تاريخ النشر: 3-5-2026
قراءة رواية بيت الضراير كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية بيت الضراير
رواية جديدة قيد النشر
من قصص و روايات
الكاتبة فاطمة الزهراء
الفصل الثالث والثلاثون
تم النشر الأحد
3/5/2026
أنهى يوسف كافة الإجراءات الإدارية والمالية في مكتب الاستقبال، ودفع المبالغ المطلوبة دون تردد، ثم عاد من جديد إلى القسم الطبي حيث تتواجد جيهان. دخل غرفتها ووجدها محاطة بالأجهزة والطاقم الطبي الذي بدأ بالفعل في إجراء بعض الفحوصات الأولية.
حاول يوسف وتامر طمأنتها بكلمات قليلة لكنها مؤثرة، كان يوسف ينظر إليها بنظرات تحمل وعداً بأن القادم سيكون أفضل، رغم كل ما مروا به. كان التعب بادياً بوضوح على وجه يوسف؛ فإصابته لا تزال تؤلمه، والضغط العصبي الذي عاشه منذ الصباح استنزف طاقته.
أراد يوسف أن يظل في المركز بجانب جيهان طوال الليل، لكن كاميليا تصدت لهذا القرار بحسم ومحبة في آن واحد.
تحدثت كاميليا بهدوء وهي تراقب يوسف:
ـ يوسف، إنت عملت اللي عليك وزيادة النهاردة. روح ارتاح إنت محتاج راحة علشان تقدر تكمل معانا الأيام الجاية. جيهان في عينيا، وأنا مش هسيبها لحظة واحدة.
نظرت جيهان إلى يوسف، ورأت عصاه التي يستند عليها ورجله التي بدت وكأنها تؤلمه بشدة، فأومأت برأسها تأييداً لكلام أختها، وكأنها تخبره بصمت أنها موافقة على رحيله ليرتاح.
رضخ يوسف للأمر الواقع، واطمأن من الأطباء على جدول فحوصات الغد، ثم غادر المركز برفقة تامر. في طريق العودة، كان الصمت يسود السيارة، لكنه كان صمتاً مريحاً هذه المرة، فقد أُزيح عبء ثقيل عن كاهل الجميع بموافقة جيهان.
دخل يوسف وتامر إلى المنزل في وقت متأخر من المساء، وكان القلق يرتسم على وجوه الجميع بانتظار عودتهم. استقبلهم والدهم عدنان بلهفة، فقصّ عليه يوسف كل ما حدث؛ من موافقة جيهان الصعبة، إلى دخولها المركز وبدء الفحوصات، وبقاء كاميليا بجانبها.
تهللت أسارير عدنان وشعر براحة كبيرة، فهو كان يحمل في قلبه غصة وذنبًا شديدًا تجاه جيهان منذ الحادث، وكأن موافقتها على العلاج هي بداية الغفران للجميع. كانت ندى وسميرة تتبادلان نظرات الأمل، فالبيت الذي خيم عليه الحزن لفترة طويلة بدأ يرى بصيص ضوء في نهاية النفق.
أما نور، فقد ظلت جالسة في ركنها، صامتة كعادتها مؤخراً، تراقب الانفراجة التي حدثت في ملامح العائلة. كانت تشعر بمزيج من الارتباك والترقب، تدرك أن موازين القوى في البيت قد تتغير بعودة جيهان قوية، لكنها آثرت الصمت لتمر العاصفة بسلام.
قامت سميرة بنشاط لتجهيز مائدة العشاء، وشاركتها ندى في ترتيب الأطباق. جلس الجميع وتناولوا الطعام في هدوء تام، سكونٌ ينم عن استراحة محارب بعد يوم طويل وشاق.
بمجرد انتهاء العشاء، استأذن يوسف من والده واتجه لغرفته بصعوبة؛ فقد كان الألم في قدمه قد وصل لذروته، والإرهاق النفسي لم يترك فيه ذرة طاقة. ارتمى على فراشه وهو يفكر في الغد.. غداً يوم مفصلي آخر؛ فسيقوم بفك الجبيرة أخيراً ليعود لحركته الطبيعية تدريجياً، وبعدها سينطلق مباشرة للمركز ليكون بجانب جيهان في أيام فحوصاتها الحرجة.
في المركز الطبي، كان الليل طويلاً وموحشاً بالنسبة لـ جيهان. جلست على فراشها الطبي الأبيض، تنظر من النافذة إلى أضواء المدينة البعيدة، بينما كانت أصوات الأجهزة الطبية في الممر تُشعرها برهبة لم تألفها من قبل.
كانت دقات قلبها تتسارع كلما فكرت في الفحوصات المكثفة التي تنتظرها في الصباح، وفي الجراحة التي ستليها. التفتت إلى أختها كاميليا التي كانت تجلس على الأريكة المجاورة لها، تحاول أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها رغم التعب الواضح في عينيها.
هتفت جيهان بصوت يملؤه القلق:
ـ أنا خايفة يا كاميليا.. خايفة أكون خدت قرار غلط، أو إن جسمي ميستحملش كل اللي هيحصل ده. أنا حاسة إني في كابوس مش عايز يخلص.
اقتربت كاميليا منها وأمسكت يدها بقوة، قائلة بنبرة حنونة:
ـ يا حبيبتي، الخوف ده طبيعي جداً. بس افتكري إنك هنا علشان بناتك، وعلشان ترجعي جيهان القوية اللي بنعرفها. الدكاترة هنا ممتازين ويوسف مش هيسيبك.. اهدي يا جيهان، ربنا معاكي ومستحيل يضيع تعبك ده.
استمرت كاميليا في الحديث معها ومحاولة إخراجها من حالة التوتر، وبدأت تذكرها بمواقف مضحكة من طفولتهما، حتى بدأت جيهان تهدأ قليلاً وتستسلم للنوم تدريجياً تحت تأثير الإرهاق النفسي الشديد.
لم يمر وقت طويل حتى غفت جيهان، وحين تأكدت كاميليا أن أنفاس أختها أصبحت منتظمة وهادئة، لم تستطع هي الأخرى المقاومة؛ فقد كان يومها مليئاً بالمواجهات والتوتر من الفجر حتى منتصف الليل. أسندت كاميليا رأسها على الوسادة، وما هي إلا دقائق حتى غطت في نوم عميق من فرط الإرهاق، تاركةً خلفها مخاوف اليوم، بانتظار صباح جديد يحمل معه أولى خطوات التغيير.
أشرقت شمس الصباح لتعلن عن يومٍ حافل بالخطوات المصيرية. استيقظ الجميع في منزل يوسف، وكان الترقب يسيطر على الأجواء. انطلق يوسف برفقة تامر وندى إلى المستشفى، حيث كان الموعد المنتظر لفك الجبيرة التي قيدت حركته لأسابيع.
داخل عيادة العظام، جلس يوسف يراقب الطبيب وهو يزيل الجبيرة بحذر. وما إن تحررت قدمه حتى شعر بمزيج من الراحة والضعف؛ فقد كانت عضلات ساقه قد تيبست قليلاً.
هتف الطبيب محذراً يوسف:
ـ الحمد لله على السلامة يا يوسف بيه، بس الحركة لازم تكون بحساب جداً في الأول. ممنوع التحميل الكامل على الرجل، وممنوع الحركات المفاجئة. العصاية هتفضل معاك الفترة دي علشان تساعدك ومحتاجين جلسات علاج طبيعي بسيطة علشان العضلة ترجع لقوتها.
استمع يوسف للتعليمات بتركيز، ورغم رغبته في الانطلاق والتحرك بحرية، إلا أنه أدرك أن رحلة تعافيه لا تزال تتطلب الصبر. غادر المستشفى وعلامات الارتياح بادية على وجهه، لكن تفكيره كان قد سبق سيارة تامر إلى المركز الطبي حيث ترقد جيهان.
وصلوا إلى المركز، وبمجرد دخولهم وجدوا كاميليا تقف في الممر أمام غرفة جيهان، يبدو عليها الإرهاق لكن ملامحها كانت تحمل نوعاً من الترقب.
تحدث يوسف بقلق بعد اقترابه من كاميليا:
ـ خير يا كاميليا؟ جيهان عاملة إيه؟
أجابته كاميليا بابتسامة هادئة، رغم قلقها على شقيقتها:
ـ حمد لله على سلامتك يا يوسف، أخيراً فكيت الجبيرة. جيهان دلوقتي معاها فريق الأطباء جوه، بدأوا معاها فحوصات الأشعة المقطعية ورسم العضلات من بدري، وممنوع حد يدخل لغاية ما يخلصوا.
وقف يوسف أمام باب الغرفة، يستند على عصاه بقوة أكبر هذه المرة، يشعر بأن مصيرهما بات مرتبطاً أكثر من أي وقت مضى؛ هو يتحرر من قيوده الجسدية اليوم، وينتظر بفارغ الصبر أن تبدأ هي رحلة تحررها أيضاً.
خرج الأطباء من الغرفة وعلى وجوههم ملامح الجدية، بينما اتجهت الأنظار كلها إليهم. تنفس يوسف بعمق محاولاً الحفاظ على هدوئه رغم رغبته في الدخول فوراً لرؤية جيهان.
بعد لحظات، فُتح الباب وسمح الأطباء لهم بالدخول. تقدم يوسف بخطوات حذرة، مستنداً على عصاه، لكنه كان يسير بثبات أكثر بعد فك الجبيرة. بمجرد أن رأت جيهان يوسف وهو يدخل الغرفة، وقعت عيناها فوراً على قدمه التي أصبحت حرة من الجص.
جيهان بنبرة امتزج فيها الذهول بالاهتمام العفوي:
ـ إنت فكيت الجبيرة؟
رغم كل العناد والحزن الذي سكن قلبها، إلا أن رؤية يوسف وهو يبدأ في التعافي أحدثت هزة داخلية لديها. شعرت للحظة أن هناك أملاً في الشفاء فعلاً، فها هو الرجل الذي كان عاجزاً بجانبها منذ أيام، بدأ يستعيد قدرته على الوقوف.
يوسف وهو يقترب من سريرها ويجلس على المقعد المجاور:
ـ الحمد لله.. الدكتور فكها الصبح. عقبالك يا جيهان، قريب جداً هتقومي وتتحركي أحسن مني كمان.
نظرت جيهان إلى قدمه ثم إلى وجهه، وساد صمت قصير قطعه يوسف بسؤاله:
ـ طمنيني، الدكاترة قالوا لك إيه؟ الأشعة والفحوصات كانت متعبة؟
أدارت جيهان وجهها قليلاً، وبدت ملامحها متأثرة من كثرة الأسئلة الطبية التي وجهت إليها ومن فكرة رسم العضلات التي أرهقتها جسدياً ونفسياً.
أجابته جيهان بصوت خافت:
ـ سألوا كتير.. وعملوا أشعة على كل مكان. لسه مستنيين النتائج النهائية عشان يحددوا ميعاد العملية. أنا تعبت يا يوسف، المكان هنا حيطانه بتخنقني.
تدخلت كاميليا لتهدئة الأجواء وهي تضع يدها على كتف أختها:
ـ معلش يا حبيبتي، دي أهم مرحلة. ويوسف أهو جالك وبشرة خير إنه فك الجبيرة، يعني الأمور بدأت تتحسن أهو.
كان تامر وندى يقفان عند الباب، يراقبون هذا الحوار الهادئ بين يوسف وجيهان، والذي بدا وكأنه أول حوار يخلو من المشاحنات منذ وقت طويل.
❈-❈-❈
ساد صمت عميق بينهما، لم يكن صمتاً مشحوناً بالكره كما كان في السابق، بل كان صمت هدنة يحاول فيه كل طرف فهم الآخر. كانت جيهان تتأمل يوسف، وكأنها تراه لأول مرة منذ الحادث دون غضب، ويوسف يراقب ضعفها الذي يؤلمه رغم محاولته التظاهر بالقوة.
استمر هذا الهدوء لعدة دقائق، قطعها طرق هادئ على الباب، ليدخل الطبيب المختص وبيده ملف التحاليل والأشعة، وعلى وجهه نظرة عملية جادة.
دخل الطبيب الغرفة بخطى واثقة، ووضع ملف الفحوصات على الطاولة أمام سرير جيهان، ثم نظر إليهما بهدوء ليخفف من حدة التوتر الظاهرة على وجهيهما.
تحدث الطبيب بجدية شديدة:
ـ مساء الخير.. أنا راجعت كل الفحوصات، من أشعة مقطعية ورسم عضلات وتحاليل دم. بصي يا مدام جيهان، النتيجة الحمد لله مطمئنة جداً من الناحية العضوية، مفيش أي عوائق تمنعنا من التدخل الجراحي، والأنسجة في حالة تسمح لنا بتهيئة المكان للطرف الصناعي بشكل ممتاز.
صمت الطبيب قليلاً ليراقب استيعابهما للكلام قبل أن يكمل:
ـ العملية هتكون عبارة عن تنظيف وترميم بسيط لمكان الإصابة عشان نضمن إن الطرف لما يركب ميعملش أي التهابات أو آلام مستقبلاً. إحنا حددنا الميعاد إن شاء الله هيكون بعد بكرة الصبح، وبكرة هيكون يوم راحة تامة وتحضير نفسي وتغذية معينة.
ساد صمت تام في الغرفة فور سماع كلمة بعد بكرة. جيهان شعرت وكأن الأرض تهتز بها؛ فرغم موافقتها، إلا أن تحديد الموعد جعل الأمر حقيقة واقعة لا مفر منها. ارتجفت يدها الممسكة بطرف الغطاء، ونظرت ليوسف بنظرة تائهة، وكأنها طفلة صغيرة تنتظر منه أن يطمئنها أو يخبر الكابوس أن يرحل.
أما يوسف، فرغم ارتياحه لأن الفحوصات سليمة، إلا أن قلبه انقبض خوفاً عليها. ضغط بيده بقوة على عصاه وهو ينظر للطبيب، وحاول أن يحافظ على ثباته أمامها.
يوسف بنبرة جادة ومطمئنة:
ـ تمام يا دكتور.. إحنا جاهزين، وإن شاء الله تقوم بالسلامة. أهم حاجة عندي إنها متتوجعش، وإن الموضوع يمر بأمان.
نظر يوسف لجيهان ووجدها لا تزال صامتة وغارقة في ذهولها، فمد يده ووضعها على طرف فراشها بالقرب من يدها المرتجفة.
ـ بعد بكرة يا جيهان.. هانت. أنا هكون معاكي هنا من الفجر، ومش هتحرك من قدام باب العمليات لغاية ما تخرجي وتطمنينا عليكي.
رفعت جيهان عينيها المليئة بالدموع المحبوسة إليه، ولأول مرة لم تسحب يدها أو تظهر عناداً، بل اكتفت بهزة رأس بسيطة، وكأنها استسلمت أخيراً ليس ليوسف، بل لفكرة أنها بالفعل في حاجة لوجوده بجانبها.
بمجرد خروج الطبيب من الغرفة، دخلت كاميليا وتامر وندى والترقب يملأ وجوههم. وقعت عينا كاميليا على جيهان التي كانت لا تزال في حالة ذهول، ثم نظرت ليوسف لتستمد منه الخبر.
هتفت كاميليا بقلق واستفهام:
ـ ها يا يوسف؟ الدكتور قال إيه؟ طمنونا.
أجابها يوسف بهدوء وثبات:
ـ الحمد لله يا كاميليا، الفحوصات كلها كويسة.. والعملية اتحددت بعد بكرة الصبح إن شاء الله.
شهقت كاميليا بدموع امتزجت فيها الفرحة بالخوف، واتجهت فوراً نحو سرير أختها لتضمها.
ـ الحمد لله.. يا رب يتممها على خير يا جيهان. هانت يا حبيبتي، هانت.
أما تامر، فقد تنفس الصعداء وربت على كتف يوسف قائلاً:
ـ خطوة كبيرة ومهمة يا يوسف، ربنا يقويها ويقومها بالسلامة.
ساد جو من الارتياح الممزوج بالرهبة في الغرفة. ظل يوسف واقفاً يراقب جيهان لثوانٍ، وكأنه يطبع صورتها في ذهنه وهي هادئة قبل يوم المواجهة. التفت إلى ندى وتامر وأشار إليهما بالاستعداد للمغادرة، فالطبيب شدد على ضرورة راحة جيهان غداً.
يوسف موجهاً كلامه لجيهان، وهو يقف كي يغادر للمنزل:
ـ أنا همشي دلوقتي يا جيهان.. وتامر وندى معايا. كاميليا هتفضل جنبك، وأنا بكرة هجيلك من بدري علشان أكون معاكي في يوم الراحة ده.
نظرت إليه جيهان بإيماءة خفيفة، وكأنها تودعه بعينيها. غادر يوسف الغرفة وتبعه تامر وندى. في الممر، كان يوسف يسير بعصاه، وعلى الرغم من تعب قدمه، إلا أن خطواته كانت تحمل ثقلاً نفسياً أكبر.
ركبوا السيارة وعادوا إلى المنزل في صمت. كان الليل قد بدأ يسدل ستاره، ومع وصولهم، وجدوا والدهم عدنان وسميرة ونور في انتظارهم.
بمجرد دخولهم، سارع عدنان بالسؤال:
ـ عملتوا إيه؟ طمنوني على جيهان.
قصّ يوسف عليهم ما حدث وتحديد موعد العملية بعد غد. ساد الهدوء أرجاء الصالة، وبدأ كل واحد منهم يستوعب أن العد التنازلي ليوم الجراحة قد بدأ فعلاً.
يوسف بإرهاق وهو يقف:
ـ أنا محتاج أرتاح يا جماعة.. بكرة يوم طويل، وبعده أهم يوم في حياة جيهان.
اتجه يوسف إلى غرفته، بينما ظلت سميرة وندى يتحدثان بصوت خافت عن الترتيبات، وظلت نور تراقب يوسف وهو يبتعد، وعلامات استفهام كثيرة تدور في رأسها حول ما سيؤول إليه حال البيت بعد عودة جيهان.
في غرفته، جلس يوسف على حافة الفراش، يتأمل قدمه التي تحررت من الجبيرة. كانت الرحلة من العجز إلى أولى خطوات التعافي تذكره بما ستمر به جيهان قريباً. ألقى بعصاه جانباً وأسند رأسه بين يديه؛ كان يشعر بعبء المسؤولية يثقل كاهله، فهو من دفعها لهذا الطريق، وهو من يتحمل الآن تبعات خوفها وألمها. تذكر نظرة عينيها التائهة في المركز، وشعر بغصة في قلبه؛ فهو يحب قوتها وعنادها، ورؤيتها بهذا الانكسار كانت تؤلمه أكثر من إصابته هو. تنهد بعمق وهو يردد في سره:
ـ يا رب، قويني وقويها.. أنا مش عايز غير إني أشوفها واقفة على رجليها من تاني، حتى لو فضلت تعاند فيا العمر كله.
❈-❈-❈
على الجانب الآخر، وفي الغرفة الهادئة بالمركز الطبي، كان الظلام يلف المكان إلا من إضاءة خافتة جداً. كانت جيهان مستيقظة، تراقب حركة السوائل في المحلول المعلق بجانبها. ساد صمت لم يقطعه إلا أنفاس كاميليا الهادئة وهي نائمة على الأريكة المجاورة.
كانت الأفكار تهاجم عقل جيهان كالأمواج المتلاطمة. فكرت في بعد غد.. في تلك اللحظة التي سيغيب فيها وعيها تحت تأثير التخدير، لتمتد المشرط إلى جسدها مرة أخرى.
قالت جيهان في سرها:
ـ يا ترى هقوم منها؟ ولو قومت.. هقدر فعلاً أمشي بالطرف الصناعي ده؟ ولا هتبقى مجرد حديدة شايلة جسمي؟
تذكرت يوسف وهو يدخل الغرفة بدون جبيرة، وكيف بدت خطواته رغم ألمها حرة. شعرت بمرارة لأنها لم تستطع حتى تلك اللحظة أن تشكره أو تظهر له الامتنان، فكبرياؤها لا يزال يمنعها من الاعتراف بأنها كانت بحاجة لـ قسوته لتستفيق.
لكن الخوف الأكبر الذي كان ينهش قلبها هو بناتها.. صورتهم وهم يركضون نحوها وهي عاجزة كانت تقتلها، وصورتهم وهي تعود إليهم بقدم صناعية كانت تخيفها أكثر. ظلت تتقلب في فراشها، والدموع تسيل بصمت على وسادتها، وهي تخشى المجهول الذي ينتظرها خلف باب غرفة العمليات.
أشرقت شمس اليوم التالي، وهو يوم الراحة والتحضير الذي يسبق الجراحة. استعد يوسف للذهاب إلى المركز، ولكن هذه المرة طلبت سميرة مرافقته لتكون بجانب جيهان وتدعمها، فهي في النهاية زوجة زوجها وتشعر بالواجب تجاهها في هذه المحنة.
وصلا إلى المركز الطبي، ودخلا غرفة جيهان ليجدا كاميليا شاحبة الوجه، يظهر عليها أثر السهر والإرهاق الشديد بجانب سرير أختها.
تحدث يوسف بهدوء وهو ينظر لكاميليا :
ـ صباح الخير يا كاميليا.. إنتِ منمتيش خالص وشكلك تعبان جداً.
هتفت سميرة بمودة وهي تقترب منها:
ـ يا كاميليا، إحنا جينا علشان نريحك. يوسف وأنا هنفضل مع جيهان النهاردة، وإنتِ لازم ترجعي البيت ترتاحي وتاخدي دش وتنامي شوية.. بكرة يوم طويل وصعب ومحتاجينك تكوني فيه بكامل قوتك.
في البداية، حاولت كاميليا الاعتراض رغبةً منها في البقاء بجانب شقيقتها، لكن نظرة جيهان الهادئة وإصرار يوسف جعلاها تستسلم.
ـ تامر مستني بره، هيوصلك البيت. روحي يا كاميليا ومتقلقيش، جيهان في أمان.
بالفعل، غادرت كاميليا المركز مع تامر، وبمجرد وصولها لمنزل والدها، اتجهت مباشرة إلى غرفتها وارتمت على سريرها، وبمجرد أن لامس رأسها الوسادة غطت في نوم عميق لم تشعر معه بشيء، وكأن جسدها أعلن الانهيار بعد أيام من الشد العصبي.
في المركز، ساد الهدوء غرفة جيهان. كانت سميرة تحاول خلق جو من السكينة، فتحدثت مع جيهان بهدوء عن البنات وعن أحوال المنزل لتخرجها من جو المستشفى، بينما كان يوسف يجلس في ركن الغرفة، يراقب الموقف بصمت، ويتابع التجهيزات التي يجريها التمريض استعداداً للغد.
جيهان كانت تشعر بغرابة الموقف؛ وجود سميرة بجانبها في هذه اللحظة الفارقة أذاب جزءاً من الجمود، وبدأت تستسلم لفكرة أن الجميع الآن يقف في صف واحد من أجلها.
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة فاطمة الزهراء، لا تنسى قراءة روايات و قصص كاملة أخرى تضمن حكايات وقصص جديدة ومشوقة حصرية قبل نشرها على أي منصة أخرى يمكنك تفقد المزيد من قصص وروايات و حكايات مدونتنا رواية وحكاية

❤️❤️❤️❤️❤️