ظل أبيض - الفصل 7 | نور إسماعيل

قراءة رواية (ظل أبيض) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (ظل أبيض)

"حينما تكون للروح كلمة مسموعة"

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل) | الفصل: (7)



غير أن القدر، حين يقرِّر أن يكشف للإنسان وجهًا آخر من حياته، لا يستأذنه، ولا ينتظر استعداده، ولا يمنحه رفاهية الاختيار بين أن يعرف أو يظلَّ غارقًا في جهله. إنه يأتي أحيانًا كعاصفةٍ لا تُبقي شيئًا في موضعه، تهدم ما ظننَّاه حصينًا، وتزيح الستائر عن أسرارٍ طال اختباؤها، ثم تتركنا وسط الركام، نحدِّق في ما تبقَّى من أعمارنا، ونتساءل إن كان في وسعنا أن نعيد بناء ما تهدَّم، أم أن بعض الخسارات لا تمنح أصحابها فرصةً أخرى للتعويض.


وهناك لحظاتٌ لا تتغيَّر فيها الحياة من حول الإنسان فحسب، بل يتغيَّر فيها هو نفسه، وتتبدَّل علاقته بكل ما يعرفه. لحظاتٌ يتوقَّف فيها عن كونه ذلك الشخص الذي اعتاد التفكير والتخطيط والاختيار، ويصبح عاجزًا عن تحريك إصبعٍ واحد، أو النطق بكلمةٍ واحدة، أو حتى التعبير عن الرعب الذي يمزِّق أعماقه. لحظاتٌ يفقد فيها السيطرة على جسده، فيغدو جسدًا مسجًّى لا حول له ولا قوة، ساكنًا في أعين الآخرين، بينما تدور في أعماقه عوالم لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا.


جسدٌ يرقد بلا حراك، كأن الحياة قد انحسرت عنه، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة التي سقط فيها كل شيء. عينان أُغلقتا عن رؤية العالم، وشفاهٌ صمتت بعدما كانت تنطق بما تشاء، ويدان عجزتا عن الوصول إلى أقرب الأشياء إليهما. جسدٌ تحاصره السكينة من الخارج، بينما قد تكون روحه في مكانٍ آخر، تخوض معركةً لا يسمع صراخها أحد، وتكتشف من الأسرار ما لم تستطع اكتشافه طوال سنوات عمرها.


فأيُّ مفارقةٍ أشدُّ غرابةً من أن يصبح الإنسان عاجزًا عن الحركة، في الوقت الذي تبدأ فيه رؤيته الحقيقية للأشياء؟ أن يفقد القدرة على التدخُّل في حياته، في الوقت الذي تتكشَّف له فيه تفاصيلها الخفية؟ أن يصبح أسير جسده، بينما تنطلق روحه في رحلةٍ تتجاوز حدود المكان، وتعيد النظر في كل ما مرَّ بها، كأنها لم تبدأ في الفهم إلا بعدما فقدت القدرة على التغيير؟


هناك، في تلك المسافة الغامضة بين الجسد والروح، حيث تتلاشى الأصوات المألوفة وتبتعد الوجوه، قد يجد الإنسان نفسه أمام حقائق لم يكن مستعدًّا لمواجهتها. تنكشف له خيوط الحكايات التي ظنَّ أنها انتهت، وتتضح له أسباب مواقفٍ حيَّرته طويلًا، وتظهر أمامه وجوهٌ أخرى لأشخاصٍ حسب أنه يعرفهم حق المعرفة. قد يفهم أخيرًا لماذا حدث ما حدث، ولماذا اتُّخذت بعض القرارات، ولماذا تبدَّلت مشاعرٌ كان يظنُّها ثابتة، ولماذا خذله من وثق بهم، أو ابتعد عنه من أحبَّهم، أو ضاعت منه أشياء ظلَّ يبحث عنها في الاتجاه الخطأ.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وربما يرى في تلك الرحلة ما لم يكن يراه حين كان حاضرًا بين الناس؛ يدرك قيمة كلمةٍ تجاهلها، ويفهم مغزى صمتٍ أساء تفسيره، ويكتشف أن وراء بعض القسوة خوفًا لم يُفصح عنه صاحبه، وأن خلف بعض الابتسامات وجعًا لم يجد من يلتفت إليه، وأن أشياء كثيرةً كان يراها واضحةً لم تكن سوى صورٍ ناقصة لحقيقةٍ أكبر.

❈-❈-❈

(ثويبة)

متعبةٌ حدَّ الألم، أتقيأ بشدةٍ بعد كل جلسة كيماوي وإشعاع ولا أجد من يسندني سوى أمي والممرضو! 

يقول المنفلوطي أنّني ماذهبت بعيداً ولا طلبت مستحيلاً، فكل ما أطمع فيه من جمال هذا العالم وزخرفه، رفيقاً آنساً بقربه وجواره، وأجد لذّة العيشِ في الكون معه والسكون إليه!

وأنا من وسط هذا العالم كله لا يوجد لي أنيسٌ أو رفيقٌ بعدما كانت تكتظ دنيايَ برفاقي دوماً، - لقد تخلى عنّي الجميع بسبب كآبتي ومرضي ، لأنّي لا أشبههم وأنا مللت لأنّهم لا يفهموني ولم أعد أحتمل، لقد رحلوا هرباً من حزني.... إلاّ أنا لم أستطع الهروب منّي.

قامت أمي بمساندتي إلى الفراش لأريح جسدي المنهك، شعرت بقشعريرةٍ خفيفةٍ هكذا وكأنّ هناكَ يدٌ تربت على يدي وهناك حركةُ مسحٍ على رأسي الصلعاء..

لم أكن أدري أنَّ روحَ مهاب كانت بجانبي وهي من فعلت لسعة القشعريرة الخفيفة هذه ، شعرت به لكنّني لم أراه

ولا أعرف، فقط روحينا تقابلا بعالمٍ آخرَ غيرَ عالمنا وقلبي يشعر بروحه المتكئة بجانب فراشي كي تتفقدنب وتشعرني بوجود العالم أجمعَ بجانبي..

❈-❈-❈

(فارس)

_ماهو مش كل يوم الصريخ والزعيق على نفس الحوار يا ماما

هدرت بوجه أمي بانفعال، كلَّ يومٍ تتهمني بسرقة شقيقي وأوضح لها أنّني لست بسارق ، مجردَ وضعِ النقاطِ على الحروف كي تتضحَ الصورة، ولكنّها مازالت على موقفها.. أنني سارقٌ ولص

_إنت ترجع كل الفلوس اللِ أخدتها من شركة أخوك من سكات وإلا..

_وإلا إيه هتبلغي عني؟!

_مش بعيد يافارس

_هتقولي ايه، التوكيل معايا بكل حاجة، يعني أنا حالياً المتصرف الوحيد والورق رسمي ومظبوط

شوفي عاوزة تروحي لأنهي قسم وهوصلك لهناك

هتفت دون أن يرفَّ لى جفن أو أتحرك من داخلى قيد أنملة، رأيت في عينيها الإستسلام ولكنّها ترفضُ كعهدها إظهاره.

اقتربت منّي وتحدّثت بصوتٍ خفيضٍ نسبياً :

_يافارس، هاين عليك أخوك فالمستشفى وانت بتعمل كدا فماله وملكه، مهاب عمره ماكان وحش معاك

_مهاب طول الوقت كان شايفني حتة مساعد حاجة كدا تحت أمره وخلاص، شمال شمال يمين يمين، مينفعش يبقالي وزن أو رأي، أنا كنت عروسة ماريونيت بين ايديه يحركها زي ماهو عايز طبعاً ماليش حق أتكلم

أنا ولا حاجة، هو صاحب المال والجاه والشركة والفيلا والعربيات، اسمه واسم أبوه

بس غلطانة يا ذكرى هانم لو فاكرة إن بعد م خلاص كل حاجة بقت ف ايدي انّي هسيبها بسهولة، يبقى بتحلمي...

ترجلّتُ بعيداً عنها وأردفت بصوتٍ عالٍ جهورٍ لا أخاف شيئاً :

_يبقى بتحلموا كلكم يا ذكرى هانم، أنا هعمل اللِ عاوزه وهتمتع بكل حاجة اتحرمت منها

وابنك خلاص مش راجع مسأله أيام وشهور والمستشفى ترفعه من على الأجهزة ويبقى الله يرحمه

تركتها ورحلت ولم أسمعها حينما أردفت مع انسياب دمعةٍ من عينيها :

_مكنتش أعرف انك حقود كدا، بتتمنى لأخوك الموت! الله يسامحك يا فارس الله يسامحك

❈-❈-❈

(نسمة)

لقد رفضتني كل الاشياء التي أردتها، ورفضت أنا الرد علي كل الاشياء التي أرادتني

وإلى الآن لم ألتقِ أنا والحياة في نقطة! 

جلست وحيدةً بغرفتي، أفكر فث أمري، هل سينفض المولد من دونَ بصمتي !! أين أنا وسط كل هذه المهازل؟ 

مهاب يعود للحياة فيسبَّني ويطردني ومن ثمّ يعود إلى غيبوبته، ترى ماحدث ؟!!

جلست على فراشي أحدِّث نفسي :

_لا مش هينفع، أطلع من المولد بلا حمص! بقا أنا يا مهاب تطردني وتبهدلني بعد م كنت بتتمنالب الرضا أرضى؟ 

وطبعا مش هلاقي ولا حد فالعيله العرة دي يوقف جنبي دول ماهيصدقوا أساساً، هموت وأعرف عمل كدا ليه

دلفت أمي فوجدتني هكذا لتردف لي مندهشة :

_بتكلمي نفسك يابت

_ماهو أنا هتجنن خلاص، ليه عمل معايا كدا أول م فاق؟ يكون مكانش فالغيبوبة أصلا والواد هيثم قاله حاجة؟ 

نظرت لي أمي وكأنّها تنظر إلى مجذوبة :

_ربنا يشفي

_لا ياما ماهو مش هتجنن لوحدي، دنا عملت فيلم عشان أوصله وعملت فيها الصدر الحنين وقت أزمة طلاقه 

واهتميت وقدمت السبت والاحد والخميس، وجاى دلوقت عاوز يرميني بره ملعبه.. لاااا عليا وعلى أعدائي.. 

لم أكن أعلم أنّ روحه تقف بجانبي مبتسمةً ومن ثم ذهبت خارج غرفتب، اللعنةُ على تلك الروح فهي السبب الرئيسي فيما أعاني

❈-❈-❈

(مهاب) 

والآن.. انكشفت الوجوه وتزحلقت الاقنعة ورأيتهم جميعاً دون تجميل، فهل لروحي عودةٌ كى تصلح مافات ،

أما أنّني سأموت دون أن ألقن الجميع درساً لن ينسوه؟! 

❈-❈-❈

(ثويبة) 

عانيت في الفترة الاخيرة بعد تغيير العقاقير والخطة العلاجية، قد هزل جسدي أصبحت بلا ملامح شاحبة الوجه وأثناء جلسةٍ من جلساتي العلاجية عُدت إلى غيبوبتي! 

وما إن عدت حتى تلاقت روحينا أنا ومهاب، قام هو بعناقي بشدة ومن بعدها حدّق بعينيَّ ليردف بمنتهى الشوق :

_وحشتيني! 

_ياااه للدرجة دي

_على أد مافرحت إنك فوقتِ بس زعلت إنك مشيتِ

_أنا كنت حاسة بيك جمبي طول الوقت، ماسك إيدي وحاسس بيا

_أنا مسبتكيش لحظة يا ثويبة 

_أول مرة أخس إنّ روحي ليها رفيق مبسوطة بيه بعيد عن عالم الأحياء 


صمتنا قليلاً، فجلس بجواري ليستند برأسه على كتفي فضحكت قائلة :

_المفروض إن أنا اللِ أعمل الحركه دي

_أنا تعبان أوي يا ثويبة، نفسي أرجع عشان آخد بتاري منهم كلهم 

مفيش ولا حد طلع كويس منهم، كنت محاط بدايرة من الكره والحقد والكذب

أردت تخفيف الأمر عليه فقلت :

_ولو رجعت يا مهاب هتدور عليا؟ 

أمسك يدي وضمّها إلى نفسه ليردف بحب :

_أنا بحبك يا ثويبة ، ودي أول حاجة هعملها لو رجعت.. إني أدور على رفيقة روحي، الحاجة الطاهرة فوسط عالم كله خداع وغش 

_تعرف حاجة؟! 

_إيه ؟

_أنا كمان افتقدتك أوي

_مسمهاش كدا، اسمها أنا كمان بحبك أوي

ضحكنا سوياً، فنمنا على الارض ننظر إلى النجومِ الساطعةِ وسطَ سماءٍ سوداء وندعو بألاّ ينتهي أنس الأحبة وأن نبقى للأبد نستظل بهم ونظللهم ونحيا بجوارهم..


إنَّ الندم شعورٌ ثقيل، لكنه يصبح أشدَّ وطأةً حين يُحاصر الإنسان داخل عجزه. حين تتزاحم الكلمات في صدره، فلا تجد طريقًا إلى شفتيه، وحين يشتعل قلبه بالرغبة في تصحيح خطأٍ واحد، فلا تمتدُّ يده إلى شيء. يريد أن يصرخ، أن يحذِّر، أن يعتذر، أن يوقف ما يحدث، أن يعود إلى لحظةٍ بعينها ويختار طريقًا آخر، لكنه لا يملك من أمره شيئًا. يصبح شاهدًا على حكايته، بعدما كان يظن نفسه بطلها الذي يوجِّه أحداثها كيف يشاء.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ولعلَّ هذا هو الامتحان الأصعب للروح؛ أن تعرف ولا تستطيع أن تفعل، وأن ترى ولا تستطيع أن تشير، وأن تفهم ما يجري بينما يستمرُّ العالم في الدوران دون أن ينتبه إلى وجودك. أن تكون حاضرًا في مكانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يراك فيه على حقيقتك، وأن تحمل من الأسرار ما قد يغيِّر مصائر الآخرين، لكنك لا تملك وسيلةً لإيصالها إليهم.


ومع ذلك، تظلُّ هناك نافذةٌ صغيرة يتعلَّق بها الأمل؛ نافذة العودة.


العودة إلى الجسد، إلى الحياة، إلى الأصوات التي افتقدتها الروح، وإلى الوجوه التي تركتها خلفها دون وداع. العودة إلى العالم الذي لم تنتهِ حكايته بعد، وإلى الأيام التي ربما لا تزال تخبِّئ فرصةً أخيرة للتصحيح. فماذا لو عادت الروح بعدما عرفت كل شيء؟ ماذا لو فتحت العينان من جديد، واستعادت اليدان قدرتهما على الحركة، وعاد الصوت إلى الحنجرة، وعاد الإنسان إلى الحياة محمَّلًا بأسرارٍ لم يكن يعرفها من قبل؟


هل ستكون العودة بدايةً جديدة، أم أنها ستأتي متأخرةً إلى حدٍّ لا ينفع معه الندم؟ هل يستطيع أن يكشف الحقائق التي ظلَّت مدفونةً تحت ركام الأكاذيب؟ هل سيتمكَّن من مواجهة الذين خدعوه، وإنصاف الذين ظلمهم، واحتضان الذين فرَّط فيهم، وإصلاح ما أفسدته قراراته حين كان يسير معصوب العينين؟ أم أنه سيعود ليجد أن الحياة لم تنتظره، وأن الأبواب التي كان يستطيع فتحها قد أُغلقت إلى الأبد، وأن الأشخاص الذين كان يبحث عنهم قد غادروا أماكنهم، وربما غادروا حياته دون رجعة؟


ماذا لو عاد ليكتشف أن الحقيقة التي عانى كي يعرفها لم تعد قادرةً على تغيير شيء؟ وأن الاعتذار الذي ظلَّ يتمنَّى تقديمه لن يجد أذنًا تسمعه، وأن الكلمات التي ادَّخرها في قلبه لن تجد من يستحقُّ أن يسمعها، وأن اليد التي اشتاقت إلى الإمساك بيدٍ أخرى لن تجد سوى الفراغ؟ أيُّ وجعٍ يمكن أن يفوق أن تُمنح فرصة العودة، ثم تكتشف أن ما عدت من أجله لم يعد موجودًا؟


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل