أحفاد إلياس - الفصل 21 | زينب سعيد القاضي

قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى




رواية: (أحفاد إلياس)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |الفصل: (21)



رُب ضارة نافعة، يا بُني من قال لك أن كل الضرر هو شر لك؟ من قال أن كل مكروه ومكر سيء سيكون ضار إليك؟ لمَ تستعجل في حكمك في البداية لمَ لا تنتظر إلى النهاية وترى جمال النهايات؟ فقد تخدعك البدايات وتوهمك بالمكر السيء، ولكن في نهاية المطاف تنبهر بالنهاية، وتتمنى لو أحسنت الظن بالله وبتدابير القدر وقتها فكان قلبك سيستريح، وما كنت وصلت إلى ذلك.


ولعل في طيات كل خذلان بذرة لنجاح لم تكن لتدركه، وفي بطون المحن أسرار منح لا يدرك قيمتها إلا من صبر واستيقن أن الله لا يقبض عنك شيئًا إلا ليطرق لك بابًا هو أوسع وأبقى. فلا تحزن إن ضاقت بك السُّبل يومًا، أو تكالبت عليك الظروف، فوحدها النهايات هي التي تفتح المغاليق، وتكشف لك عن حكمة ما كان ينبغي لك أن تجهلها. اصبر ولا تجزع، ودبر الأمر لمن أحسن تدبير كل شيء، لتدرك غدًا أن العوض أثمن بكثير مما فقدت، وأن ما ظننته كسرًا لم يكن سوى بداية لجبر ينسيك مرارة العبرات.

❈-❈-❈

في قسم الشرطة كان يجلس الثلاثة رجال بعد أن استقبلهم الضابط بحفاوة ما أن علم بهوية إلياس، مر ما يقارب العشرة دقائق وعمر يجلس يحرك قدمه بتوتر شديد، بينما نوح يتأمل معالم المكتب بانبهار شديد فهذه أول مرة يدخل بها قسم في حياته.


توجه بنظراته تجاه الضابط، وتساءل باهتمام:

– هو إنتوا هنا مش بتعذبوا المساجين؟


وضع إلياس يده على وجهه بصدمة، بينما تساءل الضابط بحيرة:

– أفندم مش فاهم السؤال معلش؟


ما كاد نوح أن يشرح سؤاله الأهوج، حتى عاجله إلياس وتحدث بلهفة وهو ينظر إليه بنظرة حادة أن يصمت:

– مفيش حاجة يا أحمد بيه دكتور نوح بيهزر مع حضرتك بس.


تبسم الضابط بتروٍ:

– آه تمام.


قطع حدة الموقف طرق على باب الغرفة يتبعه دخول العسكري وبرفقته الثلاثة بلطجية، ما أن أبصرهم عمر حتى انتفض من مكانه وهجم عليهم وهو يُكيلهم باللكمات والسباب.


انتفض إلياس والضابط وبرفقتهم العسكري يحاولون تكبيل عمر وإبعاده عن الرجال دون فائدة فحالته كانت مثل الثور الهائج لا يستطيعون إنقاذهم من براثنهم، فالأسد الجريح يكون أكثر قوة من الأسد السليم، فكل ما يدور داخل ذهنه الآن حالة نوران وما حل بها، وماذا كانوا سيفعلوا بها هؤلاء الأوغاد إذا لم يكن معها مؤكد أنهم كانوا سيسلبونها براءتها ويتركوها جثة هامدة. فهم ليسوا سوى ذئاب ضالة تعيش على مص الدماء النقية.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ومع كل صرخة غضب أطلقها عمر، كان عزم إبقاء أولئك الأوغاد أحياء يتبخر، وكأن القوة التي تحركه الآن مستمدة من رماد روحه المشتعلة. لم تكن مجرد مشاجرة دفاع عن النفس، بل كانت ثورة كرامة وحماية لامرأة تركت أمانها بين يديه، فدفعته غيرته وغضبه إلى حدود قصوى لا يمكن لأحد إيقافها.


استجمع إلياس كل قوته وثبت قبضته على ذراع عمر المرتجفة من شدة الاندفاع، بينما حاول الضابط والعسكري توزيع وزنهم لكبح جماحه العنيف، وهم يهتفون بصوت عالٍ محاولين إعادة وعيه:

– كفاية يا عمر كفاية.


كل هذا يحدث على مرأى ومسمع نوح الذي ظل حاليًا مكانه يتابع ما يحدث باستمتاع شديد كما لو كان يشاهد فيلمًا سينمائيًا وليس واقع منشود ونجل عمه على وشك قتلهم وتوريط نفسه في جريمة قتل لا محالة.


أخيرًا هدأ عمر بين ذراعي إلياس، فصاح الضابط سريعًا في العسكري:

– رجعهم على الحجز بسرعة.

❈-❈-❈

نهض من فوق مقعده الوثير وقام بإشعال سيجاره وهو يتحرك بأريحية والآخر يقف أمامه كما لو كان طفلًا مذنبًا ينتظر العقاب من والدته.


نفس دخان السجائر في وجه زياد وتحدث ببرود:

– مش فاهم بردوا المطلوب أعمل إيه؟


أجاب بلهفة:

– تمنع الجوازة دي.


طالعه من أعلى إلى أسفل بسخرية، وتبسم باستخفاف:

– وأمنع الجوازة ليه؟


رد الآخر بضيق:

– عشان مش كل حاجة هياخدها وأنا أقعد أتفرج عليه.


توجه إلى مقعده مرة أخرى، وجلس فوقه واضعًا ساق فوق ساق وردد بثقة:

– بس على حد علمي مأخدش منك حاجة، سيرين هي إللي سيبتك واتجوزت أوس عشان أغنى منك وأفضل منك يعني هو معملش حاجة، أما عن مرام فهي متعرفش جنابك أصلًا ولا إنتَ تفرق معاها من الأساس.


بهت وجهه وهتف بحدة:

– هو حضرتك معايا ولا معاهم يا باشا أنا عارف حضرتك بتكرهم إزاي.


أجاب بابتسامة متكلفة:

– صح بكرهم وهدمرهم واحد واحد بس أنا مش وسخ زيك ألعب على واحدة متجوزة، وفي نفس الوقت أبص لواحدة تانية متجوزة بردوا،. خلينا واقعين إنتَ مش بتحب مرام إنتَ عايز تحرق قلبها عشان عارف مدى كره سيرين ليها.


صمت لثوانٍ مفكرًا باصطناع، واستطرد قائلًا بنبرة ساخرة:

– ممممم فاكر هي بتكرها ليه ولا أفكرك أنا؟


شحب وجه زياد، فتبسم آزاد واسترسل حديثه بسخرية:

– عشان سيرين كانت بتحب فريد وعايزه تتجوزه بس هو اتجوز مرام. بلاش تضحك على نفسك سيرين عمرها ما حبتك ولا كنت تفرق معاها إنتَ بالنسبة ليها لاعب احتياطي قاعد على الدكة وقت ما تحس أنها بتخسر كل حاجة بتلجأ ليك صح كلامي ولا غلط؟!


نظر في الأرض بحرج:

– صح بس أنا ذنبي إيه أخسر كل حاجة وأوس يكسب كل حاجة أنا عارف إنك تقدر تساعدني.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نهض من مكانه مرة أخرى، وتحدث بنبرة حادة:

– أساعدك؟ لا سوري أنا مش من نفس عينتك ولا مركب أرون يا خفيف، وطالما كلامي صح يبقى تنسى مرام دي خالص وطلعها من حسبتك أنا سايبك تلعب مع سيرين بمزاجك عشان إنتَ وهي شكل بعض وجها لعملة واحدة بالعربي كده إنتوا الأتنين طالعين من نفس مقلب الزبالة المقابلة انتهت تقدر تمشي.


غادر زياد المكان وهو يتمتم بكلام غير مسموع، فطالعه آزاد بسخرية، وضع يده في جيبه وأخرج الهاتف من جيبه وضغط على عدة أزرار وانتظر سماع الطرف الآخر وتحدث بنبرة حادة:

– عايزك تحط زياد تحت عيونك ولو لعب بديله تقطعه فاهم؟! ومن غير ما ترجع ليّ كمان مش عايز ولا غلطة ولا وجع دماغك.


أغلق الهاتف ووضعه مرة أخرى في جيبه، وتحرك بخفة تجاه الحديقة يسير بها رويدًا رويد يتنعم بضوء القمر ونسمات الهواء الباردة في محاولة منه لصفاء ذهنه.


تسللت رائحة الندى الممتزجة بعبق الياسمين الناعس لتدخل صدره بعمق، كأنما تغسل أدران التفكير المتراكم في زوايا عقله. كانت أوراق الأشجار العالية تتراقص ببطء على مهل، وكأنها تعزف سيمفونية صامتة لا يدرك أسرارها إلا من أتعبته طرائق الأيام. خطا خطواته البطيئة على العشب المبلل، يشعر ببرودته الخفيفة تتسرب عبر نعل حذائه، فتمنحه إحساسًا ملموسًا بالثبات وسط عواصف الأفكار التي كانت تتقاذفه قبل لحظات. رفع بصره نحو السماء، حيث القمر يتربع وسط كبدها كدرة فضية مضيئة، وحوله النجوم تتناثر كثبات متألقة تحدوه نحو الهدوء، وكأنها تهمس له بأن ضجيج العالم بأسره يمكن أن يتلاشى متى ما أذن للإنسان لنفسه أن يتوقف، ويتنفس، ويهدأ.

❈-❈-❈

جذب إلياس عمر بحدة وأشار إلى نوح الذي لا يزال يجلس كما هو مندمج مع الأحداث:

– خده يا دكتور وأطلع بره أستنوني في العربية.


نهض نوح على الفور ونفذ حديث إلياس، ولكن ما أن اقترب من عمر حتى جذب ذراعه بعنف وخرج من المكتب ونوح يتبعه.


التفت إلياس إلى الضابط وتحدث معتذرًا:

– أنا آسف على إللي حصل يا أحمد باشا.


أومأ أحمد بتفهم:

– تمام يا إلياس باشا حصل خير.


تنهد إلياس براحة وتمتم بامتنان:

– متشكر لحضرتك هستنى منك آخر الأخبار بإذن الله بعد إذنك.


نهض الضابط على الفور وقام بإيصاله إلى الخارج:

– تمام يا إلياس باشا نورت.


غادر المكتب سريعًا وداخله يشتعل خرج إلى الخارج وجد عمر يستند بظهره فوق السيارة ونوح يقف جواره اقترب منهم وما كان رد فعله تجاههم سوى لكمة قوية على وجنة كل واحد منهم وهو يصيح بحدة:

– العيب مش عليكم العيب عليّ أنا كنت فاكر إني واخد معايا رجالة طلعت واخد معايا واحد بلطجي والاسم دكتور جامعي وعيل في حضانة والاسم دكتور جراح حقيقي كان يوم أسود يوم ما اتولدتوا وبقينا ولاد عم.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

حاول نوح الدفاع عن نفسه مبررًا:

– طيب وأنا مالي يا عم أنا عملت إيه ما أنا كنت قاعد ساكت.


لطم إلياس على وجهه بسخرية:

– ما هي دي المصيبة يا غبي قاعد كأنك بتشاهد فيلم سينمائي ولو الهواء هاجم على الرجالة وهيودي نفسه في داهية ومش قادرين عليه لا والبعيد قاعد زي ما هو إنتَ إيه؟ معندكش دم؟ معندكش عقل؟ ما هقول إيه التور ده يبقى ابن عمك هتطلع إيه؟


انفجر عمر فيه بنفاذ صبر:

– كفاية بقى أنا مغلطش في حاجة وإللي عملته ده أقل من إللي هما يستهلوه إنتَ ليه محسسني أنهم ناس أبرياء؟ دول قتالين قتلى تقدر تقولي تعرف هما اعتدوا على كام بنت؟ تقدر تقولي سرقوا كام شخص؟ اتهجموا على كام واحد؟ إللي عملته ده نقطة في بحر إللي يستهلوه.


زفر إلياس بضيق وقال:

– حق هتاخده بالقانون مش بالبلطجة يا دكتور اتفضلوا أركبوا يلا خلصوني.


استقل مقعد القيادة وجلس إلى جواره نوح بينما استقل عمر في المقعد الخلفي وظل ينظر إلى الخارج بجمود، بعد ما يقارب النصف ساعة كانوا قد وصلوا إلى المستشفى مرة أخرى. 


أوقف السيارة وهبط عمر منها متمتمًا:

– شكرًا تعبتك معايا.


تنهد إلياس وقال:

– عيب عليك معملتش حاجة.


هبط نوح هو الآخر وتحدث إلياس بهدوء:

– همشي أنا محتاجين حاجة؟


رد عمر بنفي:

– لا بس عايزك تبعت حد يجيب عربيتي مكان ما سيبتها.


هز رأسه بايجاب:

– حاضر.


غادر إلياس بسيارته بينما ولج كل من عمر ونوح إلى المستشفى واتجهوا إلى الغرفة المتواجدة بها نوران، كان يجلس غنى وأوس أمام باب الغرفة.


نهض أوس واستقبلهم واطمئن منهم عما حدث وبعدها استأذن منهم لشراء بعض الأغراض والعودة لهم. جلس عمر جوار شقيقته وإلى جواره نوح.


عاد أوس محملًا بحقائب الطعام والعصائر وأعطاها لهم وبعدها استأذن وغادر عائدًا إلى المنزل بعد أن اطمئن أنهم بخير ولا يحتاجوا إلى شيء.

❈-❈-❈

في تمام الساعة الثانية عشر منتصف الليل كان قد وصل إلى القصر أوقف سيارته في مكانها المعتاد، وهبط من السيارة بارهاق شديد، ولج إلى داخل القصر كان السكون يعم المكان أغلق باب القصر وتحرك بتثاقل على الرغم أنه يتضور جوعًا لكن من المؤكد لا يوجد أحد مستيقظ في هذا الوقت ولكن أثناء صعوده الدرج استمع إلى أصوات تأتي من المطبخ، فهبط الدرجتين بخفة واتجه إلى المطبخ أملًا في أن يجد أحد مستيقظ يعد له الطعام كي يسد جوعه.


ولج إلى الداخل بخطى سريعة وتفاجئ بمرام تقف أمام الموقد مرتدية اسدال الصلاة خاصتها ومحكمة حجابها كعادتها، ومنهمكة في إعداد شيء على الرغم أنه لم يستنتج ما هو لكن رائحة الطعام كانت شهية جذبته بشدة حتى أن يشعر أن لعابه سال من شدة جوعه، وضع يده على بطنه بحركة دائرية ووقف جوار باب المطبخ مستندًا بظهره على الجدار خلفه ومكتفًا ذراعه فوق صدره يتأملها بنظرات حانية.


أما مرام فكانت مندمجة في إعداد الشاورما اللذيذة التي تفضلها فقررت أن تصنعها لنفسها وتتناولها وهي تشاهد مسلسلها الهندي المفضل. 


انتهت أخيرًا واستدارت إلى الخلف كي تحضر طبقًا لتضع به الطعام، وقع بصرها على أوس الذي يقف يراقبها باستمتاع شهقت بفزع وهي تردد:

– بسم الله الرحمن الرحيم.. بسم الله الرحمن الرحيم.


تبسم بخفة وردد:

– أهدي شوفتي عفريت ولا إيه؟


غضت بصرها سريعًا، وأردفت قائلة:

– اتخضيت بس معلش وبعدين عارفة إن مفيش حد صاحي.


أومأ بتفهم:

– أنا لسه جاي من بره أصلًا.


قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

– بره؟ خير في حاجة حصلت؟


تحرك بخفة تجاه الطاولة الدائرية الموضوعة في منتصف المطبخ، وسحب مقعد وجلس فوقه وهو يتحدث بوهن:

– هحكيلك بس الله يباركلك أنا واقع من الجوع وعايز أكل.


هزت رأسها بإيجاب:

– تمام تحب أسخن لك الغداء؟


هز رأسه بنفي:

– توء توء أنا هأكل من إللي بتعمليه.


جعدت جبينها بحيرة:

– بس دي شاورما وإنتَ بتحب الأكل العادي مش بتحب الأكلات دي.


تبسم بخفة وعقب قائلًا:

– هحبها عشان من إيدك ها هتأكليني ولا؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أومأت بايجاب:

– تمام تحب تأكلها إزاي؟ بشوكة عادي ولا عيش فينو ولا عيش سوري؟


– زي ما إنتَ هتأكليها.


أجابها ببساطة، فتبسمت بخجل وتحركت بخفة إلى الثلاجة وأحضرت منها العيش السوري والجبن والصوصات التي ستحتاج إليها وبدأت في إعداد السندوتشات.


بعد مرور عشرة دقائق وضعت أمامه الطبق الخاص به بشكل منمق السندوتش مقطع ويزين الطبق عدة صوصات مختلفة.


أخذ الطبق منها وبدأ في تناول الطعام على الفور بتلذذ شديد:

– مممممم واو تسلم إيدك تحفة.


تمتم بصوت خافت:

– ألف هنا.


حملت طبقها وهمت بالمغادرة فأوقفها متسائلًا:

– رايحة فين؟ مش هتأكلي معايا؟


ردت بنبرة هادئة:

– لا مش هينفع أكيد حضرتك فاهم ليه، هأكل في أوضتي بعد إذنك.


تركته ورحلت وهو يتابعها أثناء تناوله لطعامه:

– كلها أيام وهينفع يا مرام هانت وهتبقي مراتي وبتاعتي أنا وبس…

❈-❈-❈

أشرقت شمس الصباح بنورها الساطع ومع أول شعاع شمس أنار الكون، بدأت نوران تململ في غفوتها وتنتفض ووجها يتصبب عرقًا كما لو كانت تشاهد كابوسًا مزعجًا، وبعدها بدأت بتحريك أهدابها بضعف شديد وهي تجاهد حتى تفتح عيونها وبالفعل استطاعت فتح عيونها وظلت تطلع حولها بضعف.


لاحظتها الممرضة فخرجت سريعًا ونادت الطبيب الذي حضر على الفور واطمئن عليها وخرج قام بطمئنة من ينتظروها بالخارج.


أغمضت عينيها بارهاق لكن شعرت بصوت خطوات تقترب منها، وصوت أنفاس عالية وكأن شخص ما يجاهد لكبت أنفاسه.  


فتحت عينيها بصعوبة والتفت تجاه مصدر الصوت وجدته هو فارسها المغوار عمر مالك القلب والروح، يتحرك بخطى هادئة تجاهها همست باسمه بضعف:

– عمر.


أسرع خطواته واقترب منها وهو يتفحصها بلهفة:

– حمد الله على السلامة يا نوران، إنتِ كويسة؟ 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هزت رأسها بضعف وتمتمت:

– الحمد لله.


تنهد بارتياح ورمقها بعتاب:

– ممكن أفهم ليه عملتي كده؟ ليه تقفي قدامي وتاخدي إنتِ الطعنة بدالي؟ إنتِ اتجننتي عايزة تموتي؟


أجابت بوهن:

– أنا مش مهم المهم إنتَ تبقى كويس.


طالعها بعينين متربصتين يستشف الصدق في حديثها:

– ليه عملتي كده؟


أغمضت عينيها بضعف وقالت:

– عشان مينفعش غير أعمل كده مقدرش أشوف حاجة بتحصل ليك وأقف أتفرج عليك.


زفر بضيق وقال:

– نوران إنتِ كنتِ هتموتي فاهمة يعني إيه؟


ردت باللامبالاة:

– وإيه المشكلة إني أموت؟! أنا مليش حد وعدم وجودي مش هيفرق مع حد.


فتحت عينيها المرتجفتين وجمعت ما تبقى لها من طاقة لتواجه نظراته الحادة، ثم تابعت بصوت يكد بالكاد يُسمع:

– تفتكر يا دكتور إني خفت من الموت؟ أنا خفت من الحياة من بعدك خفت أتخيل يوم عيني تفتح وملاكيش فيه. أنت فاكر إن وجودي هنا ليه قيمة أصلًا؟ أنا لغاية النهاردة كنت عايشة صدفة.


صاح بحدة:

– إيه الهبل إللي بتقوليه ده يا نوران إنتِ مهمة وفي ناس كتير عايزاكِ وتفرقي معاهم. أنا هخرج وأسيبك ترتاحي بلاش الهبل إللي بتفكري فيه ده.


تحرك سريعًا كي يغادر لكن أوقفه صوته المتردد:

– خليك جنبي متسبنيش.


التفت إليها وتحدث بنبرة هادئة:

– أطمني أنا قاعد بره مش هسيبك.


تنهدت بارهاق وأغمضت عينيها يكفي أنه لن يتركها وسيظل جوارها تستشعر الأمان والراحة بقربه كي تستطع أن تغفى قريرة العينين.

❈-❈-❈

انتهى إلياس من عمله وغادر متوجهًا إلى منزل وتين فقد خطر على ذهنه أمر ما وقرر تنفيذه قام بمهاتفتها وطلب منها أن تستعد وتكون في انتظاره، وصل إلى العقار الذي تقطن به وجدها تقف أمام المنزل صف سيارته وهبط من السيارة وتوجه إليها وتساءل باهتمام:

-اتأخرت عليكِ؟


هزت رأسها نافية:

-لا هو إحنا رايحين فين؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

فتح لها باب السيارة، وأشار لها أن تصعد وغمز عينيه بخفة:

-مش هقولك خليها مفاجأة بس بإذن الله هتعجبك.


نظرت إليه بقلة حيلة واستقلت السيارة بخفة، أغلق هو باب السيارة وتوجه إلى الجهة الأخرى وصعد خلف مقعد القيادة.


بدأ في قيادة السيارة ينظر إليها تارة وتارة أخرى إلى الطريق، بينما هي مستندة برأسها على زجاج السيارة وشاردة بالطريق بصمت تام.


قرر قطع هذا الصمت وتساءل بجدية:

-إنتِ كويسة؟


أومأت بايجاب:

-الحمد لله. 


لفت نظره متجر لبيع الزهور فأوقف سيارته جانبًا:

-ثواني وراجع.


هبط من السيارة دون أن يستمع منها رد وظلت هي جالسة كما هي تتابعه بنظراتها، عاد بعد قليل حاملًا بين يديه باقة من الزهور بألوانها الزاهية، لفت نظرها وطالعتها باعجاب لا تنكر ذوقه الرفيع في كل شيء عداها هي فهي الشيء الوحيد الذي لم يحسن اختياره.


استقل السيارة جوارها مرة أخرى ووضع الباقة في الخلف، تعجبت من فعلته تلك ظنت إنها لها، لاحظ ذلك فعقب قائلًا بمزاح:

-مش ليكي المرة دي.


عضت شفتيها بخجل وهتفت بتبرير:

-ومين قالك إني عايزة ورد؟


أجاب بمرح:

-من عيونك إللي هتطلع على البوكيه.


سارعت بالقول:

-ده مش عشان أنا عايزة ورد بس شكلها حلو. 


تبسم بفخر:

-عيب عليكِ يا بنتي أنا ذوقي ميختلفش عليه أتنين وبعدين لو أنا ذوقي مش حلو أكيد مكنتش اختارتك صح ولا غلط؟


رمقته بسخرية وعقبت قائلة:

-دي الحاجة الوحيدة إللي ذوقك مش حلو فيها.


حرك رأسه بيأس وهتف باختصار:

-أنا نفسي يكون عندك ثقة في نفسك لأن ثقتك في نفسك هتنعكس على كل إللي حواليكِ.


اندمج في القيادة وساد صمت مطبق بينهم مرة أخرى.

❈-❈-❈

في قصر إلياس كان يجلس أوس برفقة جده يحمل الصغير زين على قدميه يخبره بما حل بنوران.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انتفض الجد من مكانه وصاح بحدة:

-بقى ده كله يحصل إمبارح ومحدش فيكم يبلغني؟


تحدث أوس بجدية:

-اطمن يا جدي هي بخير والله ونوح وعمر وغنى معاها من إمبارح وأنا وإلياس كمان كنا معاها.


رمقه إلياس بضيق:

-وأنا آخر من يعلم يا بيه؟ أنا أهم منكم كلكم هي أمانتي أنا وأنا إللي المفروض أكون جنبها.


نهض من مكانه وهتف بحدة:

-أنا طالع أجهز عشان أروح اطمن عليها، وحذاري يا أوس تخبي عني حاجة تاني وقتها متلومش غير نفسك. 


غادر الجد وتركه يتمتم بغيظ، نهض من مكانه وهو يحمل طفله واتجه إلى الخارج وجد مرام تجلس بمفردها اقترب منها وتساءل باهتمام:

-قاعدة لوحدك ليه؟


ردت بهدوء:

-غنى مش موجودة وزين معاك ومفيش حد أقعد معاه.


صمت لثوانٍ مفكرًا، ثم استطرد حديثه قائلًا:

-إيه رأيك تقومي تجهزي وتيجي معايا أنا وجدي تزوري نوران.


قطبت جبينها بحيرة وتساءلت:

-إنتوا مسافرين الفيوم؟


هز رأسه نافيًا واستطرد بإبانة:

-لا نوران عملت حادثة وهنا في المستشفى. 


انتفضت من مكانها على الفور وهتفت بلهفة:

-حادثة؟! طيب هي كويسة؟


حرك رأسه بايجاب:

-بخير الحمد لله.


هتفت بلهفة:

-خلاص هطلع أجهز وأجي معاكم. 


تحركت سريعًا، وجلس هو يداعب طفله في انتظارها وانتظار جده.

❈-❈-❈

توقف إلياس أمام المستشفى فتعجبت هي، ونظرت إليه بحيرة:

-إحنا بنعمل إيه هنا؟


أجاب بهدوء:

-جايين نزور واحدة معرفة وولاد عمي معاها قلت فرصة تتعرفي عليها وعليهم.


هتفت بتهرب:

-لا أنزل إنتَ وأنا هستناك هنا.


تجاهل ما قالت وهتف بحدة:

-بطلي هبل وانزلي يلا وتين لو سمحتِ.


هبط من السيارة ووقف ينتظرها هبطت على مضض مد يده إليها بباقة الزهور ودلفوا سويًا، وصلوا إلى الغرفة المنشودة دق الباب بخفة وثوان وفتح نوح الباب طالعهم بتعجب:

-إلياس اتفضل. اتفضلي يا آنسة. 


أشار لها معرفًا دكتور نوح ابن عمي، وتين خطبتي.


تبسم نوح وقال:

-أهلًا وسهلًا فرصة سعيدة. 


ردت باقتضاب:

-أنا أسعد. 

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ولجوا إلى الداخل كانت تجلس غنى جوار نوران فنهضت لاستقبالهم بترحاب وما إن علمت بهوية وتين حتى ضمتها بلهفة:

-أزيك يا حبيبتى عاملة إيه؟ أنا أبقى غنى بنت عم أبيه إلياس.


تبسمت بلطف وقالت:

-أهلًا بيكَ يا حبيبتى. 


تحرك إلياس أولًا تجاه نوران وتحدث:

-حمد الله على السلامة يا نوران.


ردت بوهن:

-الله يسلمك. 


اقتربت وتين منها وهتفت قائلة:

-ألف سلامة عليكِ أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيكِ.


تبسمت نوران بامتنان:

-شكرًا لحضرتك. 


التقت إلياس إلى نوح وتساءل:

-هو عمر فين؟


أجاب باختصار:

-راح يصلي العصر وجاي. 


أومأ بتفهم. 


جلسوا سويًا وما هي إلا دقائق ودق الباب مرة أخرى وكان هذه المرة أوس والجد ومرام، أول من دلف الغرفة كان الجد الذي ركض تجاه نوران يطمئن عليها بلهفة كما لو كانت واحدة من أحفاده بالفعل. تبعها مرام وأوس.


ونهض إلياس لاستقبالهم وقام بتعريف مرام بوتين وأوس وبعدها جلس الجيمع برفقة نوران.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

1 تعليقات

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل