أحفاد إلياس - الفصل 19 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أحفاد إلياس)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (19)



في لحظة ظننت أنها النهاية ولكن ظهرت أنتَ أنها ليست سوى مجرد البداية، بدونك أنها جسد خاوي بلا روح، ونفس تائهة لا تدري بما فيها، بوجودك ردت إليّ روحي وأصبحت أنا بشخصية جديدة لم أدركها من قبل، وعلى الرغم من ذلك كم تمنيت أن أصل لتلك الشخصية من قبل لكنني لم أكن سوا شخص مسلوب الإرادة.


وكأن بظهروك أيقظت روحي من جديد، وكل يوم يمر وأنتَ إلى جواري أيقنت أن لقاء لم يكن صدفة بل كان مقدر ومكتوب لتكون لي العوض والسند، وتكون فرحة أيامي التي انتظرتها طويلًا وكنت أظن أنها لن تأتي لكن أتت وأصبحت أنتَ فارسي المغوار.


فاليوم معك، لا أخشى عثاء الطريق ولا قسوة الأيام، فقد وجدت في عينيّك مأمني، وفي دفء حضورك سكينة لقلب طالما أثقلته العواصف. أصبحت أنظر إلى العالم بعينين جديدتين، تملؤهما اليقين بأن الأقدار إذا أعطت، أجزلت العطاء، وبأن الصبر الذي رافق عتمة الأيام لم يكن عبثاً، بل كان تمهيداً لهذا النور الذي غمرني.


سأظل أرتل الشكر لرب العالمين أن ساق خطاك إلى طريقي، لنكتب معًا فصلًا جديدًا من الحكاية؛ حكاية عنوانها الوفاء، وبطلها أنتَ الذي أعطى للحياة معتدلاً ومعنى. فلتدم لي سندًا وعوضًا جميلًا، وليقسم الله لنا بقية العمر معًا، يدًا بيد، حتى نبلغ النهاية التي ترضي قلبينا وتجمعنا على الأمل والمحبة.

❈-❈-❈


وكأن بصوته كان إشارة إنذار لها أن يطمئن قلبها فهي داخلها ترتعد بالفعل وتشعر أن هناك خطب ما لكن خشيت أن تطلب النزول من السيارة ولا تجد سيارة أخرى في هذا الوقت، أشار لها أن تهبط:

– أنزلي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أومأت بايجاب ونهضت من مكانها بلهفة كي تهبط ولكن الرجلين لم يتحركوا من أماكنهم كي يسمحوا لها بالمرور فنظرت إليه بتلهف، فنظر إلى الرجلين وهتف بحدة:

– ما تنزلوا عشان تعدي.


التفت إليه أحد الرجال، والذي يظهر على معالم وجهه الإجرام وتحدث ببرود:

– عايزة تعدي تعدي حد مانعها؟


استدار إليهم السائق، وهتف بنفاذ صبر:

– هي إيه الفردة السوداء دي ما تخلصو…..


ما كاد أن ينهي جملته حتى تفاجئ بالرجل المجاور له يخرج من جيبه ميدالية صغيرة وقام بفتحها لتكون مطواه مسننة وقام بوضعها على عنقه وهتف بفحيح:

– خليك في حالك يا راجل إنتَ أحسنلك.


ارتعد الرجل وساد صمت مطبق في السيارة من الجميع بعد أن شعروا بالخطر الذي يحاوطهم.


تجاهل عمر ما حدث وجذب الشخص الذي يجلس على الطرف من تلابيب قميصه، وألقاه خارج السيارة يتبعه الشخص الذي جواره وسط صدمتهم بفعلته تلك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هبطت نوران سريعًا من السيارة بجسد مرتعش وتوقفت خلفه، نهض الرجل الذي اسقطه أرضًا في البداية وقام باخراج مطواه من جيبه وكذلك الشخص الثاني كما هبط الرجل الثالث الذي كان يجلس في المقدمة جوار السائق والتف ثلاثتهم حول عمر بحركة دائرية ولم يتحرك أي شخص من الواقفين التدخل فالظاهر عليهم أنهم ليسوا بوعيهم.


تبسم عمر باستخفاف فهمن هؤلاء حتى يخشى منهم، لكن تفاجئ بيد صغيرة تجذبه من ملابسه من الخلف وتردد بصوت هامس:

– خلينا نمشي يا دكتور.


حدق بالثلاثة رجال، وهتف باستهزاء:

– وسع يا شاطر منك ليه وشيلوا خلة السنان دي من إيدكم.


تحدث أحد الرجال بعنفوان:

– لا ده إنتَ ناويها أتشاهد على روحك يا خفيف.


وفي لمح البصر هجم عليه الرجل يتبعه رفاقه في اللحظة ذاتها التي ألقى نوران من خلف ظهره وهو يهتف بحدة:

– روحي أركبي العربية وأقفلي على نفسك.


تحركت السائق سريعًا ببقية الركاب كي يفر من براثنهم، بدأ الشجار بينه وبين الثلاثة رجال وعلى الرغم أنهم الأكثر عددًا لكنهم أقل من قوة جسمانية فاستطاع أن يتفادى ضرباتهم بمهارة وأسقطهم واحد تلو الآخر، لكن أستغل أحدهم ضربه لفريقه وتوجه تجاه نوران التي تقف جانبًا تنتحب بصمت وجذبها من ذراعها يحاول أن يأخذها بعيدًا تحت تهديد السلاح فصرخت بأعلى صوت لديها ونادت فارسها وحراميها:

– ألحقني يا عمر…


ما أن نطق منادتها باسمه استدار إليها سريعًا تفاجئ بهذا الحقير يكبلها من ذراعها بقوة ويحاول أخذها بعيدًا فترك الرجلين وركض نحوهم وخلصها من براثن الرجل وهجم عليه بشراسة ويضربه بعنف في يده التي كانت تكبله حتى سقط الرجل أرضًا تحت قديمه وهو يئن بألم، بصق فوقه وما كاد أن يتحرك حتى تفاجئ بصرخة نوران من جديد وهي تحذره أن ينتبه التفت سريعًا وجد إحدى الرجلين يقترب منه وهو يوجه السكين نحوه ووجه لا يبشر الخير رفع يده سريعًا كي يدافع عن نفسه لكن سبق السيف العزل واستطاع الرجل أن يغرس السكين في مكانها المطلوب وسط صدمة الجميع.

❈-❈-❈


كان يقود سيارته وهي تجلس جواره صامته كعادتها التفت إليَّها وتحدث بابتسامة ودودة أظهرت جمال نوازغه:

– تحبي نروح أي مكان تاني؟


هزت رأسها نافية وأجابت:

– لا لا عايزة أروح كفاية كده.


رمقها بعتاب وقال:

– وأنا إللي قلت هتقولي خليني معاك الوقت معاك بيعدي بسرعة أي كلام حب بحبك يا إللي أو يا سو أي دلع كده.


أخذت نفس عميق، وهتفت بنبرة حادة:

– ممكن كفاية بجد أنا تعبت.


أوقف السيارة جانبًا، واستدار إليها باهتمام:

– كفاية إيه؟ أنا مش فاهم أنا ضايقتك في حاجة؟


انفجرت به تخرج ما في قلبها:

– معاملتك دي وطريقتك وكل حاجة إنتَ ليه بتتعامل كده؟! قلتلها ليك مرة وهقولها تاني إنتَ تستاهل واحدة أحسن مني تكون أول واحد فى حياتها واحدة نضيفة وحياتها وردي زيك أنا مش شبهك ولا إنتَ شبهي إنتَ من عالم وأنا من عالم تاني خالص عارفة إنك هتقولي عشان كده عايزك تروحي لدكتورة نفسية بس أنا طبيعة مش مجنونة لو في حد مش طبيعي فعلًا فهو إنتَ مش أنا إللي يوافق يضحي باسمه ومستقبله ويرتبط بواحدة زي هو إللي أكيد محتاج دكتور نفسي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تنهد بعمق، وبدت على وجهه ملامح الصدمة المختلطة بالحزن، ثم مد يده برفق ليلمس طرف كفها البارد وهو يقول بصوت هادئ ومطمئن:

– اهدي، اهدي يا حبيبتي، وليه كل الكلام ده بس؟ مين قالك إنك مش شبهي، وإيه حكاية عالم تاني دي؟ إحنا بني آدمين عاديين، وبنخاف ونحب زي أي حد.


سحبت يدها بسرعة كأنها لمست جمرًا، والتفتت إلى النافذة لتخفي دموعًا خانتها وسقطت على خدها، وقالت بصوت مرتعش:

– بني آدمين عاديين؟! إنتَ مش شايف نفسك؟! إنتَ شايف الدنيا كلها أبيض وأسود بساطة وسعادة، وأنا عمري كله كان عتمة ومشاكل كل ما بحاول أقرب منك وأصدق إن ممكن إنسان يحبني من غير غرض، بيجي الصوت جوّاي يفكرني بالماضي أنا بخاف منك ومن نفسي يا أخي! بخاف تكتشف في يوم إني مجرد ورقة مقطوعة من دفتر قديم مش لاقي مكان ليه.


نظر إليها بملامح يغمرها الحب والتفهم، وقال بنبرة حازمة لكنها دافئة:

– كفاية جلد في نفسك بقى أنا اخترتك إنتِ بوعيي، وبكل عيوبك وماضيكِ ووجعك. مش عايز واحدة وردية زي ما بتقولي، أنا عايزك إنتِ الحقيقية، بصراعاتك وقوتك اللي خلتك تستحملي كل ده لوحدك ماضينا مش بيحدد مين إحنا دلوقتي، اللي بيحددنا هو إحنا عايزين نكون إيه بكرة وأنا مش هسيبك تختفي ورا المخاوف دي أبدًا.


التفتت إليه بعينين يملؤهما مزيج من الدهشة والأمل المكسور، وابتسمت وسط دموعها بضعف، بينما عاد هو ليتحرك بالسيارة في هدوء، كأنما يمهد لهما طريقًا جديدًا نحو البدايات.

❈-❈-❈


خرج من المكتب بارهاق بعد أنهى حديثه مع جده، وجد مرام تدلف من الخارج بمفردها اقترب منها وتساءل باهتمام:

– زين فين؟ 


قبل أن تنطق ولجت سيرين من الخارج وهي تحمل الصغير الباكِ وردت بدلًا عنها وهي تقترب منه وهي تردد بدلال:

– معايا يا حبيبي. 


رفع حاجبه مستنكرًا وتوجه بنظراته تجاه صغيره الذي يبكِ بصمت ويمد يده إليه كي يأخذه، تلقفه في أحضانه بحنان، ونظر إليها بحدة:

– زين بيعط ليه؟


أجابت بدلال:

–عادي يا حبيبي كان عايز يلعب في الجنينة بس أنا رفضت لازم يطلع أوضته كفاية كده. 


رمقها بعدم تصديق:

–تمام.


كانت تقف مرام تراقب الموقف بسخرية، وهي تحرك رأسها بيأس.


ظل ثلاثتهم واقفين أوس في المنتصف يحمل طفله وعلى يمينه مرام، وعلى يساره سيرين. 


اقتربت منه سيرين، وهي تربت على ظهره بدلال:

– مش هتطلع يا حبيبي تاخد شور وتغير هدومك؟ أنا حضرتلك الحمام بنفسي يا بيبي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفع حاجبه، وتمتم بسخرية:

– والله ده من إمتى ده؟!


– بيبي ألعب يا أوس باشا.

نطقها نوح الذي يقف بالقرب منهم يتابع ما يحدث باستمتاع، اقترب منهم ووقف جوار مرام وهمس بمكر:

– إنتِ هتقفي ساكته كده أنا لو منك أجيبها من شعرها.


رمقه أوس شذرًا لاقترابه من مرام، وهمسه لها وعلى ما يبدوا أن حديثه أزعجها فهو يظهر على معالم وجهه بوضوح:

– أتلم يا دكتور البهايم أحسنلك.


ألتفت إلى سيرين، وتحدث بلهجة آمرة:

– اتفضلي اطلعي أوضتك يا هانم يلا.


تبسمت برقة، وهتفت برقة بالغة:

– حاضر يا بيبي .


تحركت بدلال وهي تتهادى بخطواتها كل ذلك على مرأى الجميع فلم تقدر مرام أن تكبت ابتسامتها أكثر من ذلك وانفجرت ضاحكة.


نظر أوس ونوح إلى بعضهم بحيرة، لاحظت هي ذلك فجاهدت حتى استطاعت كبح ابتسامتها وهتفت بنبرة ساخرة:

– سوري يا جماعة بس مش متخيلة إن واحد زي أوس يتقال له يا بيبي.


تجهم وجهه ورفع حاجبه باستهجان:

– أفندم ليه إن شاء الله؟


أجابت ببساطة أثارت استفزازه:

– من رأي تبص في المرايا أحسن مش لايقة على شحط زيك.


تركته ورحلت هي الأخرى وصعدت الدرج وهو يطالعها بنظرات مشتعلة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قطع نوح الخطوات الفاصلة بينه وبين أوس وطوق كتفه بذراعه، وتحدث بنبرة ساخرة:

– ده إنتَ شكلك هتشوف أيوم سوداء، قال وأنا عمال أقر عليك وأقول الواد أوس هيبقى ولا هارون الرشيد والجواري تحت رجليه، طلع يا عيني عليه. 


التفت إليه بنظرة حادة، وانحنى ببطء ووضع الصغير أرضًا واستقام في وقفته، وجذب نوح من لايقة قميصه وهتف بحقد دفين:

_ أه يا واطي أهو كله من عينك الصفراء صبرك عليه يا نوح الكلب..


قطع حديثه رنين هاتفه، أفلت نوح من براثنه، وأخرج الهاتف من جيبه، ونظر إلى الشاشة بحيرة :

– ده عمر.


أجاب على الفور وتوقف نوح يستمع إلى المكالمة باهتمام:

–ألو أيوه ..... 


قطع حديثه صوت الطرف الآخر فصاح بحدة:

– تمام... تمام مسافة الطريق وأكون عندك.


أغلق الهاتف ونادى على الخادمة بصوت مرتفع كي تأتي وتأخذ الصغير، وركض سريعًا متوجهًا إلى الخارج يتبعه نوح الذي لا لا يفهم شيء لكن كل كا يدركه أن عمر ليس بخير .


استقل أوس السيارة واستقل نوح إلى جواره وظل صامتًا حتى يصلوا إلى عمر ويفهم منه ما حدث.

❈-❈-❈


أوقف السيارة أمام العقار الذي تقطن فيه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تنهدت بارتياح ووضعت يدها على مقبض السيارة كي تهبط سريعًا وتفر هاربه من حصاره. ولكن قبل أن تترجل من السيارة تحدث بحدة:

– خدي بالك من نفسك.


ردت باختصار:

– حاضر. 


استرسل حديثه بجدية:

– ياريت تسيبك من الصومعة إللي إنتِ عايزة تعيشي نفسك فيها وابدأي جهزي حاجتك عشان الفرح قرب خلاص.


ردت بنفاذ صبر:

– إن شاء الله. 


هبطت من السيارة دون أن تنطق بحرف واحد ظل يتأملها حتى تأكد من أنها دلفت إلى العقار وصعدت إلى شقتها، وأدار هو عجلة القيادة وتوجه إلى وجهته إلى المنزل فهو في حاجة إلى راحة جسدية وذهنية، وجودها برفقته يستنفذ طاقته بشكل كبير ولكن عليه أن يتحمل لأجلها من المؤكد أنها ستتحسن لكنها تحتاج إلى بضع الوقت.

❈-❈-❈


في قصر كبير لا يقل فخامة عن قصر إلياس ولج آزاد إلى قصره يتبعه حارسه الشخصي ويده اليمنى أمان.


توجع إلى مكتبه مباشرةً وجلس فوق مقعده الوثير واضعًا ساق فوق ساق، وقام بإشعال سيجاره الخاص وظل ينفس به بشرود.


تحمحم أمان باحراج، وتحدث بحذر:

– مالك يا باشا شكلك مش كويس؟


استند بمرفقيه فوق المكتب وهتف بشرود:

– مش مرتاح لوتين حاسس إنها هتخرج من طوعي الغبية فاكرة إنها لو اتكلمت مش هقدر أنفذ إللي أنا عايزه أو إن إلياس هيقدر يقف قصادي ويحميها متعرفش إنها بكده بتحفر قبرها بايدها.


تحدث أمان بعملية:

– معتقدش يا باشا تقدر تعمل كده هي أضعف من أنها تتكلم هي بتهدد مش أكتر بتحاول تبين أنها ضعيفة. بس حضرتك هتنفذ ليها شرطها؟


أخذ نفس من سيجاره وتحدث ببرود:

– لا طبعًا.


تساءل أمان بحذر:

– طيب وورد؟


اعتدل في جلسته وردد ببرود:

– مالها؟ هتفضل زي ما هي.


نهض من مكانه وهتف باختصار قبل أن يغادر الغرفة:

– عايز أعرف كل تفاصيل الصفقة الجاية إللي هيدخلها أوس.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رد بطاعة:

– أوامرك يا باشا اعتبره حصل.


غادر غرفة المكتب وصعد الدرج برشاقة وتوجه إلى غرفة نومه ولج إلى داخل الغرفة على الرغم أن ألوان الغرفة داكنة من اللون الأسود والرمادي إلا أن هذا لم ينقصها فخامة ولا رقي.


أغلق الباب خلفه وتوجه إلى الفراش، وألقى بثقل جسده عليه وعينيه منصبة فوق الصورة الكبيرة الموجودة داخل الغرفة، ودون شعور منه هبطت دموعه فوق وجنتيه.

❈-❈-❈


وقفت أمام شقة عمها ودقت الباب بخفة ثوان وفتح الباب وطل وجه زوجتها عمها التي همهمت بغيظ:

– إنتِ؟! حمد الله على السلامة يا أختي.


ولجت إلى داخل الشقة على مضض وهي تستغفر في سرها، أغلقت زوجة عمها وهي تتبعها بعينين ثاقبة وهي تتساءل بريبة:

– إيه ده؟ إنتِ راجعة إيد وراء وإيد قدام قُلت هترجعي شايلة ومحملة؟!


أغمضت عينيها بنفاذ صبر:

– مش شايفة إيدي فاضية؟! يبقى طبيعي مفيش حاجة معايا.


تحركت زوجة عمها سريعًا، ووقفت في مواجهتها وهي تصيح بحدة:

– ما هو طول ما إنتِ لابسة الوش الخشب ده لخطيبك هيطفش منك أكيد.


أشعلت كلماتها الساخنة فتيل الغضب في صدرها، لكنها ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة محاولة الحفاظ على ما تبقى من هدوئها. رفعت بصرها لتلتقي عينا زوجة عمها المليئتين بالفضول والشماتة معًا، وقالت بنبرة خفيضة تكاد تخترقها مرارة السنين:

– يا مرات عمي، الفلوس والهدايا مش هي اللي بتشتري الراحة ولا البني آدمين، أقولك حاجة عشان ترتاحي وتريحني اعتبري خطوبتي خلصت وانتهت، ارتحتي كده؟


تراجعت زوجة عمها للخلف خطوة وكأنها تلقت صفعة مفاجئة، وفتحت فمها بذهول قبل أن تطلق ضحكة ساخرة مهينة:

– خلصت؟! يا حلاوة! لا والله! كنت فاكراكي راجعة بشقة العمر والشبكة الغالية اللي تسترنا، مش تفصلي من أول قلم! صحيح اللي خلف مماتش، طالعة لأبوكي في الفشل وعدم الحظ!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كانت الكلمات أن تعصف بصبرها الأخير، فشعرت بدموع القهر تحتقن في مقلتيها، لكنها عضت على شفتها السفلى بقوة لتمنعها من السقوط. مررت بصرها في أرجاء الشقة الصغيرة، تلك الجدران التي لطالما عرفت فيها ألوان القسوة والتحكم، وأدركت في تلك اللحظة أن هذا المكان لم يكن يومًا بيتًا حقيقيًا يحضن ضعفها، بل محطة انتظار لبيعها لأعلى سعر.


تقدمت بخطوات ثابتة نحو غرفتها القديمة متجاهلة سيل النقد اللاسع الذي كان يلاحقها كالسياط. ما إن أغلقت باب الغرفة الصغيرة خلفها حتى سقطت قناع القوة والصلابة، وأسندت ظهرها إلى الخشب البارد وهي تلتقط أنفاسها المتهدجة ببطء. 


نظرت حولها إلى تفاصيل الغرفة الضيقة؛ الفراش البسيط، الطاولة الخشبية الصغيرة التي تراكمت عليها ذكريات طفولتها ومراهقتها المعذبة، فشعرت بغصة حارقة في حلقها.


لكن وسط كل هذا الحطام النفسي، ومشاعر الخيبة والخذلان، تسلل شعور غريب وخفي بالخفة والارتياح إلى قلبها. صحيح أنها تواجه الآن عاصفة عاتية من لوم وعتاب لا ينتهي، لكنها للمرة الأولى منذ سنوات طويلة تتنفس هواءً حرًا لم تصنعه شروط الآخرين. رفعت كفيها المرتجفتين ومسحت دموعها بعنف، وهمست بصوت حازم يملؤه اليقين:

– اللي جاي هيكون ليكِ طعم تاني يا أنا يا الزمن.

❈-❈-❈


توقفت سيارة أوس أمام المستشفى وهبط منها سريعًا يتبعه نوح الذي ركض نحوه بسرعة وهو يجاري خطواته وتدارك مستفهمًا بقلق شديد:

– هو في إيه يا أوس عمر ماله؟ إيه إللي جابنا المستشفى؟


أجاب أوس باختصار، وهي تحرك تجاه الاستعلام كي يستعلم عن مكان تواجدهم:

– اطمئن ده مش عمر.


توقف فجأة وقطب جبينه بحيرة:

– لو مش عمر أمال مين إللي تعبان؟


رد دون أن يتوقف أو يلتفت له من الأساس:

– نوران حد ضربها بالسكينة.


كان يدور أمام غرفة العمليات كالأسد الجريح لا يصدق أنها ضحت بحياتها لأجله وأخذت هي الطعنة مكانه وها هي الآن ترقد بلا حول ولا قوة في غرفة العمليات.


كانت خطواته المتسارعة على أرضية الممر الباردة تعكس صخب العاصفة الهوجاء التي تعتمل في صدره. يداه المرعوبتان ترتجفان، وفي حلقه غصة مريرة تكاد تختنق منها أنفاسه كلما تذكر تلك اللحظة الخاطفة؛ كيف انقضّت نحوه بلا تردد، وكيف استقرت النصل الغادرة في جسدها الرقيق لتنقذه هو من موت محتم.


أغمض عينيه يتذكر ما حدث منذ قليل…

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

استمع إلى صرختها أن ينتبه وما أن التفت وجد إحدى الرجال يقترب منه وينوي غرس نصل السكين في ظهره رفع يده سريعًا كي يتفادى الطعنة، لكن في لمح البصر وجد نوران تقف أمامه والسكين تستقر في منتصف صدرها، تصنم جسده وهو يجدها تتهاوى بين أحضانه والثلاثة رجال يحاولون الفرار لكن من سوء حظهم جاءت سيارتين أجرة إلى الموقف وتوقفوا سريعًا وهرعوا لمساندة عمر واستطاعوا تكبيل الثلاثة رجال.


سقطت أرضًا بين ذراعيها، وجثى على ركبتيه جوارها وهو يصيح بها بلهفة:

– إيه إللي عملتيه ده يا مجنونة؟!


أجابت بصوت متقطع:

– مقدرتش أشوفه عايز يموتك وأفضل واقفة.


أغمضت عينيها ببطء، وهي تجاهد في أخذ أنفاسها:

– خليك فاكرني يا عمر وأبقى أقرأ ليّ الفاتحة…


أنهت حديثها وسقطت مغشي عليها وسط صدمته تجمدت الدموع في عينيه، وصار الصمت أثقل من أن تحمله الحروف. شد على جسدها بقوة كأنه يحاول عبثًا أن يعيد إليها دفء الحياة الذي يهرب تدريجيًا من أطرافها.


ارتفعت أصوات السائقين من حوله وهم يحاصرون المهاجرين الثلاثة ويثبتونهم على الأرض، لكن عمر لم يكن يسمع شيئًا، ولم يكن يرى سوى وجهها الشاحب الذي خطفه الموت أمام عينيه في لمح البصر.


التفت برأس مذهول نحو سائقي الأجرة، وصرخ بصوت مهشم تكسوه بحة الدموع:

– إسعاف! حد يطلب الإسعاف بسرعة.


هرع أحد السائقين نحوه بلهفة وهو يرى دماءها تبتلع ملابسها، فأخرج هاتفه المحمول بارتجاف وطلب الطوارئ، بينما جثى سائق آخر ليساعد عمر في الضغط على الجرح بقطع من القماش محاولين إيقاف النزف، وهما يرددان بصوت لاهث:

– استهدى بالله يا أستاذ الإسعاف في الطريق، هتبقى كويسة!


لكن عمر لم يكن يستمع. كان ينظر إلى وجهها الساكن، ويداه ترتجفان وهي تحاول تلمس وجنتها الباردة. همس بصوت يائس، تكاد ألا تفصله عن الشجون إلا تنهيدة ممزقة:

– عيونك يا نوران افتحي عينيكِ أنا مش هقدر أكمل من غيرك إنتِ ضحيتِ ببروحك عشاني، قومي عاتبيني، قومي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بدأت أنفاسها تخفت تدريجيًا، وتراخى رأسها تمامًا بين كفيه. في تلك اللحظة القاسية، دوى صوت صفارة سيارة الإسعاف من بعيد تقترب بشق الأنفس وسط زحام المكان.


فتح باب السيارة، وهرع المسعفون نحوهم، وحملوها سريعًا على النقالة وسط توسلات عمر ودموعه التي أصبحت نهرًا لا ينقطع. ركب معها في سيارة الإسعاف، ممسكًا بيدكها الباردة طوال الطريق، ودموعه تبلل أصابعها، وهو يردد بوعد مقدس:

– فوقي يا نوران أنا مش هسيبك… متسبنيش إنتِ كمان.


فاق من سيل ذكرياته على صوت أوس الذي يركض نحوه برفقة نوح.


وصل أوس إليه يتفحصه بعينيه، وهو يلاحظ الدماء التي لوثت قميصه الأبيض بالكامل تساءل بلهفة:

– إنتَ كويس يا عمر؟ إيه الدم ده؟


أغمض عينيه بتحسُر وردد بأسى:

– مش دمي يا أوس دم نوران… ضحت بنفسها عشاني لو حصلها حاجة مش هسامح نفسي طول عمري….


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل