سم الحروف - الفصل 18 | فاطمة الزهراء

قراءة رواية (سم الحروف) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (سم الحروف)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (18)



ما إن وطأت أقدامهم عتبة مبنى المحكمة واقتربوا من قاعة الجلسات، حتى تسلل شعور بالخوف والرعب إلى قلب نور، وضاقت أنفاسها وهي ترى طارق ووالده مدحت يدخلان وسط الحراسة. تراجعت خطواتها إلى الخلف لاإراديًا وارتجف جسدها، لتبدو غير قادرة على مجرد التواجد في نفس المكان معهما قبل أن تبدأ مواجهتهما.

لاحظت كاميليا حالتها، فاقتربت منها بحنان وأمسكت بكتفيها قائلة بنبرة هادئة ومطمئنة:

ـ بصي يا نور.. مش لازم تدخلي القاعة دلوقتي خالص وتتعرضي للضغط ده من دلوقتي. استني بره هنا في مكان هادي، ومعاكي كارما ويارا، وأنا هقعد معاكي، وسيبي علياء تدخل جوه تجهز كل حاجة وتترافع بثبات. وأول ما ميعاد شهادتك يجي وينادي اسمك، هاجي بنفسي أخدك.

أومأت نور برأسها بامتنان وهي تحاول التقاط أنفاسها، وجلست في الخارج يحيط بها الدعم والاهتمام من كاميليا وكارما ويارا اللتين لم تفارقاهما لحظة.

وفي الداخل، انطلقت الجلسة الرسمية، حيث اعتلى القاضي المنصة، وبدأت الإجراءات بصرامة وهدوء. وقفت علياء بكل ثقة واحترافية بصفتها المحامية المسؤولة، مستعدة لمواجهة محامي الدفاع ونسف دفوعه، بينما كان الحضور يتابعون بحذر في انتظار اللحظة الحاسمة لاستدعاء نور لتقول كلمتها الأخيرة.

داخل قاعة المحكمة، اعتلى القاضي المنصة بهيبة ووقار، وأعلن بد بدء جلسة محاكمة مدحت غانم وابنه طارق. ساد صمت مطبق في القاعة، لتأذن المنصة بعد ذلك لدفاع المجني عليها ببدء المرافعة.

وقفت علياء بكل ثقة وثبات، تملأ نظراتها جنبات القاعة، وبدأت مرافعتها بصوت قوي وواضح يهز الأركان، مفندة أدلة الإدانة وشارحة تفاصيل الجريمة وتلاعب المتهمين بكل احترافية قانونية. ومع تصاعد مرافعتها واقترابها من لحظة كشف تفاصيل الحقيقة الكاملة، بدأت علياء ترفع نبرة صوتها بحزم وهي تقول:

ـ سيادة القاضي، إن العدالة لا تكتمل إلا بظهور الحقيقة كاملة، ولأن الجريمة لم تترك للظلام أن يخفي ملامحها، فإننا نطلب الاستماع إلى الشاهدة الأساسية التي ستقلب موازين هذه القضية... نطلب استدعاء المجني عليها 'نور شاكر' لتشهد بما رأته وعانته بنفسها!

وما إن تردد اسم "نور شاكر" بوضوح داخل القاعة، حتى وقع الخبر كالصاعقة على طارق ووالده مدحت؛ فارتسمت على وجهيهما علامات الصدمة العارمة والذهول الفزع، وشحب لون وجه طارق وهو يتحرك في قفص الاتهام بلا تصديق، بينما جحضت عينا والده غير قادرين على استيعاب أن الكابوس الذي حاولوا طمسه قد ظهر علانية أمام منصة القضاء وفي طريقه للنطق بشهادة الحسم.

في الخارج، وما إن تردد اسم نور عبر مكبر الصوت الصغير الخاص بالقاعة إعلاناً لاستدعائها، حتى انقبض قلبها، لكنها استمدت القوة من نظرات كاميليا وكارما ويارا اللاتي أحطن بها يدعمنها بكل حب. أخذت نور نفساً عميقاً، ونهضت بخطوات بطيئة وثقيلة لكنها ثابتة، وكأنها تحمل على عاتقها ثقل الأيام الماضية بأسرها.

فتحت باب القاعة ودخلت، لتتجه أنظار الجميع نحوها، بينما كان طارق ووالده يتابعان خطواتها بعيون متربصة شاحبة. تقدمت نور حتى وصلت إلى منصة القاضي، ووقفت أمامها مباشرة بوجه هادئ وملامح يكسوها الصمود، مستعدة لمواجهة الحقيقة وقول كلمتها الأخيرة تحت سمع وبصر الجميع.

وعندما سألها القاضي بصوته الهادئ والرزين أن تروي ما حدث، أخذت نور نفساً عميقاً، وجمعت شتات نفسها، وبدأت تسرد التفاصيل بصوت حزين ومؤثر يهز القاعة:

ـ يا سيادة القاضي... مدحت وابنه طارق سجنوا والدي في قضية مخدرات ظالمة ومفقّسة، وساوموني إنهم يخرجوه قصاد أني أسلمهم المستندات اللي معايا. اضطريت أسمع كلامهم غصب عني، ورحت عشان أسلمهم المستندات... لكنهم خطفوني، وحبسوني، وخلوني غصب عني أدمن المواد المخدرة عشان يكسروني وينهوني تماماً. دي الحقيقة كلها قدامكم يا سيادة القاضي، وعايزة حقي وحق أبويا اللي دمروا حياته وحياتي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وما إن انتهت من سردها المؤثر، حتى انتفض محامي طارق ومدحت واقفاً، وابتسم بابتسامة ماكرة متغطرسة، وبدأ يوجه لها أسئلة استزجارية وضغط ليرتبك تماسكها:

ـ أهلًا بكي يا آنسة نور.. كلام إنشائي خطير! بتقولي إنهم سجنوا والدك وساوموكي، فين الدليل الرسمي على المساومة دي؟ وإزاي تدعي أنك اتخطفتي وأصبحتِ مدمنة بمحض إرادتك أو نتيجة ضغط من غير ما يكون في تقارير معملية أو شهود بيثبتوا إن موكلي هم السبب المباشر في تعاطيكِ للمخدرات؟ ولا دي وسيلة للتغطية على موقفك الجنائي وهروب من التهم الموجهة ليكِ؟!

بدأت علامات الإرهاق والتوتر تظهر على وجه نور، وشعرت بغصة في حلقها وهي ترى نظرات طارق المتربصة ووالده، وبدأت أنفاسها تتسارع من هجوم المحامي وضغطه المستمر.

ولكن قبل أن تنطق بكلمة أخرى وسط هذا الحصار، وقفت كاميليا بحزم شديد من مقعدها في قاعة الحاضرين، ورفع صوتها بقوة وثبات يملؤه الغضب الأمومي المكبوت:

ـ اعتراض يا سيادة القاضي! محامي الدفاع بيتعمد تزييف الحقائق واستغلال حالة المجني عليها الصحية والنفسية الناتجة عن جريمتهم الأساسية، وده تشتيت واضح للعدالة وتجاوز مرفوض لأساليب الاستجواب!

التفت القاضي بصرامة نحو محامي الدفاع، وطالبه بتعديل صيغة أسئلته والالتزام بموضوع الدعوى دون تجريح أو ضغط متعمد، لتلتقط نور أنفاسها مستعادةً ثباتها بفضل تدخل كاميليا الحاسم ودعم علياء القانوني الواثق.

بعد تدخل كاميليا الحاسم واستعادة نور لأنفاسها وثباتها، وقفت علياء محامية المدعية بثقة تامة أمام المنصة، ومستندةً إلى المستندات والتقارير الطبية التي تثبت آثار الإدمان القسري وملابسات الخطف، لتتصدى لمحامي الدفاع وتبدأ جولة جديدة من المواجهة القانونية الحاسمة داخل القاعة.

التفتت علياء نحو القاضي بنظرات واثقة، ورفع صوتها الهادئ والحازم لتدلي بدفاعها:

ـ سيادة القاضي، إن ما تحدثت عنه الشاهدة نور ليس مجرد أقوال مرسلة، بل هو سلسلة من الجرائم المتكاملة التي دبرها المدعى عليهما مدحت وطارق. والدليل على تورطهما في حياكة تلك القضية الملفقة لوالدها، واحتجاز نور قسرًا، وتعاطيها المادة المخدرة رغماً عنها تحت تأثير التهديد والضغط النفسي والجسدي، موجود بأسره في هذه المستندات والتقارير الطبية الرسمية التي نتقدم بها لهيئة المحكمة.

مدت علياء يدها وقدمت ملف المستندات إلى حاجب المحكمة ليطالعها القاضي، وتابعت حديثها بقوة:

ـ نحن لا نعتمد فقط على شهادة المجني عليها، بل نملك الأدلة المادية والتقارير التي تثبت تورط المتهمين في استدراجها واحتجازها، فضلًا عن الشهادات الطبية التي توثق حالة الإدمان القسري التي أُجبرت عليها لكسر إرادتها وطمس أي محاولة منها للمقاومة أو الاحتفاظ بالمستندات الإدانتهم. بناءً عليه، نطلب من هيئة المحكمة الموقرة توجيه تهم الخطف، والاحتجاز القسري، وتلفيق التهم، والتعاطي القسري للمخدرات لمدحت غانم وابنه طارق، وإنزال أقصى عقوبة قانونية بحقهما.

ساد صمت عميق داخل قاعة المحكمة، وظهرت علامات القلق والارتباك بوضوح على وجهي طارق ووالده مدحت وهما يريان ملف المستندات يستقر بين يدي القاضي الذي بدأ يتفحصه بتمعن بالغ.

رفع القاضي بصره عن المستندات والتقارير الطبية التي قدمتها علياء، وساد القاعة صمت مهيب ينتظر الكلمة الفاصلة، ليتحرك ببطء وينطق بحكمه الحاسم:

ـ بناءً على المستندات المقدمة، والتقارير الطبية الموثقة، وأقوال الشاهدة التي طابقت الأدلة المادية... تقرر المحكمة بحضور ممثل النيابة، إحالة الأوراق وإصدار قرارها بالقبض الفوري وإيداع المتهمين مدحت غانم وطارق مدحت قيد الحبس الاحتياطي المشدد، وتأجيل النطق بالحكم النهائي لجلسة النطق بالحكم الأسبوع القادم لاستكمال مرافعة الحق المدني.

وما إن تردد القرار داخل القاعة، حتى انهار طارق ووالده تمامًا، وظهر الذعر الشديد على محييهما وهما يريان الحراس يقتربون منهما لتنفيذ قرار الحبس الفوري واقتيادهما خارج القاعة، بينما تعالت زفرات الراحة والارتياح بين الحضور.

التفتت كاميليا بسرعة نحو نور، وضمّتها بحنان بالغ لتخفف عنها وطأة تلك اللحظة العصيبة، بينما أكملت علياء لملمة أوراقها بابتسامة نصر واثقة، معلنةً بداية النهاية لكابوس طال ملاحقتهما.

بعد انتهاء الجلسة الصاخبة بقرار الحبس الاحتياطي لمدحت وطارق، تنفست نور الصعداء وكأن جبلاً قد انزاح عن صدرها. خرجت نور من مبنى المحكمة مصحوبة بوالدها الذي عاد إليه اعتباره وحريته، وبجانبها والدتها، وصديقتها الوفيّة يارا التي لم تفارقها.

ركبن السيارة معًا واتجهن مباشرة إلى المستشفى؛ حيث يتعين على نور استكمال متابعة حالتها الصحية والنفسية بعد كل ما مرت به.

وما إن فتحت باب غرفتها في المستشفى ودخلت لتستريح، حتى توقفت مفاجأة أنفاسها. على فراش المستشفى الأبيض، استقر بوكيه ورد مبهج وناعم، وبجانبه علبة شوكولاتة فاخرة بطريقة منسقة تدل على العناية والاهتمام.

التفتت نور نحو والدتها ويارا بخطوات بطيئة ومرهقة، وعلامات الدهشة والتعجب تكسو وجهها، وهي تتساءل بصوت خافت يملؤه الفضول والدهشة:

ـ مين ممكن يعمل كده.. ومين أصلًا عرف إني رجعت المستشفى دلوقتي؟!

التفتت يارا إليها وقالت بتهدئة:

ـ استني نسأل الممرضة.

وفي هذه اللحظة، كانت سوسن تبتسم في خفاء دون أن يلاحظوا، ودخل شاكر وراءهم فورًا بعدما انتهى من ركن السيارة، وبينما دخلت الممرضة إلى الغرفة لتطمئن على حالة نور.

بادرتها يارا بالقول:

ـ من فضلك، مين جاب الحاجات دي؟

فأجابت الممرضة بعملية:

ـ عامل الدليفري هو اللي جابها ووصلها لحد هنا.

تقدمت نور بخطوات بطيئة وجلست على حافة السرير الأبيض، ومدت يدها لتلتقط بوكيه الورد برفق. بين أوراق الزهور، لمعت ورقة صغيرة مطوية بعناية. فتحت نور الورقة والتقت عيناها بالكلمات المكتوبة بخط هادئ ورومانسي:

ورد ليزين أطهر عيون.. سلامة قلبك من كل تعب يا أجمل ما قابلت.

ظلت نور شاردة في الكلمات، يغمرها شعور دافئ يختلط بالدهشة، متجاهلة تمامًا ما يدور حولها.

وفي تلك اللحظة، اقتربت الممرضة وبيدها حقنة المحلول، وقالت بجدية عملية:

ـ لو سمحتِ يا نور، استريحي على السرير عشان نعلق المحلول ونخلص من جلسة النهاردة.

لكن نور لم تكن تلتفت لشيء؛ ظلت عيناها معلقتين بالرسالة وبوكيه الورد، بينما تحاول جاهدة أن تتبين صاحب تلك اللفتة الخفية.

قبلت سوسن ابنتها بنظرة حانية، ثم نادت عليها بصوت هادئ:

ـ يا نور، اقعدي ارتاحي زي ما الممرضة بتقول، سيبي الورد دلوقتي.

التفتت نور بانتباه نحو والدتها، ثم أومأت برأسها في استسلام، وتقدمت بخطوات هادئة لتتمدد على السرير الأبيض، بينما شرعت الممرضة في تجهيز المحلول وتعليقه في مكانه.

وفي تلك اللحظة، فتح باب الغرفة بهدوء لتطل منه كاميليا ومعها كارما. اقتربت كاميليا بخطوات سريعة نحو الفراش، وابتسمت بحنان وهي تربت على كتفها قائلة:

ـ سلامتك يا حبيبتي، ألف سلامة عليكِ.. اهدي خالص ومتقلقيش من أي حاجة.

رفعت نور رأسها قليلاً ونظرت إليهن بعيون مملوءة بالقلق، ثم سألت بصوت خافت:

ـ هو.. هو أنا هروح المحكمة تاني؟

ابتسمت كاميليا بثقة المحامي الذي يمسك بزمام الأمور، واحتوت كف نور بين يديها لتطمئنها، قائلة:

ـ اطمني خالص بصفتي محاميتك بقولك اطمني؛ الوضع تحت الكنترول والأمور ماشية في صالحنا، ومش هتخطي خطوة هناك تاني.

ابتسمت نور بخفة وراحة لحديث كاميليا، وما إن التفتت كاميليا برأسها حتى وقعت عيناها على بوكيه الورد الفاخر والرسالة الموضوعة بجانبه. رفعت حاجبها بابتسامة خبيثة وشكت فورًا في أن "ريان" هو من قام بهذه اللفتة؛ فعادت بذاكرتها إلى ذلك اللقاء الذي جمع ياسين وريان بشاكر ليتحدثا معه بشأن نور.

وفي تلك اللحظة، تحرك الجميع محاولين تهدئة نور وإلهاءها عن قلقها، وما هي إلا لحظات حتى فتح باب الغرفة ودخل الطبيب المعالج بخطوات هادئة، ليلتف حوله الجميع بترقب وهو يقول بابتسامة مطمئنة:

ـ السلام عليكم.. أنا دخلت أقولكم وضعها الصحي دلوقتي وميعاد خروجها.

تقدم الطبيب بخطوات ثابتة نحو الفراش، ونظر إلى ملف الحالة ثم وجه حديثه إليهم بنبرة مهنية هادئة:

ـ الحمد لله، الحالة استقرت كتير عن الأول، وضغطها ونبضها ظبطوا بعد المحلول، وتقدر تخرج النهاردة بليل أو بكرة الصبح بالكتير، بس بشروط.. راحة تامة، وممنوع أي إجهاد أو انفعال الفترة الجاية دي خالص.

تنفس الجميع الصعداء بارتياح واضح بعد كلام الطبيب، وابتسمت سوسن وهي تحمد الله في سرها، بينما بدأت سوسن ويارا ترتبان مع المستشفى إجراءات الخروج ومواعيد الأدوية.

استأذنت كاميليا وكارما في المغادرة بعد اطمئنانهما على نور، وتحركتا عائدتين إلى الفيلا. وما إن دخلتا حتى فوجئتا بياسين جالسًا في الصالون بصحبة ريان وحمزة.

اقتربت كاميليا بخطوات هادئة وجلست بجانب ريان، ثم نظرت إليه بابتسامة خبيثة وهمست له بصوت خافت:

ـ ما كنتش أعرف ذوقك حلو في الورد كده!

نظر إليها ريان بعدم فهم واستغراب، لتهتف هي بخبث ومكر:

ـ نور هتخرج بكره من المستشفى.. مهمتك هتبدأ بقى!

ما إن سمع ريان كلماتها حتى قفز واقفًا مرة واحدة باندفاع، وأطلق صفيرة حماسية وسط نظرات التعجب والذهول من ياسين وحمزة، ثم صعد إلى غرفته بخطوات سريعة تاركًا الجميع في حيرة من أمرهم.

نظر ياسين إلى كاميليا بتعجب وذهول، لتبتسم له بهدوء وأخبرته أنها ستصعد إلى الغرفة لأنها بحاجة ماسة للراحة بعد يوم طويل. ليصعد معها للاطمئنان عليها، بينما صعد حمزة هو الآخر إلى غرفته.

أما في غرفة ريان، فكان جالسًا يفكر بحماس في إعداد مفاجأة خاصة ومميزة لنور بيوم خروجها غدًا. وقرر أن يستعين بمن يثق برأيها، فاتجه فورًا إلى غرفة كارما ووجدها مستيقظة، فأخبرها بما ينوِي فعله بالتفصيل. ابتسمت كارما بحماس وأخبرته فورًا أنها ستساعده بكل ما تملك من أفكار لتخرج المفاجأة في أروع صورة.

اكتفى ريان بهذا القدر من التخطيط مع كارما، وودعها ليتجه إلى غرفته، ملقياً بجسده المتعب على الفراش ليغط في نوم عميق، طامعًا في أن تُشرق شمس الغد سريعًا.

وفي المستشفى، هادئًا كان المكان تمامًا، حيث نامت نور بعمق وهي تحتضن بوكيه الورد بين ذراعيها كأنها تخشى أن يختفي، بينما كان عقلها المسترخي يودع ليلتها الأخيرة هناك على أثر تفكير هادئ في صاحب تلك اللفتة الخفية، لتسدل الستار على ليلتهم بهدوء وترقب لما يحمله الغد.

❈-❈-❈

في صباح اليوم التالي، ظلت يارا في المنزل لتكون متواجدة في استقبال نور لحظة عودتها. وبينما كانت تجلس بهدوء، تفاجأت بوجود عمال قادمين إلى الفيلا. وبعد أن تأكدوا من العنوان بدقة، سألوا عن غرفة نور بالتحديد، مما ضاعف من حيرة يارا وتعجبها الشديد.

لم تتردد في الاتصال بعمها فورًا للاستفسار عما يجري، فأخبرها بنبرة هادئة أن تطمئن تمامًا ولا تقلق، وطلب منها أن ترشدهم إلى غرفة نور وتتركهم يقومون بعملهم. أغلقت يارا الهاتف، فصعدت مع العمال إلى الأعلى لتدلهم على الغرفة المحددة، وما إن انتهوا حتى تركتهم وهبطت إلى الأسفل بخطوات بطيئة وهي تفكر ملياً فيما يحدث.

أما في المستشفى، كانت نور جالسة تفكر في قرب خروجها من هذا المكان وتلهفها للعودة، لتبتسم لها والدتها بحنان وهي تتابعها بعينيها. وفي تلك اللحظة، دخل الطبيب بصحبة الممرضة ليفحصها للمرة الأخيرة قبل المغادرة.

اقترب منها وابتسم بثقة وهو يراجع التقرير الطبي، ثم وجه حديثه إليها بنبرة إرشادية حاسمة وصارمة:

ـ الحمد لله يا نور، المؤشرات الحيوية استقرت وجسمك اتنظف وبقيتي جاهزة للخروج.. بس لازم تعرفي إن الخطوة الأهم بتبدأ من بره. ممنوع نهائيًا أي تفكير في الرجوع للمواد دي أو التواصل مع أي حد ممكن يرجعك للدوامة دي. لازم تلتزمي بجلسات الدعم النفسي بانتظام، والراحة التامة، وتبعدي عن أي ضغوط أو توتر ممكن يضعف إرادتك. الفترة الجاية دي محتاجة حرص شديد وإرادة من حديد. اتفقنا؟

نظرت إليه نور بجدية وهزت رأسها موافقة بثبات، ليبتسم الطبيب بدوره ويخبرهم أن بإمكانهم إنهاء إجراءات الخروج الآن.

خرج الطبيب من الغرفة وخلفه والدها لإنهاء إجراءات الخروج النهائية، وبينما كانت نور جالسة، أتاها اتصال هاتفي من كارما التي أخبرتها أنها تنتظرها في المنزل مع يارا، وتبادلا كلمات الشوق قبل أن تغلق معها.

أما في منزل شاكر، كانت كارما قد وصلت للتو وجلست في الأسفل مع يارا وعمتها تتبادل معهن أطراف الحديث. مر الوقت بهدوء حتى هبط العمال من الأعلى بعد أن أتموا عملهم، وطلبوا من الجميع ألا يصعد أحد إلى غرفة نور الآن، لتومئ يارا برأسها موافقة بفضول محتفظة بالتزامها بالطلب وغادر العمال الفيلا، لتبتسم كارما بهدوء غامض وهي تكتم حماسها.

بعد فترة قصيرة، رُفع الستر عن الانتظار على وقع رنين جرس الباب. هبت يارا سريعةً لتفتح الباب، وما إن انفتح حتى وجدت نور أمامها مباشرة. ابتسمت يارا بحرارة وضمت ابنة عمها إلى صدرها بسعادة غامرة لا توصف بعودتها إلى البيت.

ابتسمت لها نور بحرارة لتعديل وقفتها، وتبتعد يارا قليلاً وتفسح لها الطريق، لتدخل نور ووالداها إلى المنزل. نظرت نور إلى أرجاء المنزل بشوق كبير ودفين، فقد انتابتها أوقات مظلمة ظنت فيها أنها لن تعود إلى هنا مجددًا.

اتجه الجميع إلى الصالة، فهبت كارما لتضم نور بسعادة بالغة، وانضمت إليهما ميار التي شعرت براحة عميقة واطمئنان بعد خروج نور سالمة من المستشفى. وبعد لحظات من السلام والاحتفاء، هَتَفَت نور بصوت هادئ:

ـ أنا هطلع أغير هدومي وأشوف أوضتي.. وحشتني أوي.

ابتسمت لها سوسن بحنان وأجابتها:

ـ اطلعي يا حبيبتي، احنا هنا مستنينك.

صعدت نور إلى الأعلى برفقة يارا وكارما، بينما لفت شاكر نظره نحو زوجته وشقيقته بابتسامة دافئة.

وقفت نور أمام باب غرفتها، فأمسكت بمقبض الباب وفتحته ببطء... لتنصدم وتتسمر في مكانها من شدة المفاجأة بعد رؤيتها لهيئة الغرفة! كانت الأزهار تزين الأرضية وتنتشر حول الفراش وفي كل زاوية، وتكسو مكتبها بأناقة، أما السرير فكان المشهد عليه مختلفاً تماماً؛ زهور حمراء منسقة بعناية فائقة، وفي المنتصف تماماً استقرت علبتان مغلفتان بعناية شديدة.

رغم حالة التعجب الشديد التي سيطرت عليها، إلا أن فضولها دفعها لتخطي الحيرة ومعرفة ما تخفيه تلك العلبتان. اقتربت بخطوات هادئة ومتزنة نحو السرير، ومدت يدها لفتح العلبة الأولى؛ لتتفاجأ بوجود شوكولاتة مستوردة فاخرة، مطابقة تمامًا لتلك التي كانت تأتيها أثناء تواجدها في المستشفى. لمعت في ذهنها فورًا صورة الورد الذي أتاها بالأمس، لتشعر بدفقات من المشاعر المختلفة والمختلطة بين التساؤل والفضول.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكن هذا الشعور لم يستمر طويلًا، وسرعان ما تبدد ليحل محله شعور قاسي بالانقباض؛ إذ تملكتها فجأة فكرة سوداوية بأنها لم تعد تصلح لشيء، وأن حياتها قد دمرت تمامًا بفعل تلك المخدرات اللعينة التي كانت تُجبر على تناولها.

لكن هذا الشعور لم يستمر طويلاً، وسرعان ما تبدد ليحل محله شعور قاسي بالانقباض؛ إذ تملكتها فجأة فكرة سوداوية بأنها لم تعد تصلح لشيء، وأن حياتها قد دمرت تمامًا بفعل تلك المخدرات اللعينة التي كانت تُجبر على تناولها.

أزاحت هذه الأفكار المؤلمة بصعوبة، ومدت يدها لفتح العلبة الثانية، لتجد بداخلها كاميرا تصوير من أحدث موديل. ما إن وقعت عيناها عليها، حتى أغمضت عينيها بقوة وارتجفت، بعد أن باغتتها ذكريات مؤلمة وقاسية ترتبط بالكاميرات والتصوير وماضٍ تحاول الهروب منه، لترتعد يديها وتضع العلبة بسرعة على الفراش وكأنها تهرب من لمسها.

اقتربت يارا وكارما منها بخطوات سريعة وملؤها القلق فور ملاحظة شحوب وجهها وارتجافها. التفتت إليهما نور بعيون مليئة بالدموع، ومدت يدها بتوتر نحو الكاميرا وهي تردد بصوت منكسر:

ـ يا يارا.. شيلي الكاميرا دي من هنا، أرجكي شيليها.

تبادلت يارا وكارما نظرات مليئة بالدهشة والتعجب من ردة فعلها المفاجئة، فسألتها كارما بحيرة واستغراب:

ـ ليه يا نور؟ دي كاميرا جديدة ومن أحدث موديل.. مالها؟

أرخت نور رأسها لتسقط دموعها على جديتها، وهتفت باختناق ونبرة مهتزة:

ـ لأن خلاص حياتي انتهت.. أنا مش هرجع للصحافة تاني، ماضيّ انتهى ومش هقدر أمسكها.

قدرت يارا وكارما حالتها النفسية المتقلبة وما تعانيه بصمت وتفهّم عميق، ولم تضغط عليها أي منهما بأي أسئلة إضافية. تقدمت يارا بهدوء وحملت علبة الكاميرا بحذر لتبعدها عن الفراش، بينما وجهت نور خطواتها نحو خزانة الملابس لتبدل ثيابها وتتوارى عن أنظارهما لحظات لتستعيد أنفاسها.

وقفت يارا حاملة الكاميرا وعيناها تتبع نور بحزن، ثم التفتت نحو كارما وهمست بصوت خافت ينم عن قلقها:

ـ شايفه حالتها يا كارما؟ خايفة عليها قوي.

أومأت كارما برأسها بتعاطف، وقالت بهدوء وهي تربت على كتف يارا:

ـ بالراحة عليها يا يارا.. اللي مرت بيه مش سهل أبداً، وأي حد مكانها كان هيعمل كده وزيادة. هي محتاجه وقت كبير عشان تقدر ترجع نور بتاعة زمان، ومهمتنا دلوقتي إننا نساعدها ونكون جنبها.

أجمعت يارا على حديث كارما بنبرة متفهمة وموافقة، وقررتا معًا تركها تفرغ ما في جعبتها من حزن وتغير ثيابها، ثم غادرتا الغرفة بهدوء ونزلتا إلى الأسفل لتنتظراها برفقة العائلة.

في الأسفل، جلست ميار بهدوء وهي تنظر نحو شقيقها شاكر وزوجته سوسن، ثم هتفت بنبرة عملية واضحة:

ـ شاكر، أنا بفكر أخد نور معايا فترة في أمريكا.. هي محتاجة تبعد عن هنا خالص وتغير جو، وكمان محتاجة مصحة أو معالجة نفسية كويسة تساعدها تتجاوز اللي حصل.

التفتت سوسن بسرعة نحو زوجها ووجهها يكسوه التوتر والقلق، وهتفت باعتراض:

ـ بس نور محتاجة وجودنا ودعمنا الفترة دي أكتر من أي وقت تاني، السفر دلوقتي مش حل!

ردت ميار بهدوء وتفهم محاولة امتصاص قلقها:

ـ أنا مقلتش أبعدوها عنكم.. بس هي دلوقتي بتمر بفترة صعبة ومحتاجة تقف على رجلها من الأول في بيئة جديدة. بعدين تقدري إنتي وشاكر تجوا معانا أمريكا في أي وقت، أنا مقلتش هاخدها لوحدها.

لم تستريح سوسن للحديث، فنظرت إلى زوجها الذي كان صامتاً طوال الوقت يتابع النقاش بملامح جامدة، وهتفت بتردد:

ـ ساكت ليه يا شاكر؟ قول رأيك..

أخذ شاكر نفساً عميقاً وبدو عليه التردد الشديد والحيرة بين كلام شقيقته وزوجته، ثم نظر إليهما وقال بنبرة مترددة وغير حاسمة:

ـ أنا.. أنا مش عارف أقول إيه يا ميار.. كلامك فيه وجهة نظر، بس من ناحية تانية.. إحنا لسه مرتبطين بالقضية والتحقيقات، ونور طرف أساسي فيها وممكن النيابة تطلبها في أي وقت، فسفرها دلوقتي شبه مستحيل قانونيًا.

التفتت سوسن بسرعة مؤيدة كلام زوجها، وتابعت بنبرة قلقة:

ـ طبعًا يا شاكر عندك حق، غير كدة إن نور لسه خارجة من المستشفى وتعبانة، محتاجة تفوق لنفسها وسط أهلها مش تسافر برة وهي بالحالة دي.. بس يا ريت تفهمي قصدي يا ميار، إحنا بنخاف عليها ومش عاوزين نضغط عليها زيادة.

في هذه الأثناء، نزلت يارا وكارما من الأعلى وانضمتا إليهما في الصالة وجلستا بصمت وسط أجواء مشحونة بالنقاش الدائر. مرّت فترة قصيرة قبل أن تنزل نور من غرفتها بعد أن أبدلت ثيابها، وما إن اقتربت حتى لاحظت فورًا نظرات التوتر والقلق المتبادلة بين والدها ووالدتها وعمتها ميار. توقفت نور بخطوات بطيئة وعيون حائرة، وسألتهم بصوت هادئ ينم عن الفضول:

ـ في إيه؟ مالكم.. إيه الحكاية؟

تبادلت سوسن النظرات مع شاكر بتوتر واضح، ثم نظرت إلى ابنتها وقالت بتردد:

ـ عمتك ميار.. كانت بتقترح إنك تسافري معها أمريكا فترة لتغيير الجو وتتابعي مع معالج نفسي هناك.

ساد صمت تام في الصالة، والتفت الجميع نحو نور في نفس اللحظة بترقب شديد، منتظرين رد فعلها الذي كان على الأغلب سيكون الرفض القاطع بحكم تعلقها ببيتها وأهلها. لكنها فاجأت الجميع تماماً عندما ردت بهدوء وثبات غير متوقع:

ـ أنا موافقة.. هسافر.

اتسعت عيون سوسن بصدمة وعدم تصدي، وهتفت بنبرة مذهولة:

ـ موافقة تسافري؟! ده إنتي زمان كنتي بترفضي الفكرة تمامًا وتتمسكي ببلدك!

ابتسمت نور ابتسامة حزينة ومكسورة انعكست بوضوح في عينها، وقالت بصوت خافت يمزق القلوب:

ـ عاوزة أبعد عن هنا يا ماما.. محتاجة ألاقي نور اللي ضاعت مني ومش لقياها، أنا خلاص حياتي وقفت هنا.

التفتت بنظرات متوسلة نحو والدتها ووالدها، وتابعت برجاء ودموع تحارب للنزول:

ـ أرجوكم.. وافقوا على سفري، خلوني أروح.

سادت لحظة صمت طويلة ثقيلة في أرجاء الصالة، نظرت خلالها سوسن إلى زوجها شاكر بنظرات متوسلة وعيون مليئة بالرجاء أن يرفض هذا السفر الذي سيبعد ابنتها عنها وهي في أمس الحاجة إليها.

أخذ شاكر نفسًا عميقًا، وبصوت هادئ وحاسم قاطع به الحيرة، قال:

ـ قراري النهائي هيكون بعد ما القضية تخلص ويصدر الحكم فيها.. ساعتها لكل حادث حديث، لكن دلوقتي سفرها مستحيل وقانونيًا صعب جدًا.

عمّ الصمت من جديد بين الجميع، وأدركوا أن الكلمة الفصل قد قيلت، لتجلس نور وعيناها ممتلئة بخيبة أمل مكتومة وتتجنب النظر لأحد.

وسط هذا الجو المشحون، شعرت كارما بأن بقائها أصبح ثقيلاً وأن العائلة بحاجة لمساحة خاصة لتناول هذا الموضوع، فقررت الاستئذان بلطف والمغادرة. ودعتهم بخفة وغادرت الفيلا بأكملها.

❈-❈-❈

ما إن خرجت وابتعدت بخطواتها، حتى رنّ الهاتف المحمول في يدها معلنًا عن وصول رسالة جديدة. فتحتها لقرائها بفضول، ثم غيرت مسارها متجهة إلى أحد المطاعم المعروفة والهادئة لتجلس هناك بمفردها قليلاً.

جلست كارما على الطاولة الهادئة في المطعم غارقة في أفكارها، حتى وجدته يقترب منها فجأة. لمعت في ذكرياتها تفاصيل كيف توطدت علاقتهما وكيف تقربا منذ رؤيتها له لأول مرة في المستشفى، لتشرق على محياها ابتسامة خجولة ودافئة. لكن سرعان ما تلاشت تلك الابتسامة وتحولت إلى ملامح حزينة وقلقة متأثرة بحديث والدته الأخير عن قرب عودته إلى أمريكا مرة أخرى.

انتبه لملامح وجهها المتبدلة، فاقترب بخطوات سريعة وجلس على المقعد المقابل لها مباشرة، ثم هَتَف بنبرة جادة وصادقة:

ـ أنا بصراحة يا كارما كنت مستني نور تخرج من المستشفى بالسلامة علشان أخد خطوة رسمية، وقررت النهاردة أتكلم مع ماما وخالي عشان أجي أتقدم ليكي رسمي.

هتفت كارما بحزن وهي تفرك كفيها بقلق:

ـ بس والدتك قالت إنكم راجعين أمريكا تاني.. وأنت عارف بابا وماما، الموضوع هيكون صعب عليهم وصعب يوافقوا بالشكل ده.

أجابها مراد بابتسامة هادئة وواثقة ليبدد مخاوفها:

ـ كارما.. أنا هتكلم معهم وأقنعهم بكل تفصيلة، وبعدين إحنا مش هننقطع، هننزل مصر في زيارات وإجازات على طول، ما تقلقيش خالص.

رغم قلقها المستمر الذي لم ينطفئ تمامًا، إلا أنها قررت الصمت والاكتفاء بحديثه، ليهتف مراد بنبرة حنونة ومطمئنة:

ـ كارما.. بلاش قلق وخلي الأمور دي عليّا، سيبيني أنا أتكلم معهم وأدير الموضوع.. اتفقنا؟

أومأت برأسها موافقة وسط مشاعر متضاربة من الخوف والأمل، وجلسا معاً يتحدثان طويلاً عن خططهما القادمة للمستقبل. وأثناء حديثهما، أخبرها مراد بأنه سيبذل جهده ليساعدها في الحصول على فرصة عمل مميزة في أحد الجرائد والمجلات المعروفة عقب سفرهم، لتشعر بالامتنان له.

بعد أن انقضى وقتهما في المطعم، غادرا المكان وعادت كارما إلى منزلها. وما إن دخلت حتى توجهت مباشرة نحو غرفتها، وصعدت بخطوات متعبة، وهي تغرق في تفكير عميق بحديث مراد، بينما يظل شبح قلقها الأكبر قائماً حول مدى قبول والديها لفكرة الارتباط والسفر.

عاد مراد إلى المنزل وفي سرعته رغبة ملحة لحسم الأمور، وما إن دخل حتى وجد والدته ميار وخاله شاكر يجلسان معاً وملامح الإرهاق والتفكير تبدو واضحة على وجهيهما. أخذ مراد نفسًا عميقًا، وقرر ألا يتردد، فاقترب منهم وجلس بهدوء، ثم هَتَف بنبرة جادة ومباشرة:

ـ يا خالي.. يا أمي، أنا كنت عايز أتكلم معاكم في موضوع مهم، وقررت أخد خطوة رسمية.. أنا عايز أتقدم لكارما.

التفتت ميار نحو ابنها بتفاجئ خفيف، ثم ابتسمت بهدوء بحكم طبيعتها التي تعيش نصف حياتها في أمريكا وتفهمها لخياراته، وقالت:

ـ خطوة مفاجئة يا مراد، بس كارما بنت محترمة وأنا معنديش أي مانع بالعكس، أفرح بيك.

أما شاكر، فبدت على وجهه علامات الجدية والتفكير العميق، وتنهد بثقل قبل أن يجيبه بصوت هادئ:

ـ يا مراد، أنا بحترمك جدًا وعارف أخلاقك كويس، بس أنت عارف ظروفنا كويس، وظروف الشغل والسفر، وأمك طبيعي إنها عايشة نص حياتها في أمريكا بحكم ظروفها، وأنت كمان راجع هناك.. الموضوع مش سهل ولازم نسأل ونعرف أهلها هيرحبوا بإن بنتهم ترتبط بحد مسافر وبعيد بالشكل ده ولا لأ.

تدخلت ميار مسرعة لتدعم موقف ابنها وتخفف من قلق شقيقها شاكر، فقالت:

ًـ يا شاكر متقلقش من نقطة السفر دي خالص، مراد هيظبط كل الأمور، وإحنا بننزل مصر باستمرار، ومش هنبعدهم عن بعض أبدًا.

تأمل شاكر كلمات شقيقته، ثم نظر إلى مراد وقال بجدية واطمئنان:

ـ بص يا مراد.. عشان نكون على نور، أنا مش هرفض طالما ميار موافقة وأنت شخص محترم، بس قبل أي خطوة رسمية، أنا هكلم ياسين والدها نتقابل أنا وهو لوحدنا الأول، عشان أعرفه ونتكلم في كل الأمور دي.

أومأ مراد برأسه سريعًا وبدون أي تردد، وقال:

ـ تمام يا خالي، اللي تشوفه حضرتك أنا موافق عليه تماماً، وأنا جاهز في أي وقت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لم يضيع شاكر وقتًا؛ أخرج هاتفه المحمول وأمامه مباشرة قام بإجراء الاتصال بياسين. وبعد أن رحب به، دخل في صلب الموضوع قائلاً بصوت هادئ:

ـ ازيك يا ياسين؟ عامل إيه؟ كنت حابب نتقابل لوحدنا بكره إن شاء الله في مكان هادي، فيه موضوع مهم عايز أتكلم فيه معاك بخصوص كارما.

على الجانب الآخر، تفاجأ ياسين من طلب شاكر المفاجئ ولهجته الجادة، لكنه وافق، واتفق الاثنان على اللقاء في اليوم التالي في أحد المقاهي الهادئة ليتحدثا معاً.

مرّت الساعات وانقضى اليوم بكل ما حمله من توتر وترقب، حتى أشرق صباح اليوم التالي.

في تمام الساعة المحددة، وصل شاكر إلى المقهى الهادئ المتفق عليه، وما هي إلا دقائق حتى وصل ياسين وبدت على وجهه ملامح الفضول والتساؤل عن سبب هذا اللقاء المنفرد. اقترب ياسين وصافح شاكر بحرارة، ثم جلس أمامه مباشرة وهتف باهتمام:

ـ صباح الخير يا شاكر.. خير إن شاء الله، طمن قلبي، في إيه؟


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل