قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (18)
دائمًا ما تجبرنا الظروف أن تضعنا في مواقف صعبة.
وعلينا أن نتخطاها بأنفسنا وبمفردنا ولا ننتظر المساعدة من أحد، ويجب ألا نيأس بل نكون على يقين أن ما نمر به ليس سوى خير خفي لا نعلمه بعد، فرب الخير لا يأتِ إلا بالخير، حتى لو تبين لنا في البداية أنه شر لنا فخيرنا يكمن داخل شرهم لكن لا نبصره سوى في الوقت المناسب.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تلك هي حكمة الحياة الكبرى، تُرينا القسوة في قالب محنة، لتصقل فينا ما لم تكن لترعاه السعة والراحة.
فالأيام حين تشتد وتضيق حلقاتها، لا تفعل ذلك لكسرنا، بل لتعيد ترتيب دواخلنا، وتوقظ فينا قوّةً ما كنا ندرك وجودها لولا عتمة الطريق. وحين ننظر إلى الخلف بعد حين، نبتسم برضا ونعرف لماذا سارت الأمور هكذا، وكيف أن كل باب أغلق في وجوهنا كان في حقيقته نجاةً، وكل مرارة تجرعناها كانت الدواء الوحيد لروح أثقلتها الغفلة.
لذا، امضِ بثبات، وضع يدك في يد القدر وأنت مطمئن، فما دبره الله لك أجمل بكثير مما تبحث عنه، وما خفي عن بصيرتك اليوم سيتجلى لك جليّاً كالشمس في غدٍ قريب.
❈-❈-❈
توقفت أنفاسها واتسعت مقلتيها وهي تطالعه بعينين مرتعبة، تبسم الآخر على الحالة التي وصلت إليها فوضع يده بغرور وتراجع إلى الخلف عدة خطوات وظل يدور حولها وهو يطالعها بعينين متربصتين يستشف الرعب الذي يطل من عينيها.
توقف فجأة في مواجهتها مباشرةً، وتحدث باستمتاع:
– تعرفي إني بحب أشوفك وإنتِ مرعوبة كده يا وتين.
أغمضت عينيها، وهي تحاول تهدئة أنفاسها الثائرة:
– إنتَ عايز مني إيه تاني؟! مش كفاية إللي حصل ليّ بسببك؟ ابعد عني بقى سيبني أعيش هو أنا مستحقش إني أعيش حياة طبيعية زي كل الناس؟ سيبني في حالي بقى.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسم ببرود وقال:
– ممممم والله والقطة طلع ليها لسان وبقت تعرف تتكلم كمان؟! شكلك ناسية إن روحك إنتِ وأختك في إيدي؟ لو فاكرة إن زواجك من إلياس هينجدك مني تبقي غلطانة.
صمت لثوانٍ مفكرًا باصطناع، واستطرد قائلًا بنبرة ساخرة:
– أستني كده أنا فهمت بتفكري في إيه يا وتين بتفكري تقولي لإلياس الحقيقة صح؟ ممممم تصدقي فكرة؟ بس يا ترى هو هيصدقك وهيقف جنبك زي ما إنتِ متخيلة؟ عايزة رأي أنا هيطردك من حياته وهيرميكِ في أقرب فرصة زي ما بيرمي السيجارة في باسكت الزبالة ده مقامك على فكرة.
أغمضت عينيها وابتلعت غصة مريرة، واسترسلت قائلة بصوت مرتعش:
– إنتَ عايز مني إيه بالظبط؟
وضع يده في جيبه وتراجع إلى الخلف مستندًا بظهره إلى الجدار، وتحدث بابتسامة ملتوية:
– أيوه كده يا تينا شاطرة وإنتِ بتسمعي الكلام ركزي بقى معايا في إللي جاي ويتنفذ بالحرف الواحد ومن غير ما تقولي ليه، واعملي حسابك لو كلامي منتفذش وفكرتي تلعبي بديلك من ورايا إنتِ إللي هتندمي وقتها وفي أي لحظة هتلاقي نفسك في الشارع خليكِ عاقلة وأمشي ورايا هتأكلي الشهد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتلعت وتين ريقها بصعوبة، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها وهي تفرك كفيها ببعضهما توترًا. نظرت إليه بنظرة امتزجت فيها الخوف الشديد بالرغبة الملحّة في البقاء والنجاة، وقالت بصوت مهتز بالكاد يطال أذنيه:
– تمام… إللي هتقوله هيتنفذ بس عندي شرط.
رفع حاجبه مستنكرًا، وردد حديثها بغيظ:
– نعم؟ هتتشرطي عليّ كمان؟
أجابت بتحدٍ وثقة حديدة عليها اكتسبتها مما مرت به:
– ده إللي عندي يا إما مش هنفذ حاجة وكده كده الشارع إللي بتقول عليه هيكون أرحم منك.
رمقها شذرًا، وهتف بنبرة حادة:
– عايزة إيه؟!
❈-❈-❈
بعد ساعات طويلة أمضتها ملازمةً لجدران غرفتها الصامتة، حيث أثقل السكون كاهلها وضاقت بها أركان المكان، شعرت بحاجة ماسة لتغيير الأجواء. دفعت الباب الزجاجي بخطوات بطيئة، وخرجت إلى رحابة الشرفة، لتستقبلها نسمات الهواء الباردة والمتاحة في الخارج، فتملكها شعور بالانتعاش وكأنها ولدت من جديد وهي تستنشق عبق الطبيعة الساكنة.
حدقت ببصرها نحو الحديقة المترامية الأطراف في الأسفل، وهناك، بين رقة الزهور وظلال الأشجار، استوقفها مشهد دافئ خطف قلبها للتو. رأت صغيرها يلهو ويتحرك بحرية برفقة تلك المرام التي رافقته بحب وعناية فائقة. كانت تحمله بين يديها برفق شديد، تغمره بالتدليل والاهتمام.
انقبض قلبها وزادت الضغينة والكره تجاهها ولم تدري بنفسها سوى وهي تلج إلى داخل الغرفة متوجه سريعًا إلى الأسفل كي تنتزع طفلها من أحضان تلك الحقيرة.
هبطت بخفة وخرجت من الباب متوجه إلى الحديقة وتوجهت صوبهم بخطوات سريعة حتى توقفت أمامها مباشرةً.
ارتعدت مرام عند رؤيتها وابتلعت ريقها بتوجس فهي على يقين أن ما سيحدث لن يمر مرور الكرام، اقتربت منها على حين غفلة وانتشلت الصغير من أحضانها وهتفت بتحذير:
– أول وآخر مرة أشوفك مع أبني سامعة ولا مش سامعة؟
تجاهلت الرد عليها واكتفت بالصمت مما أثار استفزاز سيرين التي هتفت ساخرة:
– إيه بتعوضي النقض إللي عندك في ابني؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسمت ساخرة، واسترسلت قائلة:
– ما صحيح إنتِ يا حرام قعدتي سنين متجوزة ومخلفتيش، ولا هتخلفي، لو فاكرة إنتِ بالنسبة لأوس حاجة فإنتِ يا حبيبتي ولا حاجة هو متجوزك بس يتسلى يومين وفي نفس الوقت الفلوس إللي هتاخديها من فريد متطلعش بره وترجع ليه تاني وبعدها هيطلقك ويرميكِ في الشارع يا شاطرة.
كانت تستمع إليَّها وعلى وجهها ابتسامة ساخرة، انتظرت حتى انتهت من حديثها ونهضت من مكانها ووقفت في مواجهتها وكتفت ذراعيها فوق صدرها وتحدثت بنبرة هادئة:
– سواء أخلف أو لا دي حاجة في إيد ربنا حضرتك مدخلتيش في علم الغيب ده أولًا، أما فلوس فريد إللي بتتكلمي عنها أنا مأخدتش منها جنيه وفي إيد أوس وهو لو مش عايز يديني الفلوس دي مش هيديني حاجة كل حاجة في ايده وأوس إللي أعرفه مش واطي لدرجة إنه يدي فلوس لمراته ويرجع ياخدها تاني خصوصًا لو الفلوس دي بالنسبة ليه ملاليم.
أخذت نفس عميق، وهتفت بنبرة هادئة:
– أنا مش فارق معايا أتجوز أوس أو لا من الأساس حلي مشاكلك مع زوجك وحاولي تتفاهمي معاه وأنا هكون أكتر من سعيدة لو حالكم اتصلح. سيرين بلاش تضحكِ عليّ أو على نفسك إنتِ عمرك ما حبيتي أوس ولا كان يفرق معاكِ من الأساس كل الحكاية إنك بتعبري إنه هو شيء من ممتلكاتك إللي بتتباهي بيها قدام الناس يعني مش بتحبيه ولا يفرق معاكِ من الأساس. ومش بس كده لا إنتِ عينك كانت على حد غيره.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تصنم جسد سيرين وهي تستمع إلى آخر جملة قالتها فصاحت بصوت مرتبك:
– إيه الهبل إللي بتقوليه ده إنتِ اتجننتي؟!
ابتسمت ساخرة وقالت:
– مشكلتك إنك غبية وفاكرة إنك ذكية ومحدش يعرف حقيقتك بس ما الأسف كله عارف حقيقتك بما فيهم أوس من رأي تسيبك مني وتدوري إزاي تحلي مشاكلك مع زوجك بعد إذنك.
تركتها وغادرت وهي تطالع أثرها في صدمة لم تفق منها سوى على صغيرها الذي تململ في أحضانها وهو يحاول الابتعاد عنها، نظرت إليه بضيق وتمتمت بتوعد:
– أخرس خالص بطل ندب.
❈-❈-❈
مر ما يقارب النصف ساعة ولم تخرج من المرحاض بعد، قطب جبينه بحيرة ونهض من مكانه وتوجه إلى المكان المخصص للمرحاض كي يطمئن عليها يخشى أن يكون قد أصابها مكروه.
وصل إلى المرحاض المخصص للسيدات ووقف أمام الباب ودق الباب بحرج شديد لا يهمه منظره أمام الناس كل ما يهمه الآن هو أن يطمئن عليها فحسب:
– وتين إنتِ كويسة؟ اتأخرتِ ليه؟
فتحت الباب بتوتر شديد وجدت إلياس أمامها تفحص وجهها الشاحب، وتسأل بلهفة:
– مالك في إيه إنتِ كويسة؟
ابتلعت ريقها بتوجس وردت بصوت مرتبك وهي تغادر المرحاض وتغلق الباب خلفها وتحسه على التحرك:
– أنا كويسة الحمد لله.
تحركوا سويًا وتوجهوا إلى الطاولة وعين آزاد تراقبهم من خلف باب المرحاض انتظر حتى غادروا وخرج من المرحاض وغادر المطعم بأكمله.
جلسوا على الطاولة مرة أخرى، وتسأل بقلق شديد:
– إنتِ كويسة؟ وشك مخطوف ليه؟!
تربت من النظر في عينيه، وردت باختصار:
– كويسة الحمد لله اطمئن يمكن عشان الجو حر بس فيظهر ضغطي وطي.
رمقها بعدم تصديق وحرك رأسه بخفة:
– تمام.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قطع حديثهم وصول النادل ووضع الطعام فوق الطاولة وتحدث باحترام:
– تومر بحاجة تانية يا فندم؟
رد بامتنان:
– لا شكرًا لحضرتك.
غادر النادل وأشار إليها بابتسامة:
– اتفضلي بقى دوقي الأكل وقولي ليّ رأيك في ذوقي. أتمنى يعجبك.
ابتسمت بصوت خافت:
– شكل الأكل يفتح النفس تسلم ايدك.
داعبها بمرح:
– تسلم ايدي إيه بس أنا طلبت الأكل بس مش أنا إللي عمله.
تبسمت بهدوء وقالت:
– يردوا تسلم ايدك.
❈-❈-❈
يوم طويل شاق قضاه في المحاضرات وسط طلابه، خرج من المكتب حاملًا حقيبته في يد واليد الأخرى يحمل جاكيت بدلته، مرتديًا نظارته الشمسية، توجه تجاه الأسانسير كي يهبط إلى الأسفل لفت نظره جلوس نوران على الدرج وبين يدها كتاب على ما يبدوا أنها تدرس، توجه إليها بخطى واثقة ووقف بالقرب منها.
انتبهت على ظل يطل فوق رأسها، فرفعت رأسها على الفور وما أن أبصرته خفضت رأسها سريعًا.
حمحم باحراج وأجلى حنجرته، وتحدث بنبرة حادة:
– قاعدة كده ليه؟
أجابت بصوت خافت:
– قاعدة بذاكر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رمقها باستخفاف، وعقب ساخرًا:
– وقاعدة تذاكري على السلم ليه؟
أغلقت الكتاب ولملمت أغراضها، ونهضت من مكانها وهتفت بحزم:
– خلاص همشي بعد إذنك.
هتف بحدة:
– أقفِ عندك لسه مخصلتش كلامي.
توقفت في مكانها وهي تنظر إلى الأرض بصمت، فتسأل بجدية:
– غنى فين؟
أجابت باختصار:
– روحت من شوية.
أومأ بتفهم، واستطرد مستفسرًا:
– وإنتِ مروحتيش ليه لغاية الوقتِ؟
ردت بهدوء:
– منتظرة بنوتة من الفيوم هنروح سوا.
قطب جبينه وتساءل:
– تعرفيها منين؟
تنهدت بنفاذ صبر وقالت:
– اتقابلنا مرة في الموصلات بس.
رمقها شذرًا، وهتف باستياء:
– نعم؟! إنتٌ هبلة ولا مجنونة؟! هتروحي مع واحدة متعرفيهاش؟
رفعت كتفيها باللامبالاة:
– وإيه يعني؟!
أغمض عينيه يستدعي الهدوء، وتمتم بنفاذ صبر:
– اتفضلي قدامي يلا عشان تروحي أنا هوصلك الموقف.
هزت رأسها نافية:
– لا لا شكرًا أنا همشي لوحدي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صاح بانفعال:
– نوران انجزي مش فايق ليكِ.
توجه إلى الأسانسير، وتحركت هي كي تهبط الدرج فنادها بضيق:
– الهانم رايحة فين؟
قلبت عينيها بملل وردت:
– هنزل.
أشار إلى المصعد:
– هتنزلي في الأسانسير معايا يلا.
حاولت الإعتراض لكن هتف بحدة:
– مش هقرر كلامي تاني يلا.
تحركت على مضض، ووقفت جواره في انتظار المصعد فتح الباب وتنحى جانبًا مفسحًا لها المجال كي تدلف:
– اتفضلي.
دلفت على استحياء ودلف خلفها وأغلق باب المصعد خلفه، تركت مسافة بينهم وعلى الرغم من ذلك كانت مرتبكة من قربه المهلك لها، كما أن رائحة عطره الفواحة امتزجت مع رائحة عطره الرجولي.
أخذت أنفاسها ببطء محاولةً أن تبدو هادئة، لكن ضربات قلبها كانت تكاد تُسمع في الصمت المطبق الذي يلف المكان. تحرك عداد الطوابق ببطء شديد، وكأن الزمن قد قرر أن يتوقف عند هذه اللحظة بالذات.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفتت بحركة سريعة لتتفادى التفكير في قربه، فوجهت بصرها نحو الشاشة الرقمية الصغيرة فوق الأزرار، لعلها تشغل نفسها بمتابعة الأرقام وهي تصعد نحو الأعلى. في تلك اللحظة، لاحظت انعكاس وجهيهما معًا على المرآة الكبيرة المثبتة في جدار المصعد.
شعر هو بارتباكها الواضح، فابتسم بهدوء خفيف لم تلاحظه هي في البداية وسط زحمة مشاعرها. خطى نحو الأمام خطوة واحدة قصيرة، ليصبح أقرب، ومال برأسه قليلًا ليقول بصوت هادئ دافئ كسر حدة التوتر:
– مالك خايفة كده ليه؟ مش بعض أنا على فكرة.
التفتت إليه مفزوعة من نبضات صوتها القريب من أذنها، التقت عيناهما في انعكاس المرآة لفترة بدت كأنها الدهر، وانسحب كل التوتر المفاجئ ليحل مكانه صمت آخر صمت مليء بالبوح المعلق بينهما، حتى هبطت مقصورة المصعد متوقفة في الطابع المطلوب، وانفتح الباب معلنًا نهاية تلك الرحلة القصيرة التي غيرت الكثير.
فتحت باب المصعد وركضت سريعًا إلى الخارج بينما يسير هو خلفها يحرك رأسه بيأس من تلك المخلوقة غريبة الأطوار، لاحظ أنها تبتعد عن مكان سيارته ففهم أن تفكر في الهروب منه.
فتحدث بحزم:
– رايحة فين؟ أظن قلت هوصلك للموقف ومش عايز اعتراض الساعة بقت خمسة المغرب يا هانم الوقت اتأخر أصلًا بعد كده محاضرتك تخلص تروحي متستنيش حد فاهمة؟
تحركت على مضض، وهي تتمتم بغيظ:
– فاهمة.
❈-❈-❈
كان يجلس الجد مرتخي على مقعده يستمع إلى حفيده بإنصات تام وفور أن انتهى ضرب على المكتب بعنف بقبضة يده وهو يصيح بحدة:
– إزاي الصفقة تضيع ومتبلغنيش يا أوس باشا؟
حاول التبرير بثبات:
– صفقة وضاعت يا جدو بس بإذن الله هعوضها.
رمقه الجد شذرًا وقال:
– والله؟ حضرتك فاكر إنك كده بتثبتني يا ابن هالة من الوقتِ وبقيت تخسر صفقات أمال لمَ تبقى جوز الأتنين هتعمل إيه يا أوس باشا؟
اقتحم نوح الغرفة بمزاح:
– هيعمل بانيه.
التفت الجد ببطء شديد، ورمق نوح بنظرة كفيلة بتجميد الدم في العروق، بينما ارتسمت على وجه نوح ابتسامة بلهاء وهو يحمل طبقًا فارغًا:
– بانيه يا فالح؟ أنا بتكلم في مستقبل عائلة، وإنتَ جاي تفتح محل طيور مجمدة في نص القعدة؟!
رد نوح وهو يلتقط قطعة من الخبز الذي في طبقه وقال:
– يا جدي، العقل زينة، والصلح خير، وبعدين أوس باشا محتار الله يعينه، الجوازة دي يا إما هتدخله التاريخ.. يا إما هتدخله مستشفى المجانين.
رمقه أوس بغيظ وأشار له لان يخرج:
– أطلع بره يا دكتور البهايم إنتَ وأقفل الباب وراك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رفع حاجبه مستنكرًا وردد:
– نعم…نعم… نعم؟! مين ده إللي دكتور بهايم أنا دكتور نوح إلياس يا خفيف أشهر دكتور جراح انجبته مصر بكره تحتاج ليّ وتبوس إيدي عشان أعالجك.
تهكم قائلًا:
– وهحتاجك إمتى إن شاء الله؟!
أجاب بنبرة ساخرة:
– بكره لما تتجوز يا خفيف التانية ومراتاتك يمسكوا في خناق بعض واحدة تضربك بالبوكس واحدة تكسر الفاظة فوق دماغك مين هيلحقك غيري؟!
أشار إلى الباب وهتف من بين أسنانه:
– شايف الباب ده؟! تخرج بره وتاخده في إيدك أحسنلك يا نوح.
لوك الطعام في فمه بطريقة مستفزة وخرج من المكتب وأغلق الباب خلفه وأثناء سيره في الردهه تقابل مع زوجة عمه التي طالعته باستنكار:
– إيه المنظر ده يا دكتور؟! ما تقعد تأكل زي البني آدمين؟!
أجاب ببساطة:
– ما في بني آدمين بتأكل وهي بتتمشى إيه المشكلة.
نظرت إلى أعلى وقالت:
– أعمل إيه يارب أنا معرفتش أربي حد فيهم؟! مفيش حد ناصفني وبيسمع كلامي في البيت ده.
رفع حاجبه مستنكرًا:
– جرى إيه يا لولو إنتِ مش عارفة تشتطري عليهم جاية على الغلبان إللي بيأكل لقمة تسنده ألا أهبط منكم يا جدعان.
اتسعت مقلتيه بصدمة:
– إيه الألفاظ السوقية دي؟! إنتَ إزاي دكتور لا إزاي أصلًا متعلم وعايش بره مصر؟! أنا طالعة أوضتي عائلة هم.
غادرت من أمامه وظل يتناول طعامه وهو يراقبها:
– يعيني الولية اتجننت على كبر.
❈-❈-❈
بعد انتهاء الغداء تحرك إلياس ووتين واستقلوا السيارة سويًا، كان يقود سيارته في طريق مجهول لا تعلمه تراقب الطريق من النافذة الزجاجية بصمت تمام، بينما هو يقود السيارة ومن حين إلى آخر يلتفت إليها بابتسامة حانية كما لو كان يتأكد كل دقيقة أنها تجلس إلى حقيقة ماثلة إلى جواره بالفعل، توقف بعد فترة أمام أحد المولات التجارية الكبرى.
التفتت إليه بتعجب، وتساءلت بحيرة:
– وقفت هنا ليه؟
تبسم بهدوء وأردف:
– هنجيب حاجة من هنا.
قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:
– حاجة إيه؟
أجابها بغموض:
– هتعرفي الوقتِ أنزلي يلا.
هبط من السيارة دون أن ينطق بحرف واحد فهبطت هي الأخرى على مضض، أغلق السيارة بالريموت كنترول وتوجه إلى داخل المول التجاري وهي تتحرك إلى جواره بتوتر شديد، ظلوا يسيروا إلى بعض الوقت حتى توقف فجأة أمام إحدي المحال التجارية الخاصة بالمصوغات الذهبية.
أشار إليها أن تدلف بابتسامة:
– اتفضلي وصلنا.
توقفت في مكانها وأبت أن تتحرك، وتدراكت مستفهمة:
– إحنا بنعمل إيه هنا؟
أخذ نفس عميق وتحدث بنبرة هادئة:
– هنجيب شبكتك.
جعدت جبينها بامتعاض، وهزت رأسها نافية:
– شبكة إيه؟! أنا مش عايزة شبكة.
تجاهل رفضها وهتف بإصرار:
– مفيش عروسة من غير شبكة واتفضلي يلا قدامي وأعملي حسابك تنقي إللي يعجبك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رمقته بتحدٍ:
– وأنا مش هختار حاجة.
ألتوت شفتيه بابتسامة ساخرة:
– يبقى قصرتِ عليّ المسافة وأشتري ليكِ المحل كله.
بهت وجهها فهي على يقين أنه لا يمزح فهو قادر بالفعل على شراء المحل بأكمله.
ولج إلى داخل المحل وهي تتبعه مرغمة على أمرها، نهض المدير على الفور واستقبله بحفاوة على ما يبدوا أنهم على معرفة مسبقة.
همس إلياس في أذنه ببضع كلمات فتبسم الآخر على الفور، وأشار لهم أن يجلسوا:
– طيب اتفضلوا استريحوا.
جلس على الأريكة بعد أن قام بفتح أزرار حلته، وظلت هي واقفة، فتنهد بغيظ وقال:
– هي الهانم هتفضل واقفة؟ ما تقعدي يا بنتي في إيه؟!
جلست على مضض على الطرف الآخر من الأريكة، فتبسم ساخرًا وعقب:
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم يا بنتي الكنبة واسعة إنتِ قاعدة على الحرف هتقعي خلاص.
ردت بعند:
– أنا مرتاحة كده.
صمت مرغمًا فهو على علم أنها عنيدة ولن ترضخ له، عاد الرجل بعد قليل وبرفقته العامل يحمل مجموعة من العلب القطيفة وقام بوضعها فوق الطاولة وبدأ يفتح العلب أمامهم واحدة تلو الآخر والرجل يردد:
– دي أجدد تشكيلة وصلت عندنا يا إلياس باشا هسيب حضرتك تختار على راحتك إنتَ والهانم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انسحب الرجل والعامل، والتفت إليها وهتف بتحذير:
– ها تحبي تختاري إنتِ ولا ناخدهم كلهم وبلاش نضيع وقت؟!
تنهدت بقلة حيلة وظلت تتأمل المشغولات الذهبية حتى وقع بصرها على طقم رقيق من الذهب الأبيض وأشارت إليه:
– ده حلو.
طالع ما تُشير إليه بإعجاب:
– واو ذوق حلو. تمام ده وهناخد إللي جنبه كمان.
نظرت إليه باستنكار فأجاب ببراءة مصطنعة:
– واحد شبكتك والتاني هدية مني ليكِ.
هزت رأسها بيأس وصمتت فهي لا طاقة لها بالكلام أو المراوغة مثله من الأساس.
نهض من مكانه وقام بشراء الطقمين ودفع ثمنهم الباهظ بكرت الفيزا خاصته وبعدها أخذ الحقيبة وغادروا سويًا استقلوا السيارة مرة أخرى، مد يده إليها كي يعطيها الحقيبة لكن رفضت على الفور:
– ممكن تخليها معاك؟
قطب جبينه بحيرة:
– ليه؟
هتفت بإصرار:
– أنا وافقت واختارت فلو سمحت خليها عندك ومن غير ليه.
زفر بضيق وقال:
– تمام يا وتين إللي تشوفيه.
❈-❈-❈
كانت تستقل السيارة إلى جواره وهي تشعر بالخجل الشديد فهذه أول مرة بحياتها تستقل السيارة برفقته بمفردهم، طوال الطريق كان الصمت هو المسيطر عليهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وصل أخيرًا إلى موقف السيارات الخاص بها أوقف سيارته فتمتمت بشكر:
– شكرًا لحضرتك.
ردت باقتضاب:
– العفو.
هبطت من السيارة أسفل نظراته وتوجهت إلى السيارة المتجهة إلى الفيوم، كاد أن يتحرك بسيارته لكن لفت نظره أن السيارة التي استقلتها لا يوجد بها إناث غيرها وما أثار تحفظه هو رؤيته إلى ثلاثة شباب كانوا يجلسون جانبًا ويشربون السجائر ويظهر على معالم وجههم معالم الإجرام لم يصعدوا إلى السيارة إلا عندما صعدت هي والأدهى أن اثنين منهم جلسوا جوارها والثالث ركب في المقدمة جوار السائق، انقبض قلبه عندما لاحظ أن السيارة على وشك التحرك لا يدري بنفسه سوى وهو يهبط من السيارة مسرعًا ووقف أمام السيارة الأجرة قاطعًا طريقها، تذمر السائق وبدأ في السباب بكلمات غير مفهومة فلم يعطيه بالاً وتوجه إلى باب السيارة وفتحه سريعًا وجدها تجلس جوار النافذة منكمشة على نفسها وتضع حقيبتها جوارها كي تمنع جسد الرجل من الالتصاق بهم ويظهر على معالم وجهها الخوف والارتعاد، ولكن ما أن أبصرته طالعته بلهفة كما لو كان طوق النجاة لها.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
