قراءة رواية (ما تبقى لدي الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (ما تبقى لدي)
الجزء الثاني من رواية ثنايا الروح
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (رانيا الخولي ) | الفصل: (25)
بعد مرور يومين من التفكير العميقة والحيرة التي أنهكت قلب تاليا، جلس جاسر على طاولة العشاء مع عائلته نظر إلى تاليا بحنان أبوي وقال بصوت هادئ
_ها يا تاليا فكرتي كويس في كلامي؟ وعايز أعرف ردك إيه يا حبيبتي؟
رفعت تاليا عينيها إليه وبدت على ملامحها علامات الثقة التامة بوالدها وردت بصوت خفيض ومستسلم
_اللي تشوفه حضرتك يا بابا أنا بثق في رأيك وبسلم أمري ليك طالما شايف إن الإنسان ده مناسب ليا يبقى خلاص أنا موافقة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أشرق وجه جاسر بفرحة عارمة وابتسم بامتنان ثم ربت على كتفها بحرارة
_ ريحتي قلبي وربنا يكتب لك السعادة وهنقرا الفاتحة بإذن الله طول افتتاح المستشفى الجديدة.
في تلك اللحظة كانت حنين جالسة بقربهما فتحدثت بعفويتها المعهودة وهي تحاول المساعدة في ترتيب أمور المستشفى
_يا عمي على سيرة المستشفى الجديدة فيه دكتور زميل ليا دكتور كبير أوي ومشهور بكفاءته وثقته المطلقة، وكنت بفكر إنه ممكن يكون هو الشخص المناسب جداً عشان يتولى إدارة المستشفى.
نظر إليها جاسر باهتمام وأومأ برأسه
_تمام يا حنين طالما أنتي واثقة فيه وشايفه كفاءته يبقى على بركة الله خليه ييجي نتقابل معاه.
_اه طبعا واثقة فيه جدا ده شخصية محترمة جدا ووقف جانبي في قضيتي.
لم تلاحظ حنين النبرة أو الحماس الزائد في وصفها لذلك الزميل لكن يامن الذي كان جالساً في أقصى الغرفة يتابع الحديث، تصلبت عيناه المعروفتان بالوقار والشموخ، وظهرت مسحة غيرة حادة وصامتة على ملامحه الحادة فعقد حاجبيه والتزم صمتاً مهيباً ينبئ ببركان مكبوت
لاحظت حنين فجأة نظرات يامن الثاقبة التي تكاد تحرق المكان، وأدركت فجأة هفوتها والكلمات الحماسية التي أثنت فيها على "ذلك الزميل" أمام رجل بغيره وسطوة يامن
توترت حنين وبدا الارتباك واضحاً على وجهها وخاصة عندما استأذن يامن ببرود ظاهر ووقار حاد ونهض من مقعده بخطوات واسعة لتتابعه حنين بعينيها ثم استئذنت بدورها وذهبت خلف
دخلت حنين الغرفة بخطوات مترددة لتجد يامن قد سبقها واختفى داخل الغرفة دلفت خلفه وبدت ملامحه غارقة في صمت مهيب وغضب مكتوم، وقبل أن تنطق بكلمة واحدة اتجه نحو الحمام وأغلق الباب خلفه بعنف شديد أحدث صدى ردد أركان الغرفة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وقفت حنين مكانها تحصي أنفاسها بتوتر بانتظار أن يخرج وما إن انفتح الباب وخرج بهيبته وشموخه المعتاد حتى أسرعت بالاقتراب منه بخطوات قلقة ووضعت يدها على ذراعه قائلة بصوت خفيض يقطر أسفاً
_يامن أنت زعلت؟ صدقني والله العظيم مكنتش أقصد أي حاجة من اللي فكرت فيها هي مجرد كلمة طلعت بعفوية.
أشاح بوجهه عنها ببرود قاسي وأدار ظهره متجنباً النظر في عينيها فهو يعلم أن طريقتها في الاعتذار ستضعف جدار غضبه، ورد بصوت مقتضب وغليظ
_سيبيني لوحدي يا حنين بلاش كلام في الموضوع ده دلوقتي عشان لو رديت بجد الكلام هيزعلك.
لم تستسلم حنين لصدوده بل تحركت أمامه لتعترض طريقه ومدت كفها لتلتقط يده وقالت بلهفة وتوسل
_عشان خاطري يا يامن اسمعني والله مكنت أقصد امدحه ولا أقصده بشيء، أنا كل ما في الأمر كنت باكد لعمي إنه إنسان كويس وخلاص عشان المستشفى والشغل وبس ليه اخدت الموضوع بحساسية أوي كده؟
تصلبت عضلات وجه يامن وانفجرت الشرر من عينيه الحادتين فانتزع يده من بين كفيها بقسوة وتقدم منها خطوة حتى بات يواجهها بندية مشحونة
_تقومي تمدحي فيه بالشكل ده قدامي؟! تقولي عليه دكتور ممتاز وانا واثقة فيه ومش عارف إيه وكأني مش قاعد معاكي في نفس الغرفة؟ مش مراعية وجودي ولا غيرتي اللي بتكوي قلبي؟ صوتك وطريقتك كانوا كفيلين يخلوني أفقد أعصابي وأنا راجل مبقبلش حد يشاركني حتى في نظرة
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
استدار وتركها ليتجه نحو السرير بغية النوم وتجنب استمرار النقاش لكن حنين أسرعت وراءه وجثت على ركبتيها بجانب الفراش ودموعها تبلل وجنتيها وقالت بصوت متهدج يفيض بالعشق
_حقك عليا أنا غبية ومفكرتش في كلامي بس والله ما فيه في قلبي غيرك أنت ولا بشوف راجل غيرك أصلاً، غيرتك دي بتوجعني بس بتفرحني في نفس الوقت لأنها بتأكد لي أنا قد إيه غالية عندك، أرجوك متنامش وأنت زعلان مني، والله ما أكررها أبداً.
تسمر يامن في مكانه ولم يعد بإمكانه الصمود أمام اعترافاتها البريئة
التفت إليها ورأى ذلك الانكسار الجميل في عينيها لأجله ففقد كل ما تبقى لديه من قسوة مصطنعة
ومد يده الكبيرة ورفع بها ذقنها برفق ماسحا على وجنتها بإبهامه بحنان جارف، وقال بصوت خفيض هادئ يحمل كل معاني العشق والسيطرة
_بطلي عياط يا حنين دموعك دي هي السلاح الوحيد اللي بكسر قدامه أنا مش بغير عليكي من فراغ، أنتي روحي اللي بمشي بيها ومستحيل أتحمل أنك تنطقي اسم راجل غيري بمدح أو إعجاب حتى لو بالصدفة.
وما إن انتهى من كلماته حتى ألقفت حنين نفسها بين أحضانه بلهفة وأطبقت ذراعيها حول عنقه ودفنت وجهها في صدره وهي تهمس بندم وامتنان
_بحبك وعمري ما هزعلك مني تاني أبداً يا يامن.
أحاطها يامن بذراعيه القويتين وضمها إلى صدره بامتلاك واحتواء كامل وطبع قبلة حانية على شعرها مستسلماً لسلطان حبها الذي يغفر كل شيء.
❈-❈-❈
في مكتب جاسر بعد إن استرد عافيته
جلس ريان في مكتب جاسر الواسع وملامحه تعكس هدوءاً مصطنعاً يخفي تحته عاصفة من الأفكار والحسابات المعقدة، رفع جاسر بصره إليه وابتسم بوقار أبوي ثم أغلق الملف الذي بين يديه وقال بنبرة حاسمة ومستقرة
_أنا فكرت في كل كلامنا يا ريان وبما أن تاليا وافقت يبقى مفيش داعي للتعطيل، فرحكم هيكون بعد شهرين من دلوقتي وتكون الدنيا اتظبطت والمستشفى الجديدة اشتغلت.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
شعر ريان بوخزة مباغتة في صدره وكأن الزمن قد توقف لثواني معدودة شهران فقط؟! أهذا يعني أن حبل الالتزام يلتف حول عنقه أسرع مما متوقع؟ هل يتحول الانتقام المخطط إلى واقع ملموس بهذه السرعة؟ لكنه تدارك ملامحه فوراً وأخفى ارتباكه خلف ابتسامة باردة وواثقة ورد بصوت هادئ
_اللي تشوفه حضرتك يا جاسر بيه أنا جاهز، وكل همي أن طالما وافقت آنسة تاليا يبقى مفيش أي عائق قدامنا.
نظر إليه جاسر بتمعن وكأنه يقرأ خفايا روحه وأضاف بنبرة حازمة
_عايزك تعرف يا ريان أن تاليا مش مجرد بنت عادية هتاخدها تاليا دي روحي، وعايزك تحطها في عيونك وأنا واثق أنك هتعمل كده.
أومأ ريان برأسه واختلجت ضلوعه بقرار صارم اتخذه مع نفسه:
نعم سيتزوجها وسيدخل هذه السرايا ليحقق هدفه لكنها ستبقى مجرد "وسيلة" في معركته الكبرى..........................................
في تلك اللحظة انفتح باب السرايا على مصراعيه ودلف يامن بخطواته المهيبة والواثقة وخلفه ضيف جديد أطل بروحه الجذابة وملامحه الهادئة التي تنضح بالثقافة والوقار وقد تميز ببنية متناسقة وابتسامة راقية تزرع الراحة في النفس وعينين ذكيتين تلتقطان كل تفصيلة حوله.
التفت الجميع نحو الوافد الجديد بترحيب حار وتقدم جاسر من مكتبه لاستقباله بحفاوة بالغة مد جاسر يده وصافحه بحرارة قائلاً
_أهلاً وسهلاً يا دكتور مراد نورت السرايا يا بني، حمد لله على السلامة.
بادله مراد الابتسامة بجرعة عالية من الذوق والرقي وقال باحترام
_البيت منور بصحابه يا جاسر بيه متشكر جداً على حفاوة الاستقبال دي وسعيد ومصر أن أكون قد الثقة اللي وضعتوها فيا.
_دكتورة حنين شكرت فيك جداً، وقالت إنك إنسان محترم ومخلص لشغلك وأنا واثق إنك هتكون قد الثقة وأكتر في إدارة المستشفى الجديدة.
في تلك اللحظة وبينما كان مراد يوجه نظرات شكر وامتنان التقت عيناه صدفة بعيني تاليا التي كانت تقف في أقصى الصالة
حدث ذلك التلاحم البصري السريع نظرة هادئة من مراد حملت تقديراً صامتاً مقابل نظرة مشدوهة ومحيرة من تاليا التي شعرت لسبب غريب بضربات قلبها تتسارع لدوقات غير مبررة.
كان ريان جالساً يراقب المشهد من زاويته وشعر ببرودة غريبة تسري في شرايينه
لم يكن مراد مجرد طبيب عادي، بل كان يحمل كاريزما طاغية وحضوراً قوياً يفرضه على المكان منذ اللحظة الأولى
لمعت الشكوك في عيني ريان، وتساءل في نفسه بقلق مباغت: من يكون هذا القادم الجديد؟ وهل سيكون مجرد موظف في المستشفى، أم أنه قدم لينافسه على كل ما يحاول بناءه داخل السرايا؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صعدت تاليا درجات السلم بخطوات متثاقلة وقلبها لا يزال يخفق بتلك النبضة الغريبة التي لم تعهدها من قبل
التفتت برأسها لمرة أخيرة نحو الصالة تتساءل في سرها عن هوية ذلك الرجل الذي اقتحم هدوء السرايا بحضوره الطاغي قبل أن تواريها جدران غرفتها تاركةً خلفها تساؤلات تنهش عقلها.
في الأسفل أشار جاسر لمراد بالجلوس على المقعد المقابل له بينما كان ريان يراقب الموقف بصمت حذر تنحنح جاسر وقال بصوته الوقور
_اتفضل يا دكتور مراد البيت بيتك أحب أعرفك ده البشمهندس ريان هو اللي ماسك تنفيذ وتجهيز المستشفى من الألف للياء وكمان هو خطيب بنتي تاليا.
مد مراد يده بابتسامة مهذبة وواثقة نحو ريان
_أهلاً بك يا بشمهندس تشرفنا جداً، واضح إن المجهود اللي معمول في المستشفى وراه عقلية هندسية متميزة.
صافحه ريان ببرود ظاهر وقبضة يده كانت فاترة وعيناه لم تتزحزح عن عيني مراد، ورد باقتضاب
_أهلاً بيك يا دكتور الشغل لسه مخلصش والنتيجة الحقيقية هتبان لما المستشفى تشتغل.
شعر ريان في تلك اللحظة أن مراد ليس مجرد طبيب عابر بل هو ند قوي يمتلك ثباتاً انفعالياً يثير حفيظته
التفت جاسر لمراد وبدأ يتحدث بجدية عن المشروع الذي طالما حلم به
_بص يا دكتور المستشفى خلاص جهزت كبناء وفاضل بس المعدات والأجهزة الطبية وطبعاً المهمة دي هتكون مسؤوليتك بالكامل بحكم خبرتك وعلاقاتك.
أومأ مراد برأسه باهتمام فأكمل جاسر موضحاً رؤيته التي فاجأت ريان
_عايزك تعرف إن المستشفى دي مش هيكون ليها أي عائد مادي ليا هي مستشفى خيرية للناس الغلابة واللي مش قادرين، هيكون فيه أجور بس رمزية بسيطة جداً عشان نغطي رواتب العمال والمصاريف الإدارية حتى العمليات هتكون مخفضة جدا إنما لو حالات مادياً صعبة دي هتكون مجانية.
لمعت عينا مراد بإعجاب شديد بهذه الرؤية وقال بصدق
_ده شيء عظيم جداً يا جاسر بيه وقليل لما بنلاقي حد بيفكر في الجانب الإنساني بالشكل ده في الأيام دي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تابع جاسر وهو ينظر ليامن
_هيكون معاك في الفريق دكتورة حنين، وبنتي تاليا لسه متخرجة السنة دي وهتكون معاكم برضه عشان تتعلم وتكتسب خبرة.. وأي تخصص تاني هنحتاجه أو أي طاقم طبي، أنت اللي هتكون مسؤول إنك تجيبه وتختاره بنفسك، أنا واثق في نظرتك.
كان ريان يستمع لكل كلمة وشعوره بالحيرة يزداد
كيف لرجل شارك في القتل ان يكون بتلك الإنسانية
ربما يكون ما يفعله مجرد تغطية وقناع يخفي به حقيقته
شعر بالخطر يزداد فوجود مراد كمدير للمستشفى، واحتكاكه المباشر والدائم بتاليا تحت مسمى "العمل الإنساني"، جعل نيران الغيرة والشك تشتعل في صدره، وبدأ يتساءل: هل سيظل هو "الخطيب" الوحيد في الصورة، أم أن هذا الطبيب القادم من القاهرة سيقلب كل الموازين؟
تابع جاسر
_وبالنسبة للسكن فأنا عملت مبنى جانب المستشفى عشان الدكاترة اللي جايين من برة البلد تقدر تروح ترتاح دلوقت والصبح نشوف المكان وتشوف ايه اللي محتاجه.
تطلع مراد في ساعته وقال بأسف
_للاسف مش هقدر استنى لبكرة لأني لازم أرجع النهاردة انا هشوف المكان وخلال فترة بسيطة كل المعدات هتكون جاهزة.
تفاهم جاسر
_تمام اللي تشوفه.
❈-❈-❈
ترجل جاسر من سيارته ومعه الدكتور مراد الذي كان يلتفت ببصره في أرجاء المكان بمهنية عالية، اقتربا بخطوات ثابتة نحو منطقة العمل كان ريان ينظر إليه بملامح ماصلبة وابتلع ضيقه ثم تقدم لاستقبالهما
_ منور الموقع يا دكتور مراد.
ابتسم مراد بتهذيب ورد بصوته الواثق
_الموقع منور بأهله يا بشمهندس أنا كنت حابب أجي أبص بنفسي على التوزيعات الداخلية قبل ما نبدأ تركيب التمديدات الطبية.
أومأ جاسر برضى وقال وهو يشير بيديه للمكان
_تمام يا ريان خد الدكتور مراد لفة في الدور الأرضي وقسم العمليات واعرف منه لو فيه أي ملاحظات أو تعديلات محتاجاها الأجهزة.
تحرك الثلاثة في ممرات القسم الطبي وشرع مراد يتفحص الجدران وتوزيع الغرف بعين الطبيب الخبير الذي يعرف تفاصيل دقيقة لا يلاحظها المهندس وحدها.
توقف مراد فجأة أمام إحدى الغرف المخصصة للأشعة المقطعية وعقد حاجبيه قائلاً
_معلش يا بشمهندس ريان الغرفة دي هنا مش هتنفع مساحتها ضيقة نسبياً، والمكان مش هيناسب أحمال أجهزة الإشعاع الحديثة، لازم الجدار ده يتوسع مترين لبرة
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تصلبت عضلات وجه ريان فور سماعه لهذه الملاحظة واشتعلت في عينيه نظرة تحدي واستفزاز فرد بصوت حاد يحمل نبرة هجومية
_بتقول إنها مش هتنفع؟! وحضرتك بنيتها على أي أساس عشان تقرر إنها تتوسع؟ التصميم ده استغرق شهور من الحسابات الهندسية وكل زاوية هنا مدروسة بعناية، ومش لمجرد إنها جية على مزاجك الهندسي يبقى نهد اللي اتبنى ونعيده.
حافظ مراد على هدوئه التام وثباته الانفعالي، ولم تنعكس عصبية ريان على ملامحه بل ابتسم ببرود محترف وقال
_أنا مش بقلل من شغلك يا بشمهندس، ولا بقول إن الهندسة غلط بس أنا بتكلم من واقع شغل عملي في المستشفيات الأجهزة دي ولو متصممتش بالطريقة الطبية الصح، هتسبب مشاكل فنية بعدين، وأعتقد إحنا الاتنين عايزين المكان يطلع مظبوط صح ولا إيه؟
شعر ريان أن مراد يفرض سيطرته على أرضه وداخل مشروعه، فقبض على الخرائط بقوة حتى أوشكت على التمزق ورفع صوته بنبرة قاطعة
_الشغل الصح هو اللي بيمشي على اصول الهندسة اللي درستها، وأنا مقبلش أي حد يتدخل في تفاصيل التصميم الإنشائي بتاعي بحجة خبرته الطبية، طالما أنا المسؤول عن التنفيذ هنا.
تدخل جاسر بحكمته المعهودة لفض الاشتباك المهني قبل أن يتحول إلى صدام شخصي، فوضع يده على كتف ريان وقال بنبرة حازمة لكنها حانية
_هدي نفسك يا ريان الدكتور مراد مش بيشكك في شغلك هو بيبص لمصلحة المستشفى من ناحية الشغل الطبي، وإحنا هنا عشان نتعاون مش عشان نتنافس، اسمع منه وشوف لو فيه تعديل بسيط ممكن يتعمل من غير ما يعطل الشغل، ابدؤوا ظبطوه مع بعض.
أشاح ريان بوجهه ناظراً إلى جهة أخرى، وابتلع مرارته وغيظه الدفين واكتفى بهزة رأس مقتضبة بينما بادله مراد نظرة هادئة تثبت تفوقه في الحفاظ على هدوئه، مدركاً تماماً أن هذا الشاب يرى فيه منافساً شرساً لا يقتصر على حدود العمل فحسب.
❈-❈-❈
عاد تميم إلى الغرفة بعد يوم عمل طويل وشاق وما إن فتح الباب حتى تفاجئ بنادين جالسة أمام حاسوبها المحمول، ترتدي عباية منزلية أنيقة لكن من دون حجاب وتبدو منغمسة في محادثة مرئية عبر الشاشة
شعر بوخزة غريبة من الغيرة تسري في صدره لكنه كبحها فوراً فهو لا يريد أن ينكد عليها صفو يومها أو يظهر بمظهر المتسلط.
ما إن رأت نادين اقترابه حتى أشارت إليه بابتسامة واسعة وقالت بصوتها الرخيم
_تعالى يا تميم آدم على الخط ويقول إنه يريد رؤيتك والاطمئنان عليك.
ت
لاشت غيرة تميم أمام بريق عينيها فابتسم واقترب بخطوات هادئة وجلس بجانبها على حافة الفراش ناظراً إلى الشاشة حيث ظهر وجه آدم بملامحه الهادئة والصافية
بادر تميم بالترحيب بحرارة وعفوية
_أهلاً بيك يا آدم عامل إيه؟
رد آدم بنبرته الفصحى الهادئة والموزونة
_أهلاً بك يا تميم أنا بأفضل حال والحمد لله أردت فقط الاطمئنان على نادين وأشكرك من قلبي على كل ما تقدمه لأجلها، فأنت لست زوجاً لها فحسب بل حصنها الأمين.
نظر تميم إلى نادين نظرة حب وعشق دافئ ثم أعاد بصره إلى الشاشة وقال بصدق
_نادين في عيني يا آدم دي روحي اللي بتمشي بيها ومفيش شكر بين الأخوة.
بعد بضع دقائق أخرى من الحديث الودي أنهى آدم المكالمة بسلام ووداع حار وأغلقت نادين الشاشة والتفتت إلى تميم بابتسامة رقيقة وممتنة.
لكن تميم أمسك بيديها برفق وبدا وكأن هناك فكرة تشغل ذهنه فابتسم وقال بنبرة هادئة وحنونة تخلو تماماً من أي تسلط أو غلظة
_بقولك ايه يا حبيبتي عندي نقطة صغيرة كده حابب ألفت نظرك ليها، ومن باب العلم بشيء مش أكتر.
التفتت إليه نادين باهتمام وسألته بصوتها العربي
_ما هي يا تميم؟ قل لي أسمعك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسم تميم بحنان وتابع بلهجته العامية الرقيقة
_أنتِ عارفة طبعاً إن آدم أخوكي في الرضاعة وعلى راسي من فوق، وانسان محترم جداً بس كدين وفقه طالما الديانة مختلفة، ففيه قيود وضوابط شرعية لازم ناخد بالنا منها، حتى لو كان في مقام الأخ خصوصاً في جزئية الحجاب والمظهر قدامه، مش بقول إنه شخص غريب بس الدين بيحط حدود واضحة عشان يحفظ الكل وأنا متأكد إنك تفهمي قصدي من غير ما أضايقك.
أشرقت ملامح نادين بإعجاب شديد لرجاحة عقله واعتداله وحرصه الجميل من دون أن يفرض رأيه بقسوة أو غجراف، مدت كفها لتلامس لحيته برقة وقالت بصوتها الرخيم
_صدقني يا تميم أنا سعيدة جداً لأنك تفكر بهذه الطريقة فحفظ الحدود هو ما يزيد العلاقات نقاء أشكرك لحرصك واهتمامك الدقيق بتفاصيلي.
نظر إليها تميم بعشق جارف وطبع قبلة حانية على كفها وقال بمزاح خفيف لإزالة أي جدية
_طالما وافقتيني الرأي كده، يبقى مالكيش حق تحرميني من الابتسامة دي بقية اليوم.
استند تميم بظهره إلى وسائد السرير وضم نادين إلى جانبه بحنان بينما كانت هي تستمع إليه بإنصات تام
ساد صمت قصير قبل أن يقطعه تميم بصوته الهادئ الذي يحمل نبرة نصح مغلفة بالعشق
_بصي يا نادين بخصوص اللي عملتيه تحت لما دبرتي الحكاية عشان تسيبي ريان وتاليا لوحدهم، أنا فاهم إن نيتك كانت طيبة وعايزة تاليا تاخد راحتها بس فيه حاجة مهمة لازم تعرفيها.
التفتت إليه نادين بعينيها الواسعتين، وسألته بنبرتها الرقيقة
_وما هي تلك الحاجة يا تميم؟ لقد شعرت حقاً أن تاليا كانت مقيدة بوجودك، ولم تكن قادرة على التحدث بعفوية أو طرح ما يدور في خلدها.
ابتسم تميم وربت على كفها برفق ثم تابع بلهجته العامية الدافئة
_أنا عارف يا حبيبتي وعشان كدة كنت قاعد بعيد عنهم مش لازق فيهم بس دينا بيعلمنا إن مفيش راجل وست يتقابلوا في خلوة من غير محرم حتى لو كانت رؤية شرعية والهدف منها الجواز، المحرم هنا مش سجان ولا رقيب بيعد الأنفاس المحرم ده هو الحصن اللي بيحمي البنت ويحفظ كرامتها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صمتت نادين قليلاً تفكر في كلماته فأكمل تميم بأسلوب يحمل الكثير من التقدير لمكانة المرأة
_الإسلام بيشوف المرأة جوهرة غالية جداً والجوهرة دي مينفعش تتساب لأي نظرة أو أي كلمة من غير حماية وجودي كان عشان أمنع "الخلوة" اللي ممكن تفتح باب للشيطان أو تخلي البنت في موقف ضعف إحنا بنحافظ عليها حتى من النظرة اللي مش في مكانها عشان تفضل دايمًا عزيزة ومصونة.
لمعت عينا نادين بإعجاب وتحدثت بصوت يملؤه الشغف لاكتشاف المزيد عن هذا الدين
_كلامك يجعلني أرى الأمور بمنظور مختلف تماماً، كنت أظن أن الأمر مجرد تشدد أو قيود، لكنك تصفه الآن كأنه رداء من الكرامة يُنسج حولنا.
أومأ تميم برأسه وتابع بحب
_بالظبط يا نادين الدين مبيحرمش البنت إنها تتكلم وتعرف شريك حياتها بالعكس ده حقها بس في إطار بيحفظ لها هيبتها وقيمتها، أنا كنت بعيد عشان ياخدوا راحتهم في الكلام بس موجود عشان أحفظ حدود الله وأحمي أختي، المرأة في دينا ملكة.. والملكة مبيترمش عليها السلام ولا بتقعد مع الغريب إلا وحراسها وراها عشان الكل يعرف قيمتها.
شعرت نادين بدفء غريب يسري في أوصالها وأدركت أن تميم لا يحاول تقييد حريتها أو التدخل في شؤون الآخرين بقسوة، بل هو ينطلق من عقيدة تجعلها هي وتاليا وكل امرأة في نظره أمانة مقدسة
اقتربت منه أكثر وهمست بامتنان
_أشكرك يا تميم لأنك تعرفني على هذا الدين بقلبك قبل لسانك لقد جعلتني أحب الإسلام وأقدر تلك القيود التي هي في الحقيقة قمة الحرية والسمو.
طبع تميم قبلة حانية على جبينها وقال بصوت هامس
_أنا كل اللي بتمناه إنك تشوفي الجمال اللي أنا شايفه في دينا وتعرفي إنك أغلى حاجة عندي في الدنيا دي كلها.
……..
في وقت متأخر من الليل كانت سيارة يامن تشق طريقها بهدوء نحو صالة المغادرين بالمطار وبجانبه كان الدكتور مراد يجلس بوقاره المعهود وملامحه الهادئة التي لا توحي بأي توتر
توقفت السيارة أمام البوابة الرئيسية للمطار والتفت مراد ليامن مودعاً بابتسامة راقية
_متشكر جداً يا مستر يامن على توصيلتك، ندمتني إني تعبتك معايا في وقت متأخر كده.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر إليه يامن بملامحه الحادة ووقاره المورث عن أبيه ورد بصوته الرخيم والرزين
_متقولش كدة يا دكتور تشرفنا بوجودك وترجع بالسلامة إن شاء الله.
أومأ مراد برأس متربص ثم فتح باب السيارة وهم بالنزول حاملًا حقيبته الصغيرة وما إن لامست قدمه أرض المطار حتى اختز هاتفه المحمول في جيبه معلناً عن اتصال عاجل أخرج مراد الهاتف ونظر إلى الشاشة لتتغير ملامحه تماماً وتكتسي بابتسامة دافئة وناعمة لم يراها منه أحد طوال اليوم.
ضغط على زر الرد ورفع الهاتف إلى أذنه ليخرج صوته محملاً بفيض من العشق والحنان الذي أذهل حتى صمت المكان
_أيوة يا قلبي….
متقلقيش كلها ساعتين تلاتة وهكون عندك، أنتي عارفة إن مفيش في الدنيا دي كلها حاجة تقدر تخليني أنام بعيد عن حضنك.
أغلق المكالمة بسرعة بعد أن تبادل كلمات الهمس الدافئة وارتسمت على شفتيه نظرة غامضة وهو يلتفت ليتابع طريق سفره، تاركاً يامن بداخل السيارة يراقب تحركاته بعينين ثاقبتين تملؤهما الريبة والتساؤل.
من تكون تلك المرأة التي يذوب في حبها هذا الطبيب القادم حديثاً؟ وما هي قصته الحقيقية التي يخفيها خلف ذلك القناع من الذوق والهدوء؟ هل هو حقاً مجرد طبيب خير، أم أن خلف أسئلة كثيرة معلقة في الهواء
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (رانيا الخولي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
