تم النشر في: 25 أبريل 2026
قراءة رواية ذات الرداء الأزرق كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
أستدعت "فيروز"والدها لكي يفحص جسد نجمة الهزيل، بدء على ملامحها الحزن والأرهاق، كما أن ضعف جسدها لم يتحمل تلك الصدمات التي تتقازف فوق رأسها واحدة تلو الأخرى، غرس الطبيب نادر المحلول المغذي بوريدها وحقنه بمهدئ ليساعدها على النوم ويخفف عنها ما تمر به .
وترك ابنته فيروز جوارها إلى أن تستيقظ ثم غادر المنزل.
تنهدت وهي تستلقى جانبها بالفراش ثم رفعت كفها تلامس خصلات نجمة المموجة التي فعلتها لها بيدها، سارت أناملها برفق كأنها تحاول بث الطمأنينة بجسدها الخاوي ، كان نومها مضطرباً، تزفر أنفاسها بأختناق كأنها تغرق في عمق البحر، تشهق بضيق بين برهة وأخرى ، يبدو أنها تطاردها الكوابيس في صحوها ومنامها، ضمتها إليها وأسندت رأسها تلتصق برأس نجمه بعد أن طبعت قبلة حانية على جبينها المتعرق أثر ما تراءه وهمست بجانب أذنها:
-لا تخافي نجمة، لن أترككِ وحدك، أنا هنا جوارك.
كلمات بسيطة لكنها خرجت بقلب محب، قلب بريء، لا يحمل داخله أي ضغينة، مشاعر صادقة تغدقها على غريبة حست بقربها كأنها جزء منها، كأنها شقيقتها التي لم تلدها والدتها، هكذا هي المشاعر الصادقة تُعطي دون مقابل.
❈-❈-❈
عاد رماح وسيف إلى القبيلة بينما عمار ظل بالقاهرة بعد كلمات نجمة التي جلدته وأشعرته بدونيته أتجاهها وأتجاه زوجاته أشجان وسماهر، كأنها صفعته صفعة قوية لتجعله يفيق وينزع ثوب الأنانية الذي يرتديه ، فهو حقا أناني في كل ما فعله، لا يرى سوا نفسه ومن بعده الطوفان حتى لو كانوا أقرب الأقربين.
كلمات صغيرته جعلت قلبه ينبض بصخب، خوفا حقيقيا من خسارة كل من حوله، كأنها سكبت دلو ماء بارد في شتاء قارص لكي يصحى من غفلته قبل فوات الاوان، هو حاول ذلك معها لكنها لن ترضى فقد شعر بوجودها متأخرا وبالفعل فات آوان العتاب واللوم فقد شطبته من حياتها للأبد.
وهذا ما جعل قلبه يشتعل غضبا على كل شخص أذاه ولم ينظر لمشاعره، كأنه يعيش الحياة وحده فقط ولم ينظر بمن حوله، لا يهتم إلا بعمار فقط والاخرين ذرات من التراب سهل الريح تقذفها بعيدا وتطيح بها هُنا وهُناك إلى أن تختفي تماماً..
بينما الجد راجي ينتظر بقلق عودة أحفاده ومعهم صغيرته "ود" فلم تذرف عيناه دمعًا إلا من أجلها، جلس في خيمته وحيدا ، يريد أن يظل في خلوته كأنه يُحاسب نفسه على ضياع الصغيرة بالماضي والحاضر ايضاً، كيف لشيخ القبائل التخلي عن حفيدته مهما كان الأمر، الفتاة لا ذنب لها فيما فعله والدها قديما وما فعلته العرافة ، هي ثمرة نضجت بأرض غير أرضها ومع ذلك كبرت وتأقلمت على تربة تلك الأرض، رغم جحود الكبار هي بذرة نقية لم تتلوث بكل العواصف التي مرت بها.
ظل يدعو الله بأن تعود إلى أحضانه بقلب منفطر على غيابها، إلى أن أتاه صوت رماح يأذن بالدخول، أنتفض بلهفة وخرج صوته مستقبلا أحفاده بتساءل:
-أين ود ؟
تقدم رماح من جده وقص عليه كل ما حدث داخل سرايا النيابة إلى أن أنتهى الأمر بعودة نجمة إلى منزل زين فهي تريد أنتظار زوجها وأتخذت قرار بعدم التخلي عنه.
رغم فقده لها إلا أنه أبتسم أنها بخير ولم يصيبها أذى وفرح من أجلها أنها رغم صغر سنها فهي فعلت الذي لم يفعلوا بالماضي، هي أختارت أن تظل جوار زوجها ولن تتركه بمحنته.
أما عن "سيف" جلس عند النخيل يتذكر لهفته بقدوم "نجمة" يقتله الشعور بالذنب أنه أول من تخلى عنها، هي تمسكت به لكنه خذلها كما فعلت قبيلته، كلماتها لم تجلد عمه فقط بل كانت كالسواط الذي ينهال على جسده بقوه، حتى أنه ظلمها كثيرا وأتبع زوجته التي كان يعلم بكذبها ، الغيرة نهشت قلبها رغم معرفتها بأنها شقيقتها الصغرى لم يشفع ذلك بقلب غفران، كأنها ورثت جحود والدها.
طفى شبح ابتسامة على ثغره وهو يراها تركض أتجاهه لمقابلته وتحمل معها (الناي ) لتغدقه بألحانها العذبه ومن حين لأخر ترنو إليه بخجل لن يكسره إلا صوته وهو يتغزل بمحبته فتزداد وجنتيها بالحمره وتبتعد عنه.
سكن ملاكه البرئ شبح سماهر فحولها من نسمة هادئة إلى عاصفة قوية تريد التهام الأخضر واليابس، هل هذا فقط سبب أن يطردها من قلبه بلا رجعه أم أنه فعل ذلك لأنه أصبح متزوج من شقيقتها وهي أيضا صارت زوجة لرجل أخر ؟
تنهد بحسرة فلم يعثر على إجابة صريحة لمشاعره، أغمض عيناه في إسترخاء ولكنه رآها ترمقه بحزن وعسليتها تنهمر بالدموع، فتح عيناه بأتساع وهو ينادي أسمها:
-نجمة .. لكنه وجد نفسه وحيدا ،لا زال جالسا أسفل النخيل ...
جلست أمامه ووضعت صغيرها في حجره وهي تزفر بضيق وتهتف بغيرة:
-جالس بين الأطلال تفكر بالغجرية وتحلم بها
هدهد على طفله الذي بكى وضمه إلى صدره بحنان، رمقها بنظرات حادة ثم قال:
-غفران لا تتعدي حدودك، نجمة هي نفسها ود شقيقتك الصغرى، بدلا من سخريتك هذا، دعِ قلبك يحنو عليها، تعاملي معها بألفة وحب هي بحاجتك الآن
رمقته بغيظ وقالت وهي تكتظ على أنيابها:
-شقيقتي أكلها الذئب وهي صغيرة وتلك الفتاة التي سرقت قلوب القبيلة غجرية، حرباه تتلون من أجل كسب المحبة المزيفة
همس بصوت دافئ:
-أقبليها، أنظري إليها فقط على أنها أختك التائهة، وعادت وسط قبيلتها لا تريد إلا العائلة والأمان التي فقدته، صدقيني هي ابنة عمي فقط
جذبت طفلها من بين ذراعه وهتفت غاضبة:
-لن اقبلها مهما حدث ولن اتمنى عودتها ثانيا ، الأفضل لها الابتعاد .
حملت الصغير الذي ظل يبكي من صوت والدته العالي وسارت مبتعدة بخطوات واسعة، ولجت خيمتها وجلست على الفراش تبكي هي الأخرى ولا تعلم سبب جحودها على شقيقتها، أكل هذا بسبب عشق زوجها الأول؟ هل ما تكنه بقلبها هو الغيرة والحقد أما شيئًا أخر تخفيه؟!
❈-❈-❈
داخل الزنزانة ،حيث ألتفت زين إلى الشاب الذي أطربهم بصوته الشجي، بينما انتهى الشاب من غناءه ثم هتف متسألا لزين:
-أنت مُستجد إليس كذلك؟
هز رأسه بإيماءة خفيفة
تنهد الشاب ثم لاحت بسمة هادئة وقال بلكنته الصعيدية المميزة:
-أنا ناصر، وأنت
-زين
-عاشت الأسامي يا زين الرجال، أخبرني حكايتك ودع الأيام تمر؟
تنهد بضيق وقال بأقتضاب:
-جريمة لم أفعلها، وبدء يسرد كل منهما قصته للآخر تهوينا حياتهم بين الجدران المظلمة..
جنى الليل وصمتت الأحاديث، عم السكون الزنزانة وغفلت عيون المساجين إلا عينه لم تغفل، ظل ساهرا لا يفكر إلا بنجمته ، تذكر أنه نسى أن يبرء نفسه أمامها من نظرة الخيانة التي رآها عندما وجدت قوت معه بالمنزل، ولكن ما شعر به لهفتها، ضمتها إليه، خوفها أن يصابه أذى، لمعت عيناها بنظرات عاشقة متلهفة لرؤية معشوقها، هذا ما جعله ينسى كل شيء إلا هي .
قرع قلبه بالطبول متيقنًا مشاعر نجمته، ولكن راوده أحساس القلق والخوف عليها، ماذا تفعل وحدها ؟ نادما على تركه لها وعودته إلى هنا وجرا ما جرا، يا ليته ظل جوارها ولم يحدث كل هذا .
❈-❈-❈
تململت في فراشها وفتحت عيناها بوهن، لتجد ذراع فيروز تطوقها بدفء، تسللت من بين ذراعها ولكن أحست بها فيروز لتستيقظ هي الأخرى تتسأءل بقلق :
-نجمة هل أنتِ بخير
اسندت ظهرها للفراش وقالت بحزن:
-لست بخير يا فيروز
ربتت عليها برفق وهي تسأل بتوتر:
-هل فعلها زين حقا؟
ضمت قدميها إلى صدرها وهمست بنبرة شاردة لم تستوعب ما حدث:
-لا أعلم هل فعلها حقا أم لا، لكن زين هدد بالخلاص منها أكثر من مرة ،حتى أنني تفاجئت من وجودها هنا ، لا أعرف ماذا حدث بينهما ٠
-تشكين بعلاقة بينهما؟
-كل ما اعرفه أن زين لا يطيق قوت وهي كانت دائما تحاول جذبه وأغراءه إليها لكنه لم يصفى يوما
-إذا لم تكن بينهما علاقة عاطفية ولم يحدث خيانه وأنتِ فهمتي وجودها خطأ ، كما أن الجميع شهد بالشجار الذي قام بينهما، لما تسرعتي وغادرتي دون أن تعلمي سبب وجودها.
-أنا حقا مخطئة لكني لم أتحمل وجودها مع زوجي بمنزلي ونظراتها تحدق بي كأنها أنتصرت عليّ
-أتوقع هذا هو سبب الشجار، عودتك فجأة ورؤية "قوت" في نفس الوقت الذي أراد "زين" أن يطردها لانه لم يتوقع قدومها ومعرفة سكنكم، ومغادرتك دون فهم الأمر جعله يجن جنونه وثار غضبه وحدث ما حدث.
هكذا كانت رؤية فيروز للمشهد بأكمله ولكن أبت نجمة تصديق حقيقة طعن زين لقوت في نوبة غضب، وتمنت إفاقتها من تلك الغيبوبة لمعرفة الجاني، حتى رغم اعترافه إلا أنها تعلم أنه فعل ذلك من أجل تبرءتها .
طمئنتها فيروز بأن والدها والمحامي لم يتركون زين وفي الغد ستذهب لرؤيته والحديث معه .
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي
داخل سرايا النيابة
بينما وكيل النيابة جالسا يتفحص أوراق القضية دلف العسكري يعطيه الظرف الذي أتى من مصلحة الطب الشرعي، فتحه برفق ليخرج التقرير النهائي الخاص بحالة "قوت"
قرأ بتمعن وعيناه تجوب بين السطور.
الحالة شروع في القتل أثر طعنة نافذة في منطقة الظهر ، تحديدا في الجزء العلوي بين الفقرات السابعة والثامنة العلوية طول الجرح 15سم، حيث أخترق السكين الأنسجة الرخوة ووصلت إلى الرئة، ونزيف داخلي حاد ادي إلى فقدان كميات كبيرة من الدم، ودخلت المجني عليها غيبوبة نتيجة النزيف الحاد وأنخفاض الضغط ،والاصابة خطيرة تهدد حياة المجني عليها .
أما عن تقرير المعمل الجنائي الخاص بالسكين فقد تبين من رفع البصمات أنها تخص بصمة مجهولة.
أنتهى الوكيل من قراءة التقارير . أراح بضهره يستند على المقعد وهو يتنهد بهدوء، ثم أمر العسكري بجلب "زين" من حبسه.
في غضون دقائق عاد العسكري يولج المكتب برفقته "زين" المكبل بالافصاد الحديدية ،هتف وكيل النيابة موجها حديثه للعسكري:
-أنزع الأفصاد
دس العسكري المفتاح داخل قفل الأفصاد وفتحه ثم حرر كفي زين من ذلك القيد الحديدي، أدى التحية وأنصرف تاركا وكيل النيابة يباشر عمله مع المتهم.
-تفضل بالجلوس يا زين.
جلس بهدوء يستمع لنبرة صوت وكيل النيابة الوقوره:
-هل تعرضت لاي ضغط لكي تدون أعترافك بأرتكابك الواقعة؟
هز رأسه نافيا وخرج صوته مبحوحا أثر السهر :
-لا
عاد يتسأءل مرة أخرى:
-هل فعلت ذلك لحماية شخص ما
رد زين بنفس النبرة:
-لا
-زين كن صريحا معي لكي اساعدك، تقرير المعمل الجنائي عن سلاح الجريمة يوجد بصمة واحدة على السكين لا تخصك ولا تخص نجمة أيضا،لكنها لشخص مجهول لم تعثر على صاحب البصمة حتى الأن .
-هذا يعني أنها خاصة بالقاتل
قالها زين بلهفة ولكن أجابه الوكيل قائلا:
-أخبرني الحقيقة من فعلها
قال بصدق :
-أقسم لك لم أفعلها ولكني أردت أن أبعد زوجتي عن مكوثها بالزنزانه هي لا تتحمل ذلك وهي حقا بريئة وكل ما قولته من اعتراف هو كاذب، لكن أنا لم أنكر الشجار والضرب لأن وجودها فرق بيني وبين زوجتي أما عن طعنها أقسم بالله العظيم لم أرتكبه.
-وأنا اصدقك يا زين ، بصماتك انت وزوجتك وبصمة المجني عليها بالشقه وهذا وارد حدوثه لانك المالك أم عن السكين فهي تخص المتهم الحقيقي ولذلك سيتم أخلاء سبيلك.
لم يصدق أذنيه من الفرحة إلى أن أمر وكيل النيابة بمغادرته من سرايا النيابة وأرسال تقرير البصمة إلى المباحث الجنائية لمعرفة من الجاني كم أخبر المشفى ضرورة أستجاوب قوت عندما تفيق من غيبوبتها، لأنها بالتأكيد رأت الجاني.
أنهى المحامي فاضل اجراءات الخروج ثم أوصل زين إلى منزله، كان متلهفا لرؤية نجمة، طرق على الباب بخفة ليجد أمامه فيروز هي التي تستقبله ببسمة هادئة، أخبرته بنوم نجمة وهي ستعود إلى منزلها الان وتتركهما من أجل تلك اللحظة الخاصة كما أنها باركت عودته .
أغلق زين الباب خلف فيروز ثم ولج لغرفة النوم وجدها نائمة لم تشعر بوجوده، قبل أن يركض إليها متلهفا عناقها أشتم رائحة عرقه أشمئز منها ومن ملابسه، فتح دولابه برفق وانتقى جلباب أخر وتوجها إلى المرحاض لينعش جسده أسفل المياه الباردة.
لحظات مرت كالدهر وهو يستعد لملاقاة محبوبته وضمها إلى صدره، يثتنشق عطرها الذي أفتقده.
ابتسم راضيا عن ثيابه ورائحته الممزوجة بصابون الاستحمام، دنا منها ببطء ثم جلس على طرف الفراش وراح يتأملها بعشق ولا زالت الابتسامة تنير وجهه، رفع أنامله يتحسس بشرتها الشاحبة أثر الإعياء، عندما شعرت بلمبس رطب على بشرتها استفاقت من نومتها لتجده يرنو إليها بنظرات هائمة، لم تصدق عينيها، رفعت كفيها تفركهما لتجده لا زال ينظر إليها هتفت بأسمه بصرخة عفوية وهي تنتفض من الفراش وتحتضنه:
-زين حقا أنت هنا؟ أم أتوهم وتراودني في المنام؟
طوقها بحنو إلى أن أزداد في التشبث بها، هي مأمنه وموطنه، هي ملاذه، عشقه الأول والأوحد، هي القلب النابض بصدره لم يجد كلمات يقولها إلا أنه أغدقها بوابل من القبلات المتفرقة يبث مدا حبه وشوقه لقربها....
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الألفي، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية
