بيت الضراير - الفصل 31 | فاطمة الزهراء

تاريخ النشر: 26-04-2026



قراءة رواية بيت الضراير كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية  بيت الضراير 

 رواية جديدة قيد النشر

من قصص و روايات 

الكاتبة فاطمة الزهراء 


الفصل الواحد والثلاثون

تم النشر الأحد 

26/4/2026


الفصل السابق


بعد أن قضوا وقتاً طويلاً في غرفتها، يغمرونها بكلمات الدعم واليقين بأنها ستتجاوز هذه المحنة، ودعوها جميعاً بقلوب متفائلة. غادر عدنان وتامر وسميرة منزل جيهان وهم يرددون عبارات التشجيع، مؤكدين لها أنها ستعود كما كانت، وأنهم سيظلون خلفها دائماً كالجدار المتين الذي لا يهتز.
بمجرد عودتهم إلى المنزل، وجدوا يوسف بانتظارهم، لم تكن عيناه تسأل عن حالتها فحسب، بل كانت تطالب ببدء خطة الإنقاذ التي رسمها في مخيلته. لم ينتظر يوسف طويلاً، بل التفت إلى تامر بنظرة حازمة يملؤها الإصرار.
هتف يوسف بصوت يملؤه التصميم:
ـ تامر.. دلوقتي مفيش وقت نضيعه. جيهان رجعت البيت، والخطوة اللي جاية لازم تبدأ حالاً. عايزك تتواصل مع المركز اللي قولتلي عليه فوراً، وتبلغهم إننا جاهزين لكل الإجراءات والمصاريف مهما كانت.
أومأ تامر برأسه متفهماً استعجال يوسف، وأخرج هاتفه وبدأ في مراجعة البيانات.
ـ حاضر يا يوسف، أنا كنت مستني اللحظة دي. هتواصل مع إدارة المركز دلوقتي وأبعت لهم التقارير الطبية الأخيرة اللي أخدناها من المستشفى، وهعرف منهم الجدول الزمني لبدء جلسات التأهيل والقياسات الأولية للأطراف.
وقف يوسف بجانب النافذة، وكأنه يرى الأمل يتجسد في تلك الخطوات العملية، بينما كانت ندى تراقب المشهد بصدور رحبة، وهي ترى شقيقها يضع كل ثقله في سبيل إعادة زوجته للحياة من جديد.
ـ مش عايز أي تأخير يا تامر.. لو المركز ده محتاج أوراق زيادة أو فحص جديد، نخلصه في أسرع وقت. جيهان محتاجة تحس إن فيه تحرك فعلي علشان ترجع لها روحها تاني.
أمسك تامر بهاتفه وأجرى الاتصال بـ المركز، وبعدما انتهى، التفت إلى يوسف ليخبره بالنتيجة: 
ـ كلمتهم يا يوسف، وقالوا إنهم مستنينا بكرة الصبح إن شاء الله.
بمجرد سماع هذه الكلمات، بدأ يوسف يشعر بالأمل يتسلل إلى قلبه مجدداً، وكأن روحاً جديدة دبت فيه. لم يعلق كثيراً، بل اتجه مباشرة إلى غرفته في الطابق الأسفل بمساعدة سميرة، التي كانت بجانبه تسانده بهدوء.
استلقيا في فراشهما ليناما في هدوء لم يذوقاه منذ فترة، ولكن رغم السكون الذي حلّ على الغرفة، كان يوسف يتقلب في فراشه، وعقله مشغول بالكامل، يترقب حلول الصباح سريعاً لكي يبدأ أولى خطوات رحلة العلاج.
مع أول خيوط الفجر، استيقظ يوسف في غرفته بـ الطابق الأسفل. لم يكن قد نام إلا ساعات قليلة، لكن الأمل الذي وُلد بالأمس جعله ينهض بنشاط لم يعهده منذ الحادث. خرج من غرفته بهدوء تام لكي لا يوقظ سميرة، واتجه إلى الصالة وجلس ينتظر تامر. كانت عيناه معلقتين بباب الدرج، ويده تفرك ركبتيه بتوتر، وقلبه يدق مع كل ثانية تمر.
نزل تامر من الطابق الأعلى وهو يرتدي ملابسه وممسكاً بمفاتيحه، فوجئ بيوسف جالساً في انتظاره بكامل أناقته واستعداده.
تحدث تامر بدهشة وهو يقترب منه:
ًـ يوسف! إنت صاحي من بدري؟ خليك ارتاح وأنا هروح المركز وأعرف كل حاجة وأرجع أطمنك بالتفصيل.. المشوار لسه في أوله وهيكون تعب عليك.
 وقف يوسف ببطء ونظر لتامر بنظرة حادة وحازمة: 
ـ مش هقدر أرتاح يا تامر.. أنا صممت إني أروح معاك. لازم أكون على علم بكل كلمة بتتقال، ولازم أسمع من المختص بنفسي الخطوات اللي هنعملها عشان جيهان ترجع تقف على رجليها تاني.
ظهر رد فعل تامر في تراجعه خطوة للخلف وهو يرى الإصرار في عيني أخيه؛ هز رأسه ببطء وعلامات القلق والتقدير تظهر على وجهه:
ـ بس يا يوسف، إنت لسه مجهد.. والمركز زحمة وكلام الدكاترة ممكن يضايقك.
يوسف بإصرار أكبر وهو يتحرك نحو الباب: 
ـ مفيش حاجة هتضايقني قد قعدتي هنا وأنا مش عارف إيه اللي بيحصل. أنا صاحب الشأن، ولازم أكون موجود في كل خطوة تخصها.. يلا بينا يا تامر، مش عايز نضيع وقت.
تنهد تامر بعمق، وأدرك أن جداله مع يوسف لن ينفع أمام هذا التصميم. أومأ له بالموافقة وفتح له باب السيارة، بينما كان يوسف يسير بخطوات فيها ثقل المرض ولكن يكسوها إصرار الروح، وعقله لا يتوقف عن التفكير في جيهان وكيف سيواجه بها هذا المركز.
تحركت السيارة بـ يوسف وتامر في صمت ساد أرجاءها لفترة، يوسف كان ينظر من النافذة وعقله شارد، يراقب الطريق وكأنه يسابق الزمن للوصول. كان يشبك أصابعه بقوة، وكلما زاد تفكيره، زاد ضغطه على يده، في حين كان تامر يختلس النظر إليه بين الحين والآخر، يشعر بمدى الثقل الذي يحمله أخوه فوق كتفيه.
وصلوا إلى المركز، وبمجرد دخولهم من البوابة الكبيرة، شعر يوسف برهبة المكان، لكن إصراره كان أقوى. استقبلهما المختص في مكتبه الهادئ، الذي تفوح منه رائحة الأوراق الطبية والتعقيم. رحب بهما الطبيب بابتسامة عملية وهو يشير لهما بالجلوس.
فتح أمجد الملف الذي وضعه تامر أمامه: 
ـ أهلاً بيك يا أستاذ يوسف.. تامر كلمني عن الحالة وأنا راجعت التقارير المبدئية. إحنا قدام حالة محتاجة صبر وشغل دقيق، بس العلم دلوقت مبيعرفش المستحيل.
بمجرد سماع كلمة مستحيل، انقبض وجه يوسف بشدة وشحب لونه للحظة وكأنه تلقى صدمة، لكن حين أكمل الطبيب بنفيها، أغمض عينيه وخرجت منه تنهيدة عميقة جداً اهتز لها جسده، وكأن الروح ردت إليه بعد غياب. بدأ يمسح جبينه بيده من أثر التوتر الذي بدأ يهدأ قليلاً، واعتدل في جلسته بتركيز أكبر.
تابع أمجد حديثه وهو يشرح الخطة: 
ـ الخطوة الأولى والأساسية هي إن المدام جيهان تشرفنا هنا في المركز بنفسها. لازم نبدأ "المعاينة الحركية" وجلسات التأهيل النفسي والعضلي.. دي مرحلة لازم تسبق تركيب الطرف الصناعي الذكي.
تبدلت ملامح يوسف بعد استماعه لحديث المختص فقطب حاجبيه بعمق وظهرت علامات التفكير والوجوم على وجهه. بدأ يفرك يديه ببعضهما بقوة، فقد تذكر حالتها في بيت والدها ورفضها التام لمقابلة أي شخص. لكن رغم هذا القلق، لمعت عيناه بإصرار حاد، ونظر للطبيب بنظرة تحدٍ وكأنه اتخذ قراراً لا رجعة فيه.
هتف تامر بجدية وهو ينظر للطبيب ويراقب نظرات يوسف وقلقه: 
ـ يا دكتور، إحنا عارفين إن دي أهم خطوة، ويوسف صمم يجي بنفسه عشان يعرف كل التفاصيل ويجهز نفسه للمرحلة دي.. إحنا هنبذل كل جهدنا عشان تكون هنا في أسرع وقت.
أومأ يوسف برأسه موافقاً على كلام شقيقه، لكن ملامحه كانت تنطق بما هو أصعب؛ فقد كان يعلم في قرارة نفسه أنه سيفعل أي شيء لتعود جيهان لحياتها، حتى لو وصل الأمر لإجبارها على التنفيذ من أجل مصلحتها.
التفت يوسف نحو المختص، وكانت نبرة صوته هذه المرة أكثر عملية وحسماً:
ـ تمام يا دكتور.. أنا محتاج ميعاد محدد وجلسة محجوزة باسم جيهان، عشان المرة الجاية لما آجي، تكون هي معايا ونبدأ فوراً.
استجاب الطبيب لإصرار يوسف، وحدد لهما موعداً قريباً جداً، وأكد على ضرورة الصبر في التعامل معها في المرة الأولى. غادرا المكتب، وكان يوسف يمسك ب ورقة الموعد وكأنه يمسك بمفتاح نجاتها.
أثناء عودتهما، وبينما كان تامر يقود السيارة في هدوء وهو يراقب شرود شقيقه، قطعه يوسف بطلب مفاجئ وصارم:
ـ تامر، مش هنرجع البيت.. اطلع بيا على بيت عمي. أنا لازم أقابلها وأتكلم معاها دلوقتي، مش عايز أضيع دقيقة واحدة.
أومأ تامر بهدوء، وغير اتجاه السيارة نحو منزل جيهان. 
❈-❈-❈
وصلوا إلى هناك، ونزل يوسف من السيارة بخطوات يملؤها التوتر والإصرار في آن واحد. استقبلتهما كاميليا عند الباب، وكان القلق يرتسم على وجهها بمجرد رؤية يوسف في هذه الحالة من الاندفاع.
قالت كاميليا بصوت منخفض وهي تنظر ليوسف: 
ـ أهلاً يا يوسف.. جيهان لسه قافلة على نفسها يا جماعة، ومش راضية تتكلم مع حد خالص.
تخطاها يوسف متجهاً نحو غرفة جيهان وتحدث بإصرار: 
ـ معلش يا كاميليا.. أنا لازم أدخلها. المرة دي مفيش مجال للرفض، مصلحتها فوق أي حاجة.
وقف يوسف أمام باب غرفتها، أخذ نفساً عميقاً وحاول استجماع هدوئه قبل أن يطرق الباب. كان تامر وكاميليا يقفان في الخلف يراقبان الموقف بترقب شديد، خائفين من رد فعل جيهان العنيف أو انهيار يوسف.
فتح يوسف باب الغرفة بقوة لم تعهدها جيهان منه، فاقتحم سكونها وعزلتها فجأة. انتفضت جيهان من مكانها، واتسعت عيناها بذهول وصدمة وهي تراه يقف أمامها بهذا الإصرار، وهي التي ظنت أنها ستبقى في هذا الظلام بعيدة عن الأعين.
تحدث يوسف بنبرة حازمة وقاطعة: 
ـ لحد هنا وكفاية يا جيهان.. أنا روحت المركز النهاردة وحجزت لك ميعاد بكرة. العلم اتقدم، وفيه أمل كبير إنك ترجعي تقفي على رجلك تاني، ومش هسمح ليكي تضيعي الفرصة دي من إيديكِ.
قالت جيهان بصوت يرتجف، والدموع بدأت تلمع في عينيها:
ـ مش عايزة أروح في حتة يا يوسف! سيبني في حالي.. أنا مش حمل نظرات شفقة من حد، ومش هقدر أواجه العالم بالشكل ده. الميعاد ده الغيه، أنا مش هتحرك من هنا.
تغيرت ملامح يوسف لتصبح أكثر قسوة، واقترب منها خطوة إضافية وهو ينظر في عينيها مباشرة بحدة جعلت جسدها يرتجف:
ـ لو فاكرة إن الموضوع باختيارك تبقي غلطانة.. إنتِ مجبرة يا جيهان، مجبرة عشان خاطر بناتك. لو عايزة ترجعي بناتك ليكي وتعيشي وسطهم تانية، لازم تقفي على رجلك. لو رفضتي بكرة تروحي المركز، انسى إن البنات يرجعوا يعيشوا معاكِ تاني.. مش هسلم ولادي لواحدة يائسة ومستسلمة.
وقع الكلمات كان كالصاعقة على جيهان، التي تجمدت مكانها من هول ما سمعت. أما تامر، فقد وقف عند باب الغرفة مصدوماً، واتسعت عيناه بذهول وهو يستمع لنبرة يوسف القاسية؛ فكلام المختص كان واضحاً بضرورة التعامل معها بهدوء، وما يفعله يوسف الآن هو العكس تماماً. قرر تامر في صمت أن يتحدث مع أخيه لاحقاً، فهو لم يستوعب كيف تحول أمل يوسف إلى هذا النوع من الضغط العنيف.
في تلك اللحظة، حاولت كاميليا التدخل وهي ترى انهيار أختها، وتقدمت خطوة لتقول شيئاً، لكن تامر مد يده بسرعة ومنعها، مشيراً لها بعينيه أن تبتعد وتترك يوسف ينهي ما بدأه، رغم عدم رضاه الداخلي عما يحدث.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يقطعه إلا صوت أنفاس جيهان المتهدجة وهي تنظر ليوسف بذهول، وكأنها تراه لأول مرة بهذا القهر.
تحولت نظرة الذهول في عيني جيهان إلى تحدٍ جريح، ورفعت رأسها رغم انكسارها وهي ترد بصوت مخنوق بالدموع لكنه قوي:
ـ أنا الحاضنة يا يوسف! والقانون معايا، وما تقدرش تاخد بناتي مني.. ولو اضطريت هلجأ للقانون، أنا مش هقبل بناتي يفضلوا يوم واحد مع زوجات أب تحت رحمة غيري، وأنا أمهم وعايشة!
لم يتراجع يوسف، بل كانت إجابته كأنها نصل بارد اخترق قلبها، حيث نظر إلى حالتها وإلى سريرها بنظرة قاسية وقال:
ـ قانون إيه اللي بتتكلمي عنه؟ إنتِ شايفة حالتك؟ هتخدميهم إزاي وإنتِ عاجزة كده؟ البيت اللي بناتي فيه لازم يكون فيه أم قادرة تسندهم مش هما اللي يسندوها. فوقي يا جيهان!
قبل أن تنطق بكلمة، تحرك يوسف نحو الباب، ثم التفت إليها للمرة الأخيرة وهو يرمقها بنظرة حاسمة وقاطعة:
ـ أنا هاجي بكرة الصبح علشان آخدك المركز.. لو عارضتي أو رفضتي، انسي إن بناتي يرجعوا ليكي تاني طول ما أنا عايش.
خرج يوسف من الغرفة قبل أن يسمع منها أي رد، تاركاً خلفه دماراً نفسياً. وقف تامر مكانه للحظة، ينظر إلى جيهان بتوتر شديد وعينين مليئتين بالأسف، لم يعرف ماذا يقول بعد هذا الصدام العنيف، فآثر الصمت وغادر خلف أخيه بسرعة وهو يشعر بجبل من القلق فوق صدره.
بمجرد خروجهما، اندفعت كاميليا إلى الداخل، وجدت جيهان في حالة انهيار تام، فاحتضنتها بقوة وحاولت تهدئتها، بينما كانت جيهان تنتفض بين ذراعي أختها، مابين قهرها من عجزها ورعبها من تهديد يوسف بسلب أغلى ما تملك.
جلس يوسف وتامر داخل السيارة، وساد صمت ثقيل لعدة لحظات قبل أن يقرر تامر كسر هذا الجمود، فقد كانت ملامح الصدمة لا تزال مرتسمة على وجهه مما حدث في الداخل.
هتف تامر وهو ينظر ليوسف بعتاب شديد: 
ـ يوسف.. اللي عملته جوه ده كان قاسي أوي. الدكتور مأكد علينا إننا نتعامل معاها بهدوء لأن حالتها النفسية مش مستحملة، وإنت دخلت هددتها بأغلى ما عندها.. بالبنات!
أخذ يوسف نفساً طويلاً ومسح على وجهه بإرهاق، ثم التفت لأخيه ونبرة صوته كانت مزيجاً من الإصرار والمرارة ليجيبه بتعب وإرهاق:
ـ تامر، جيهان مش هتقبل بالتنفيذ ولا هتتحرك خطوة واحدة إلا لو وقعت تحت التهديد. أنا عارفها أكتر من أي حد.. جيهان رغم هدوءها اللي إنت شايفه ده، هي عنيدة جداً، ولما الموضوع بيتعلق بكرامتها أو بضعفها بتتحول تماماً وبتقفل على نفسها ميت باب. كان لازم أتكلم بالطريقة دي عشان أهزها من جوه وأجبرها تخرج، مكنش قدامي حل تاني علشان مصلحتها.
لم يجد تامر رداً مقنعاً، رغم عدم رضاه التامي عن الأسلوب، إلا أنه هز رأسه بصمت مستسلماً لمنطق يوسف، وأدار محرك السيارة متجهاً نحو المنزل.
بمجرد وصولهما، نزل يوسف من السيارة بخطوات ثقيلة ومجهدة. كان التعب قد نال منه تماماً، وبدأ يشعر بآلام حادة تسري في جسده نتيجة تحركاته الكثيرة ومجهوده البدني والنفسي الشاق طوال اليوم. دخل المنزل وتخطى الجميع دون رغبة في الحديث مع أحد، واتجه مباشرة إلى غرفته في الطابق الأسفل.
ألقى بجسده على السرير وهو يتأوه بخفوت من الألم، وبينما كان يغمض عينيه، كانت صورة جيهان وهي منهارة لا تفارق خياله، يتساءل بمرارة هل سينجح تهديده في إحضارها غداً، أم أن عنادها سيفوق خوفها على فقدان بناتها.
جلس تامر في الصالة مع والده عدنان وندى وسميرة، وكان الجميع يترقبون منه أي خبر عن مشوار المركز. بدأ تامر يسرد لهم تفاصيل لقاء المختص، وكيف أن هناك أملاً كبيراً في تركيب طرف صناعي متطور، لكنه ركز بشكل أساسي على ضرورة حضور جيهان للمركز غداً.
هتف تامر بجدية وهو يتابع نظراتهم له:
ـ يوسف صمم يروح معايا، والدكتور طمننا جداً.. بس الشرط الوحيد إن جيهان تكون موجودة بكرة عشان القياسات والتأهيل يبدأ.
أكمل تامر حديثه عن ذهابهم لمنزل جيهان، لكنه تعمد بذكاء وحرص تجنب الحديث عن تهديد يوسف لها بأخذ البنات؛ فهو يعلم أن هذا السر قد يشعل توتراً إضافياً في العائلة، واكتفى بالقول إن يوسف حاول إقناعها بشتى الطرق وأكد لها أن مصلحة البنات في تعافيها.
كانت سميرة تتابع ملامح تامر بقلق، وحين رأت يوسف يدخل غرفته بتلك الطريقة المرهقة، شعرت بانقباض في قلبها.
قالت سميرة وهي تهم بالوقوف: 
ـ أنا لازم أدخل أطمن عليه يا تامر.. يوسف دخل وشكله تعبان جداً، وشبه مش قادر يمشي على رجله من كتر اللف طول النهار.
منعها تامر وقال بنبرة مليئة بالحرص:
ـ استني شوية يا سميرة، سيبيه دلوقتي.. هو فعلاً تعبان وجسمه مجهد جداً، بس الأهم إنه محتاج يقعد مع نفسه شوية عشان يهدا من الضغط العصبي اللي شافه النهاردة. الراحة دلوقت أهم حاجة ليه، وبعدين ادخلي شوفي طلباته.
تراجعت سميرة وجلست مرة أخرى وهي تشعر بالحيرة، بينما ساد الصمت بين الحضور، كل منهم يفكر في غدٍ وما سيحمله من مواجهة، وتامر يراقب باب غرفة يوسف، متسائلاً إن كان أخوه سيستطيع الصمود غداً أمام انهيار جيهان المتوقع.
ساد الهدوء الصالة للحظات، حيث غرق كل واحد منهم في أفكاره الخاصة، لكن هذا السكون قطعه فجأة رنين جرس الباب المتواصل والقوي، وكأن من يقف خلفه يحمل أمراً عاجلاً.
قامت سميرة لتفتح الباب، وهي تتساءل في سرها عن هوية الزائر في هذا الوقت المتأخر وبعد يوم مشحون كهذا. بمجرد أن فتحت الباب، تيبست مكانها واتسعت عيناها بذهول تام، وتراجعت خطوة للخلف وهي غير مصدقة لما تراه.
❈-❈-❈
في وقت سابق، بعيداً عن ضجيج عائلة عدنان، كانت نور تجلس في غرفتها بمنزل والدها، يلفها صمت مطبق. كانت عيناها شاردتين في الفراغ، وعقلها لا يتوقف عن مراجعة شريط حياتها القصير مع يوسف. سألت نفسها بمرارة: 
ـ هل أحببته حقاً؟ أم أنني وقعت في فخ اهتمامه الزائد وشخصيته القوية التي افتقدتها؟
كانت المشاعر متخبطة في صدرها، ولا تجد إجابة شافية لسؤالها الصعب.
قطع حبل أفكارها دخول والدها الغرفة، لم تكن ملامحه تحمل الليونة المعتادة، بل وقف أمامها بهيبة وجدية تامة.
تحدث والد نور بنبرة حاسمة: 
ـ لحد هنا وكفاية يا نور.. قعدتك هنا مالهاش معنى. لو كنتِ عايزة تستمري مع جوزك، فمكانك الطبيعي دلوقت هو بيته وجنبه، خصوصاً في الظروف اللي بيمر بيها. أما لو كنتِ خلاص مش قادرة تكملي وعايزة الانفصال، فده ليه ترتيبات تانية خالص لازم نبدأ فيها من دلوقتي.
لم ينتظر والدها ردها، بل تركها وغادر الغرفة، تاركاً الكلمات تدوي في رأسها كالجرس. شعرت بنوع من الضغط الذي لم تكن مستعدة له، لكنه وضعها أمام خيارين لا ثالث لهما. نظرت إلى حقيبتها، ثم إلى صورة يوسف في مخيلتها، وقررت في لحظة انفعال ممزوجة بالتحدي أن تذهب إليه؛ ليس حباً محضاً، بل لترى بعينها كيف ستؤول الأوضاع، وهل هناك مكان لها في حياته القادمة أم أنها ستغلق هذا الباب للأبد.
التالي

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة‏

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل