مهتم بـ جيهان وبكل تفصيلة تخصها وناسي وجودي خالص. الغيرة خلتني أتصرف من غير تفكير، مكنتش قادرة أتحمل فكرة إنك أهملتني ومركز معاها هي بس!
نظر إليها يوسف بنظرة يملؤها الهدوء القاسي، وسند بكل ثقله على عصاه وهو يرد عليها بكلمات موزونة:
ـ جيهان عملت الحادثة دي بسببي يا نور.. كانت معايا في عربيتي. وسواء كانت جيهان هي المصابة أو أي واحدة تانية، كنت هعمل نفس الشيء وههتم بيها بكل طاقتي. أنا متربي على إني أساعد الجميع، فما بالك بأم ولادي؟
سكت للحظة ليلتقط أنفاسه المجهدة، ثم تابع وهو يثبت نظره في عينيها:
ـ أنا قولت ليكي قبل كدة إن زوجاتي عندي ليهم مكانة خاصة، والمرأة الذكية هي اللي تقدر تجذب جوزها ليها بدلعها وحنيتها وعقلها.. أما إنتِ، فعملتي العكس تماماً. فكرتي إنك لما تعملي عداوات مع ضرايرك وتوقعي بيني وبينهم، إني هكرههم وأجيلك إنتِ؟ الطريقة دي منفرة يا نور، ومبتجيبش غير المشاكل وبتبعدني عنك أكتر.
نزل كلام يوسف عليها كالدش البارد، حيث واجهها بحقيقة ذكائها المفقود في التعامل مع الموقف، وظلت نور صامتة لا تجد رداً، بينما كان يوسف يشعر بمرارة من اضطراره لخوض هذا الجدال وهو في قمة تعبه الجسدي.
انكسرت حدة نور تماماً أمام كلمات يوسف الصادقة والقاسية في آن واحد، وانهمرت دموعها وهي تقترب منه قليلاً بنبرة توسل:
ـ سامحني يا يوسف.. أنا اعترفت بغلطي، والغيرة عمتني. أوعدك إني هغير كل ده، بس اديني فرصة تانية علشان خاطري وعلشان خاطر اللي في بطني، مش عايزة ابني يتربى بعيد عنك.
نظر يوسف إلى ملامحها المرتجفة، ثم تذكر وصية والده عدنان عن الجنين الذي لم يرى النور بعد. تنهد بعمق وهو يشعر بثقل المسؤولية وآلام جسده التي لم تهدأ.
تحدث يوسف بهدوء مجهد:
ـ أنا هديكي فرصة أخيرة يا نور.. بس الفرصة دي علشان خاطر الجنين اللي مالوش ذنب في كل اللي بيحصل ده. يا ريت تستغليها صح المرة دي.
رفع يوسف صوته قليلاً لينادي على ندى، التي جاءت مسرعة من الطابق الأعلى.
ـ يا ندى.. خدي نور اطلعيها فوق وخليها ترتاح، المشوار والضغط النهاردة كان كفاية عليها.
نظرت نور إلى يوسف وكأنها تريد البقاء معه في غرفته لتعتني به وتعتذر أكثر، لكنها حين رأت ملامحه المتصلبة وأثر التعب الشديد على وجهه، أدركت أن التراجع الآن هو القرار الأذكى؛ فعليها الانتظار بصبر حتى يهدأ تماماً ويصفو قلبه لها من جديد.
أومأت برأسها في صمت، وتحركت مع ندى نحو الدرج بخطوات هادئة، بينما ظل يوسف جالساً مكانه للحظات، يستند على عصاه، يحاول استجماع قوته لما ينتظره في الغد مع جيهان في المركز.
بمجرد وصولهما للطابق الأعلى، حاولت ندى أن تفتح حديثاً مع نور لتعرف ما تنوي فعله حقاً، لكنها سرعان ما تراجعت؛ فجو المنزل كان مشحوناً بالتوتر، ولم تكن تريد أن تخرج أصواتهما وتصل لمسامع يوسف أو والدهما في هذا الوقت المتأخر. تركتها في غرفتها بصمت، واتجهت لغرفتها وهي تدعو الله أن يمر الغد بسلام.
في هذه الأثناء، كان يوسف قد استجمع بقايا قوته وتحرك بعصاه نحو غرفته. ألقى بجسده المنهك على الفراش، وشعر بكل عضلة في جسده تصرخ من الألم والإجهاد. في تلك اللحظة، دخلت سميرة الغرفة بخطوات حذرة جداً، وعيناها تلمعان بالقلق عليه، كانت تريد أن تدلك له قدمه أو تساعده في تبديل ملابسه لتخفف عنه.
قال يوسف بصوت خافت ومجهد دون أن يفتح عينيه:
ـ سميرة.. معلش، سيبيني لوحدي الليلة دي. محتاج أرتاح ومش قادر أتكلم مع حد.
تفهمت سميرة حالته تماماً، ورغم رغبتها في البقاء بجانبه، إلا أنها آثرت راحته النفسية. أومأت برأسها رغم أنه لا يراها، وانسحبت بهدوء تام وأغلقت الباب خلفها، ثم صعدت للأعلى لتنام بجوار أطفالها، تاركة يوسف يصارع أفكاره وآلامه استعداداً للمواجهة الكبرى مع جيهان في الصباح.
❈-❈-❈
أشرقت شمس يوم جديد، لكنها لم تحمل معها الدفء لقلب جيهان. كانت الغرفة غارقة في صمت ثقيل، لم يقطعه إلا صوت حركة كاميليا وهي تضع صينية الإفطار أمام أختها. جلست كاميليا وبدأت تتناول الطعام بهدوء مصطنع، لكن عينها لم تفارق وجه جيهان الشاحب.
كانت كاميليا تفكر في القادم؛ هل ستتمسك جيهان بعنادها وترفض الخروج، أم أن تهديد يوسف بانتزاع البنات كان القشة التي قصمت ظهر إصرارها؟ كانت تخشى أن يؤدي الرفض اليوم إلى قطيعة نهائية وانهيار تام لما تبقى من هذه العائلة.
أما جيهان، فكانت تدير في رأسها شريط كلمات يوسف القاسية بالأمس. أكثر ما آلمها ليس التهديد بحد ذاته، بل كلمته:
هتخدميهم إزاي وإنتِ عاجزة كده؟
كانت تشعر بمرارة شديدة؛ فهي كانت تنوي فعلاً أن تسعى للعلاج وتستعيد قوتها، لكنها كانت تريد أن تفعل ذلك بقرارها هي، بكرامتها، لا أن تُساق إلى المركز كالمجبرة تحت وطأة التهديد.
قالت جيهان في سرها:
ـ لو روحت، هبقى انكسرت قدام تهديده وعرفت إني ضعيفة.. ولو مروحتش، ممكن يحرمني من بناتي فعلاً. هو ليه حطني في الاختيار الصعب ده؟
كانت الحيرة تنهش عقلها؛ فكبرياؤها يمنعها من الخضوع، وحبها لبناتها يمنعها من العناد.
في منزل يوسف، كان الصباح ثقيلاً. استيقظ يوسف وهو لا يزال يشعر بآثار تعب الأمس في جسده، لكنه كان يملك إصراراً لا يلين. دخلت سميرة الغرفة حاملة بدلته التي اختارتها بعناية، وبصمت محب، ساعدته في ارتدائها وربط حذائه، وهي تشعر بمدى توتره الذي يخفيه وراء ملامحه الجامدة.
خرج يوسف إلى صالة الطعام، وجلس على الطاولة. كان الجميع هناك، عدنان، ندى، ونور التي كانت تراقبه بحذر شديد. ساد صمت لم يقطعه إلا صوت الأطباق؛ كانت النظرات المتبادلة بين أفراد العائلة تنطق بكل شيء دون كلام، فالكل يعلم أن هذا اليوم قد يغير مسار حياة جيهان ويوسف للأبد.
أنهى يوسف إفطاره، واستند على عصاه وغادر برفقة تامر الذي كان جاهزاً بسيارته. وصلا إلى منزل جيهان، وبمجرد دخولهما، استقبلتهما كاميليا بوجه شاحب وتوتر ملحوظ، كانت تفرك يديها ببعضهما وقلقها يملأ المكان.
هتف يوسف بنبرة حازمة:
ـ جاهزة يا كاميليا؟
ظلت كاميليا صامتة، تنظر للأرض ولا تعرف بماذا تجيب، مما أكد ليوسف أن جيهان لا تزال في حيرتها وعنادها. لم ينتظر يوسف سماع إجابة، بل اتجه مباشرة نحو غرفتها. هذه المرة، لم يطرق الباب، بل فتحه بقوة ليرى جيهان جالسة في مكانها، وعيناها تحملان آثار ليلة طويلة من البكاء والتفكير.
يوسف بصوت منخفض وهادئ لكنه يحمل نبرة تهديد لا تتزحزح:
ـ قدامك ربع ساعة يا جيهان.. ربع ساعة وتكوني جاهزة علشان نتحرك. أي تأخير عن الميعاد ده، هخرج من الباب ده وهتنسي إن البنات يعيشوا معاكِ تاني.
ساد صمت خانق لثوانٍ، كانت جيهان تنظر إليه بعناد جريح، وصدرها يعلو ويهبط من شدة الانفعال، لكنها أخيراً نطقت وصوتها يرتجف بمرارة:
ـ أنا موافقة يا يوسف.. هروح معاك المركز وهعمل اللي إنت عايزه.. بس عندي شرط!
توقف يوسف عند الباب، والتفت إليها ببطء، ورفع حاجبه منتظراً سماع شرطها الذي قد يعقد الأمور أو يحلها.
وقف تامر وكاميليا يراقبان المشهد بأنفاس محبوسة، الصمت في الغرفة كان سيد الموقف والتوتر بلغ ذروته. نظر يوسف إلى جيهان بعينين حادتين، منتظراً سماع هذا الشرط الذي جعلها تنطق أخيراً.
ـ إيه هو الشرط ده يا جيهان؟
رفعت جيهان رأسها بتحدي شديد، وكأنها تحاول استعادة جزء من كرامتها التي شعرت أنها هُدرت بالأمس تحت وطأة التهديد، وقالت بصوت واثق:
ـ شرطي إن أنا اللي هتكفل بكل مصاريف علاجي، من الألف للياء.. مش عايزة مليم واحد منك يدخل في رحلة علاجي دي.
هدأت ملامح يوسف فجأة، وبدلاً من الغضب، نظر إليها بوداعة نادرة، وكأنه يشفق على محاولتها اليائسة للاستقلال عنه في وقت هي فيه بأمس الحاجة إليه.
هتف يوسف بهدوء ورزانة:
ـ جيهان.. إنتِ لسه مراتي، ومسؤوليتك ومسؤولية علاجك دي واجبي أنا قبل ما تكون أي حاجة تانية. الشرط ده الغيه من حساباتك تماماً، لأني مش هقبل بيه ولا هسمح إنه يحصل.. ومفيش وقت للجدال معايا.
لم يعطها فرصة للرد أو الاعتراض ثانية، بل نظر في ساعته وقال بصرامة:
ـ قدامك الوقت اللي قولت عليه علشان تجهزي.
دخلت كاميليا الغرفة بسرعة لتساعد شقيقتها في تبديل ملابسها، بينما خرج يوسف لينتظر في الخارج مع تامر. بعد وقت قصير، خرجت جيهان وهي تجلس على كرسيها المتحرك، تسندها كاميليا، والكسرة والارتباك يظهران في عينيها رغم محاولتها التماسك.
اتجهوا جميعاً للسيارة؛ ركب تامر في مقعد القيادة، وجلس يوسف في المقعد الأمامي بجانبه، بينما استقرت جيهان وكاميليا في المقعد الخلفي. ساد صمت غريب داخل السيارة طوال الطريق، صمت ممزوج بالأمل والخوف من المجهول، بينما كان يوسف يراقب الطريق من النافذة، يشعر أخيراً أنه وضع قدم جيهان على أول طريق العودة، حتى لو كان ذلك بالإكراه.
توقفت السيارة أمام بوابة المركز الطبي العالمي، وهو صرح يتميز بالهدوء والاحترافية. كان المكان يعجّ بالحركة، لكنها حركة منظمة تبعث على الأمل أكثر مما تبعث على الخوف.
نزل تامر وساعد كاميليا في إنزال جيهان بكرسيها المتحرك، بينما ترجل يوسف مستنداً على عصاه، يسير بجانبها وكأنه يفرض حمايته عليها رغم كل ما حدث بينهما.
بمجرد دخولهم من الباب الزجاجي الكبير، اتسعت عينا جيهان وهي تراقب الصالة الواسعة. رأت أشخاصاً من مختلف الأعمار؛ شاباً في مقتبل العمر يتدرب على المشي بطرف صناعي حديث وهو يبتسم لمدربه، وطفلة صغيرة تتحرك ببراعة بجبيرة متطورة.
كانت نظرات الشفقة التي تخشاها جيهان غائبة تماماً هنا، فالجميع يقاتل في معركته الخاصة، والكل ينظر للآخر بتقدير واحترام للمجهود.
استقبلهم المختص الذي قابله تامر ويوسف بالأمس، وكان رجلاً بشوشاً يمتص التوتر بمجرد الحديث معه.
أمجد موجهاً حديثه لجيهان مباشرة وبنبرة مطمئنة:
ـ أهلاً يا مدام جيهان.. نورتينا. أنا كنت مستني حضرتك جداً، ويوسف وتامر حكوا لي عن عزيمتك وقوتك، وده أهم ركن في رحلتنا النهاردة.
نظرت جيهان للمختص، ثم لفتت نظرها سيدة كانت تجلس في زاوية القاعة، تضع ساقاً صناعية وتستعد للوقوف. شعرت جيهان بقشعريرة تسري في جسدها؛ كانت تلك المرة الأولى منذ الحادث التي ترى فيها صورتها المحتملة في المستقبل. لم يكن المشهد مرعباً كما تخيلت، بل كان مليئاً بالتحدي.
هتف أمجد بجدية وهو يراقب نظرات جيهان:
ـ قبل ما نبدأ أي قياسات أو كشف، أنا حابب إننا ناخد جولة سريعة في قسم التأهيل.. علشان تشوفي بنفسك إن العجز مش في الجسم، العجز في الإرادة بس.
تحرك تامر بكرسي جيهان خلف المختص، بينما كان يوسف يمشي بجانبهم بصمت، يراقب تعبيرات وجه جيهان بدقة. لاحظ يوسف أن قبضة يد جيهان على مسند الكرسي بدأت قليلاً، وأن نظرة التحدي العدائية التي كانت في عينيها بدأت تتحول إلى نظرة ذهول وتأمل.
بدأ المختص في شرح الحالة الفنية لجيهان، وأخبرها بوضوح أن العملية الجراحية هي "البوابة" التي ستعبر منها لحياتها الجديدة، وأن المركز يضم طاقماً جراحياً متخصصاً في مثل هذه الحالات المعقدة لضمان أفضل نتيجة للطرف الصناعي لاحقاً.
كانت جيهان تستمع إليه والرهبة تسيطر عليها، فكرة الجراحة بحد ذاتها كانت تعيد إليها ذكريات يوم الحادث الأليم. نظرت إلى يوسف وكأنها تبحث في وجهه عن إجابة، لتجده يتابع الطبيب بتركيز شديد وهدوء منحها نوعاً من الأمان رغم قسوته السابقة.
ـ إحنا هنا مجهزين غرفة العمليات بأحدث التقنيات، والجراحة مش هتاخد وقت طويل، لكن الأهم هو الالتزام ببرنامج التأهيل اللي هيبدأ فوراً بعد التئام الجرح. إيه رأيك يا مدام جيهان؟ جاهزة نبدأ التحضيرات من دلوقتي؟
ساد الصمت للحظة، والتفتت الأنظار كلها نحو جيهان. شعرت كاميليا بالقلق وهي تمسك يد أختها، بينما وقف تامر ويوسف يترقبان قرارها النهائي الذي لن ينفع معه التهديد هذه المرة، بل يجب أن ينبع من داخلها.
أخذت جيهان نفساً عميقاً، وشعرت وكأن جبلًا من الهموم يزاح عن صدرها رغم الخوف الذي يسكن أعماقها. نظرت إلى وجوه الحاضرين؛ رأت في عين يوسف إصراراً لم يتزحزح، وفي عين كاميليا دمعة أمل ترقرق، وفي هدوء تامر دعماً صامتاً.
جيهان بصوت ثابت رغم ارتعاشه:
ـ أنا موافقة.. نبدأ من دلوقتي.
بمجرد نطقها لهذه الكلمات، تحرك الفريق الطبي بمهنية وسرعة. بدأت الممرضات في نقل جيهان إلى قسم الفحوصات والتحضيرات الأولية. كانت تلك اللحظة هي إعلان انتهاء مرحلة الاستسلام والظلام، وبداية مرحلة شاقة ومبشرة في آن واحد.
رافقها يوسف وتامر وكاميليا حتى باب القسم المخصص، حيث طمأنهم المختص أن الفحوصات الشاملة من تحاليل وأشعة وتخطيط ستبدأ فوراً لتحديد موعد الجراحة الدقيق خلال الساعات القادمة.
وقف يوسف بعيداً قليلاً، يستند على عصاه ويراقبها وهي تدخل غرف الفحص. شعر براحة داخلية لم يعرفها منذ يوم الحادث؛ فجيهان التي كانت ترفض حتى مجرد الحديث عن العلاج، هي الآن تخطو أولى خطواتها نحو العودة.
تامر هامساً ليوسف:
ـ الحمد لله يا يوسف.. أخيراً وافقت. مكنتش متخيل إنها ممكن تقتنع بالسرعة دي.
أجابه يوسف بهدوء شديد:
ـ جيهان قوية يا تامر.. هي بس كانت محتاجة اللي يزقها للصح، حتى لو كانت الزقة قاسية شوية.
التفت يوسف إلى كاميليا التي كانت تبكي من الفرحة، وطلب منها أن تظل بجانب أختها ولا تتركها ثانية واحدة، مؤكداً أنه سيتكفل بكل الترتيبات الإدارية والمالية مع إدارة المركز فوراً.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمةالزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

الأحداث جميله وواقعيه مش بطيئه خالص بالعكس تفصيلية
بس عندى سؤال من اول زواج يوسف من سميرة اتذكر انه كان لسبب ان عدنان عايز ولد وريث ليه وبعد كده مع الأحداث متذكرش هل سميرة مجبتش الحفيد عشان كده يوسف اتجوز من نور لانه دايما يتذكر جمله اطفال سميرة دون توضيح
يعنى احنا عرفنا ان جيهان معاها بنتين
فعلا اية سبب جواز يوسف من نور. مدام مخلف اولاد من سميرة كمان أن لية عند رئى أن جيهان تطلب الطلاق من يوسف وتستقل بعيد عنة لانةسبب ليها جروح عميقة صعب أنها تعيش على الو ضع دا
طلاق جيهان من يوسف حل جزرى ليها تعيش بكرامة وقوة انتى نهاية شخصية جيهان قوية كمليها الاخير خليها اقوى مش بعيد عن صراعتهم