بين دروب العقل ومتاهات الروح - الفصل 4 | نونا أحمد

قراءة رواية (بين دروب العقل ومتاهات الروح) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى



رواية: (بين دروب العقل ومتاهات الروح)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: ( نونا أحمد) | الفصل: (الرابع)



في منتصف الليل..

وفي إحدى زوايا غرفة ليان، كانت تقف بجوار المكتب، ترى نفسها ممدة بلا حراك على الفراش، وترى جسدًا شفافًا على هيئتها يخرج من جسدها الراقد أمامها، فلا تعلم من هي؟ ولا تفهم ماذا يحدث، لا سبب ما يحدث.

تشعر بخوف شديد ولا تعلم ماهيته، وتتساءل بصمت:


- كيف أنام على الفراش؟ وكيف خرج هذا الظل مني؟ هل هذه هي روحي؟ هل سأموت الآن؟ وكيف أشاهد كل ما يحدث، هل أنا بثلاث نسخ أم ماذا؟


أمعنت النظر من الزواية التى تقف بها، تشاهد بلا حيلة ولا فهم، لتتسع حدقتاها ذهولًا من رؤية الجسد الشفاف يتشكل على هيئة ضباب كثيف يخترق عقل الجسد الراقد أعلى الفراش في سكون تام.

تحاول اللحاق به، وللمفاجأة استطاعت هي الأخرى اختراق العقل لتنطلق في رحلة البحث عن هذا الضباب، حتى وجدته يتجول في دروب العقل وبين المتاهات المعقدة.

تنظر حولها بدهشة، وكأن عقل تلك الفتاة عبارة عن طرقات وممرات محفوفة بالأبواب الحديدية ذات أقفال ضخمة ليس لها مفاتيح.

تساءلت من جديد:


- هل هذا هو شكل العقل البشري؟ وما كل هذه الأبواب؟ وماذا تعني؟


أثناء تنقلها وجدت هناك بعض الأبواب المفتوحة بمواربة، حاولت الاقتراب من أحد هذه الأبواب ولكنها انتبهت على الضباب الذي يمشي في خط سير واضح كمن يعرف طريقه جيدًا، ليقترب من أحد الأبواب المغلقة.

وبعكس الباقى، فإن هذا الباب به مفتاح.


توقف الظل أمام هذا الباب ليفتح من تلقاء نفسه، وكأنه مأمور بذلك، فنظرت ليان بعينين مدهوشتين مما رأت...


داخل أحد القصور المهجورة، والمظلمة، تجد فتاة خائفة مرتعدة تسير في طريق موحش غير ممهد.

تشعر بالخوف والرعب يزلزل كيانها، قلبها يرتجف فزعًا، لا تعرف إلى أين تذهب، صرخات تكاد تصم آذانها من قسوتها.

تنظر يمينًا ويسارًا تبحث عنه، وتنادي بصوت مرتجف:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

"مروان، أنت فين يامروان؟ تعالى أرجوك، أنا خايفة، متسبنيش!"


تلفتت حولها بجنون، والرعب يحيط بها.

انطلقت صرخاتها فجأة إثر يد وضعت على كتفها، لتسمع صوته الدافئ:


"أنا مروان ياليان، متخافيش، أنا معاكِ اهو ومش هسيبك"


التفتت ليان إليه، وعندما تأكدت من وجوده، ألقت نفسها بين ذراعيه، تاركة لدموعها العنان لتنفجر كمياه تبخرت حتى امتلأ السحاب فأمطرت بغزارة.

أحاطها بكل ما أوتي من حنان محاولًا تهدئتها.

استمر بكاؤها بعض الوقت، ثم حاولت السيطرة عليه، وسألته بصوت متقطع لا يخلو من شهقاتها:

"أنت روحت فين؟ إحنا مش دخلنا مع بعض من الباب؟ فجأة اختفيت ازاي، وخرجت منين؟"


نظر إليها بحيرة، وأجاب بهدوء محاولًا عدم إثارة رعبها أكثر: "إحنا مشينا مع بعض في الممر الطويل اللي قدام الباب ده، وأنا قولتلك تعالى نمشى يمين، وافتكرتك مشيتي جنبي، لما وصلت لنص المسافة تقريبًا، اكتشفت إنك مش معايا، فرجعت تانى أدور عليكِ لحد ماسمعت صوتك."


انتفضت بفزع بين ذراعيه، تجيب بسرعة مجنونة: "والله ماسمعتك بتقول كده! إحنا أول مادخلنا من الباب، أنا اللي قولتلك تعالى نمشي من الناحية الشمال، واكتشفت بعدين إنى ماشية وحدي."


أكملت بانهيار كاد يحطم ثباته الزائف: 

"مروان، إيه اللي بيحصل هنا؟ أنا عايزة أخرج، مش كفاية إن زمايلنا نادر، وأيمن، وراندا اختفوا من أول مادخلنا من بوابة القصر ده."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

انتحبت بصوت عالٍ حتى كادت تفقد وعيها، لتنتفض في اللحظة التالية بين ذراعي زوجها من هول الصرخات التي شقت سكون المكان، منطلقة من خلف أحد الأبواب المواجهة لهما.

تجمدا في مكانهما ينظران برعب إلى الباب مصدر الصرخات التي لا تنقطع، فُتح الباب ببطء ليشاهدا بهلع خروج بعض الظلال السوداء المتحركه، والتي ضاعفت إضاءة الشموع من حجمها حتى باتت كشياطين تخرج من أعماق الجحيم.

صرخت بكل قوتها حتى جُرح حلقها، تضم نفسها بين أحضان زوجها يدعوان الله أن ينجيهما من هذه الليلة، وأن يخرجا سالمين من هذا المكان الملعون.

انطلقت في اللحظة التالية أصوات ضحكات عالية تصاحبها أضواء مبهجة أنارت ظلمة الليل.

لم تصدق ليان ماتسمع، فتحت عينيها ببطء لتنظر إلى زوجها، تراه جامد الملامح، لا تعرف بماذا يفكر أو يشعر.

ثم تلتفت إلى مصدر الضحكات، لتجد جميع أصدقائهما كما هم، يخلعون عنهم ملابس بالية قديمة ممزوجة بسائل أحمر قاتم، وأقنعة وجه مخيفة.


كان أيمن أول من قطع فقرة الضحك الساخرة، موضحًا بهدوء كأنه يلقي خبرًا في الإذاعة المدرسية، دون الشعور بأدنى ذرة ندم:


"إحنا فكرنا ازاي نحتفل بعيد جوازكم الأول بطريقة creative، وبما إننا عارفين إن المدام من عشاق الروايات وبتعشق الرعب، فحبينا نعملكم جو رعب."


قهقه بقوة، مكملًا: "القصر ده زي ماأنت شايف، كأنه جديد، ولو خرجت للجنينة بره هتلاقيها ولا حديقة الأزهر، هو بس مطرف شويه لأنه بتاع عيلة نادر، بيجيوا يقضوا الإجازات فيه هنا.."

 نطق الجملة الأخيرة مشيرًا إلى أحد أصدقائهم الذي يحاول كبت ضحكاته، ليكمل الأول بمرح:


"وأنت عارف طبعًا إني بحب الشغل بتاع الجرافيك والخداع البصري، فظبطنا المكان والمؤثرات الصوتية بحيث نوهمكم إن القصر ده ملعون، وإن اللي بيدخله مش بيخرج منه."


كان مروان أول من تخلى عن صدمته متسائلًا بصوت جامد لاحياة فيه: "بس ازاي انا مسمعتش اللي قالتهولي ليان لما كلمتني، وهي كمان مسمعتنيش؟"


لتنطلق ضحكات راندا الهيستيرية هذه المرة، تجيب: "إيه يا مارو، ده أنت معروف عنك الذكاء! اومال السماعات اللي لبستوها أول مادخلنا، دي كانت ليه مش علشان نخلي كل واحد فيكم يسمع حاجه، وتعيشوا جو الروايات."


انطلقت ضحكات الأصدقاء مرة أخرى، حتى قطعها تقدم مروان من زميليه، نادر وأيمن، ضاربًا إياهما بغل، مفرغًا فيهما طاقة غضبه ورعبه وخوفه من فقدان زوجته أثر تلك المزحة التي كادت تودي بحياتها.

وقفت راندا تناظره برعب من قسوته، فنظر إليها بحسم، يزمجر كليث غاضب، وهو يمسك بكف زوجته بحنان بين كفيه، تاركًا هذا المكان، متمتمًا بحزم وصوت قادم من أعماق الجحيم:


"من هنا ورايح، لا عايزين نعرفكم، ولا تعرفونا."


ثم ضم زوجته بحماية بين ذراعيه، مخلفًا وراءه قلوبًا نادمة على خسارة صديق مثله بسبب مزحة سخيفة، ووجوهًا مهشمة.

  الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


استيقظت ليان في الخامسة فجرًا، بملامح وجه غير مقروءة، تشعر بالخواء داخلها، ولم تفهم ماسبب ماحدث معها.


كانت هناك بعض الفرحة التي تسللت إلى قلبها الشغوف بخجل، عما فهمته من إشارات ودلالات في رؤياها تمنت أن تتحقق، ويصبح مروان زوجها حقًا.

ولكنها مازالت حائرة ومشتتة، لم تفهم سبب ماحدث، ولا كيف تعايشت مع رؤياها بهذه الطريقة المرعبة، حتى شعرت أن جسدها تفاعل تفاعلًا حقيقيًا مع ما حدث فى ذلك الحلم.

لم يكن حلمًا بالروح فقط، بل تعايشت جسديًا ونفسيًا معه، ومازالت حتى الآن تشعر بذات المشاعر التى اكتنفتها في رؤياها من رعب وصدمة، والأهم عدم الفهم لما يجري.


مضت ساعة أخرى ومازالت ليان قابعة على فراشها، عقلها يعمل في جميع الإتجاهات في محاولة بائسة منها لتفسير الغموض الذي يحيط بها، لكنها لم تجد تفسيرًا، ولم تجد بدًا من القيام لإنهاء أعباء المنزل قبل الذهاب إلى العمل، حيث سيكون اليوم مزدحمًا بالكثير والكثير، كما أخبرها مروان في اليوم السابق.

وعند ذكر اسمه غمرتها لذة الحب ولوعته، وأضاءت وجهها ابتسامة كالبلسم الذي يطيب به الجروح.

اكتنفها نشاط مفاجئ، فقامت تنهي أعمالها حتى تستعد لرؤيته.


حاولت ليان تجاهل ما حدث أثناء نومها، تلهي نفسها بترتيب المنزل وتحضير الإفطار، حتى استيقظت والدتها ودخلت عليها المطبخ لتجدها منهمكة في تحضير فطائر سريعة بطريقة جديدة للإفطار.

انتفضت ليان من موضعها عند لمس والدتها لها، فتعجبت الأم قائلة:


"بسم الله الرحمن الرحيم، مالك يابنتي في إيه!"


وضعت ليان يدها على صدرها تجيب بهدوء: "سلامتك ياماما، أنا بس كنت مركزة مع مكونات الوصفة ومخدتش بالي إنكِ صحيتي."


أومأت الأخيرة بتفهم قائلة: "طيب يابنتي، حاولي متتأخريش الساعة داخلة على 7."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أنهت الأم كلماتها تزامنًا مع إنهاء ليان لترتيب مائدة المطبخ الصغيرة لتتناول الطعام بصحبة والدتها على عجالة، ثم تذهب إلى غرفتها تبدل ملابسها بملابس جذابة راقية تليق بالعمل.

ارتدت تنورة طويلة سوداء، وبلوزة ذات لون برتقالي هادئ منقوشة بورود من اللون البنفسجي وخيوط سوداء ذات فتحة صدر مثلثة، وأكمام منفوخة تنتهي بأسوار ضيقة، ولها من ناحية الرقبة رباط طويل.

ارتدت ليان حجابًا باللون الموف الهادئ، وخاتمًا باللون الموف به نقوشات ذهبية، وأكملت مظهرها الجذاب بحذاء باللون الأسود به ذو كعب صغير، وحقيبة يد شفافة باللون الموف وذراعها سلسال من اللون الذهبي.

رددت أذكارها اليومية في سرها، ثم خرجت تودع والدتها لتذهب إلى عملها حيث ستلتقي بفتى أحلامها.



وصلت ليان إلى مقر الشركة في تمام الساعة التاسعة إلا خمس دقائق، تؤنب نفسها على هذا التأخير، وتتعهد ألا تترك حالتها المزاجية تؤثر على عملها مرة أخرى.

انطلقت في طريقها تستقل المصعد مسرعة، ثم توجهت صوب مكتبها الجديد برفقة شريك العمل، وشريك الحياة بإذن الله.


وصلت ليان أمام باب المكتب فوجدته مغلقًا، استحت أن تدخل دون استئذان فطرقت الباب بخفة، لتجد مروان يرتب بعض الأوراق الخاصة بالعمل.

وما إن رآها حتى أطلق ضحكاته بقوة، فاستغربت ليان من تصرفه. لاحظ هو نظراتها، وحاول التبرير لها، ولكنه لم يستطع إلا بعد مرور بضع لحظات استرد فيها أنفاسه، وهدأت ضحكاته، ففسر بضحكات مكبوتة:


"أصل أنتِ اللي يشوفك بالحماس امبارح وأنتِ جاية من تمانية ونص، وآخر اليوم مكنتيش عايزة تمشي من كتر ماحبيتي الشغل، ميقولش إنك هتوصلي النهاردة في نفس ذات اللحظة بتاعت بداية اليوم."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم انطلقت ضحكاته مرة أخرى ليكمل: "اللي يشوفك امبارح وأنتِ عاملة فيهاstrong independent woman يقول هتيجي تبيع لبن الساعة 6 الصبح."


وعلى الرغم من ضحكاته الساخرة، إلا أنها وجدت نفسها تشاركه ضحكاته بحب، ولطف.

هدأت نوبة الضحك بعد فترة ليست بقصيرة، فزفرت ليان أنفاسها بثقل، ولاحظها مروان فاستفهم بقلق:


"مالك ياليان، حصل معاكِ حاجة، أو أنتِ اتضايقتِ مني!"


نظرت إليه ليان نظرة تذيب الجليد من وداعتها، ثم تنهدت مرددة تنفي سريعًا ماتبادر إلى ذهنه: 

"لا يامروان، أنا مستحيل أزعل منك"، 

ثم أكملت بحيرة: "أنا بس حلمت حلم مش مفهوم وشاغل دماغي."

كادت أن تندفع وتقص عليه رؤياها، ولكنها تذكرت أنه بطل القصة الرئيسي، ولا يجب أن تعلمه بمشاعرها نحوه قبل أن يعترف هو، فلربما لايراها بقلبه.

« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نونا أحمد)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل