موسى الحكمدار - الفصل 11 | سهام محمود

قراءة رواية (موسى الحكمدار) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (موسى الحكمدار)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (سهام محمود ) | الفصل: (11)


 


دلفت سيارته إلى القصر ثم خرج منها بخطوات متزنة، نزع جاكيته و فتح الباب لـ يجد روح تهرول في الردهة العلوية ثم هبطت من بايات السلم سريعًا تلوح بـ ورقة صغيرة في يدها : 

 

"غيث لازم نروح العنوان ده بأسرع وقت ممكن"


توقفت خطواته و هو يراها تقترب منه لكنها تعرقلت في طرف السجادة فـ اختل توازنها و كادت تسقط لكن غيث أمسكها سريعًا بين ذراعيه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

 تمسكت به روح بـ اندهاش و قلبها ينبض بعنف من الخوف خشية أن تسقط، نظرت له و عيناها متسعة ثم بعد عدة ثواني قصيرة بـ مساعدته وقفت بـ استقامة، هندمت ثيابها مردفة بتوتر أثناء النظر إليه:


"شكرًا"

  

"كنتي عايزة ايه!؟"


سألها ببرود دون اهتمام لـ شكرها له، رأى أن وجهها تحول إلى العبوس مع إبراز شفتيها قليلاً فقالت بينما تقدم له ورقة صغيرة ممزقة كُتب عليها عنوان قصير:


"العنوان ده لازم نروح عليه عشان نعرف إيه اللي حصل في اليوم اللي حصل فيه الهجوم"


قالت بنبرة جادة و هي تنظر في عيناه الباردة، عقد حاجبيه بـ أستفسار:


"ليه المكان ده بالذات؟"


"عشان عرفت من واحد معرفة أنه فيه كاميرات مراقبة على نطاق كبير جداً موجودة هناك، و تقريباً كل النقط العميا اللي ممكن متخطرش على بال أي حد موجود هناك"


همهم غيث بخفوت يومئ لها دون أن يرد، كان على وشك الصعود لأعلى لكن مدبرة المنزل نادت عليه بـ صوت هادئ:


"غيث، ممكن لحظة؟"


"أكيد اتفضلي يا طنط"


تعجبت روح من أحترامه لها لـ يتجعد وجهها من تصرفاته الباردة نحوها، ابتعدت من الصالة و كانت على وشك الخروج من الباب الذي دلف منه غيث لكن أوقفها صوته البارد فجعل القشعريرة تسري في جسدها بالكامل:



"لو خطيتي خطوة واحدة برا الباب مش هتردد ثانية إني أحط طلقة في نص راسك"



أستدارت بنصف جسدها تحدق به بـ بلاهة بعض الشيء بسبب تغيره السريع من النبرة المحترمة الجادة إلى الباردة بلا مبالاة تجاهها، تنهدت بضيق شديد تضم يديها إلى صدرها في عجز لـ عدم تمكنها من الخروج و بسبب

احتجازه لها دون أي وجه حق.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

عاد غيث بنظره إلى مدبرة المنزل و سأل بنبرة لطيفة قليلاً و هادئة:


'كنتي عايزة تقولي ايه؟"


"انا عايزة ارجع بيتي"


عقد غيث حاجبيه بـ استغراب من طلبها المفاجئ لـ يسألها حتى لا يفكر كثيراً في سبب رحيلها خاصةً أنها لم تكون أسرة و كل ما يعرفه عنها أنها مجرد امرأة عازبة لم تتزوج و تسكن وحيدة في شقة صغيرة قليلاً و بعيدة كثيراً عن

هنا:


"ليه يا طنط!؟"


"شايفة أنه مبقاش لـ وجودي لازمة هنا، و بما أنه صاحب القصر ده مات خلاص انا مهمتي انتهت لـ هنا"


ترقرقت عيناها بـ الدموع و صوتها كان منخفضًا يحمل غصة و الحزن ظاهرًا فيه"


"من يوم ما مات موسى و أنا مش قادرة أقعد في البيت، عارفة أنه جثته عشان تخرج هنا خد وقت كل ما أفكر في كدة قلبي بـ يوجعني، أنا همشي بعد ما يحددوا ميعاد الدفن ارجوك اتصل بيا و قولي عشان أجي"


"ماشي يا طنط زي ما تحبي"


"شكرًا ليك بجد"


شكرته بنبرة مليئة بـ الامتنان فـ بادلها إياها بينما يربت على كفها مردفا:



"لما تمشي هـ خلي السواق يوصلك لحد البيت غير كدة هرفض إنك تخرجي أصلاً"

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تبسمت ابتسامة خفيفة له قبل أن تستدير عائدة إلى غرفتها، تقدمت روح من غيث و سألته بـ اهتمام بينما أناملها تلامس فكها:

 


"هي مين دي يا هاشم؟"


قبض على ذراعها بـ قوة لـ تأن من قوة قبضته، همس لها محذرًا بـ نبرة صارمة:


"اياكي تناديني بـ الاسم ده مفهوم؟"

 

هزت رأسها تبتعد عنه في توتر و إرتباك لـ يتنفس الصعداء منها و كان على وشك الصعود لأعلى لـ كنها قبضت على ذراعه بلا اهتمام لـ حالته المزاجية مردفة:


"أنا بجد محتاجة أخرج من هنا، و بكرة لازم أروح المكتب كمان عشان الشغل"


"لا مفيش خروج"


رفض يدفعها للخلف لـ تتراجع بـ أعين مندهشة من ردة فعله، و رفضه التام هذا جعلها مصرة أكثر على خروجها حتى يقبل.


ركضت بسرعة متوقفو أمامه و بسطت ذراعيها أقصى ما تستطيع تقول بـ نبرة جادة ممزوجة بـ الاصرار:


"لا مش هخليك تمشي غير أما تقبل بـ طلبي مليش دعوة"


"و أنا برفض، أكيد هـ تهربي"


هزت رأسها نافية تنظر إلى عيناه بقوة:


"لا مش همشي أوعدك بكدة، أنا وعدت نفسي اني مش هسيبك إلا لما ألاقي موسى خاصةً بعد ما عرفت البلوة اللي موقع نفسه فيها"


قرن حاجبيه بـ استغراب يسألها بـ برود:


"بلوة؟ إيه دي؟"


"عايز تعرف؟؟ خليني أروح شقتي أجيب هدومي و لما أرجع هقولك"

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

مالت نحوه بحماس شديد تساومه من أجل مصلحتها الشخصية، ضحك بسخرية عليها ثم وضع كفه على وجهها يدفعها نحو الحائط يفسح لـ نفسه مجالاً للعبور من خلالها. 


قال بـ نبرة باردة:


"علموكي أبوكي و أمك تفضلي تساومي في الرايح و اللي جاي مش كدة؟"


حدقت فيه بـ حدة من خلال الشق بين أنامله و قبضت على معصميه بقوة ضئيلة، كان التواصل البصري بينهما صامتاً لا حديث له.


لكن داخلها عندما ذكر لقب الأب و الأم ارتجف قلبها في حزن لـ عدم شعورها بحنان الوالدين، رعايتهما، حبهما، أي شيء يتعلق بـ عاطفة الوالدين لم تشعر بها قط في حياتها، حتى شعور الحب الأخوي لم يكن له وجود في حياتها.


طُبع على مصيرها أن تكون وحيدة بلا والدين، بلا أخوة و أخوات، بلا خالات أو خيلان، لا تعرف من يكون والدها و من هم عائلتها حتى، هذا الوتر الحساس الوحيد في حياتها، لم تقصر جدتها في أي شيء نحوها لكن مهما حدث لن يعوض مكان الوالدين أبدًا من قبل أي شخص.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تمسكت بـ معصمه ثم أبعدته عن وجهها مردفة بـ ابتسامة حزينة تنظر لأسفل بعيدًا عن وجهه، و قد تكونت غصة في حلقها:


"أنا معرفش مين أبويا و حتى مشوفتش امي غير في صورة قديمة"


أهتزت عينيه العسلية لـ حديثها و قد تفاجئ لـ هذه الحقيقة، لم تصله معلوماتها بعد لـ هذا كان تصريحًا صادمًا بالنسبة له، أكملت بينما أناملها تعبث بـ بعضها البعض:


"أبويا و أمي معلمونيش أي حاجة في حياتي، معرفش لو كان أبويا لسه عايش ولا ميت لكن اللي متأكدة منه اني يتيمة الام مليش حد سواء من قريب أو من بعيد"



أستنشقت أنفاسها و رفعت وجهها لأعلى تلمع بكفيها على مقلتيها ذات الحواف الحمراء حتى لا تبكي أمامه، رغم ذلك نظرت في عيناه لـ تفر منها دمعة دون إرادة منها تقول:


"صحيح انك متعرفش حاجة عني، بس أنا قولتلك دلوقتي نبذة عن وضعي عشان تبقى تاخد بالك من كلامك معايا بعد كدة، عشان كلامك جارح يا غيث"

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


ثم لم تنتظر رده لـ تصعد مباشرة إلى غرفة موسى بخطوات سريعة، أغلقت الباب خلفها بقوة لـ تتكئ عليه بينما تنزلق لأسفل تبدأ بالبكاء، رفعت ركبتيها لأعلى و دفنت وجهها فيهما بعدما أحاطتهما بذراعيها، بين الثانية و الأخرى كانت اكتافها ترتجف من صوت شهقتها المكتومة.


حيث غيث كان ما زال يقف على السلم، توقف عقله عن التفكير بسبب كلماتها التي تركتها خلفها و شعر بالذنب و تأنيب الضمير، انفلتت منه تنهيدة حارة لـ يلكم الجدار بـ غضب صاكاً على أسنانه يكمل سيره إلى غرفته.


أخرج هاتفه من جيبه و طلب من أحد الحراس تجهيز مجموعة مكونة من خمسة رجال أقوياء حتى يراقبونها غداً، كما أنه أخبرهم بتركها تذهب إلى أي مكان تريده و استعجل في جمع المعلومات التي تخصها.


ألقى الهاتف على السرير بلا إهتمام يبدأ بـ نزع ثيابه متجهاً إلى الحمام لـ يأخذ حماماً ساخناً بعض الشيء حتى تسترخي عضلاته.



❈-❈-❈



ذهبت إلى المكتب في الصباح الباكر بـ الطبع لاحظت وجود حراس خلفها يتبعونها بـ أمر من غيث، تقع شركة إستثمار أسفل مكتب المحاماة في المبنى و قد أستحوذت هذه الشركة على أكثر من ثلثي المبنى لـ زيادة الموظفين على مدار التطوير في كل عام.


روح هي محامية الشؤون القانونية لـ هذه الشركة و كانت على دراية بـ بعض الموظفين فيها، و يبدو أنه للصدفة لهذا اليوم فقد تم إستدعائها من قبل المدير حتى يستشيرها في أحد العقود المهمة.


بعدما انتهت تجاوزت مكاتب أحد الموظفين فـ توقفت خطواتها مستمعة إلى الحوار الداخلي:


"متقلقش يا فندم كل حاجة طلبتها هتكون موجودة حسب المواصفات اللي طلبتها بالملي"


"متقلقش من ناحية المحسوبية هـ خلي المحاسب يحولك الفلوس لـ حسابك النهاردة بـ الليل زي ما اتفقنا و فوقهم عمولتك كمان"


تحركت روح من مكانها عندما شعرت بـ قدوم أحد من الردهة المقابلة لها، تجعدت تعابير وجهها لأخرى مشمئزة بسبب ما حدث في المكتب، بالرغم من أنها مجرد جملتين إلا أنها فهمت طبيعة الحديث الذي دار بينهما في وهلة قصيرة من الوقت.


لقد كان الموظف الذي يعمل في هذا المكتب مجرد موظف مرتشي بكل تأكيد لن تحتاج لأي شيء آخر حتى تؤكد ذلك، لكنها لا تعلم هوية الموظف لـ تقرر لقائه بطريقة ما إن سنح لها الوقت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بعد العمل لـ مدة نصف يوم أخذت الأوراق المهمة التي عملت عليها بجد خلال الساعات الماضية المنصرمة، فقد كان بحثها مكثف عن هوية الشخص الذي تعامل معه موسى.


و بالتأكاد حصلت على معلومات ضئيلة لا تفيدها في شيء، أستقلت المصعد لأسفل و صعدت سيارتها لـ تخرج من مرآب المبنى و عندما كانت على وشك الخروج لاحظت سيارة أخرى متوقفة جانبا، كان صاحبها قد خرج حتى يفتح

الباب لـ نفسه لكن روح أستغلت المساحة الكافية لـ عبور سيارتها لـ تمضي قدمًا من البوابة.


بعد المرور ضغطت على دواسة الفرامل بقوة لتواجه صاحب السيارة و هو يحدق بها في إندهاش تام و ما زال يمسك الباب بيده، أرتد جسدها للأمام قليلا بينما فتحت النافذة من جهته، أخفضت عدسات نظاراتها السوداء تراه بعيون ضيقة.


سمعت صوته المنزعج و هو يوجه سبابته نحوها:


"عال والله و بقينا في زمن اللي اختشوا ماتوا؟!"


"مجاش على فتحة باب، ده بيقولوا Lady's first يا رجولة"


تبسمت روح عندما سمعت صوته لـ تعلم أنه الموظف الذي كان في الشركة في صباح هذا اليوم، لوحت بيدها له لـ تغلق النافذة ثم أسرعت بقيادة السيارة إلى مكان آخر مهم جدًا.


هز الموظف رأسه الملقب بـ عبد الرحمن و توعد لها بـ الويل لأنه يعرف هويتها تمام المعرفة.



❈-❈-❈


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

في المساء كانت تجلس أرضًا في المكتب أثناء العمل على بعض الأوراق المهمة أثناء جلوسه مقابلها فوق الأريكة يفكر في ما أخبرته به:


"أنتِ متأكدة إن ده الحل الوحيد اللي قدامنا؟!"


سألها بنبرة متهكمة فسألته بلا إهتمام دون أن تنظر له:


"عندك اقتراح غيره؟"


نظر لها بحاجب مرفوع و تحدثت معه بـ نبرة باردة جدًا، في الواقع منذ بداية النقاش بينهما كانت تتحدث بـ برودة شديدة لم يعهدها منها لكنه أدرك أن موقفها هذا بسبب ما حدث في ليلة أمس.


همهم محاولاً التفكير في حل آخر لكن أفضل و أسرع طريقة هي التي أقترحتها روح بالفعل، أستقام واضعًا يديه في جيوب بنطاله القطني يناقشها بهدوء:


"للأسف معنديش اقتراح تاني، بس حتى لو عملنا كدة مفيش أي ضمان لينا أننا هنقدر نوقعه بين ايدينا"


"مش أحنا اللي هنوقعه"


نظر لها مستغربًا و هز رأسه بحيرة منها بسبب إجابتها:


"أنا مش فاهمك!! مرة تقولي أننا هنخلص منه و دلوقتي بتقولي أننا مش أحنا اللي هنوقعه؟! أومال مين لو مكانش أحنا؟!"


أسندت مرفقها على الطاولة تخدش فكها النحيل تفكر بعمق في فكرة خطيرة جدًا و تعلم تمامًا أنها إذا أخبرته لن يوافق على هذا أبدًا، تنهدت هزت رأسها نافية:


"مش عارفة بس لسا بفكر، المهم هو أنت لسه تحت مراقبة ياسر الحصري؟!"


أومأ بالإيجاب لـ تخبره بينما تعود لـ العمل على بعض الأوراق أمامها:


"تمام، أنا بكرة هروح القسم اللي هو شغال فيه و عشان الشبهات يا ريت متخليش رجالتك تيجي ورايا"


"مش هتتحركي من هنا إلا بيهم"


حذرها بنبرة صارمة تهز كتفيها بلا مبالاة تخبره:


"خلاص يبقى أنا هبلغ عنهم و اخليهم يتمسكوا، أهو يتحطوا في الحجز من تلات لـ خمس أيام تكون فسحة حلوة ليهم"


"يا بنت ال...."


"هااه ايييه؟! بنت الايه؟! كمل يا فندم كمل وريني شطارتك في انك بتتشطر على أنسة وحدانية زيي؟!"

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفعت القلم نحوه تنظر له بـ حقد لبضع لحظات سرعان ما أدارت رأسها بعيدًا عنه متمتمة بـ صوت مسموع:


"رجالة آخر زمن!!"


تنهد منها بـ نفاذ صبر لـ يخرج من المكتب تاركًا إياها فيه، تحدثت إلى موسى الذي كان يرى هذه المهزلة منذ البداية:



"اتلم تنون على تنتن والله!! ايه الكيمياء العجيبة بينكم انتوا

الاتنين؟! تكونوش أخوات بس انتوا متعرفوش؟!"


تساءلت بـ نبرة ساخرة بسبب استعجابها لـ تشابه مزاج الاتنين، كلامها ينفذ صبره بسرعة بسببها، يغضبان بسرعة، باردين في التعامل، لديهما كمية لا مبالاة رهيبة تجاه المخاطر التالية حتى و إن كانت بدون ضمانات.


تأففت بـ سخط شديد لـ تدفع الأوراق بعيدًا عن وجهها، بدأت تجمع شعرها في ذيل حصان طويل التقطت أغراضها هاتفها و مفتاح سيارتها، سألها موسى مستغربًا و هو ينظر إلى ساعة الحائط:


"أنتِ رايحة فين دلوقتي؟!"


نظرت روح للسماء من النافذة المطلة على الحديقة و قد كانت حالكة، نظرت له مطولاً في صمت ثم استدارت تغادر دون أن تجيب.


استغرب موسى من رحيلها الصامت بينما هي تعلم ما في داخلها جيداً و ما هي مقبلة على فعله.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (سهام محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل