رواية جديدة ذات الرداء الأزرق لفاطمة الألفي - الفصل الأخير - الأربعاء 29/4/2026

تم النشر في: 29 أبريل 2026


قراءة رواية ذات الرداء الأزرق كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  ذات الرداء الأزرق 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الألفي

الفصل الأخير 

تم النشر الأربعاء 

29/4/2026

الفصل السابق

طالع الخيمة بنظرات خاوية يبحث فيها عن ضالته، أين أختفت محبوبته؟ 
الكرسي الخشبي ملقى بفوضوية والهاتف بجانبه نصفه مغروس بالرمال، كما وجد حبل غليظ ساقط أسفل أرجل المقعد، وبمنتصف الخيمة جسد مرجان ممدد أرضا غارقا في دمائة التي نزفت من رأسه، يبدو أن القاتل هشم رأسه بجسم صلب.
جال المقدم عمر أنظاره بدقة يتفحص المكان ليرى صخرة صغيرة بحجم الكورة ملتخطة بالدماء ، يبدو أنها أداة الجريمة ولا يوجد شيء أخر.
هتف زين بقلب ملتاع:
-أين نجمة؟!
رمقه عمر بنظرة جادة ثم هتف قائلا وهو يتخيل ما دار بتلك الخيمة:
-من الواضح أن مرجان فك قيود نجمة وبدء في التقرب إليها كأنه حاول الاعتداء عليها ، وهي ابعدته عندما وجدت تلك الصخرة التي هشمتها على رأسه وتنقذ نفسها وفرت هاربه بعدما تأكدت من أزهاق روحه.
خرج صوته متألما لما قاله عمر وهز رأسه بعدم تصديق يحاول أبعاد التهمة عن زوجته:
-لا نجمة لم تقدر على قتله ، بنية جسدها ضئيل
قاطعته عمر بهدوء وهو يربت على كتفه:
-هي حاولت الدفاع عن شرفها، هو خطفها وحاول أغتـ صابها وهي كانت تحمي نفسها.
قال بشرود: 
-مصيرها السجن في كلب كهذا.
-لا سيتم تبرءتها دفاعا عن الشرف ولكنها ستتعرض لتحقيقات النيابة الصارمة وتحول القضية إلى المحكمة.
نظر إلى بعض العساكر وأمرهم بتنشيط المكان والبحث عن نجمة، فهي بالطبع لم تغادر الصحراء سيرا على الاقدام، لابد أنها بالقرب من هُنا، كما أخرج هاتفه وبدأ في أجراء عدة مكالمات لاحضار المعمل الجنائي لمعاينة مسرح الجريمة وسيارة إسعاف تنقل الجثمان إلى مصلحة الطب الشرعي 

❈-❈-❈
على مرمرة البصر وسط الرمال، بينما عمار جالسًا ويحتضن رأس نجمة الغافية على قدمه، متلحفة بعباءته البنية ورغم أنها تغط في نومها إلا أن جسدها لا زال يرتجف، وهو يربت بكفه على كتفها برفق كأنه يهدهد طفل صغير.

أقتحمت رجال الشرطة حدوده الخاصة وهو مع ابنته شاردا 
في مصيرة القادم.
اصطفت العساكر أمامهم وهم مشهرين أسلحتهم:
-هل هذه نجمة التي نبحث عنها؟!
أنتفضت مذعورة تحدق بخوف،عاد والدها يضمها إليه:
-لا تخافي صغيرتي أنتِ في مأمن.
ولكنهما نهضوا شويا وهو محاوطها بيده تقودهم العساكر إلى حيث مسرح الجريمة ثانياً.
عندما لمحها زين من بعيد، ركض إليها دون الأكتراث بمن حوله، جذبها من جانب والدها كأنها لا تخص أحد سواه.
تفحص هيئتها الخائفة وشعر بأرتجافتها طوقها بين ذراعيه وهو يمسد على ظهرها برفق :
-حبيبتي ماذا فعل بكِ هذا الحقير مرجان
صامتة لا تتحدث ولكن عندما وجدت المسعفين يحملون جثمان مرجان الملتخط بالدماء فاقدا الحياة، صرخت بذعر ودفنت وجهها بصدر زوجها.
أقترب عمر منهما قائلا وهو ينظر إلى عمار :
-من أنت؟
-أنا عمار والد نجمة 
ضيق عمر عينيه ثم عاد يسأله:
-كيف عرفت بوجود ابنتك هُنا؟ ثم رمق نجمة بنظرات شاخصة وبتر كلماته:
-مرجان حاول الإعتداء عليكِ وأنتِ أنهلتي عليه بالحجر وأزهقتي روحه 
صرخت بخوف وهي تتشبث بياقة جلباب زين:
-لا أنا فقط ركضت هاربو
أبتلع عمار ريقه ورد بثبات:
-كنت أتعقبها نجمة ورأيت ما فعله ذاك الحقير وهو يضربها لتفقد وعيها ويختطفها يحبسها هُنا.
توجهت جميع الأنظار إلى عمار ، ليقص أمامهم ما حدث ليلة أمس.
تتبعتهم واستقلت سيارة أجرة تلحق بسيارة النقل الذي أخذ فيها ابنتي، ورأيت الخيمة المنصوبة وكنت أحاول أجد طريقة أحل قيود ابنتي ، وكنت متأخذا قرار أن احررها من قبضته وانا عازم النية على أزهاق روحه لكي لا يؤذيها.
ظللت حول الخيمة أفكر في الخطوة القادمة وعندما وجدت نجمة لا زالت فاقدة لوعيها وهو منغمس في لذته المُسكره ، نويت العودة إلى سكني لجلب السلاح الخاص بي لكي أستطيع تحرير ابنتي والخلاص منه.
وسريعا عدت إلى حيث السكن ولكن وجدت السلاح مختفي يبدو أنه سقط مني دون أن أشعر به، فاصطحبت معي سكين وخوفت أن ترى نجمة المشهد وتنهار ، نويت أن أفك قيودها بالسكين وأجعلها تهرب ثم أنقض أنا على ذلك الكلب وانهي حياته .
سحب شهقيا ثم زفره على مهل وأسترسل قائلا:
-عندما عدت وجدت نجمة تركض بعيدا عن الخيمة وولجت أنا للداخل وفي يدي حجر ،كان ممدد على الأرض بين الصحو والنوم من المخدرات ، دنوت منه وأنا اسبه والعنه وأسدد لها تلك الضربات على رأسه بكل غضب وغل سكن داخلي ، وبعدما انهيت منه لحقت بنجمة وظللت جوارها ،جسدها كان شاحب مرهق،نامت متعبة على قدمي وأنا ظللت مستيقظا من أجل حمايتها.

صرخ به عمر بحدة:
-نجمة هي التي قتلته وأنت تحاول حمايتها إليس كذلك؟
-لا أقسم لك نجمة لا تعرف ما فعلته ولم أخبرها وهي تفاجئت بحالته تلك.
وجه حديثه إلى نجمة:
-نجمة لا تخافي أخبريني بالحقيقة وأنت ضحية لا جاني لا تخافي كنت تحمين نفسك من بطشه وتحمي شرفك.
-لم اقتله ولكنني تمنيت قتله 
قالت كلماتها وازدادت في نوبة بكاء مرير.
أستقلوا جميعا سيارة الشرطة بينما فريق المعمل الجنائى يرفع البصمات ويطوق مسرح الجريمة...
❈-❈-❈
مرت الأيام ببطء شديد وهم ينتظرون تقرير المعمل الجنائي وتطابق بصمات المجني عليه مرجان بالبصمات التي وجدت على السكين الذي طعنت به قوت، وعمار والد نجمة قابع بين جدران السجن متهما في قتل مرجان كما أنه أعترف أمام ضابط المباحث والنيابة العامة أيضا وتم أخلاء سبيل نجمة من التحقيقات لانها تعرضت لصدمة قوية وخارت قواها فلم تعد لديها قدرة على تحمل كل ما مرت به .

وبالفعل صدر تقريرا عن مطابقت البصمات وتبين أن مرجان هو صاحب البصمة المجهولة وهو من أختطف فتاة واحتجزها واراد التعدي عليها ولكنه لاق حتفه على يد عمار الذي قرر أزهاق روحه لكي يحمي ابنته ويحررها من قبضته للأبد وينال جزاءه الأن داخل محبسه ينتظر حكم القاضي ، لكنه غير نادم على ما فعله لان مرجان يستحق هذا المصير ..

❈-❈-❈
حينئذ كانت نجمة داخل المشفى أثر الوعكة الصحية التي أدخلتها في صدمة نفسية ، خاضعة لخطة علاج مكثفة ويشرف عليها والد فيروز بنفسه ، كما أن فيروز لم تتركها نهائيا وزين بجانبها أيضا ، يحاول أخراجها من حالتها تلك.

قرر تركها بعدما أوصى فيروز بعدم تركها ونوى الذهاب إلى قبيلتها ، سوف يلتقي بهم ويطلب من والدتها أن تأتي وتكون بجانبها فهي بأمس الحاجة إلى وجود عائلتها بقربها.
لم يتردد لحظة في الذهاب ويحدث ما يحدث .
خطى خطواته بأصرار إتجاه القبيلة مرورا بصديقه فارس أولا الذي أقتص منه الحقائق فيما قاله إلى قوت ومرجان ثم عرج في طريقة إلى قبيلة الشيخ راجي..
أستقبله الجد بترحاب ولكن داخله تساؤلات كثيرة عن حفيدته، كما أتت أشجان ركضا بعدما علمت بوجود وهي تسأله بلهفة عن ود ابنتها.
جلس داخل المنزل والعيون تطالعه بأهتمام ينتظرون حديثه.
كان مترددًا قليلا ، لكنه صارحهم بالحقيقة المخفية عنهم لتجحظ العيون في صدمة مما ألت إليه الأمور ، ونكست أشجان رأسها في حزن وأسى على ما طال ابنتها وما حدث لزوجها فهو الآن يواجه مصيره خلف القضبان.
أما الشيخ راجي كان متماسكاً كالصخرة التي لن تزعزها يد العاصفة وقالت بنبرة فخر واعتزاز:
-ما فعله عمار من شيم الشرفاء ، الشرف عندنا نفديه بروحنا وعمار صان شرف ابنته وقتل هذا الوغد الذي يستحق.
سحب شهيقا وزفره ببطء ثم نظر إلى أشجان قائلا:
-ابنتك وزوجك بحاجتك الآن، ضبي أغراضك و أذهبي مع زين .
ثم نهض من مجلسه ربت على كتف زين وضمه إلى صدره وهو يقول:
-أنت مننا ونحن منك، أنت متزوج من ابنتنا وتصون شرفنا وعرضنا ، لا تشعر بالغربة وسطنا يا بني ومرحب بك في أي وقت.
ثم سار بخطوات مئتدة إلى حيث خيمته يريد أن يكون وحده فهو رغم صلابته ولكنه فقد ابنه للأبد ، يحاول التكتيك وسط القبيلة لكن قلبه يحترق فراق فلذة كبده الغائب.

ذهب سيف إلى خيمته حزينا على ما نال "نجمة" وجد زوجته ترضع طفلها ، جلس جوارها وأخبرها بود :
-رأيتك وأنت تسترقي السمع أمام خيمة الاجتماع وعلمتي سبب وجود زين 
رمقته بلا مبالاة وهتفت بغيظ:
-سمعت كل ما دار ولم أتأثر لما حدث معها
-أجننتي ، هي شقيقتك وفتاة مثلك تعرضت لكل هذا الأذي ولا زال قلبك جاحدا 
بتر كلماته بغضب على جمودها 
ولكنها عادت تهمس بهدوء وكأنها لم تسمعه:
-نجمة أو ود الاثنان لا يعنوني، يكفي عليها قرب والدتها وقلبها الحنون .
تنهد بضيق وترك الخيمة بخطوات واسعة ، وقادته قدماه إلى أرض النخيل المكان الذي يعشقه وتطلع إلى السماء داعيا لنجمة بأن تخرج من تلك الغمة وتسترد صحتها وعافيتها..


❈-❈-❈
وقفت عند النافذة ساكنة كتمثال من شمع، أسندت كفيها الباردة والصقتها بالزجاج كأنها تستجدي منه بعض الثبات، بينما المطر ينقر الشوارع نقراً رتيباً، وكل قطرة تهوي على الحافة توقظ في رأسها ذكرى مريرة .
كأنها تنسحب من الحاضر رويداً، و عقلها يغوص في مستنقع الأيام الماضية. الصدمة الأولى اجتاحتها كسهم غادر وهي ترى وجه أمها الشاحب حينما همست لها بإفشاء سر الماضي ، ذلك الخبر الذي كسر ظهرها، ثم توالت الصفعات، بداية من مقتل والدتها مرورا بعدم أعتراف قبيلتها بوجودها، إلى أن تم اختطافها ونظرات مرجان التي كانت تنهش جسدها وكأنها عارية أمامه، ورؤيته بعد ذلك قتيلا وعلى يد من والدها الذي لفظها من حياته حينما كانت طفله وعندما وجدها فتاة يافعة عادت إليهم لم تصالحهم الحياة ولكنه ضحى من أجلها بسنوات عمره القادمة وهو حبيس زنزانته بعدما أقترف جريمته من أجلها هي .
تتدافع الذكريات داخل عقلها المشوش ك تدافع الغربان على جثة مُحللة، كل ذكرى تمر تترك خدشاً جديداً على جدار روحها.
أنفاسها كانت تضيق وتخنق رئتها، كأنها يداً خفية تعتصرها ولم تعد قادرة على التنفس، أغمضت عينيها بقوة، لكن الإغلاق لم يحجب شيئاً. المشاهد صارت أوضح في العتمة، رأت نفسها تركض في كل مرة، تصرخ بلا صوت مسموع ثم تسقط وحدها في الهوية.
 كم صدمة يحتاج إليها القلب حتى يتوقف عن النبض وهو حي؟ كم خيبة تكفي ليصير المرء جسدا بلا روح، قبراً يمشي على قدمين؟ 
تمنت في تلك اللحظة النهاية، الفرار من هذا العالم، أن يكف خافقها عن النبض وتصعد روحها إلى بارئها لعلها تستريح من هذه الدنيا الفانية، التي لم تعد تريد البقاء فيها.
قاطعت تفكيرها السوداوي يدأ امتدت إليها بحنو، طوقتها من الخلف، ذلك الدفء الذي انبعث في جسدها البارد عندما أحست لمسته،جعلها تفيق من كل ذلك الألم والقسوة التي عانتها، وفتحت عينيها ودارت بجسدها تعانق أمانها بقوة، فهو حقا الامان التي لاقته بعد أعوام من التخبط والضياع ، هو مرساها ، هو سندها الذي لم يخذلها يوماً .
همس بصوت أكثر دفئا :
-والدتك أتت معي، ستظل جوارك إلى أن تعودي إلى منزلك.
لمعت عيناها بأمتنان على كل ما يفعله لأجلها ثم عادت تغمض عينيها وتتوسد صدره في هدوء ..
للعيون لغة لا يفهمها إلا المحبّون يخيّم الصمت فيها عندما تبدأ بالكلام، أروع ما قد يكون أن تشعر بالحبّ ولكن الأجمل أن يشعر بك من تحب.
❈-❈-❈

مرت ثلاثة أشهر وماثلت فيهما نجمة الشفاء وعادت تمارس حياتها بكل ثبات وأتزان ، كما ألتقت بوالدها وسامحته على الماضي وقرروا طي تلك الصفحة للأبد، كما توددت إلى والدتها لكي تغفر هي الأخر وتسامح زوجها فيكفي السجن الذي واجهه الأن ، وبالفعل امتثلت أشجان لرأي صغيرتها فهو زوجها وأبن عمها ووالد بناتها، رغم عمق الجرح إلا أن قلبها لا زال ممزقا بغيابه.
ذهبت في زيارته وعندما التقيت به لم يصدق عمار عيناه بأنها واقفة أمامه، ظن بأنه يحلم ولكن صوت شهقاتها ودموعها المنسابة كنهر جاري جعلته يعدو إليها، رفع أنامله يمحي تلك الشلالات وهو يقول :
-لا تبكي يا حبيبة العمر، يا ونيستي ويا رفيقة الدرب رغم البعاد إلا أن دربي لم أسلكه إلا بكِ، فداكِ روحي وفداء بناتي.
هم بأن يركع على قدميه لكي يقبل قدميها ويطالبها بالسماح ولكنها أمسكت بذراعيه تمنعه من تلك الفعلة المشينة بكرامته:
-مكانك ليس عند قدمي يا أبن العم ، مكانك تاج فوق رأسي وعند قلبي .
احتضنها بقوة وانسابت دموعهما معا ، لا تعلم من يواسي من، لكن كل ما تعرفه أنها سامحته من كل قلبها وتتمنى أن يعود إلى حياتهما ثانيا ويتحرر من هذا السجن، لكن هذه إرادة الله، ودعته بعيون محملتين بالحنين على أمل أن يجمعهما لقاء ثاني...

 ❈-❈-❈
بعد مرور شهرًا أخر.
جاء يوم المحاكمة واجتمعت العائلة داخل قاعة المحكمة تُطالع عمار القابع خلف القضبان باشتياق وداخل كل منهم دعاء خفي أن يعود معهم إلى القبيلة ولكن الأمر جلل، أزهاق روح، رغم أن هذا المرجان لم يكن بريئًا، ولا يحق لاحد أن يصدر عليه حكمًا بالموت فهو تحت وطأة القانون وكان ولابد أن يخضع لمحاكمة عادلة على أفعاله في حق الفتاتين "قوت"و "نجمة" ولكن لا مفر من أحكام القضاء وقال القدر كلمته عندما نوى عمار الانتهاء منه وهو بكامل وعيه وإرادته وكما أعترف أعترافا واضحا وصريحا على إرتكابه الوقعة.

محكمة .
نطق بها الحاجب ليسود الصمت داخل القاعة، وجلست هيئة المحكمة بأماكنهم وبدأت الجلسة.
بصوت القاضي الذي يُشير إلى القضية ويطالب دفاع المتهم بالمرافعة.
حينئذ وقف المحامي فضل يحكم روب المحاماة على جسده ثم نظر إلى رئيس المحكمة قائلا:
"بسم الله الحق العدل.  
سيدي الرئيس، حضارات المستشارين، هيئة المحكمة الموقرة.
إنني لا أقف اليوم لأبرر جريمة قتل، فالدم عند الله حرام، والنفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق. لكني أقف لأضع بين أيدي عدالتكم ميزان الحقيقة كاملاًً، أقف لأروي لكم ما لم يُكتب في الأوراق، وما لا تستطيع محاضر التحقيق أن تنقله، صرخة أب رأى شرف ابنته يُنتهك.
-أولا، موكلي عمار، لم يكن قاتلاً بالأمس، ولا مجرماً بالفطرة. كان أباً. رجل بسيط في قبيلته، سلاحه كرامته، ورأس ماله عرضه. علم بخطف ابنته "نجمة" كاد أن يفقد عقله وهو يتتبع المجني عليه "مرجان" الذي حاول تدنيس شرفه، ولولا عناية الله لكان قد نال منها. أي أب في الدنيا يتحمل هذا؟ أي رجل يبيت ليلته و ابنته بين براثن ذئب مفترس ؟
موكلي حاول أنقاذ فلذة كبده،لذلك أنساق وراء مشاعر الأبوة قبل أن يذهب ويخبر الشرطة لتنقظ ابنته، نحن هنا نُقاس بميزان البشر، لا بميزان الملائكة. فالمجني عليه لم يكن بريئاً يُغدر به، بل كان ذئباً بشرياً ثبت من التحقيقات محاولة قتلة ل"قوت" و "نجمة" التي تربص بها لينقض عليها وهي وحيدة ، محتجزة بمكان بعيد، مكبلة بالحبال لكي ينال من شرفها، وعمار في لحظة غضب عمياء أزهق روحه .
-ثانياً الدافع القانوني فإننا ندفع بانتفاء نية القتل، فما وقع من موكلي كان وليد لحظة انفعال ثائر، و"نوبة غضب" أفقدته اتزانه. القانون يا سيدي الرئيس لم يكن يوماً أصمّاً أعمى. فقد وضع لنا المادة 17 من قانون العقوبات، طوق نجاة لمن يستحقه. وهي تنص على أنه "يجوز في مواد الجنايات إذا اقتضت أحوال الجريمة المقامة من أجلها الدعوى العمومية رأفة القضاة، تبديل العقوبة".

وأي أحوال يا سيدي تستوجب الرأفة أكثر من حال أب دُفع دفعاً إلى الجريمة؟ هل نطلب من الأب أن يقدم لابنته كوب ماء بعد أن كُسرت روحها؟ موكلي اعترف بلا تردد ولا مواربة، لأنه رجل لا يكذب. اعترافه ليس دليل إدانة فقط، بل هو دليل على أنه لم ينتوِ الشر، بل اعتقد أنه يقيم العدل بيده لحظة غاب فيها عدل الأرض.

ولذلك، ولما سبق لثبوت واقعة الاختطاف والأضرار النفسية والجسدية التي عانتها ابنة المتهم، نلتمس من عدالة محكمتكم الموقرة ما يلي:
 استعمال أقصى درجات الرأفة مع المتهم عملاً بنص المادة 17 من قانون العقوبات ،و تخفيف العقوبة إلى الحد الذي تراه عدالة المحكمة مناسباً لظروف الدعوى وملابساتها، ولتاريخ المتهم الخالي من السوابق.
سيدي الرئيس.. إن حكمتم عليه بالإعدام، قتلتم الأب مرتين: مرة حين قُتلت كرامته، ومرة حين تُزهق روحه. وإن رأفتم به، أحييتم مبدأ أن العدل ليس سيفاً فقط، بل هو سيف ورحمة.  
والأمر مفوض لعدالة المحكمة. وشكرا سيدي الرئيس.
عندما انهي المحامي مرافعته عاد يجلس مكانه ، بينما عمار من خلف القضبان ينظر إلى ابنته نجمة بعيون دامعه.
ساد الصمت داخل قاعة المحكمة ليطرق القاضي بالمطرقة عدة طرقات متتالية لينصت إليه الجميع:
-بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع المرافعة، ومرافعة النيابة ودفاع المتهم، واطمئنت هيئةالمحكمة.  
حيث ثبت أن المتهم عمار ... قد أزهق روح المجني عليه دون أن يبني نية مسبقة على القتل العمد، وهذا بصدد تقدير العقوبة ترى من ظروف الدعوى وملابساتها أن المتهم كان تحت تأثير استفزاز بالغ الجسامة، تمثل في محاولة المجني عليه التعدي على عرض ابنته، الأمر الذي أفقد المتهم شعوره وأثار في نفسه غضب شديد.  
ولما كانت المادة 17 من قانون العقوبات تجيز للمحكمة النزول بالعقوبة إذا اقتضت أحوال الجريمة ذلك.  
لذلك حكمت المحكمة حضورياً بمعاقبة المتهم عمار ... بالسجن المشدد لمدة عشر سنوات عما أسند إليه، وألزمته المصاريف الجنائية، رُفعت الجلسة.

رغم مرارة الحكم ولكن هذه عناية الله الرحيمة ، فمهما طالت الأعوام خلف القضبان إلا أنه سيظل يتنفس بشموخ وعزة نفس ولم يندم قط على ما فعله، كما أنه سيرا عائلته التي ستأتي لزيارته كل حين وهذه الوسيلة الوحيدة لتخفيف عبء الايام والشهور والسنوات الثقيلة ..
 ❈-❈-❈
مر عام يليه الأخر وتوفى الجد راجي وهذا ما جعل نجمة تدخل في نوبة حزن كئيب لم تخرج منه إلا عندما علمت بحملها الاول فجاهدت من أجل جنينها وتعافت سريعا لكي لا يطاله أي أذى، كما حاولت في ذلك العام أن تعامل شقيقتها الكبرى بكل حب لتتبخر المعاملة الجافة بينهما رويدا رويدا وانتهت الخلافات للأبد.
أما عن القبيلة فتولى أمر خلافة شيخ القبائل هو الابن الأكبر للشيخ راجي وهو والد رماح وسيف ، الحاج فواز ..
وكانت نجمة متواجدة دائما بين البادية والمدينة ولكن حياتها مستقرة مع زوجها حيث المدينة وصخبها.
وقد أنعم الله عليها بتوأم متطابق وأسماهم زين "علي" و"عبدالرحمن" وكبرت عائلته الصغيرة..
أما عن فيروز فتزوجت من المقدم عمر الذي أعجب بها منذ للوهلة الأولى وانتظرت أن تنهي دراستها الجامعية ليفوز بحبها ويتوج ذلك الحب بالزفاف، وظلت علاقتها بنجمة قائمة لن تنقطع حتى مع أنشغالهم بتأسيس العائلة وأحتضان الاطفال، مهما سحبتهم الحياة في دوامتها يعود كل منهما ويجد الأخر ينتظره دون كلل أو ملل أو عتاب، وهكذه هي الحياة تعصرنا في متاهات لا تنتهي..

انقضت المدة بعد سبعة أعوام حيث خرج من السجن حُسن سير وسلوك، فهو دائما كان مسالما لم يؤذي أحد .
وعندما خطى أول خطواته خارج السجن وعانقت عيناه شمس الدنيا ونور الحرية وجد عائلته في إستقباله.
زوجته وابنته نجمة وزوجها زين وابنته غفران وزوجها سيف واحفاده يهللون ويلتفون حوله..
وذات الرداء الأزرق بدّلت من لون ثيابها كما تبدّل الحياة جلدنا، فثمة ألوان أخرى تعبر عن الفرح والسعادة وتطوي الحزن لتدفنه في وادي النسيان..


تمت

إلى حين نشر الرواية الجديدة للكاتبة فاطمة الألفي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل