قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (20)
لما فعلتي بنفسك هذا، لما ضحيتي بنفسك لأجلي، على الرغم إنك لم تري مني سواء المعاملة السيئة لم أرى منك سوى الخير والمسامحة والآن قدمتي روحك فداء لروحي ماذا سأفعل إن حدث لكِ مكروه، ستتروكيني أعيش الباقي من عمري بذنبك، وكلما أنظر إلى يدي أرى دماءك الطاهرة التي لا تزال على يدي لم تجف من فوقها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
توقفت دقات القلب فجأة، وكأن العالم بأسره قد حبس أنفاسه معك، ليبقى صوت صدى كلماتك يتردد في جدران الغرفة الموحشة.
أرتجف، ودموعي تذيب ما تبقى من صبري، أتحسس مكان نبضك البارد فأجد الفراغ القاتل يلتف حول عنقي. هل حقًا انتهى كل شيء؟ هل غادرتِ نحو السماء تاركةً لي وحدي جحيم الندم؟
سأحمل طيفكِ وشمًا على روحي ما حييت، وسأروي لكل زاوية من هذا الكون قصة ملاكٍ تنازل عن حياته ليعيدني إلى النور. عذرًا لأنني عرفت قيمتكِ متأخرًا، وعذرًا لأنني لم أمنحكِ من الحب سوى ما يكفي لتبكي، ولم أدرك أنكِ كنتِ الحياة ذاتها، إلا بعد أن غادرتِ.
❈-❈-❈
كان السكون هو المغلف على المكان لا يقطعه سوا أنفاس عمر الثائرة، اقترب منه نوح وربت على ظهره بحنو:
– اهدى بس يا عمر وفهمنا إيه إللي حصل؟
أغمض عينيه بتحسُر، وردد بأسى:
– كنت بتخانق مع بلطجية واحد منهم حاول يضربني بمطواة هي جريت بسرعة وفادتني والسكينة صابتها هي.
أطلق نوح صفيرًا عاليًا وهتف بنبرة متحمسة:
– Wow, that is a heroic act, sacrificing herself for that, it's amazing!
واو إنها حركة بطولية ضحت بنفسها من أجل ده شيء –
. مدهش
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
رمقه عمر باستياء، ودفعه عنه بحدة:
– تعرف تمشي من قدامي بدل ما أطلع غيظي فيك؟!
تدخل أوس على الفور، وفصل بينهم وهو يرمق نوح بحدة:
– تعرف تخرس خالص؟!
لوى شفتيه بغيظ، وتمتم بهمس:
– معرفش يتشطر على البلطجية يتشطر على الغلبان.
استمع أوس إلى همسه فرمقه بتوعد:
– نوح مش وقتك.
صمت على مضض وتوقف جانبًا وهي يبرطم بكلام غير مسموع:
– أنا غلطان إني رجعت من السفر كنت عايش هناك ملك.
مصمص شفتيه بتبرم:
– حاليًا بقيت ملطشة للي يسوى وإللي ميسواش.
عاون أوس عمر كي يجلس على المقعد، وجلس جواره وتحدث بحذر شديد:
– فهمني إيه إللي حصل بالظبط وحصل فين؟
أخذ نفس عميق وسرد له كل شيء، أظلمت عين أوس وهتف بحدة:
– أه يا ولاد الكلب. وراحوا في أنهي داهية؟
أجاب بوهن:
– البوليس جه خدهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
زفر أوس بضيق وهتف بنبرة حادة:
– كويس إنك لحقتها شكلهم كانوا ناوين ليها نية مش كويسة.
اقترب منهم نوح وتساءل باهتمام:
– نية مش كويسة إزاي أنا مش فاهم إيه سبب الخناقة أصلًا؟!
طالعه أوس بإزدراء، وهو يضرب كف بكف ويتمتم بغيظ:
– حسبي الله ونعم الوكيل أنا مش عارف أنا جبتك معايا ليه من الأساس ياريتني ما جبتك معايا.
امتعض وجهه بضيق، فاستأنف أوس حديثه بنفاذ صبر:
– يا ذكي يا دكتور يا خريج أكبر الجامعات يا دكتور كانوا عايزين يخطفوها تفتكر هيعملوا فيها إيه؟
مط شفتيه بحيرة:
– مممم مش عارف ممكن عايزين يطلبوا فدية مثلًا؟!
أغمض عينيه في محاولة بائسة منه كي يستدعي الصبر:
– لا غبي بجد أقسم بالله إنتَ دكتور إزاي يا بهيم إنتَ؟! أفهم يا غبي بقى أكيد كانوا هيعتدوا عليها.
كان يستمع لهم وداخله لا يحترق عندما يتخيل داخل عقله أن هؤلاء الأوغاد كان من الممكن أن يعتدوا على نوران لو لم يستطع إنقاذها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قطع حديثهم فتح باب غرفة العمليات وخروج الطبيب، انتفض عمر من مكانه، وركض صوب الطبيب وتساءل بلهفة:
– خير يا دكتور طمني نوران كويسة؟
أزال الطبيب الكمامة وتحدث بعملية:
– قدرنا نوقف النزيف بس السكينة كانت في مكان حيوي على بعد أتنين سم من القلب تقدر تقول أنكتب ليها عمر جديد بس حاليًا هي في العناية المركزة لو عدا ٢٤ ساعة تبقى عدت مرحلة الخطر.
أغمض عينيه براحة فقد شعر أن الروح قد ردت إليه، طالعه بلهفة:
– يعني هتبقى كويسة يا دكتور؟ ينفع أشوفها؟
نظر الطبيب إلى حالته وأشفق عليه:
– تمام بس خمس دقائق مش أكتر.
أومأ بلهفة:
– حاضر يا دكتور.
غادر الطبيب واقترب أوس منه مربتًا على ظهره بحنان:
– الحمد لله هتبقى بخير.
طالعه بأمل والتفت إلى نوح وتساءل بلهفة:
– هتبقى كويسة يا نوح؟
أومأ بايجاب:
– بإذن الله وأنا هتكلم مع الدكتور أكتر وأحاول أفهم منه الحالة.
هتف عمر بلهفة:
– ياريت صحيح كلم غنى تيجي عشان تبقى جنبها…
❈-❈-❈
توقفت السيارة الأجرة أمام القصر فهبط من السيارة بعد أن قام بمحاسبة السائق وتوجه إلى داخل القصر تزامنًا مع وصول سيارة شقيقه الأكبر الذي أوقف السيارة جواره وأشار إليه:
– أركب يا باشا.
استقل آصف السيارة جواره وتساءل باهتمام:
– أخبارك يا إلياس؟
أجاب بابتسامة:
– بخير يا حبيبي طمني كنت فين؟
رد بهدوء:
– كنت عند موج.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أوقف السيارة في الجراج وهبطوا من السيارة، اقترب إلياس من آصف وقام بضمه بحنان:
– إنتَ واثق من الخطوة دي يا آصف؟
أومأ بايجاب:
– زي ما إنتَ واثق من خطوة زواجك من وتين.
تبسم إلياس رغمًا عنه:
– كبرت يا آصف وبقيت تعرف ترد على أخوك الكبير يا خفيف.
تأمل إلياس ملامح شقيقه الأصغر مليًا، وكأنّه يبحث فيها عن ذلك الصبي الصغير الذي اعتاد حمايته، ليفاجأ برجل ناضج تكسو وجهه ملامح الثقة والهدوء، والثبات الذي طالما تميزت به عائلة آل راشد في الأوقات الحاسمة.
سارا معًا بخطوات متزنة نحو البوابة الجانبية للقصر، حيث تنعكس أضواء المصابيح الفخمة على الممرات المرصوفة بالجرانيت. كان الهواء عليلًا يحمل معه نسمات الربيع الهادئة، وكأن الطبيعة نفسها تتنفس صعداءً بعد فترة طويلة من التوتر والقلق الذي ألقى بظلاله على جدران القصر طوال الأيام الماضية.
خلال طريقهما إلى الداخل، بادر إلياس بكسر الصمت المريح قائلاً بنبرة حملت شيئًا من الفضول الممتزج بالحذر:
– موج.. عاملة إيه النهاردة يا آصف؟ لسه بردوا عنيدة زي زمان؟
تنهد آصف بعمق، وظهرت على محياه إبرة من القلق الخفي قبل أن يرد بثبات:
– موج مش عنيدة لمجرد العناد يا إلياس، هي بس خايفة تفقد السيطرة على دنيتها اللي تعبت فيها. شافت كتير، وغلط إننا نلوم حذرها الزيادة هي من بره تبدو قوية، بس من جوه محتاجة حد سند من غير ما يحسسها بالضعف.
وضع إلياس يده على كتف شقيقه بتشجيع حين دخلا القاعة الرئيسية الواسعة، حيث كانت العتمة الدافئة تغمر المكان سوى من بعض الإنارة الخافتة المنعكسة من الثريات الكريستالية المعلقة في السقف المرتفع. قال إلياس بصوت هادئ ومطمئن:
– فاهمك كويس، الحب الحقيقي مش تحكم، الحب هو إنك تدي أمان للي بتحبه حتى وهو خايف زي ما عملت بالظبط مع وتين. البدايات دايمًا بتبقى مترددة، بس اليقين اللي جوانا هو اللي بيودينا للصح.
قطع حديثهم هبوط غنى الدرج سريعًا ووجها لا يبشر بالخير، توجه إلياس نحوها بلهفة وبادر بسؤالها:
– مالك يا غنى في إيه؟
ردت بصوت متحشرج من أثر بكائها:
– نوران يا أبيه حد ضربها بالسكينة وفي المستشفى الوقتِ.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اتسعت مقلتيه مرددًا بعدم تصديق:
– نوران مش معقول؟! حصل إمتى وإزاي؟
أجابت بتوتر:
– مش عارفة حاجة.
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
– طيب إنتِ عرفتي منين؟
ردت بلهفة:
– نوح كلمني وقالي.
ضيق عينيه وغمغم بنبرة حائرة:
– نوح؟! نوح غرف منين؟
ردت باختصار:
– هو معاها هناك هو وأبيه أوس وعمر وأنا رايحة ليهم.
أومأ بتفهم:
– تمام يلا بينا أنا جاي معاكِ.
تدخل آصف في الحوار:
– وأنا كمان جاي معاكم.
هز إلياس رأسه بنفي وهتف بلهجة آمرة:
– لا خليك إنتَ وبلاش تقول لجدو حاجة إنتَ عارف هو بيحبها إزاي.
تنهد بقلة حيلة وقال:
– حاضر لو احتاجتوا حاجة كلموني.
حرك رأسه بايجاب وتحرك سريعًا برفقة غنى إلى الخارج متوجهين إلى المستشفى.
❈-❈-❈
تنهد بتثاقل وتحرك تجاه الدرج يصعد بخفة وجد زوجة أخيه تهبط الدرج مرتدية فستان عاري بشكل مبالغ فيه، غض بصره سريعًا عنها حتى تقابل الإثنين وهتف باستياء:
– رايحة فين يا سيرين؟
طالعته من أعلى لأسفل بضيق، وهتفت بنبرة حادة:
– أفندم؟! وإنتَ مالك؟ تكنش جوزي وأنا مش عارفة؟!
وضع يده في جيبه وردد ببرود:
– لا مش جوزك يا محترمة بس أخو جوزك وطالما جوزك مش هنا ومشفش الهانم وهي خارجة بالمنظر ده يبقى مفيش خروج.
صاحت بانفعال:
– وإنتَ مالك يا بني آدم ألبس إللي ألبسه أنا حرة.
صكت على أسنانها بغيظ وهي تقترب خطوة نحوه، متوعدة بنبرة مشحونة بالغضب:
– بقولك إيه يا آصف، إنتَ تدور على نفسك وتشوف حياتك، وبلاش تلعب دور الوصي عليا، أخوك نفسه مبيجرؤش يكلمني بالطريقة دي!
لم تهتز شعرة واحدة من برود آصف، وظل محتفظًا بوضعيته وهو ينظر إليها بجمود تام، ثم أردف بنبرة واثقة وهادئة زادت من اشتعالها:
– بس البيت ده ليه حرمة، وطالما أنا موجود فيه، فمش هسمح بمهزلة زي دي تطلع من باب القصر كلامي خلص، ادخلي غيري الزفت ده أو مفيش خروج.
فجأة، علت صوت من الخلف، والتفت الاثنان ليجدوا هالة، تقف في نهاية الرواق المؤدي للمطبخ، تطالعهم بنظرات ساخرة وهي تقول:
– الله الله! هو البيت اتحول لمسرح ولا إيه إيه الصوت العالي ده؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفتت سيرين نحوها بملامح متذمرة واشتكت بصوت متحشرج:
– شوفي ابنك متدخل في كل صغيرة وكبيرة، حاشر نفسه في لبسي.
أشاحت هالة بيدها بضجر وهي تقترب بخطوات بطيئة، ثم قالت بحسم:
– آصف عنده حق في دي يا سيرين؛ البيت ده له أصول، ادخلي غيري الهدوم دي لو أوس رجعك وشافك بالمنظر ده مش هيحصل كويس.
دبت قدميها أرضًا بغيظ وتمتمت بفحيح:
– حاضر هغير لبسي لما أشوف آخرتها.
عادت أدراجها وهي تمتم بصوت غير مسموع ونظرات آصف تتابعها باحتكار:
– الله يعينك يا أوس بجد هو مستحمل المخلوقة دي إزاي؟!
تبسمت والدته ساخرة، واقتربت من الدرج وسندت على الدرابزين وهتفت بنبرة متهكمة:
– شوف مين إللي بيتكلم بكره نشوف الهانم إللي هتجبها لينا هتعمل إيه؟
استنكر حديثها بضيق:
– نعم؟! حضرتك هتقارني موج بسرين؟! أعتقد مفيش وجه مقارنة من الأساس بعد إذنك يا أمي طالع أرتاح.
تحرك دون أن يستمع إلى ردها، بينما تنهدت هي بأسى وقالت:
– تعبتوني معاكم ولا الكبير عارف يمشي حياته ولا الصغير عارف يمشي حياته ومع الأسف محدش بيسمع ليّ ربنا يهديكم يا أولادي ويصلح حالكم.
❈-❈-❈
ولجت إلى غرفتها دلفت إلى الداخل وأغلقت الباب خلفها بعنف وهي تصيح بغل:
– حتى آصف أفندي عايز يدخل في حياتي بس مش هسمح لكم تدمروا حياتي أكتر من كده.
توجهت إلى غرفة تبديل الملابس وانتقت ملابس آخرى على الرغم أنها ليست محتشمة بالقدر الكافي لكنها أفضل مما ترتديه نوعًا ما لتضمن عدم منعها من الخروج مرة أخرى فلديها موعد يجب أن تصل إليّه في الوقت المحدد.
❈-❈-❈
فتح الباب بأيدي مرتعشة بعد أن تم تعقيمه، ولج إلى الداخل بخطى مرتعشة يقدم قدم ويؤخر الأخر وداخل قلبه ينتفض بين ضلوعه وهو يراها متمددة فوق الفراش وجهها شاحب بشدة وموصل بجسدها العديد من الأسلاك.
أكمل سيره حتى وقف جوار الفراش يطالعها بعينين تفيض حزنًا:
– ليه يا نوران تعملي في نفسك كده؟! ليه تضحي بنفسك عشان أنا مستهلش منك كده؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
جثى على ركبيته جوار الفراش وهو يتأمل ذبول وجهها، مد إصبعه المرتجف ببطء شديد، وكأنه يخشى أن تتبدد كطيف إن لمسها، ليلامس كفها البارد الملقى بوهن بجانبها. كان البرد القارص الذي يسري في أطرافها يلسع روحه قبل أصابعه. استند بجبهته برفق إلى حافة الفراش المرتفعة، وأطلق شهيقاً مزق صدره، محاولاً كبح شهقة باكية كادت تفلت منه. صوت أجهزة الرصد الطبية المتصلة بها كان يملأ الغرفة بانتظام مؤلم، وكأن كل دقة نبض شاشة تعيد تذكيره بأنها ما زالت تقف على حافة الغياب.
تذكر ملامحها الحية قبل أيام قليلة فقط؛ كيف كانت تملأ المكان صخباً وبهجة، كيف كانت تقاوم كل قسوة الحياة بابتسامة ثابتة لا تنكسر. والآن، ها هي مسجاة هكذا، ساكنة كلوحة شاحبة أنهكها العبث.
أطرق برهة وعيناه المعذبتان تتأملان خصلات شعرها القليلة التي هربت من أسفل الغطاء الطبي، فامتدت أصابعه المرتجفة برفق لتزيحها إلى مكانها باحترام ودفء، كأنه يخشى أن ينتهك حتى في غياب وعيها تلك الخصوصية التي طالما عاهدها عليها. وكز الحزن قلبه بقسوة حين تذكر كم كانت حريصة على حجابها، كم كانت تلفه حول وجهها بثبات ووقار يزين ملامحها الطاهرة، والآن ها هي ملقاة بلا حراك، والغطاء الطبي الأبيض يغطي رأسها ورقبتها بينما لا تقوى أطرافها على الحراك.
ضم كفها البارد إلى صدره، وغرق في موجة جديدة من البكاء المكتوم، ليتمتم بصوت منكسر ومتقطع:
– قومي يا نوران أرجعي من تاني، قومي وخليني أشوف لمعة العيون اللي كانت بتنور لي عتمة أيامي.
التفت برأسه قليلاً نحو الشاشة المجاورة المضيئة بأرقامها الباردة، فجأة التمعت عيناه بوميض أمل خافت ما لبث أن تبدد حين لاحظ ثبات الخط الأخضر المنحني ببطء على الجهاز. انقبض قلبه بشدة، وعاد ليطالع وجهها المنهك وكأنه يستمد منها آخر ما تبقى له من طاقة، ثم دفن وجهه في كفها الممسوك بين يديه، وترك دموعه تبلل أصابعها الباردة بلا مقاومة، راجياً الموت أن يتخطاها ويأخذ روحه هو بدلاً منها إن كان في ذلك نجاتها.
دلفت الممرضة إلى الغرفة، واقتربت منه وتحدثت برفق:
– كفاية كده يا أستاذ هي لازم ترتاح.
نظر إليها بتيه ونهض بتثاقل وغادر الغرفة بعد أن ألقى عليها نظرة حانية.
❈-❈-❈
بعد مرور ما يقارب الساعة ونصف كانت تهبط من السيارة متوجهة إلى إحدى الكافيهات الفخمة دلفت إلى الداخل وعلى شفتيها ابتسامة رقيقة:
– آسفة يا حبيبي لو اتاخرت عليك.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
التفت إليها وعلى وجهه ابتسامة ماكرة:
– ولا يهمك يا سيري يا حبيبتي المهم إنك جيتي.
نهض من مكانه واستقبلها بلباقة وسحب لها المقعد بخفة، جلست فوقه بدلال وبعدها عاد هو إلى مقعده مرة أخرى وتساءل باهتمام:
– أخبارك إيه يا حبيبتي؟ وحشتيني الفترة إللي فاتت بس غصب عني كان عندي شغل مهم أول ما خلصته رجعت مصر على طول وكلمتك نتقابل.
ردت بضيق:
– مش كويسة.
قطب جبينه بحيرة:
–خير في إيه؟
أجابت بغل:
– أوس هيتجوز عليّ.
اتسعت مقلتيه مرددًا بعدم تصديق:
– هيتجوز؟! مش معقول اتجنن ده ولا إيه؟ وهيتجوز مين إن شاء الله؟
ردت بضيق:
– مرام.
بهت وجهه وانسحب الأكسجين من حوله لا يصدق ما استمع إليه هل سيتزوج أوس مرام بالفعل؟! هل سينتصر عليه من جديد؟! لكن لا لن يسمح بذلك أن يضيعها من يده.
❈-❈-❈
وصلت غنى برفقة إلياس وما أن رأت شقيقها يخرج من غرفة الرعاية ركضت سريعًا وارتمت في أحضانه وهي تتفحصه بلهفة:
– إنتَ كويس يا حبيبي؟
أومأ بايجاب:
– بخير يا حبيبتي اطمني.
نظرت إلى الدماء التي تلطخ قميصه وتساءلت بلهفة:
– أمال إيه الدم ؟
أغمض عينيه بتحسُر ورد:
– ده يبقى دم نوران.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
بهت وجهها، وتساءلت بنبرة متوجسة:
– نوران كويسة صح؟
تنهد بأسف وقال:
– الحمد لله أدعيلها يا غنى.
توجه نوح منهم وجذب عمر من ذراعه، وتحدث بنبرة هادئة:
– اطمنت عليها خلاص ممكن تتفضل معايا بقى على الحمام تغسل إيدك ووشك وتغير القميص دم إلياس جابلك قميص من عنده كان حطه استبن في العربية.
هز رأسه بقلة حيلة وتحرك برفقته دون أن ينطق بحرف واحد. بينما نادى أوس على غنى:
– تعالي أقعدي يا حبيبتي ارتاحي.
حركت رأسها بإيجاب وتوجهت إلى إحدى المقاعد وجلست بصمت تام.
تحرك إلياس تجاه توأمه ونصفه الآخر، ووقف إلى جواره مكتفًا ذراعيه فوق صدره:
– هو إيه إللي حصل بالظبط؟
سرد ما حدث له باختصار، قطب جبينه بحيرة وتدارك مستفهمًا:
– ثانية واحدة هو عمر كان بيوصلها؟
رفع كتفيه لأعلى باللامبالاة وردد:
– أكيد يا إلياس أمال شاف الرجالة دول إزاي.
صمت لثوانٍ مفكرًا، وهتف بابتسامة ماكرة:
– ممممم شكلك الدكتور وقع ولا حد سمى عليه؟
طالعه أوس بعدم تصديق:
– لا لا مش معقول عمر ونوران؟!!
رفع حاجبه وهتف بحدة:
– ومالها نوران يعني يا أوس باشا؟!
تنهد بنفاذ صبر وقال:
– مقصدش عشان هي شغالة عندنا يا برو قصدي عشان هما عكس في كل حاجة غير إن عمر برجه عالي.
تبسم إلياس باستخفاف:
– برجه عالي؟! هو النظر عندك ضعيف؟! ولا مش واخد بالك من شكله وهو خارج من عندها؟!
مط شفتيه بحيرة وتمتم:
– أعتقد إنه عنده إحساس بالذنب مثلًا؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
قلب عينيه بنفاذ صبر وقال:
– أنا ملاحظ إنك عمال تدي مبررات وخلاص أنا عندي مكالمة هخلصها على ما يخرج وبعدها أروح القسم أشوف حوار البلطجية دول صحيح هتمشي إمتى؟
رفع كتفيه لأعلى وردد:
– مش عارف همشي وأسيب عمر وغنى لوحدهم إزاي؟!
ربت على كتفه بلطف وقال:
– روح إنتَ عشان ترتاح وتخليك مع ابنك وهفضل معاهم هخلص مشواري وأرجع.
تبسم بامتنان:
– تسلم يا غالي منحرمش منك.
ابتعد عن شقيقه بعض الشيء ووقف جوار النافذة أخرج هاتفه من جيبه كي يهاتف مهلكة قلبه انتظر لدقائق حتى أتاه الرد:
– السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وتين:
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
– عاملة إيه الوقتِ هديتي وبقيتي أحسن؟
– الحمد لله.
– طيب الحمد لله ربنا يديم علينا الحمد المهم ناوية تختاري فستان الفرح إمتى؟
– هو إنتَ ليه مُصر تضايقني؟!
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ابتسم رغمًا عنه:
– لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم بضايقك فين بس يا بنت الناس ده أنا بفرحك يا عروسة.
– مش عايزة فستان فرح.
– ممممم أفهم من كده إنك عايزة أجيب فستان الفرح على ذوقي؟!
– مش هلبس فستان أبيض ريح نفسك هلبس فستان أسود إذا كان عاجبك.
– الأسود ده يا حبيبتي تلبسيه لما يجي ليكي خبري وأموت غير كده ميتلبسش.
– إيه إللي بتقوله ده بعد الشر.
اتسعت ابتسامته حتى ظهرت نواذغه:
– خايفة عليّ؟!
ظلت على صمتها فردد سؤاله مرة أخرى:
– ردي عليّ خايفة عليّ يا وتين؟
– أكيد خايفة عليك.
– عشان بتحبيني؟
– عشان إنتَ الشخص الصادق إللي قبلته في حياتي.
– مممم رغم إنها إجابة ملتوية بس هعتبر إنك قلتِ عشان بتحبيني.
– هي إيه الأصوات إللي جنبك دي إنتَ لسه مروحتش؟!
– لا أنا في المستشفى.
– مستشفى؟! ليه حصل إيه؟ إنتَ كويس؟!
– اهدي أنا بخير الحمد لله مش أنا إللي تعبان أنا بزور حد.
– تمام.
– محتاجة حاجة؟
– لا سلامتك.
– الله يسلمك يا عمري خدي بالك من نفسك عشان نفسك تهمني.
– وإنتَ كمان خد بالك من نفسك.
– لا إله إلا الله.
– محمدًا رسول الله.
أغلق المكالمة معها وتنهد بقلة حيلة:
– تعباني معاكِ يا وتين ربنا يهديكِ.
انتبه على خروج عمر ونوح من المرحاض توجه نحوهم وعينيه منصبة فوق عمر ووجه الشاحب وعينيه الحمراء ككتلة من الجمر طالعه بقلق:
– إنتَ كويس؟
أجاب باختصار:
– الحمد لله.
هز رأسه بقلة حيلة وتحدث بنبرة هادئة:
– أنا هروح القسم أشوف عملوا إيه مع البلطجية دول.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تحرك خطوتين حتى أوقفه عمر بلهجة آمرة:
– أستنى يا إلياس أنا جاي معاك.
التفت إليه وبنظرة واحدة من عينيه استشف ما يريده منه نجل عمه، فتحدث بحزم:
– لا يا عمر مش هتيجي معايا.
رد بحزم مماثل:
– لا هاجي معاك يا إلياس لو السماء اطربقت على مفيش قوة هتمنعني.
زفر بضيق وقال:
– ماشي يا عمر خليني وراك بس أعمل حسابك أي تصرف هتعمله في القسم وقتها متلومش غير نفسك.
هتف نوح بلهفة:
– هاجي معاكم أنا كمان.
رفع حاجبه مستنكرًا:
– نعم يا أخويا؟! هتيجي معانا ليه إنتَ كمان؟! حد قالك إننا رايحين رحلة وأنا مش عارف؟!
هتف برجاء:
– عشان خاطري يا إلياس أنا عمري ما دخلت قسم شرطة عايز أروح أتفرج.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أغلق عينيه في محاولة منه يستدعي الصبر وبعدها تحرك سريعًا دون أن ينطق بحرف واحد وعمر يسير خلفه وهو ينتوي الشر، أما نوح يتحرك خلفهم بسعادة كما لو كان ذاهبًا إلى نزهة نيلة وليس إلى قسم الشرطة والذي يتضمن اللصوص والبلطجية.
تابعهم أوس بنظراته وهو يحاول كبت ضحكاته فشقيقه من المؤكد إنه سينفجر فيهم إذا لم يكن الآن فمؤكد سيكون بعد قليل. توجه تجاه غنى التي تجلس على المقعد وبين يدها مصحف صغير تقرأ منه وجلس جوارها بصمت تام.
❈-❈-❈
كان يهبط الدرج بغرور لكي يستقبل ضيفه، وقف الآخر باحترام ما أن أبصره وتوجه نحوه ومد يده بترحاب، تحدث الآخر بغرور:
– حمد الله على السلامة يا زياد.
رد على الفور بلهفة:
– الله يسلمك يا آزاد باشا.
جلس آزاد على الأريكة باسترخاء واضعًا ساق فوق ساق بغرور:
– خير إيه سبب الزيارة السعيدة دي؟
تحدث الرجل بغل:
– أوس هيتجوز مرام.
تبسم باستخفاف:
– هههههههههههه وعشان كده جاي؟!
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيد القاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
