قراءة رواية (سم الحروف) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (سم الحروف)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( فاطمة الزهراء ) | الفصل: (17)
في صباح اليوم التالي، هيمن التوتر على الغرفة. نور تجلس على طرف الفراش، تفرك يديها بعصبية، وعيناها معلقتان بالباب. حاولت سوسن تهدئتها بلمسة على كتفها، بينما ظلت نور صامتة، تتسارع أنفاسها.
قُطع هذا الصمت بطرقاتٍ خفيفة على الباب، ثم دخل الطبيب المعالج. نظرت نور إليه بذعر وهمست بصوت مرتعش:
ـ يا دكتور.. هما وصلوا؟ أنا مش قادرة أتحمل حد يسألني دلوقتي، مش عارفة أرتب كلامي.
اقترب الطبيب ونظر إليها بجدية، وقال بصوت منخفض:
ـ اهدي، المحامين وصلوا وموجودين بره عشان يحضروا معاكي التحقيق. ركزي بس في اللي هتقوليه، وأي سؤال مش عارفة تردي عليه، اطلبي منهم يرجعوا للمحامين.
تنفسّت نور بعمق وهزت رأسها بالموافقة وهي تحاول استجماع شتات نفسها. في تلك اللحظة، فُتح الباب؛ دخل وكيل النيابة بخطواتٍ واثقة، تبعه المحقق، ثم عليا وكاميليا اللتان دخلتا بهدوء لتستقرا بجانب نور.
توقف وكيل النيابة في منتصف الغرفة، وبنبرة حازمة التفت إلى الموجودين وقال:
ـ التحقيق ده لازم يتم بخصوصية تامة، أتمنى من الأم والطبيب يتفضلوا يخرجوا بره حالًا.
خرجت سوسن وهي تلتفت خلفها بنظرات القلق، وتبعها الطبيب مغلقًا الباب بإحكام، ليترك الغرفة في صمتٍ ثقيل.
جلس وكيل النيابة وبدأ الكاتب في تدوين الإجابات، بينما كان وكيل النيابة يقلب بصرة في بعض الأوراق أمامه، ثم رفع عينيه وقال بجدية:
ـ عايزين نثبت البيانات الرسمية، الاسم بالكامل والسن والوظيفة.
أجابت نور بصوتٍ هادئ وثابت رغم الإرهاق:
ـ نور شاكر عبد الرحمن، ٢٣ سنة، صحفية.
سجل الكاتب البيانات، ثم تنحنح وكيل النيابة ومال بجسده للأمام قليلًا ليسألها بلهجة مباشرة:
ـ يا آنسة نور، تحرياتنا بتشير إن الحادثة مش مجرد خطف عشوائي، إيه علاقتك بطارق ومدحت غانم؟ وتعرفيهم منين؟
ارتبكت نور للحظة ونظرت لـ علياء وكاميليا اللتين منحتاها نظرة تشجيع، ثم قالت:
ـ وصلتني مستندات بتورطهم في تجارة المخدرات وتجارة الأعضاء. أنا دورت ورا المعلومات دي، واتأكدت من صحتها، وبدأت أكتب سلسلة مقالات استقصائية عن نشاطهم ده، بس كنت بكتبها بدون ما أذكر أساميهم صراحة.
قاطعها وكيل النيابة بنبرة حادة:
ـ طب ليه ما قدمتيش المستندات دي للنيابة بدل ما تكتبي مقالات وتخاطري بحياتك؟ إيه اللي منعك تبلغي الجهات المختصة؟
تنهدت نور وأجابت بصدق:
ـ أنا كنت بؤدي شغلي كصحفية، وهدفي كان أجمع كل الأدلة عشان القضية تكمل ومحدش منهم يعرف يهرب، وكنت ناوية أسلم الملفات كلها للجهات المختصة أول ما أنشر المقال الأخير.
ظل وكيل النيابة صامتًا لثوانٍ يزن كلماتها، ثم مال للأمام ووجه سؤاله التالي بنبرة جادة:
ـ طيب، إيه اللي حصل بالتحديد يوم اختفائك؟ احكيلنا اليوم مشي إزاي.
أغمضت نور عينيها بقوة وهي تحاول استرجاع تلك اللحظات المرعبة، وبدأت تظهر عليها علامات الإعياء. في الحال، تحركت علياء بخطوات سريعة ووقفت خلفها، ووضعت يدها بحنان على كتفها لتطمنها وتهدئ من روعها.
سالت دموع نور بصمت على خديها، ثم فتحت عينيها وقالت بصوت مرتعش:
ـ بعد ما بابا اتقبض عليه... تاني يوم بالظبط، جاتني رسالة على تليفوني من رقم مجهول، وطلع هو طارق غانم. قالي بوضوح:
لو عاوزه والدك يخرج من الحبس، تسلميني المستندات اللي معاكي.
وقتها كان كل تركيزي إن بابا يخرج من الحبس، لأن وقتها اتأكدت تمامًا إن مدحت غانم وابنه هما السبب في سجنه.
لتغمض عينيها مرة أخرى بغصة وتصمت، فطلب منها وكيل النيابة بنبرة هادئة وحازمة أن تكمل أقوالها:
ـ اتفضلي يا آنسة نور، كملي.. إيه اللي حصل بعد كده؟
أكملت نور بدموع تنحدر على خديها، وقالت بصوت متهدج:
ـ يومها استغليت انشغال الكل مع بابا، وروحت أقابله في العنوان اللي بعته.
قاطعها وكيل النيابة سريعًا بنبرة استفسارية وهو يومئ للكاتب لتسجيل الدقة:
ـ إيه هو العنوان ده بالتحديد؟
أجابت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
ـ على الطريق الصحراوي.. في استراحة مقطوعة بالكيلو كام مش متأكدة بالضبط، بس كانت منطقة معزولة ومفيهاش أي حركة.
أومأ وكيل النيابة مطالبًا إياها بالمتابعة:
ـ تمام، كملي يا آنسة نور.. إيه اللي حصل لما وصلتي؟
عادت لتغمض عينيها كمن تستعيد كابوساً حياً، وقالت:
ـ وصلت، ولقيته مستنيني ومعاه رجاله كتير. أول ما شوفتهم اتخضيت، بس قربت منه. خد مني اللاب توب والموبايل بالقوة.. ولما سألته:
هو بابا هيخرج امتى؟، قالي ببرود إن والده هو اللي هيقرر ده بنفسه."
تابعت ودموعها تزيد بغزارة:
ـ طلب مني أروح معاه أقابل والده في مكان تاني. في الأول رفضت تمامًا وقلت مش هتحرك، بس خوفت من التهديد ومن كثرة رجالته اللي كانوا محاصرين المكان.. اضطريت أروح معاه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وما إن انتهت من هذه الجملة حتى انهارت قواها تمامًا، لتدخل في نوبة بكاء حاد ومتقطع عجزت عن إيقافه، فأسرعت علياء لضمها واحتضانها محاولةً تهدئتها، بينما نظر وكيل النيابة إليها بشفقة مهنية منتظرًا أن تهدأ لكي يستكمل مجريات التحقيق.
هتفت كاميليا بهدوء وثبات وهي تنظر لوكيل النيابة:
ـ ممكن حضرتك تستنى موكلتنا تهدى شوية؟ حضرتك عارف حالتها النفسية والصحية عاملة إزاي دلوقتي.
تنهد وكيل النيابة بعمق، وأجاب بنبرة تحمل مزيجاً من التفهم والحزم:
ـ أنا مقدر جدًا وضعها يا أستاذة، بس التحقيقات حاليًا متوقفة على أقوال موكلتك علشان نقفل المحضر ونقدر نحول المتهمين للمحاكمة.
ثم مال للأمام قليلًا وتابع بصوت جاد:
ـ مدة الحبس الاحتياطي للتحقيق خلصت، وأي تأخير تاني هيخلي محامي المتهمين يطعن في إجراءات القضية، وهيستغل ده قانونيًا لمصلحتهم. إحنا لازم نخلص النقط دي فورًا.
أومأت كاميليا برأسها في موافقة صامتة، مدركة أن وكيل النيابة محق تمامًا في حديثه وأن الوقت ضيق قانونيًا. في تلك اللحظة، تحركت علياء بقلق، وهتفت بصوت متوسل:
ُـ طيب ممكن يا فندم تدديها وقت شوية عشان تقدر تهدى؟
نظر إليها وكيل النيابة بإمعان، ثم أومأ برأسه مستجيبًا لطلبها، ليهتف بنبرة هادئة:
ـ تمام، هستنى ربع ساعة ونكمل التحقيق.. وممكن تستدعوا الطبيب اللي بره يفحصها ويطمنّا عليها خلال الوقت ده.
حقك عليّا، عندك حق، كلام الطبيب بالشكل ده كان ممكن يخلي وكيل النيابة يوقف التحقيق غصب عنه عشان صحتها، فمش منطقي أبدًا إنه يرجع يضغط عشان يخلص في ربع ساعة!
نهضت كاميليا بهدوء من مقعدها، وفتحت باب غرفة التحقيق بخطوات سريعة متجهة للخارج، ولم تمضِ سوى دقائق معدودة حتى عادت وبصحبتها الطبيب المناوب الذي حمل حقيبته الطبية.
اقترب الطبيب من نور وفتح حقيبته بحذر ليبدأ في فحصها؛ فقاس نبضها وضغط دمها، وأعطاها قطرات من مهدئ خفيف أو منقاش لتهدئة أعصابها.
وبعد لحظات، أغلق الطبيب حقيبته، والتفت نحو وكيل النيابة قائلاً بعملية:
ـ هي بتعاني من نوبة هلع وإرهاق عصبي حاد وضغطها انخفض شوية، بس الحمد لله الإغماءة أو الانهيار هدي.. هي تقدر تكمل التحقيق عادي بس محتاجة تقعد بهدوء ومتاخدش أي ضغط عصبي زيادة عن اللزوم.
أومأ وكيل النيابة برأسه شاكراً الطبيب الذي غادر الغرفة فوراً.
نظر وكيل النيابة إلى نور بنبرة متفهمة لكنها حازمة بسبب ضيق الوقت:
ـ حمد الله على سلامتك يا آنسة نور.. نقدر نكمل؟ قدامنا نقط معدودة ونقفل المحضر.
أومأت نور بصوت ضعيف لكنه واضح، وهي تمسح دموعها وتستقيم في جلستها:
ـ أنا جاهزة يا فندم، كمل.
تابع وكيل النيابة بجدية، مشيرًا للكاتب بالاستعداد:
ـ دلوقتي بعد ما اضطريتِ تروحي مع طارق غانم، إيه اللي حصل بعد كده؟ أخدوكِ على فين؟ ومرت الساعات دي إزاي لحد ما تم إنقاذك؟
أغمضت نور عينيها وكأنها تعيد فتح باب الكابوس من جديد، وقالت بصوت متهدج يغلب عليه البكاء:
ـ وصلت لمخزن.. كان مكان مرعب ومعزول، وهناك لقيت مدحت غانم ومعاه رجاله أكتر. أخدوا مني اللابتوب والموبايل، ولما سألته:
هو بابا هيخرج إمتى؟.. ضحك وقال لي:
إنتي بدأتي اللعبة.. بس نهايتها عندي، و...
هتفت كاميليا بحنان وهي تميل نحوها وتضغط على كفها بخفة:
ـ اهدي يا نور.. عارفين إن الذكريات دي صعبة وقاسية عليكي، بس لازم تكملي علشان حقك يرجع والمجرمين دول ماينفلتوش من العقاب.
أخذت نور نفسًا عميقًا واستطردت بدموع:
ـ طلبت منهم أُمشي، فراح طالب من اتنين من رجالته يمسكوني بالقوة، وفجأة حسيت بوخزة في دراعي.. اداني إبرة مخدرات. ومن بعدها، مبقيتش فاكرة أي حاجة خالص؛ حسيت إن المخدر سيطر عليّا تمامًا وغيبني عن الوعي، ومحى الفترة دي من عقلي.. معرفش مين أنقذني ولا إزاي خرجت من المكان ده.
شعر وكيل النيابة بالحاجة لتأكيد هذه النقطة بدقة، ليهتف بجدية:
ـ يعني إنتي مش فاكرة أي تفاصيل عن المكان التاني، ولا مين اللي قبض عليهم أو أنقذك؟ الفترة دي ضائعة تمامًا من ذاكرتك؟
أومأت نور برأسها برفض وتأكيد، ففهمت علياء الإشارة على الفور؛ وقفت بسرعة والتفتت إلى وكيل النيابة قائلة:
ـ يا فندم، التقرير الطبي لحالة نور بيثبت ده بالظبط.
أخرجت علياء من حقيبتها ورقة رسمية مختومة، وتقدمت لتضعها أمام وكيل النيابة قائلة:
ـ التقرير الطبي الصادر من المستشفى بياكد إنها تعرضت لجرعة مخدرات قوية أثرت على الوعي والذاكرة المؤقتة خلال فترة اختفائها، وده بيطابق تمامًا كلامها وإن عقلها محا الفترة دي بسبب تأثير المادة المخدرة.
نظر وكيل النيابة إلى التقرير الطبي بإمعان، ثم أعاده إلى عليا وهو يومئ برأسه قائلاً بجدية:
ـ تمام يا أستاذة علياء، التقرير واضح وبيفسر تمامًا الفجوة الزمنية في أقوالها.. وبناءً على الأقوال دي، والتحريات، وتجاوز مدة الحبس الاحتياطي، هصدر قراري بإحالة مدحت غانم وابنه طارق إلى محكمة الجنايات العاجلة.
ثم التفت بنظراته نحو نور التي بدت مستردة لبعض هدوئها، ليهتف بنبرة هادئة وحازمة في آن واحد:
ـ حمد الله على سلامتك مرة تانيه يا آنسة نور.. بشكرك على تعاونك وشجاعتك، بس ليا رجاء قانوني مهم، يا ريت متسافريش بره البلاد وتفضلي موجودة تحت الطلب، لحد ما تبدأ جلسات المحكمة ونخلص الإجراءات وتدلي بشهادتك قدام القاضي.
أومأت نور برأسها في موافقة صامتة وتعبيرات وجه تتسم بالاطمئنان النسبي، بينما وقفت كاميليا وعلياء لتلملم أوراقهما، وتؤكدان التزام موكلتهما الكامل بالقرار لحين موعد المحاكمة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اتجهت كاميليا نحو باب الغرفة وفتحته لتخبر الواقفين في الممر بأن التحقيقات قد انتهت وأنه بإمكانهم الدخول لـ نور والتواجد معها لدعمها.
وما إن فتحت الباب حتى سارعت سوسن ويارا وكارما بالدخول إلى الغرفة للاطمئنان عليها، بينما وقف شاكر في الممر بخطوات مترددة وعيون تملؤها اللهفة والقلق، وما إن وقع نظره على كاميليا حتى اقترب منها سريعًا ليهتف بصوت يغلبه التوتر:
ـ طمنيني يا أستاذة كاميليا، إيه اللي حصل جوه؟
ابتسمت كاميليا بتهدئة ووثوق لتزيل بعضًا من همه، وقالت:
ـ اطمن يا أستاذ شاكر، مدحت وابنه هيتحولوا لمحكمة الجنايات في الأيام الجاية.. حق نور هيرجع بالقانون ومفيش خوف إن شاء الله.
ظهرت علامات الارتياح العميق على وجه شاكر، وابتسم لها بامتنان بالغ. وفي تلك اللحظة، خرجت علياء من غرفة نور بعد أن اطمأنت عليها، فانضمت إليهما ليتحدثوا معًا قليلًا عن مجريات القضية والخطوات القانونية المقبلة.
بعد أن استقر كل شيء، غادرت علياء المكان برفقة كاميليا لاستكمال بقية المهام، بينما استدار شاكر ودخل إلى الغرفة ليجلس بجانب ابنته نور ويطمئن عليها.
كانت نور جالسة على سرير المستشفى تضم شفتيها المرتجفتين وذراعيها إلى صدرها، وعيناها الحائرتان تائهتان في الفراغ وكأن طيف الكابوس ما زال مخيمًا أمامها، بينما يغطي وجهها شحوب شديد يعكس حجم الإرهاق والذعر الذي مرت به.
ما إن اقتربت منها سوسن حتى سارعت باحتضانها بحنان بالغ، وضمّتها إلى صدرها بقوة وهي تمسد على شعرها ببطء، وتهمس لها بصوت دافئ يغمره الحنان والأمومة:
ـ خلاص يا حبيبتي.. البلاء زال وانتهى يا نور عيني.. الباب اتقفل على اللي فات، وإنتي دلوقتي في أمان وسطنا.. اهدي، سيبي كل التعب والوجع ده يطلع ومتحمليش هم حاجة تاني خالص.
راحت يارا وكارما تقفان حول السرير في نفس اللحظة، تحاولان مشاركة سوسن في تهدئتها؛ فبادرت يارا بإمساك كفها البارد تدفئه بيديها وهي تقول بحنان:
ـ متقلقيش يا نور، كل اللي فات ده كابوس وخلص ولزوم ننساه..
بينما تولت كارما تعديل وسادتها بلطف ومسح دمعات عينيها، مرددة بصوت دافئ:
ـ احنا جنبك ومش هنسب لوحدك أبدًا.
بينما تقدم شاكر بهدوء ليجلس بجانب ابنته ويحتضنها محاولًا محو آثار ذلك الكابوس من قلبها.
بعد قليل، وبعد أن بدأت نور تسترد بعضًا من هدوئها وأنفاسها المنتظمة، التفتت بعينيها الحائرتين نحوهم وسألت بصوت منخفض ومتهدج:
ـ هو.. مين اللي أنقذني؟ مين خرجني من المكان ده؟
ساد الصمت الغرفة فجأة، وتبادلت سوسن نظرات سريعة مع شاكر ويارا وكارما، كأنهم يتفقون على ما يقال وكيف يخبرونها. تنحنح شاكر واقترب منها بخطوات هادئة، ثم مسح على رأسها بحنان وقال بصوت دافئ يغمره الاطمئنان:
ـ اطمني يا حبيبتي.. الطيار اللي أنقذك كان راجع من رحلته وشافك بالصدفة البحتة، وهو اللي اتصرف وساعدك لحد ما أنقذك من الكابوس ده.
أغمضت نور عينيها ببطء، وسرت في جسدها ومضة من الحنين والذهول معًا، وهي تتذكر ذلك الشخص الذي كان يتردد عليها دائمًا في البداية ثم اختفى فجأة من حياتها دون مقدمات؛ استقر في قاع قلبها إحساس عميق لا يقبل الشك.. شعرت وكأن عقلها وقلبها يهمسان لها بيقين:
هو.. أنا متأكدة إنه هو اللي أنقذني!
سكتت نور تمامًا وكأن الكلمات هربت من لسانها، ومضى اليوم كله بثقله وتوتره حتى حل المساء.
جلس شاكر يتابع تحسنها، ثم التفت إليهم وقال بنبرة هادئة وهو يهم بالوقوف:
ـ أنا عندي مشوار مهم كده هخلصه وأرجعلكو تاني على طول.. مش هأتأخر.
وبالفعل، استدار واتجه خارجًا من الغرفة لينهي ما وراءه ويعود إليهم.
❈-❈-❈
في أحد المطاعم الهادئة، جلس ريان برفقة والده ياسين، وينتظران وصول شاكر للقائه والتحدث معه. وأثناء انتظاره، راح ريان يستعيد في ذهنه تفاصيل الليلة الماضية حين تحدث مع والده، وأخبره برغبته الملحة في لقاء شاكر بشأن علاقته بـ نور لكي يستقر قلبه ويشعر بالارتياح. وعلى الرغم من تردد ياسين في البداية قلقًا على ابنه وتوقيتًا للأحداث، إلا أنه رأى الصدق الجارف والإصرار الحقيقي في كلمات ريان ونظرات عينيه.
وبناءً عليه، قام ياسين بالاتصال بـ شاكر في حضور ريان، وأخبره برغبته في لقائه غداً للتحدث معه في أمر هام. ورغم القلق الذي تسلل إلى قلب شاكر حينها، إلا أن ياسين طمأنه، ليقترنا في النهاية على موعد اللقاء في هذا المطعم اليوم.
قطع ريان حبل تذكره على صوت والده وهو ينظر إليه بعينين فاحصتين ويهتف بنبرة جادة:
ـ يا ريان.. الخطوة دي مفيش رجوع فيها. هسألك لآخر مرة.. واثق من قرارك ده؟
أجاب ريان والده بثبات ويقين:
ـ أيوه يا بابا.. اطمن، أنا قد القرار ده وعارف أنا بعمل إيه.
وفي تلك اللحظة، وقبل أن يرد ياسين، فتح باب المطعم ودلف منه شاكر بخطوات هادئة وملامح تحمل بعض الفضول والقلق الخفي بشأن سبب هذا اللقاء المفاجئ. التفت الأب وابنه نحوه، فوقف ياسين مستقبلًا إياه بابتسامة ترحيبية، بينما وقف ريان معه وهو يلتقط أنفاسه استعدادًا للحديث المرتقب.
نظر شاكر إلى ياسين وقال بتقدير واهتمام:
ـ أهلًا بيك يا سيادة اللواء.. خير، طمني، في إيه مهم للدرجة دي مخلينا نقعد مع بعض النهاردة؟
ابتسم ياسين وهز رأسه ببساطة، ثم رد عليه بود وهو يشير له بالجلوس:
ـ يا بشمهندس.. بلاش أسامي رسمية وكلام كبير كده، إحنا أخوات وقاعدين قعدة رجالة، اعتبرني أخوك.
ابتسم شاكر بهدوء محاولًا استيعاب الموقف، وفي تلك اللحظة اقترب النادل منهم لطلباتهم، فطلبوا ثلاثة فناجين من القهوة. وما إن غادر النادل حتى التفت ياسين بملامح هادئة وصريحة نحو شاكر، وقال بنبرة تتخللها الصراحة والتقدير:
ـ أنا عارف إنك متفاجأ من طلبي وإننا نتقابل فجأة كده.. بس أنت عارف الشباب وعنادهم لما يحطوا حاجة في دماغهم.
نظر إليه شاكر بعينين فاحصتين تملؤهما التساؤل والترقب، وقبل أن يرد، عاد النادل ووضع فناجين القهوة الساخنة أمامهم على الطاولة بهدوء ثم استدار وغادر المكان مجدداً. التقط ياسين أنفاسه ليكمل حديثه بكل وضوح وبدون مقدمات طويلة:
ـ بصراحة وبدون لف ولا دوران.. ريان ابني عاوز يرتبط بـ نور!
ظهرت الدهشة واضحة على وجه شاكر، فهو لم يتوقع مطلقًا أن يصل الأمر إلى هذا الحد أو أن يحمل هذا الشاب مثل هذه النوايا تجاه ابنته. وقبل أن يستجمع شاكر كلماته للرد، بادر ريان بالحديث ناظراً إليه بعينين ثابتتين وصادقتين:
ـ أنا عارف إن حضرتك متفاجأ من طلبي.. بس أنا بجد عاوز ارتبط بـ نور، وعلشان أكون صريح معاك وصادق، أنا حبيت نور من أول مرة شفتها فيها، وكأن فيه رابط خفي جمعنا سوا هي وأنا. في الأول حاولت أنكر إحساسي وأهرب منه، لكن حاليًا واثق من قراري ومش راجع فيه.
أخذ شاكر يرتشف رشفة بطيئة من فنجان القهوة أمامه، محاولًا ترتيب أفكاره وامتصاص صدمة المفاجأة، بينما كانت عيناه تنتقل بين ياسين الذي يجلس بكل هدوء، وبين ريان المترقب لرده.
ثم وضع الفنجان بهدوء على الطاولة، وظهر التحفظ والقلق في نبرة صوته وهو ينظر إلى ريان:
ـ كلامك صادق يا ريان، وأنا مقدره.. بس أنت عارف كويس ظروف نور، وصعوبة الفترة اللي مرت بيها، وصحتها اللي لسه بتتعافى منها. الحاجات دي مش سهلة، وأنا كأب يهمني قبل أي شيء راحة بنتي وسلامتها النفسية والجسدية، ومش هقدر أستحمل أشوفها في ضغط جديد.
التفت شاكر بعدها نحو ياسين ليشركه في الكلام بنبرة يغلفها الاحترام:
ـ وأنت يا سيادة اللواء.. عارف إننا أخوات، بس الموضوع خاص ببنتي، وحالتها عندي بالدنيا كلها.
أخذ ياسين نفسًا عميقًا وابتسم بهدوء، ورد عليه بنبرة الأب الحكيم:
ـ يا شاكر.. وعشان كده إحنا قاعدين قدامك مش كأغراب، وريان مش جاي يخبط الباب ويمشي.. هو جاهز يستنى ويتحمل، بس يطمن إن الباب مفتوح ومش مقفول.
ثم التفت ياسين إلى ابنه ريان بنظرة جادة يملؤها الدعم، مفسحاً له المجال ليكمل حديثه ويطمئن شاكر بنفسه.
التمع الإصرار في عيني ريان، فوجه حديثه لشاكر بنبرة كلها صدق والتزام:
ـ أنا عارف هي مرت بإيه يا عمي، ويمكن ده أكتر سبب خلاني متأكد.. أنا مش جاي أزود عليها ضغط، أنا جاي أشيله معاها، ومش طالب غير فرصة أثبت ده.
صمت شاكر لثواني، عيناه تتنقل بين نظرة ياسين الحكيمة وإصرار الشاب، ثم قال بجدية وقلق أبوي:
ـ أنا شايف يا جماعة إن الأفضل نستنى لحد ما حالة نور تتحسن وتقف على رجليها الأول، وبعدين يحلها حلال.. مش عاوز أدخلها في أي ضغط وهي لسه في فترة نقاهة، لما شدتها تخف شوية، يكون لكل حادث حديث وأكلمها بنفسي.
ابتسم ياسين بارتياح وهز رأسه متمقنًا لكلام شاكر، وقال بنبرة هادئة وحاسمة:
ـ عين العقل يا شاكر.. وأنا مقدر قلقك وخوفك ده كويس جدًا، واطمن، محدش هيضغط عليها ولا هيعمل حاجة تخصها إلا برضاها وفي الوقت المناسب.
أما ريان، فبرغم اللهفة التي كانت تملكه، إلا أن حكمة شاكر وعقله فرضت عليه الاحترام، فأومأ برأسه موافقًا والتزم بابتسامة هادئة امتزجت بالتقدير:
ـ اللي حضرتك شايفه يا عمي.. أنا مستعد أستنى العمر كله لحد ما نور تقف على رجليها وترجع زي الأول وأحسن، وكل اللي طالبه إنك تكون عارف نيتي وموافق عليها مبدئياً.
ابتسم شاكر لخبطة ريان التلقائية التي أظهرت صدقه، ومد يده إليهما بحرارة وهو يودعهما بكلمات مطمئنة:
ـ خلاص يا سيدي، اتفقنا.. ولما ربنا يشفيها ويعدي الأزمة دي على خير، هيكون لكل حادث حديث.
نظر شاكر إلى ساعته بحذر، ثم التقط سترته وهو يهم بالوقوف، وقال باعتذار ونبرة يغلبها القلق والأبوة:
ـ معلش يا جماعة، لازم أستأذن وأقوم أرجع المستشفى فورًا.. صحيح سوسن والبنات قاعدين معها، بس لازم أكون جنبهم وأطمن عليها بنفسي، ومش هينفع أطول أكتر من كده.
ودعهم شاكر بخطوات سريعة متجهة نحو باب المطعم ليغادر إلى المستشفى، بينما بقي ياسين وريان واقفين للحظات، قبل أن يغادرا هما الآخران مستقليّن سيارتهما في طريق العودة إلى الفيلا.
وصل شاكر إلى المستشفى، حتى ترجل من سيارته ودخل من بوابته الرئيسية، وقبل أن يتوجه إلى الطابق الذي فيه غرفة نور، أخرج هاتفه وأجرى مكالمة سريعة لـ سوسن، وطلب منها بهدوء أن تخرج لتقابله في ممر الاستراحة خارج الغرفة لفترة قصيرة، مؤكدًا عليها ألا تذكر شيئًا للبنات الآن وألا تقلقهم.
أبدت سوسن دهشتها الخفيفة من طلبه المفاجئ، لكنها تحججت للبنات بأسباب بسيطة لتغادر الغرفة وتخرج إليه بخطوات سريعة. ما إن رأت ملامحه حتى اقتربت منه بقلق خفيف:
ـ خير يا شاكر؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟ مخليني أخرج كده ليه؟
ابتسم شاكر ببريق خاص في عينيه وتهدجت نبرته من فرط التأثر، ليقترب منها ويقول بهمس يملؤه الفرح:
ـ اطمني.. بالعكس، دي أحسن حاجة حصلت. تعالي أقولك اللي تم بيني وبين سيادة اللواء ياسين وريان.
وما إن بدأ يحكي لها تفاصيل ما جرى في اللقاء، ورغبة ريان الصادقة وتقديره لموقف نور، حتى غرقت عينا سوسن بدموع الفرحة العارمة وهي تضع يدها على فمها غير مصدقة، وتهلل وجهها بابتسامة واسعة أراحت قلبها المعلق. وبعد أن انتهى من سرد كل شيء، نظرت إليه سوسن بامتنان ووافقت على كلامه تمامًا، مؤكدة بحزم:
ـ عندك حق يا شاكر، بلاش سيرة قدام نور دلوقتي خالص لحد ما تتحسن وتقف على رجليها، مش ناقصة ضغط ولا توتر في حالتها دي، خلينا شايلين الخبر ده لحد ما يفرح قلبها وهي سليمة ومعافاة.
أومأ شاكر برهبة موافقًا، واعتدل في وقفته ليخفي آثار التأثر والفرحة، ثم قال بجدية وهو يلتقط أنفاسه:
ـ تمام.. يلا بينا ندخلهم دلوقتي ونبقى طبيعيين كأن مفيش أي حاجة حصلت لحد ما يجي وقتها.
وبالفعل، دخلا معًا إلى الغرفة وهما يرتديان قناع الهدوء التام وكأن شيئًا لم يكن. اقترب شاكر بخطوات هادئة نحو فراش ابنته، وانحنى ليضم نور بحنان بالغ ودفء أبوي يفيض بالطمأنينة، فطوقتها ذراعاه وكأنه يحاول أن يزيل عنها كل تعب الأيام الماضية بلمسة واحدة.
وما إن مرت دقائق هادئة داخل الغرفة، حتى فتح الباب ودلف حمزة بخطوات واثقة ليطمئن على نور، وخلال حديثه السريع معهم، نظر إلى ساعته ثم التفت نحو أخته كارما ويارا ليقول بابتسامة خفيفة:
ـ يلا يا جماعة، الوقت تأخر، وأنا وكارما هنزل في طريقنا نوصلك يا يارا.
استأذنت يارا وكارما وودعوا شاكر وسوسن ونور، واستقل الثلاثة السيارة في طريق العودة. وطوال الطريق، كان الجو هادئًا ودافئًا، بنظرات خاطفة وابتسامات متبادلة بين حمزة ويارا تؤكد أن كليهما يعلم ما في قلب الآخر تمامًا دون الحاجة لكلام كثير، بينما كانت كارما مشغولة بهاتفها أو تنظر من النافذة. وما إن أوصلوها إلى منزلها ونزلت لتتجه إلى بيتها، حتى ودعتها كارما ولوحت لها بابتسامة، وتحرك حمزة بسيارته ومعه أخته نحو الفيلا.
وبعد أن عاد حمزة وكارما إلى الفيلا، استقبلهما ريان الذي كان بانتظارهما بفارغ الصبر. وما إن اجتمعوا معًا، حتى لم يستطع ريان كتمان حماسته، فحكى لحمزة وكارما تفاصيل ما جرى له مع والد نور وموافقته المبدئية، لتهلل وجوههم جميعًا بالسعادة وتغمرهم الفرحة لأجله.
وفي خضم تلك الأجواء المفعمة بالأمل، شعر حمزة أن الوقت قد حان ليحذو حذو شقيقه؛ فاستأذن بخطوات ثابتة وقلب ينبض بالجرأة، وتوجه نحو غرفة والديه ليطرق الباب ويدلف إليهما، عازمًا على فتح باب الحديث صراحة وبدون تردد عن رغبته في الارتباط بـ يارا.
وما إن دلف حمزة إلى غرفة والديه بخطوات ثابتة ومترددة في آن واحد، حتى توقف مكانه لبرهة. تفاجأ ياسين تمامًا من وجود ابنه في هذا الوقت المتأخر وبهذه الهيئة، فعتلاه الاستغراب ورمقه بنظرة متسائلة قبل أن يسأله بنبرة هادئة يحوطها الفضول:
ـ خير يا حمزة؟ إيه الحكاية وفي إيه مخليك تيجي في الوقت ده؟
شعر حمزة بشيء من التردد يرتسم على ملامحه، ووقف عاجزًا عن ترتيب كلماته الأولى، فما أن لاحظت كاميليا هذا الارتباك وذلك التوتر الواضح على وجه ابنها، حتى تحركت بخطوات سريعة واقتربت منه بلهفة أموية وقلق بالغ، لتسأله وهي تضع يدها بحنان على كتفه:
ـ فيه إيه يا حمزة؟ قلقتني، مالك وفي حاجة حصلت ولا إيه؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أخذ حمزة عميقًا ليجمع شتات جرأته، ورفع عينيه ليخترق حاجز الصمت، معلنًا باعتراف صريح ومباشر:
ـ مفيش حاجة يا أمي.. بس أنا.. أنا جيت أكلمكم في موضوع مهم يخصني، أنا بحب يارا وعاوز أطلب إيدها وأرتبط بيها رسمي.
وما إن تلفظ حمزة باعترافه، حتى علت ملامح ياسين الدهشة التامة لثوانٍ معدودة وهو يستوعب الكلمات، بينما في المقابل، ارتسمت على وجه كاميليا ابتسامة دافئة وضحكة خفيفة خالية من أي مفاجأة، فهي لم تتفاجأ أبدًا وكأنها كانت تراقب نظراته وتدرك ما يدور في قلبه طوال الفترة الماضية.
التفت ياسين نحو زوجته ناظرًا إليها باستغراب من ردة فعلها الهادئة والمرحبة، ليهتف بنبرة تجمع بين الجدية والتساؤل:
ـ أنتِ بتضحكي يا كاميليا؟! هو أنتِ كان عندك خبر بالقصة دي ولا إيه؟
ابتسمت كاميليا برقة وهي تنظر بحنان إلى ابنها المتردد، ثم التفتت إلى زوجها وقالت بصوت هادئ ومطمئن:
ـ استغرب براحتك يا ياسين، بس الموضوع مش مفاجأة بالنسبة لي خالص. من زمان وأنا حاسة وملاحظة اللي بينه وبين يارا، وبصراحة.. ما فيش أحسن ولا أرق منها عشان تدخل بيتنا وتكون إنسانة تليق بابنك وبعيلتنا.
ثم التفت الاثنان نحو حمزة الذي تنفس الصعداء أخيرًا بعدما رأى تقبل والدته وتشجيعها، لينظر إليه ياسين بملامح لانت وتزينت بابتسامة أبويّة هادئة، وقال بلهجة حكيمة:
ـ طالما والدتك مرتاحة وحاسة بده من زمان يا حمزة، وأنا واثق فيك وفي عقلك، ويارا بنت ناس محترمة وعارفين أصلها كويس.. يبقى على بركة الله. وأول ما قضية نور تخلص وتستقر الأمور، نتحرك على طول ونروح نطلب إيدها رسمي ونتمم الموضوع على خير.
وما إن سمع حمزة كلمات والده المطمئنة وموافقته الواضحة، حتى تهلل وجهه بابتسامة واسعة غمرته بالارتياح والامتنان، وشعر كأن حملًا ثقيلًا قد انزاح عن صدره. تقدم خطوات إضافية ليطبع قبلة امتنان على رأس والدته التي بادلته النظرات بحنان، ثم صافح والده بحرارة.
استأذن حمزة وانصرف بخطوات خفيفة وسعيدة متوجهًا إلى غرفته، وفي صدره شعور بأن طريقًا طال انتظاره قد بدأ يلوح في الأفق، ليبقى بانتظار اللحظة المناسبة التي تنتهي فيها محنة نور لكي يخطو خطوته الأولى نحو يارا رسمياً.
❈-❈-❈
مر أسبوع هادئ نسبيًا على الجميع، تخللته أجواء ترقب حذرة، وكان يزين صباح نور كل يوم وصول بوكيه ورد أنيق على باب غرفتها من مرسل مجهول في الظاهر، لكن القريبين منها كانوا يعلمون يقيناً أن خلف هذه الهدية قلباً ينبض باهتمام ريان وحرصه الدائم على دعمها بصمت.
وبعد انقضاء ذلك الأسبوع، وقع ما كان متوقعًا ومترقبًا؛ إذ وصلها رسميًا خطاب الاستدعاء للتوجه إلى المحكمة من أجل الإدلاء بأقوالها الرسمية أمام القاضي.
وما إن وقعت عيناها على ورقة الاستدعاء، حتى تسللت برودة مفاجئة إلى أطرافها وشعرت بغصة في حلقها، فاسترجعت بذاكرتها شريط تلك اللحظات العصيبة والتفاصيل المؤلمة التي حاولت جاهدة تجاوزها. بدت ملامحها شاحبة لثوانٍ معدودة، وعلا صدرها وهبط بتسارع وهي تعتصم بالصمت، غير أن نظرة الدعم والاطمئنان من عائلتها أعادت إليها شيئًا من ثباتها، لتأخذ نفسًا عميقًا وتستجمع قواها النفسية مستعدة لمواجهة الحقيقة وقول كلمتها التي ستغير مجرى الأمور.
وما إن علم الخبر حتى سارعت علياء وكاميليا إلى غرفة نور دون تردد، ودخلتا بخطوات هادئة تعكس مدى احتضانهن لها ولقلقها. اقتربت كاميليا وجلست بجانبها على السرير، واضعة يدها الدافئة على كف نور المرتجف، بينما وقفت علياء قبالتها بنظرات واثقة ومطمئنة لتبث فيها القوة.
ابتسمت كاميليا بحنان وقالت بصوتها الهادئ:
ـ اهدي يا حبيبتي، خدي نفسك براحتك.. احنا جينالك عشان نطمنك ونفكرك إننا جنبك خطوة بخطوة، ومفيش أي حاجة تخافي منها طول ما إنتِ بتقولي الحقيقة والواقع اللي عيشتيه.
أكملت علياء بنبرة عملية ومطمئنة في آن واحد، وهي توجه حديثها لكل من نور وكارما:
ـ اسمعوني كويس أنتي وكارما.. بكرة في قاعة المحكمة، محامي المتهمين هيكون هدفه الأساسي إنه يشتتكم أو يستدرجكم في الكلام. طريقته دايماً بتكون ماكرة وذكية؛ بيحاول يضغط على الأعصاب، يكرر الأسئلة بصياغات مختلفة، أو يرمي إيحاءات عشان يخليكم تلخبطوا في التفاصيل أو تظهروا بمظهر غير الواثقين.
ثم أردفت بتوضيح قانوني دقيق:
ـ قانونيًا، قدام القاضي، أهم حاجة تلتزموا بيها هي الثبات الانفعالي. ركزوا في السؤال الموجه ليكم بس، ومتحاولوش تجاوبوا على حاجات مفترضة أو تدخلوا في تفاصيل جانبية مش مطلوبة. لو السؤال واضح، جاوبوا باختصار ودقة من غير مبالغة ولا ارتباك. ولو محامي الخصم حاول يستفزكم أو يضغط بأسئلة محرجة، بلاش تنفعلوا؛ العبرة هنا بمدى ثباتكم قدام منصة القضاء، لأن القاضي بيكون منتبه جدًا للغة الجسد وتعبيرات الوجه وتماسك الشاهد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ربطت كاميليا على كتف نور باحتواء، وأضافت:
ـ متنسوش يا بنات إن التقرير الطبي وأقوال التحريات كلها في صفكم، ووجودكم بكرة هو مجرد خطوة أخيرة لتثبيت الحقيقة قدام العدالة. احنا حواليكم وبنحبكم، وكل اللي عليكم تقولوها هي الحقيقة اللي جواكم وبس.
تنفس الصعداء عميقًا، وبدأت ملامح التوتر تنحسر رويدًا رويدًا عن وجهي نور وكارما، وهما تشعران بأن الدعم النفسي والقانوني يحيط بهما من كل اتجاه استعدادًا للمواجهة الحاسمة غدًا.
ومع حلول المساء، ساد الهدوء أرجاء الغرفة في المستشفى. اطمأن ياسين وحمزة عليها في زيارة سريعة قبل مغادرتهما لترتيب أمور اليوم التالي، لتستقر النظرات بين نور وكارما في جلسة دافئة خالية من الكلمات، كأن كل منهما تعوض الأخرى عن قسوة ما مرتا به، وانتهت الليلة بأن غفت نور على أمل الغد وقوة الدعم المحيط بها.
وفي صباح اليوم التالي، تحرك الجميع نحو المحكمة، حيث كانت الأجواء مشحونة بالترقب والرهبة مع وصولهم إلى قاعة الجلسات، واستعداد القاضي لبدء الاستماع إلى أقوال نور وكارما في الجلسة الحاسمة.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (فاطمة الزهراء)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
