قراءة رواية (ظل أبيض) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (ظل أبيض)
"حينما تكون للروح كلمة مسموعة"
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (نور إسماعيل) | الفصل: (5)
وفي خضمِّ تلك الفوضى، لا يعود الإنسان واثقًا حتى من الأشياء التي كان يعدُّها من المسلَّمات. يبدأ في مراجعة كل ما مرَّ به، يستعيد الكلمات القديمة، ويستحضر الوجوه التي عبرت حياته، ويعيد ترتيب الذكريات في عقله، باحثًا عن إشارةٍ صغيرة، أو تفصيلٍ عابر، أو كلمةٍ قيلت في غير موضعها، لعلَّه يجد فيها ما يفسِّر هذا الانقلاب المفاجئ. يتساءل في حيرة: كيف لم أنتبه؟ كيف مرَّ كل ذلك أمام عينيَّ ولم أره؟ كيف كنت قريبًا إلى هذا الحد من الحقيقة، ومع ذلك كنت أبعد الناس عنها؟
ولعلَّ أقسى ما قد يواجهه الإنسان ليس أن يجهل الحقيقة، بل أن يكتشف أنه عاش طويلًا وهو يظنُّ أنه يعرفها. أن يكتشف أن يقينه كان ستارًا يحجب عنه الرؤية، وأن ثقته التي احتمى بها لم تكن سوى بابٍ مفتوحٍ للدهشة والخذلان، وأن بعض الأشياء التي بنى عليها عمره لم تكن كما تخيَّلها قط. عندئذٍ، لا يكون الألم في الحقيقة وحدها، وإنما في كل ما سبقها من أعوام، وفي كل شعورٍ منحه لمن لا يستحق، وفي كل قرارٍ اتخذه استنادًا إلى وهمٍ حسبه يقينًا، وفي كل فرصةٍ ضاعت منه لأنه لم يكن يعرف ما ينبغي له أن يعرفه.
غير أن القدر، حين يقرِّر أن يكشف للإنسان وجهًا آخر من حياته، لا يستأذنه، ولا ينتظر استعداده، ولا يمنحه رفاهية الاختيار بين أن يعرف أو يظلَّ غارقًا في جهله. إنه يأتي أحيانًا كعاصفةٍ لا تُبقي شيئًا في موضعه، تهدم ما ظننَّاه حصينًا، وتزيح الستائر عن أسرارٍ طال اختباؤها، ثم تتركنا وسط الركام، نحدِّق في ما تبقَّى من أعمارنا، ونتساءل إن كان في وسعنا أن نعيد بناء ما تهدَّم، أم أن بعض الخسارات لا تمنح أصحابها فرصةً أخرى للتعويض.
وهناك لحظاتٌ لا تتغيَّر فيها الحياة من حول الإنسان فحسب، بل يتغيَّر فيها هو نفسه، وتتبدَّل علاقته بكل ما يعرفه. لحظاتٌ يتوقَّف فيها عن كونه ذلك الشخص الذي اعتاد التفكير والتخطيط والاختيار، ويصبح عاجزًا عن تحريك إصبعٍ واحد، أو النطق بكلمةٍ واحدة، أو حتى التعبير عن الرعب الذي يمزِّق أعماقه. لحظاتٌ يفقد فيها السيطرة على جسده، فيغدو جسدًا مسجًّى لا حول له ولا قوة، ساكنًا في أعين الآخرين، بينما تدور في أعماقه عوالم لا يعلم عنها أحدٌ شيئًا.
جسدٌ يرقد بلا حراك، كأن الحياة قد انحسرت عنه، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة التي سقط فيها كل شيء. عينان أُغلقتا عن رؤية العالم، وشفاهٌ صمتت بعدما كانت تنطق بما تشاء، ويدان عجزتا عن الوصول إلى أقرب الأشياء إليهما. جسدٌ تحاصره السكينة من الخارج، بينما قد تكون روحه في مكانٍ آخر، تخوض معركةً لا يسمع صراخها أحد، وتكتشف من الأسرار ما لم تستطع اكتشافه طوال سنوات عمرها.
فأيُّ مفارقةٍ أشدُّ غرابةً من أن يصبح الإنسان عاجزًا عن الحركة، في الوقت الذي تبدأ فيه رؤيته الحقيقية للأشياء؟ أن يفقد القدرة على التدخُّل في حياته، في الوقت الذي تتكشَّف له فيه تفاصيلها الخفية؟ أن يصبح أسير جسده، بينما تنطلق روحه في رحلةٍ تتجاوز حدود المكان، وتعيد النظر في كل ما مرَّ بها، كأنها لم تبدأ في الفهم إلا بعدما فقدت القدرة على التغيير؟
هناك، في تلك المسافة الغامضة بين الجسد والروح، حيث تتلاشى الأصوات المألوفة وتبتعد الوجوه، قد يجد الإنسان نفسه أمام حقائق لم يكن مستعدًّا لمواجهتها. تنكشف له خيوط الحكايات التي ظنَّ أنها انتهت، وتتضح له أسباب مواقفٍ حيَّرته طويلًا، وتظهر أمامه وجوهٌ أخرى لأشخاصٍ حسب أنه يعرفهم حق المعرفة. قد يفهم أخيرًا لماذا حدث ما حدث، ولماذا اتُّخذت بعض القرارات، ولماذا تبدَّلت مشاعرٌ كان يظنُّها ثابتة، ولماذا خذله من وثق بهم، أو ابتعد عنه من أحبَّهم، أو ضاعت منه أشياء ظلَّ يبحث عنها في الاتجاه الخطأ.
وربما يرى في تلك الرحلة ما لم يكن يراه حين كان حاضرًا بين الناس؛ يدرك قيمة كلمةٍ تجاهلها، ويفهم مغزى صمتٍ أساء تفسيره، ويكتشف أن وراء بعض القسوة خوفًا لم يُفصح عنه صاحبه، وأن خلف بعض الابتسامات وجعًا لم يجد من يلتفت إليه، وأن أشياء كثيرةً كان يراها واضحةً لم تكن سوى صورٍ ناقصة لحقيقةٍ أكبر.
وربما تكون الصدمة الأعظم أن يكتشف الإنسان أنه كان قادرًا على إنقاذ أشياء كثيرة لو أنه عرف الحقيقة في وقتها. لو أنه أصغى حين كان ينبغي له أن يصغي، وسأل حين كان الصمت يفتح أبواب الشك، وتأنَّى حين دفعه الغضب إلى اتخاذ قراراتٍ متعجِّلة، ومدَّ يده حين كان الطرف الآخر ينتظر منه إشارةً واحدة تثبت أنه لم يكن وحيدًا. كم من علاقةٍ انتهت بسبب سوء فهم، وكم من قلبٍ انكسر لأن صاحبه عجز عن التعبير، وكم من فرصةٍ ضاعت لأن الحقيقة تأخَّرت قليلًا عن موعدها!
وهنا، تصبح المعرفة نفسها نوعًا من العذاب؛ فما قيمة أن تعرف الحقيقة بعدما يفوت أوان إصلاحها؟ وما جدوى أن تفهم دوافع الآخرين بعدما تنقطع الطرق بينك وبينهم؟ وما نفع أن تدرك أنك أخطأت في حق إنسانٍ لم يعد قادرًا على سماع اعتذارك، أو أن تعرف أنك ظلمت قلبًا لم يعد ينتظر منك إنصافًا، أو أن تكتشف أنك أحببت شخصًا على نحوٍ لم تفهمه إلا بعدما أصبحت المسافة بينكما أبعد من أن يقطعها الكلام؟
إنَّ الندم شعورٌ ثقيل، لكنه يصبح أشدَّ وطأةً حين يُحاصر الإنسان داخل عجزه. حين تتزاحم الكلمات في صدره، فلا تجد طريقًا إلى شفتيه، وحين يشتعل قلبه بالرغبة في تصحيح خطأٍ واحد، فلا تمتدُّ يده إلى شيء. يريد أن يصرخ، أن يحذِّر، أن يعتذر، أن يوقف ما يحدث، أن يعود إلى لحظةٍ بعينها ويختار طريقًا آخر، لكنه لا يملك من أمره شيئًا. يصبح شاهدًا على حكايته، بعدما كان يظن نفسه بطلها الذي يوجِّه أحداثها كيف يشاء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ولعلَّ هذا هو الامتحان الأصعب للروح؛ أن تعرف ولا تستطيع أن تفعل، وأن ترى ولا تستطيع أن تشير، وأن تفهم ما يجري بينما يستمرُّ العالم في الدوران دون أن ينتبه إلى وجودك. أن تكون حاضرًا في مكانٍ لا يستطيع أحدٌ أن يراك فيه على حقيقتك، وأن تحمل من الأسرار ما قد يغيِّر مصائر الآخرين، لكنك لا تملك وسيلةً لإيصالها إليهم.
ومع ذلك، تظلُّ هناك نافذةٌ صغيرة يتعلَّق بها الأمل؛ نافذة العودة.
العودة إلى الجسد، إلى الحياة، إلى الأصوات التي افتقدتها الروح، وإلى الوجوه التي تركتها خلفها دون وداع. العودة إلى العالم الذي لم تنتهِ حكايته بعد، وإلى الأيام التي ربما لا تزال تخبِّئ فرصةً أخيرة للتصحيح. فماذا لو عادت الروح بعدما عرفت كل شيء؟ ماذا لو فتحت العينان من جديد، واستعادت اليدان قدرتهما على الحركة، وعاد الصوت إلى الحنجرة، وعاد الإنسان إلى الحياة محمَّلًا بأسرارٍ لم يكن يعرفها من قبل؟
هل ستكون العودة بدايةً جديدة، أم أنها ستأتي متأخرةً إلى حدٍّ لا ينفع معه الندم؟ هل يستطيع أن يكشف الحقائق التي ظلَّت مدفونةً تحت ركام الأكاذيب؟ هل سيتمكَّن من مواجهة الذين خدعوه، وإنصاف الذين ظلمهم، واحتضان الذين فرَّط فيهم، وإصلاح ما أفسدته قراراته حين كان يسير معصوب العينين؟ أم أنه سيعود ليجد أن الحياة لم تنتظره، وأن الأبواب التي كان يستطيع فتحها قد أُغلقت إلى الأبد، وأن الأشخاص الذين كان يبحث عنهم قد غادروا أماكنهم، وربما غادروا حياته دون رجعة؟
ماذا لو عاد ليكتشف أن الحقيقة التي عانى كي يعرفها لم تعد قادرةً على تغيير شيء؟ وأن الاعتذار الذي ظلَّ يتمنَّى تقديمه لن يجد أذنًا تسمعه، وأن الكلمات التي ادَّخرها في قلبه لن تجد من يستحقُّ أن يسمعها، وأن اليد التي اشتاقت إلى الإمساك بيدٍ أخرى لن تجد سوى الفراغ؟ أيُّ وجعٍ يمكن أن يفوق أن تُمنح فرصة العودة، ثم تكتشف أن ما عدت من أجله لم يعد موجودًا؟
لكن، في المقابل، ماذا لو كانت العودة هي الفرصة التي لم يكن يحلم بها؟ ماذا لو عاد وفي يده من المعرفة ما يكفي لتغيير مسار الحكاية، وفي قلبه من الندم ما يجعله أكثر رحمةً، وفي روحه من النضج ما يمكِّنه من رؤية الناس بعيدًا عن ظواهرهم؟ ماذا لو أدرك أن الحياة لا تمنحنا دائمًا فرصةً لمحو أخطائنا، لكنها قد تمنحنا فرصةً لنصبح أشخاصًا أفضل، وأن بعض الحقائق لا تأتي لتعيد الماضي، بل لتمنعنا من تكرار مآسيه؟
فربما لا تكون العودة نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية. وربما يكون انكشاف الأسرار هو أول الطريق نحو النجاة، مهما كان الثمن الذي دُفع في سبيل المعرفة. وربما يتعلَّم الإنسان أخيرًا ألَّا يؤجِّل كلمة حبٍّ يستطيع قولها اليوم، وألَّا يترك سوء الظنِّ يهدم ما بناه العمر، وألَّا يستهين بوجع الآخرين، وألَّا يتعامل مع وجود من يحبهم كأنه أمرٌ مضمون لا يمكن أن يتغيَّر.
فالحياة، مهما بدت طويلةً، أقصر من أن نهدرها في الخصام، وأثمن من أن نضيِّعها في العناد، وأعقد من أن نختزلها في أحكامٍ متسرِّعة. وما نظنُّ أننا نعرفه اليوم قد ينكشف لنا غدًا على صورةٍ أخرى، وما نراه نهايةً قد يكون بدايةً لشيءٍ لم نفهمه بعد، وما نعتقد أنه خارج سيطرتنا قد يكون درسًا قاسيًا يعلِّمنا كيف نرى أنفسنا والعالم من حولنا بعيونٍ مختلفة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ومع ذلك، يبقى السؤال معلَّقًا في فضاء الحكاية، كصرخةٍ لا تجد من يجيب عنها، وكبابٍ مواربٍ على المجهول، وكخيطٍ رفيع يفصل بين الأمل والفقد، وبين النجاة والندم، وبين فرصةٍ أخيرة ونهايةٍ لا رجعة بعدها.
❈-❈-❈
(مُهاب)
يقول نجيب محفوظ، المرأة تغفر ولا تنسى، ثم تغفر ولاتنسى ثم تغفر ولاتنسى
وفي لحظةٍ غيرَ مبررة ، تتذكر كل شئٍ دفعةً واحدة ... فلاتغفر!
قصتي مع هند بدأت حينما كانت الترشيح الأول لي من ناحية والدتي حينما أصرت على زواجي منها لأسبابٍ عدة، هند هي إبنة عمي في الأساس وبعد وفاة والدي ووالدها أصبح ليس هناك من يكون عوناً لها غيري، فقررت الزواج منها بعقلي.
نظرت لي ثويبة تستمع إلي بشغفٍ غريب، فأكملت لها :
_كانت طيبة، محترمة، كل اللِ أقول عليه نعم وحاضر.. تقريباً مكناش بنتخانق مرة مثلاً ولو حصلت وشدينا.. بتحتوي هي الموقف أوام ويعدي
علّقت ثويبة على حديثي فقالت :
_كانت ست عاقلة يعني؟
_عاقلة وهادية، مبتعملش اللِ بيضايقني لحد اليوم المشؤم
_حصل إيه بقا؟
_اتهمت ماما إنها خانت بابا وهى متجوزاه وإن عمي كان بيشك فيها لحد م مات بابا وورثته وبعدها اتجوزت عمي محمد عادل بابا فارس أخويا
أومأت ثويبه رأسها دلالةً على أنّها متفهمةً ومستوعبةً ما أقوله، لأردف لها :
_انتِ سامعاني بقول إيه بتتهم ماما بالخيانة!
_طب م أهو إحنا إتأكدنا من الكلام دا يا مهاب
ظللت أحكّ برأسي من هولِ ما علمت مع قولي:
_وقتها طبعاً عمري م كنت أشك فحاجة زي كدا، فطلقتها
_وخليت الفيلا ليه!؟
_كانت بتفكرنى بأيامنا الحلوة، اللِ للأسف مكملتش..
❈-❈-❈
(نسمة)
في غرفة العناية الفائقة كان جسد مهاب بلا حراك، فقط أصوات الاجهزة من حوله.
أمسكت يده وتحدّثت إلى نفسي وكأنّني أرسل له خطاباً بعينيّ، نعم خطاباً ، فيا عزيزي لا تحزن فلم يحبك أحدٌ منّا!
كنت مرحلةً إنتقاليةً في حياة إحدانا، و إنتقاماً من علاقةٍ فاشلةٍ في حياة الاخرى ، كنت وسيلةً لتستطيع إحدانا أن تثبت قوتها و كنت إنتصاراً في حياة الأخرى.
كنت مصلحةً في حياة واحدة، و ملأ فراغٍ للأخرى.
كنت رهاناً في حياة واحدة و تحدياً في حياة الأخرى
كنت كل شئٍ إلا نفسك كممثلٍ يلعب جميع الأدوار في مسرحيةٍ واحدة و أقصى ما يستطيع أن يفعله أن يرتدي القناع المناسب للشخصية التي يؤديها.
تملّكت الأنانيةُ منّا و أصاب العمى قلوبَنا قبل عيوننا فلم يعد أحدٌ يراك.
كنت الرجل الذي أرادوا أن يروا فيه آمالنا وأحلامنا و البلورة السحرية التي كنا نشاهد من خلالها تحقيق أمنياتنا بل و تتغاضى عن نواقصنا أنا وهند
كنت لنا بمثابة الأمان لكل خائفٍ و الونيسَ لكل وحيدٍ و البيت لكل مشرد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
والآن أخبرك بكل أسف لم يحبك أحدٌ منا ، لا لِعيبٍ فيك بل لأننا أجبن من أن نحب رجلاً مثلك ، عندما تعطي تفرط و عندما تحب تطغى، كنت رجلاً ولم نكن كما تريد ولو مرة!
وكأنّه قد سمعني أثناء رقدته، تحركت أنامله ببطئ ففرحت لأهرول مسرعةً أطلب الطبيب :
_دكتوور اتحرك، والله ايده اتحركت
كانت روحه وروح صديقته تقفان بجانب جسده الراقد ومن ثم اختفت روحه لينهض مهاب ببطئ ويحاول فتح عينيه.
هرولت ناحيته وأمسكت يده بفرحة :
_مهاااب، مهاب يا حبيبي انت فوقت، حمدلله عالسلامة ياقلبي
قام مهاب بنفضى عنه وبصوتٍ مسموعٍ نسبياً أردف لي بانزعاجٍ وعبوسِ وجه :
_امش.. امشي اطلعي براااااا يا.. ياحيوانة ، برااا
لم أصدق، هل يتحدث بجدية! هل يطردني أمام طاقم التمريض والطبيب؟ ولماذا؟
_مهاب مالك يا حبيبي
_بق.. بقولك اطلعي برااا
قالها وعاد إلى غيبوبته لأقف ناظرةً إليه غير مستوعبة، هل سمعني أم أنّ هناك قوةٌ خفيةٌ عرّفته المخفي عنه ؟!
❈-❈-❈
(فارس)
ثم الآن، فالهجر بالهجر، والنسيان بالنسيان، وصدُّ الباب بصدِّ الباب!
وقُلْ لهم: إن عثرتم علينا بعد اليوم فعاتبونا،
وإن مددنا إليكم يدنا بعد ذلك فاقطعوها!
طلبت من مدير حسابات الشركة أن يحوّل على حسابي الشخصى مبلغ اثنين مليون جنيه، وبعدها بدقائقٍ أتى الساعد الأيمن لشقيقي مهاب عابسَ الوجه وبرفقته الكثير من الدفاتر
_مستر فارس، لازم توضح للشركه إيه سبب تحويل المبلغ دا لحساب حضرتك
حدّقت به بامتعاضٍ وأردفت له :
_أنا حر يا أخي فلوسي وشركتي وأنا حر
_لا مع الإعتذار يافندم دي فلوس مستر مهاب وشركته وإن شاء الله هيرجع بألف سلامة
نهضت من مكاني محاولاً كظم غيظي قبل دقائقَ من شتمه :
_بقولك إيه، إنت تنفذ الأمر وإنت ساكت سامع، ويلا روح من وشي
انصرف وجلست ثانيةً أفكر ...ماهي الخطوة القادمة إذاً؟ لابدّ من أن أستغل الفرصة على أكمل وجه فهي لن تتكرر ثانية.
❈-❈-❈
(ثويبة)
_ماما... ماما
هرولت ناحيتي والدتي بوجهٍ فرح، وقامت بعناقي فشعرت بتكسر عظامي الوهنة وأردفت لها :
_ماما هو... بابا فين
_فالشغل بس حالاً هكلمه
نظرت حولي، لم أتعرف على المنزل فقلت لها :
_هو البيت دا جديد؟
_اه يا حبيبتي جمب المستشفى، ونقلنا أوضتك مجهزة كمان هنا
بوهنٍ أردفت لها وأنا أنظر إلى الأجهزة من حولي:
_هو أنا بقالي كتير فالغيبوبة؟!
_الحمدلله انك فوقتي، متفكريش ف اللِ راح فكري فاللِ جاي وبس
ألف حمدلله على سلامتك يا حبيبتي
نظرت حولي وكأنّني أفتقد شيئاً ما ، تُرى ماهو؟
❈-❈-❈
(هيثم)
يقول مصطفى محمود أنّ الانسانَ الحقود، هو إنسانٌ معتقلٌ من الداخل ،سجينُ قفصه الصدريّ
لايستطيع أن يمد يديه إلى أحد ،لأن يديه مغلولتين وشرايينه مسدودةً وقلبه يطفح بالغل.
كيف يمارس الحب بحريةٌ واختيار، وهو ذاته معتقل!
كيف يدرك جمال الكون وانسجامه وهو ذاته منقسمٌ يفتقر إلى الإنسجام؟
دلفت إلى غرفة مهاب لا آبه لأحد، تصرفت وكأنّني أقوم بزيارته فحسب، ولجت و أغلقت الباب خلفي ثمً أمسكت الوسادة وضغطت بها على أنفاسه كي يستريح وأستريح للأبد!
ولم أكن أعلم أنّ هذا يدور أمام ناظري روحه دون وليفته هذه المرة..
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
