قراءة رواية (بين دروب العقل ومتاهات الروح) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (بين دروب العقل ومتاهات الروح)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( نونا أحمد) | الفصل: (الثالث)
استيقظت ليان في الصباح بنشاط، وسعادة حقيقية عكس السابق لتخرج من غرفتها تبحث عن والدتها فتجدها في غرفة المعيشة لتجلس بجوارها تلقي عليها التحية بحب:
"صباح الخير ياماما"، نظرت إليها الأم بحنان مسرور تجيبها بمودة:
"صباح النور ياقلب ماما، ماشاءالله يابنتي وشك النهاردة ولا وش القمر الله أكبر بعكس من كام يوم وخصوصًا يوم مقابلة الشركة."
استعجبت ليان حديث أمها لتعلق باستفهام: "ليه وأنا كان مالي يومها ياماما."
زفرت الأم بثقل تتمتم بحيرة شديدة: "والله يابنتي ما أنا فاهمة فيكِ إيه"،
أكملت بسرعة عندما أوشكت ابنتها على مقاطعتها:
"أنتِ أيام أيام بتصحي من النوم كده وشك أصفر زي الليمونة، وبيبقى باين عليكِ التعب والإرهاق مع إنك لسه صاحية، ولولا إني بدخل اطمن عليكِ بالليل كذا مرة وأنتِ نايمة كنت قلت إنه من السهر."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أراحت الأخيرة ظهرها على الأريكة بخفة تسبح فى نعومتها، مستمتعة بحالة عجيبة من السعادة ترد بهدوء:
"والله ياماما وأنا كمان مش فاهمة، أنا بصحى فعلًا أيام كتير بحس إني مش أنا أو إن في حاجة كانت بتحصلي مضيقاني ومش عارفة أتخطاها، أنا..."
انطلق في هذه اللحظة صوت جرس الباب مقاطعًا هذا الحديث الذي كان قلما يحدث بهدوء خارج أسوار قلعة ليان الحصينة لتنهض الأم تخبر ابنتها:
"خليكِ أنتِ، أنا اللى هفتح."
اومأت الأخيرة برأسها تخبرها وهي في طريقها لغرفتها: "ماشي ياحبيبتي، وأنا هروح اتوضى وأصلي الضحى."
فتحت الأم الباب ليقابلها ظهر شاب عرفت أنه مروان جارهم لترحب به بحب حقيقي:
"مروان، أهلًا يابني إيه الخطوة العزيزة دي."، وتساءلت بعتاب:
"وبعدين مالك واقف بضهرك كده ليه، هوأنت غريب؟!"
التفت إليها بسرعة، يناظرها بتوقير مقبلًا كفيها يقول:
"أهلًا بيكِ ياأمي، معلش جيت الصبح بدري كده بس عندي خبر هيسعدكم أوي."،
وأكمل يجيب تساؤلها: " معلش البيوت ليها حرمة برضه، ومينفعش أقف في وش الباب كده"
أثنت عليه بصدق، ودعته إلى الدخول، ليحمحم ذاكرًا اسم الله مستسمحًا الأم بترك الباب دون إغلاقه، فلبت طلبه مبتسمة له:
"طول عمرك متربي، وتفهم في الأصول يابني"،
لتسأله بعد أن اتخذ موضعه على الأريكة:
"ها تشرب إيه، ولا أقولك أنا هحضر فطار ونفطر مع بعض."
قاطعها مسرعًا عندما رأى عزمها على فعل ماتفوهت به:
"لا والله ولا أي حاجة أنا الحمدلله فطرت من بدري، بس لو مفيهاش تعب ممكن كوباية مايه، ولو الآنسة ليان صاحية تحضرنا."
قبل أن تتفوه الأم بأي حرف خرجت ليان من غرفتها بقلب يرقص فرحًا لرؤية مروان مرة أخرى، وطلبه شخصيًا لحضورها حتى يتحدث معها رحبت به بنبرة خجلة خافتة، نظر إليها مروان منبهرًا بنور وجهها الذي ازداد إشراقًا بارتدائها ملابس الصلاة ووقف في مكانه مرحبًا بها ينظر كلًا منهما إلى الآخر.
في هذه الأثناء كانت مجيدة قد أحضرت كأس الماء لمروان بسعادة حقيقية لما رأته وشعرت به من توافق عاطفي بينهما، ليفيقا في تلك اللحظة على صوتها تردف بخبث خفي:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
"المايه يامروان"، وأكملت بدهشة مصطنعة وكأنها انتبهت للتو فقط:
"اقعد يابني، مالك وقفت ليه؟!"، ثم أشارت لابنتها:
"اقعدي ياليان مروان قال إنه عايزك."
تجرع مروان من الماء كمن سار في صحراء قاحلة، تحت أشعة الشمس لثلاثة أيام حتى كاد أن يهلك، شعر أخيرًا بأن الماء لم يرويه فقط، بل نزل على نيران قلبه المشتعل حنينًا ليطفئه تاركًا به شعور من اللذة لايوصف.
جلست ليان ورفعت عينيها إليه لتتأمل ملامحه لأول مرة عن كثب فتشعر أنها رأتها من قبل على هيئة أخرى حيث أنه...
قطع شرودها وهو يشكر الأم على الماء قائلًا بسعادة خفية، وجدية ظاهرة:
"الشركة امبارح اتصلوا بكذا موظف وبلغوهم بقبولهم، ومن ضمنهم ليان بس أنا لما عرفت إن ليان من ضمنهم قلت أبلغها بنفسي وطلبت منهم محدش يكلمها، بس للأسف أنا اتأخرت امبارح في الشغل ومعرفتش أعدي أبلغكم."
انتفضت ليان تغرد كبلبل سعيد بحلول فصل الربيع، تحتضن والدتها متقدمة من مروان تشكره بصدق:
"أنا مش عارفة أشكرك ازاي بجد!"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كان مروان ينظر إلى فرحتها كالطفل الذي ينظر إلى حلواه المفضلة متمتمًا بفرح ظاهر:
"بتشكريني على إيه، أنتِ لو متستاهليش إنك تكوني معانا مكنش حصل نصيب واتقبلتي"،
ليكمل وهو على وشك الانصراف:
"ألف مبروك ياليان، شغلك هيبدأ من أول الشهر الساعة 9 الصبح."
لحقت به الأم في محاولة منها لجعله ينتظر معهم قليلًا لتقوم بضيافته كما ينبغى، فيرفض معتذرًا ومعللًا بأن لديه كثير من الأعمال.
انصرف مروان وودعته الأم ثم استقبلت ابنتها بالفرح، ووابل من دعوات صادقة تخرج من قلبها لتصيب قلب ابنتها بالسعادة، لتقبلها ليان وهي تشعر بقرب تحقيق آمالها، وأن فترة تعليمها الجامعي لم تذهب سدى، داعية الله أن يحقق لها حلمها الآخر بأن تكون وليفة مروان، وأن يكون قرة عينها في الدنيا، ورفيقها في الآخرة.
مرت الأيام تلو الأيام ببطء شديد على قلب ليان المنتظر بفارغ الصبر بداية الشهر حيث عملها اليومي برفقة مروان، حتى كان اليوم المنشود استيقظت ليان بحماس شديد، ونشاط كبير من وقت نداء المؤذن لصلاة الفجر ذهبت لتتوضأ وتؤدي فريضتها، تناجي ربها بقلب وجل وهي واقفة بين يديه بخشوع، وخضوع:
"اللهم لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ماشئت من شيء بعد ماأنعمت ورزقت وتفضلت لي به من نعمة العمل الجديد، فيارب بارك لي فيه ووفقني فيه لما تحبه وترضاه."
أنهت دعائها وانطلقت تنهي أعمال المنزل كنحلة عاملة، تملأ الخلية شهدًا، ثم ذهبت لتحضير الإفطار قبل استيقاظ والدتها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في تمام الساعة السادسة صباحًا.. استيقظت الأم وخرجت من غرفتها لتجد المنزل تعمه رائحة النظافة بشدة كما هي عادة ابنتها عندما تكون مرتاحة البال، هانئة القلب دعت لها بدوام الراحة والسعادة لتشعر بعدها بالسكينة والطمأنينة وهي تستمع إلى سورة البقرة في التلفاز فتبتسم بحب على لمسات ابنتها الفنية من تنظيف وتجميل، ولم تنسى تطهير القلب بالإستماع إلى آيات الذكر الحكيم، في تلك اللحظة خرجت ليان من المطبخ ممسكة بآخر طبق تستعد لأن توقظ أمها، لتفاجئ بها أمامها تتجه إلى الطاولة تضع ما في يدها ثم تقبل أمها قبلات متتالية تنم عن سعادة لا حدود لها، لتضحك الأخيرة بقوة على مشاغبتها وتتناولان الإفطار في جو مفعم بالراحة، والفرح.
انتهى وقت الإفطار ونظفت ليان الصحون واتجهت إلى غرفتها تستعد للذهاب إلى العمل الجديد، اختارت ليان من اليوم السابق ثياب رسمية عصرية تليق بها فارتدت ملابسها وألقت نظرة متفحصة على هيئتها قبل الخروج من المنزل فكانت جميلة كعشب ناعم، رقيقة كأوراق الورد ببنطال جذاب باللون الأسود، وقميص بنفسجي اللون بأنشوطه كبيرة، وسترة طويلة سوداء اللون، وحجاب رأس هو مزيج من اللونين واللون الأبيض، كما طوقت إصبعها الوسطى بخاتم بنفسجي اللون يحده إطار فضي.
نظرت إلى ملامح وجهها النضرة بدون أي مستحضرات تجميل سوى كحل أسود فحمي، وملمع شفاه وردي اللون، تنفست بعمق تزفر أنفاس الخوف والقلق تدعو الله أن يثبتها ويعينها متجهة إلى الخارج لتراها والدتها فتحوقل، وتدعو الله أن يحميها من أعين الحاسدين والحاقدين، تبتسم لها ليان وتقبلها مودعة إياها تخطو أولى خطواتها نحو مستقبلها.
في تمام الساعه الثامنة والنصف كانت ليان قد وصلت أمام الباب الخارجي للشركة تتقدم للدخول، لتلمح مروان ينزل من سيارته يشير لها مبتسمًا بالانتظار.
ابتسمت ليان فور رؤيته ووقفت بجانب باب الشركة كما أشار ليتقدم تجاهها بسعادة مرحبًا بمرح:
"إيه الناس المجتهدة دي، ده علشان أول يوم بس وبعدها تتأخري براحتك ولا إيه."
لتضحك ليان ضحكات أذابت قلبه من رقتها تجيب بخجل: "لا والله أنا ملتزمة بمواعيدي، ومش بحب اتأخر على مهامي."
ازداد افتنان مروان بها وبتفانيها ليحمحم مجليًا حلقه يردف بجدية: "تمام جدًا، كدا أحسن طبعًا،"
وأكمل يتقدمها بخطوة: "تعالي معايا أعرفك على مكان البصمة بتاعت الحضور والانصراف وأعرفك بعدها مهام عملك."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اومأت له برأسها سعيدة بقربها منه، ومتشجعة على ممارسة الحياة العملية لأول مره بجواره لينطلقا في خطواتهما يعرفها بكل ركن في الشركه تجاوره محلقة من السرور تشعر وكأنها لاتمشي على قدمين بل تطير كما العصافير.
كانت تسير بجواره يصاحبها شعور قوي بالانبهار الشديد بمدى تصميم الشركة، حيث المكتب الزجاجي الكبير الخاص بالاستقبال والذي يقع في مواجهة باب الشركة مباشرة، يعلوه شعار الشركة بشكل جمالي، على كلا الجانبين وبطول المساحة من الباب حتى مكتب الاستقبال تراصت مقاعد جلدية، مريحة لاستقبال الزوار، مع وجود البعض من الزهور متفرقة في المكان بشكل بسيط غير متكلف.
على الجانب الأيسر من مكتب الاستقبال درج جانبي مخصص لحالات الطوارئ، أما على الجانب الأيمن فيوجد ممر طويل في نهايته أكثر من مصعد للحد من حالات تزاحم العاملين بالشركة، بجانب المصاعد درج أكبر قليلًا من الآخر المستخدم فى حالات الطوارئ خاص بالعاملين أيضًا.
كادت ليان أن تستقل المصعد إلا أنه أشار لها باستخدام الدرج، نظرت إليه بذهول ليجيب على تساؤلها الصامت:" معلش النهاردة هنطلع السلم علشان أعرفك على الشركة كلها"
أومأت بإيجاب وهي تشعر بسعادة لا مثيل لها، حيث أنها دائمًا كانت متخوفة من لحظة عملها في مكان لا تعرفه، ولكن وجود مروان جعل الأمر لا يستحق الخوف مادامت بجواره.
وصلا إلى الطابق الأول، كان كبيرًا جدًا وبه الكثير من الغرف والممرات، قام مروان بتعريفها على كل قسم وكل غرفة، قائلًا بلهجة متحمسة لوجودها جواره:
"بصي، الدور ده كله خاص بقسم الموارد البشرية، الأدوار كلها هنا متشابهة في التصميم، ماعدا آخر دور لأنه خاص برئيس مجلس الإدارة بس"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ثم أشار إلى أحد الجوانب، وقال:"ده باب الحمام، هو يبان إنه حمام واحد بس لكن جواه كذا باب تاني، غير إن مدير كل قسم ليه حمام خاص في مكتبه"،
وأكمل يشير إلى باب جانبي أكبر قليلًا:" ده بقى البوفيه الخاص بالدور ده، وفيه كل ما لذ وطاب، وما تشتهي الأنفس" نطق كلماته الأخيرة بمزاح.
ضحكت ليان وأومأت بتفهم، لتسأل بدهشة: " بس ليه دور كامل للموارد البشرية؟ هم مش كلهم قسم واحد مسؤول عن مساعدة الموظفين الجداد، وتنفيذ العقود قبل التوظيف؟!"
أومأ مروان بإعجاب شديد، معترفًا بمدى اجتهادها ورغبتها القوية في التعلم، وغمغم مجيبًا يشرح سلس:
" فعلًا، كلامك صح، بس علشان كل حاجة تبقى بيرفكت ومفيش احتمال للخطأ، كل مكتب من دول مسؤول عن حاجة معينة تخص الموارد البشرية"،
وأشار إلى باب على الجهة اليمنى، قائلًا: " المكتب ده مثلًا مخصص للبحث عن مواهب جديدة من خلال شبكة من المؤسسات في المجال بتاع الشركة، علشان يعملوا خطط التوظيف"
ثم أشار إلى باب آخر، وأكمل بإسهاب:" المكتب ده بقى مسؤول عن متابعة البريد الإلكتروني الخاص بالشركة، والرد عليهم بعد ما تعرض طلبات التوظيف على المكتب ده علشان يقرروا أي C.V أفضل ويقدر يفيد في الشغل"، أنهى كلماته وهو يشير على باب آخر بجانب الغرفة الخاصة بمتابعة البريد الإلكتروني.
وأشار إلى غرفة أخرى عليها لافتة بخط واضح( مدير قسم الموارد البشرية)، وأردف بصبر:
" دي طبعًا أوضة مدير القسم، والمسؤول عن متابعة الدور ده كله، وتوصيل المقترحات للإدارة"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انتهوا من فحص الطابق الأول ليقودها إلى الطابق الثاني، وهو يردف بشرح سلس:
" طبعًا أنتِ شوفتي إن كل مكتب من دول جنبه جهاز البصمة الخاص بموظفين المكتب ده، أما العمال فجهاز البصمة بتاعهم جنب الأسانسير تحت، ده غير برضه إن كل دور في عدد كبير من الكراسي علشان الناس متزدحمش جوه المكاتب"
هزت ليان رأسها بإعجاب لهذا التنسيق، وردت معلقة:
" بجد، تصميم الشركة وتنسيقها جميل أوي"
أومأ مروان بالإيجاب والتصديق على كلماتها، وعلق:
" ونظام الأمن هنا كمان عالي أوي، عندك الدور التاني كله خاص بحالات الطوارئ من حرايق وغيره، ده غير إن كل مكتب ليه سيستم حماية بيتفعل تلقائيًا في حالات الطوارئ، وكمان خاص بالصيانة، صيانة الأسانسيرات والأعطال الفنية، وفيه جزء خاص بالدعم الفني وصيانة أجهزة الكمبيوتر، الدور الرابع كله جزء تجاري، وده مسؤول عن تسويق وبيع منتجات الشركة، والتواصل مع الشركات التانية"
توقف لبرهة وهو يقودها إلى الطابق الخامس، وأشار بتمثيل مسرحي:"وده طبعًا الدور بتاعنا إحنا الشئون القانونية، ومعانا قسم المحاسبة"
كتمت ليان ضحكاتها بصعوبة على طريقته، فحمحم بجدية مصطنعة وأكمل:
" الدور السادس ده بقى الدور الأخير، مفيش فيه غير مكتب صاحب الشركة، وتلات أربع مكاتب لأعضاء مجلس الإدارة، وكل مكتب طبعًا ليه السكرتيرة الخاصة بيه، وأوضة الإجتماعات، والبوفيه، والحمام"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وصلا إلى باب المكتب فأثبت مروان حضوره وأشار لليان لتفعل المثل، ثم دخلا المكتب، سألت ليان:
"هو أنا بصمت ازاي؟ أقصد يعني بصمتي اتفعلت امتى؟!"
التفت إليها مروان وأجاب بجدية: " أنتِ نسيتي إنك وأنتِ خارجة من الشركة يوم المقابلة اتاخدت بصمتك؟"
ليكمل مجيبًأ عن تساؤلاتها الظاهرة في عينيها:" أي حد بيجي يعمل إنترﭬيو هنا بناخد بصمته علطول، واللي بيتوافق عليه بصمته بتتفعل فورًا علشان من أول يوم ليه يبقى ملتزم بالمواعيد"
لم تستطع ليان إخفاء إنبهارها مما تسمع، فأشار مروان إلى أحد الأركان قائلًا:
"ده مكتبكِ وعليه جهاز كمبيوتر، وطابعة، واسكنر وأنا معاكِ هعلمك كل حاجه واحدة واحدة وهفهمك الشغل ماشي ازاي"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
دارت نظرات ليان حولها، تستكشف المكتب حيث لم تسنح لها الفرصة لاستكشافه المرة الماضية، فكانت غرفة ذات مساحة واسعة باللون الأبيض، تحتوي على مكتب خشبي كبير باللون الأسود مواجه للباب خاص بمروان، وبجانبه طاولة صغيرة نسبيًا موضوع عليها هاتف خاص بالعمل، وعلى بعد خطوات من الجانب الأيمن لمكتب مروان، يقبع مكتب آخر بنفس اللون والتصميم خاص بليان، أمام كل مكتب كرسىي مريح، وعلى الجهة اليسار من المكتب نافذة كبيرة تشرف على حديقة خاصة بالشركة، تحت النافذة كرسيان من الجلد الأسود، وبجانب النافذة باب جانبي أخر يقود إلى غرفة مدير الشئون القانونية.
مساحة المكتب مناسبة تمامًا للحركة والتنقل بحرية، يوجد أيضًا منضدة صغيرة بين الكراسي عليها مزهرية بها بعض النباتات الجذابة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
على الجهة اليمنى من مكتب ليان خزانة كبيرة من الخشب الأسود، والزجاج الشفاف اللامع تحوي بعض الملفات الخاصة بالعمل.
أرضية الغرفة مغطاة بسجادة كبيرة من اللونين الأسود والأبيض، في منتصفها منضدة صغيرة وضع عليها طفاية سجائر كريستالية، أما سقف الغرفة فقد وُزّعت به الإضاءات الصغيرة بشكل جذاب، وتعتمد الغرفة في التهوية على مكيف الهواء الموضوع أعلى الباب.
غرفة المكتب ككل منذ دخولها تشعر فيها بارتخاء للأعصاب والهدوء، كما تعطي انطباعًا بالجدية والحماس على العمل والإنتاج.
أنهت ليان استكشافها للمكتب، تزامنًا مع سؤال مروان: " مستعدة ياليان نبدأ الشغل؟"
أومأت ليان بجدية وحماس: "مستعدة جدًا."
سعد مروان بجديتها وحماسها الشديد، وأردف بهدوء:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
"الشغل هنا بيبدأ زي ماقولتلك من الساعه 9 الصبح، والانصراف الساعه 4 العصر، وفي بريك طبعًا في نص اليوم كده للغدا، وطول اليوم البوفيه شغال لو حابة تشربي حاجة."
ثم أكمل بجدية:
"يلا نبدأ على بركة الله."
بدأ العمل بجدية شديدة، واكتشتفت ليان أن العلم النظري يختلف تمامًا عن الممارسة العملية على أرض الواقع، لم يكن عمل ليان عملًا يخص قضايا كبيرة، فإن أعمال أي محامي في الشركات خاصة الكبرى يتطلب توافر بعض المهارات والمقومات حتى تكون محاميًا ناجحًا، اضطربت ليان في بادئ الأمر خوفًا من الفشل ثم تشجعت وساعدها مروان باحتوائه لخوفها، وشرح الأمور المستعصية عليها بطريقة مبسطة، سلسة مما أدى إلى شعورها بالإنغماس السريع في الأعمال المكلفة بها.
لم يخلو الوقت من نظرات خجلة متابعة من ليان لمروان، وكيفية إدارته للمشاكل التى تواجهه في العمل، ولا من نظرات الشغف والانتشاء من مروان لقرب ليان وتواجدها معه وبجواره.
انقضى أول يوم عمل لليان في الشركة تحت سعادتها بسبب إطراء مروان لها، وإعجابه بتفاعلها وفهمها السريع، لينتهي اليوم تحت حماسها، ورغبتها في مواصلة العمل الذي أحبته، ليضحك مروان من قلبه محذرًا بمزاح:
"أتمنى متكنش دي حلاوة البدايات، وبعد كده لما تتمكني من الشغل تيجي تقولي أنا مكنتش عايزة أشتغل أصلًا."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ضحكت ليان على طريقته لترد: "لا، اطمن أنا بعشق الشغل اللي زي ده أصلًا، وكانت أمنية حياتى فعلًا أشتغل شغل زي كده مكتب بقى وكمبيوتر ولا كأني سيدة أعمال."
ليقهقه مروان بضعف مصطنع: "طيب أتمنى سيدة الأعمال متتأخرش بكره علشان نكمل تدريب."
ضحكت على مزاحه من كل قلبها كما لم تضحك من قبل لتؤكد عليه أنها ملتزمة، ولا يجب أن يقلق، أثناء خروج ليان من باب الشركة لفت انتباهها مبنى جانبي ملحق بالشركة، يحتل جزء واسع من الحديقة، له واجهة زجاجية ضخمة، لتسأل:
" هو إيه المكان ده يامروان؟"
نظر مروان إلى حيث تشير، ثم حول نظراته إليها قائلًا بتقرير:
" دي الكافتيريا، مش قولتلك في بريك للغدا هنا؟"
وأشار إليها لتتقدم بجانبه، فتوجها صوب المبنى ليدخلا.
بدأت ليان تدير نظراتها في المكان، فوجدت مساحة مريحة وواسعة، مليئة بالطاولات والكراسي المريحة حيث يمكن للموظفين الجلوس والاستمتاع بوجباتهم، جدران المكان مزينة بشكل عصري وألوان مريحة للعين، كما كان هناك جزء زجاجي بخلاف الواجهة يسمح بالاستمتاع برؤية مظهر الحديقة الجذاب، في جزء جانبي بداخل المكان، كانت هناك منطقة مخصصة لتقديم الأطعمة الساخنة والمشروبات، كانت إضاءة المكان جيدة جدًا، مما يجعله مناسبًا للاستراحة والاختلاط مع الزملاء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
خرجا من المكان تحت نظرات الإعجاب من ليان بكل ما تراه.
حاول مروان أن يعرض عليها أن يوصلها إلى المنزل، لكنها رفضت بأدب، معللة بأنه لا يجوز ذلك.
وافق على رغبتها وبداخله ازداد احترامه وتقديره لها.
لم ينصرف حتى اطمأن عليها، ورآها تستقل سيارة مناسبة.
عادت ليان إلى منزلها وهي تحلّق من شدة السعادة، لم تتسع جدران المنزل لأجنحتها المرفرفة بأمل في مستقبل جميل، استأذنت من والدتها لتبدل ثيابها، ثم تعود لها لتقصّ عليها تفاصيل يومها الأول في العمل، ابتهجت الأخيرة لفرحة ابنتها، وأومأت لها بالموافقة متعجلة حضورها لتسمع منها كيف كان يومها.
انطلقت إلى قلعتها، وفي كل خطوة تخطوها تتذكر مروان: نظراته، جديته في العمل، وتفانيه.
تتذكر احترام الكبير والصغير له.
بدلت ثيابها وخرجت لتتناول الطعام بصحبة أمها، وتقُصّ عليها أحداث يومها، ولم يخلو الحديث من ذكر مروان وشهامته، ومواقفه الرجولية التي لا تنتهي، نظرت مجيدة إلى سعادة ابنتها ولمعة عينيها كلما تذكرت جارها الوسيم لتدعو في نفسها:
"روحي يابنتي، ربنا يجعله من نصيبك، وأفرح بيكِ في بيت عدلك جنب اللي تتمنيه!"
قضت ليان بعض الوقت مع أمها بين الثرثرة وأعمال بسيطة في المنزل، حت حان وقت النوم، فذهبت كل منهما إلى غرفتها متمنية للأخرى نومًا هانئًا، هادئًا، وأحلامًا سعيدة.
تمددت ليان على فراشها، تتمنى لقاء مروان في عالم الأحلام لتعيش معه بداخل رواية كالتي تقرأها وتعشقها.
أغمضت عينيها وعلى وجهها ترتسم ابتسامة جميلة وكأنها على موعد مع السعادة.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة ( نونا أحمد)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
