قراءة رواية (بين دروب العقل ومتاهات الروح) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
ارفعي الصورة
رواية: (بين دروب العقل ومتاهات الروح)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( نونا أحمد) | الفصل: (الثاني)
(الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، أشهد أن محمدًا رسولُ الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الصلاة خيرٌ من النوم، الصلاة خيرٌ من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)
ارتفع آذان الفجر معلنًا عن بداية يوم جديد على قرية من قرى صعيد مصر والتي مازالت تحتفظ ببعض العادات، والتقاليد الريفية المصرية كخروج الفلاحين إلى أراضيهم بالأغنام، والمواشي للحرث ومباشرة شئون الأرض.
بلدة ريفية جميلة، عريقة، من مدخل البلدة وحتى نهايتها تجد البيوت الطينية البسيطة متراصة بجوار بعضها البعض وكأن البيوت تعبر عن محبة الأسر لبعضهم البعض،ووحدتهم، قلوب نقية، وأيادي عاملة، أولاد وبنات في مقتبل العمر يذهبون إلى المدرسة يمرون بجوار الترعة التي يحفها النخيل، والأشجار من كل جانب تتمايل أوراقها بفعل نسمات الصباح العذبة مخلفة مشهد بديع سبحان من أوجده.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وفي أحد منازل القرية والذي لايختلف عن غيره فى التصميم الخارجي بخلاف تصميمه الداخلي فقد بُنيّ بطراز هندسي عصري يختلف عن بقية بيوت القرية التي تكتفى بالطوب اللبن، وتتكون من طابقين على الأكثر.
بيت مكون من ثلاثة طوابق، الطابق الأول فناء منزل واسع من السيراميك به الكثير من الأرائك والمقاعد المريحة، والكثير من الغرف، أهمها: المطبخ، المرحاض، وغرفة شاسعة المساحة لاستقبال الضيوف.
في منتصف البهو سلم من الرخام يقود إلى الطابقين الآخرين من المنزل حيث الطابق الثالث هو سطح خاص بالمنزل أرضيته من الرخام وزُرع به بعض النباتات التي تضفي جوًا رائعًا، مع وجود بعض المقاعد ذات الوسائد المريحة، وطاولة كبيرة في المنتصف.
بالعودة إلى الطابق الثاني، وهو الطابق الخاص بغرف النوم لانجد إلا غرفتين ومرحاضين فقط في هذا الطابق.
نجد سيدة متوسطة العمر ترتدى جلبابًا بيتيًا يمتاز بالبساطة والجمال، تقوم بتحضير طاولة الإفطار الصغيرة التي لا ترتفع عن الأرض إلا بضع إنشات قليلة تنادي بصوتها الجهوري على زوجها:
"ياسالم، يلا الفطار ياخويا علشان تلحق تاخد المواشي وتروح الغيط".
يخرج سالم من باب غرفته، رجل في أواخر الأربعين من العمر ذو جسد ضخم، يرتدي جلباب أسود، وعمامة رأس بيضاء، يتقدم بضع خطوات قاصدًا الهبوط إلى أسفل، ليرى صغيرته الوحيدة تخرج من غرفتها مرتدية ملابس المدرسة ينظر إلى ملامحها، متأملًا جمالها الرباني الخجول، ملامح رقيقة صغيرة، عينان واسعتان بنيتان، أنف وشفاة متوسطتان الحجم، شعرها أسود يميل إلى البنى طويل، كثيف ليس بالناعم ولا الخشن تغطيه بحجابها الذي يزيد من جمالها جمالًا بنور الإيمان، يدعو لها سرًا بأن يحفظها الله من شرور الإنس والجن، ليخرجه من شروده ويقطع دعائه حديثها باحترام:
"صباح الخير يابابا"
ليقبل مابين عينيها بحنان قائلًا: "صباح الخير يانن عين أبوكِ.."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صعدت الأم بغضب من تأخرهم عن موعد الإفطار، لتشاهد هذا المشهد الرائع من الحب تدعو الله أن يحفظ عائلتها، لتتدخل بمرح تقطع لحظات الأبوة الدافئة:
"طيب يلا يانن عيني أنت وهي، تعالوا إفطروا علشان تلحقوا اللي وراكم".. انتفض كلا من الأب وابنته حيث لم يشعرا بوجودها، ولا متى صعدت، ولم يفيقا من صدمتهما حتى أولتهما ظهرها تهبط الدرج بكبرياء زائف، تبعها سالم وابنته يتهامسان بضحك على غيرة الأم المحببة إلى قلبيهما.
جلسوا حول الطاولة الصغيرة، لتتكلم الأم موجهة الحديث إلى ابنتها بحزم لين:
"إفطري كويس ياأمينة، أنتِ ليكِ كام يوم مش بتاكلي كويس وكل مااتكلم تقوليلي بذاكر ومش فاضية، العلام مش هيفيدني ياقلب أمك لو جرالك حاجة أنا عايزة أفرح بيكِ وأشوفك دكتورة قد الدنيا."
ضحكت أمينة الفتاة صاحبة السابعة عشر عامًا تجيب: "يااااا، دكتورة مرة واحدة، بس ما إنتِ عارفة ياماما إن مفيش جامعات هنا."
كادت الأم أن تجيب، ليتدخل الأب هذه المرة موجهًا الحديث لابنته الغالية:
"لا، يابنتي خلي عندك طموح كده، وميهمكيش من أي حاجة إحنا الحمدلله عندنا بيتنا في مصر اللى كنت ساكن فيه أيام جامعتي، بس كان لازم أرجع هنا علشان أرضي وأرض أبويا وجدودي، أومال أنا دخلت كلية الزراعة ليه؟"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تنهد بأمل وأكمل متمنيًا: "أنتِ هاتي المجموع اللي يدخلك الكلية وإحنا نسافر وأنا فى دي الساعة لما أبقى أبو الدكتورة."
قامت أمينة محتضنة إياه بفرحة، وفعلت المثل مع أمها لتودعهما ذاهبة إلى مدرستها ترجو الله من كل قلبها أن يديم والديها تاجًا على رأسها مابقيت، انطلقت إلى مدرستها تصاحبها دعوات أمها بالتوفيق والنجاح.
تمر الأيام تلو الأيام وتقترب امتحانات الثانوية العامة، مابين جهد واجتهاد ومابين خوف، ورعب ولكن ليس علينا إلا السعي فقط .
أبلت أمينة بلاءًا حسنًا؛ كى تحقق حلم والديها بأن تصبح طبيبة مشهورة ذات اسم طيب ومكانة مرموقة.
بدأت أيام الاختبارات تمر بيسر على البعض، وبصعوبة على البعض الآخر، لتنتهي الإختبارات ويأتي موعد ظهور النتيجة.
خافت أمينة كثيرًا رغم حسن ظنها بالله إلا أنها خشيت من عدم تحقيق المعدل المطلوب للتسجيل بكلية الطب، دعت الله وتوكلت عليه ثم ذهبت تستعلم عن نتيجتها ليرقص قلبها طربًا، ويقيم والدها الإحتفالات والعزائم بمناسبة نجاح وحيدته بمجموع يؤهلها لدخول كلية الطب كما تمنوا.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انتهى وقت الفرح، وحان وقت الإختبار الحقيقي ،في خضم فرحة الأسرة بنجاح ابنتهم..
وفي أحد الأيام، حيث كانت السماء ملبدة بالغيوم الكثيفة، رياح شديدة تحرك الأشجار بقوة محدثة صوتًا مزعجًا، كانت أمينة تحاول عبور الطريق المعاكس للذهاب إلى مدرستها لتسحب ملفها، حاولت العبور بيسر عدة مرات، ولكن حركة الرياح الشديدة حالت دون ذلك.
فأكملت تحاول تحريك قدميها، أثناء عبورها الطريق لم تنتبه إلى الشاحنة القادمة من الاتجاه المعاكس،فاصطدمت بها، مما أدى إلى إصابتها بجروح خطيرة، تلوثت ملابس أمينة وكل ماحولها بلون الدماء، وكأنه لم يتبقى شيء غيره، اختفت ملامح الإشراق والفوز من وجهها الصبوح ولم يبق إلا الشحوب، وفقدان الحياة.
كانت أصوات الناس ترتفع، يحاولون استيعاب ما حدث، زادت حالة الهرج بينهم يحاولون التعرف على كم الإصابات والتلفيات الناجمة عن الحادث، فكانت أشياء لا تذكر بخلاف وجود جثة فتاة صغيرة مضرجة بالدماء على جانب الطريق من أثر التصادم.
ضجيج، صراخ، جدران خانقة ذات لون يبعث على انقباض القلب، غرف مغلقة، مرعبة، بداخلها تعم فوضى عارمة من محاولات لإنعاش القلوب، وإحياء أسر ملكومة جراء إصابات حادث الشاحنة، من بينهم أسرة أمينة حيث الأم المنهارة بكمد، تصرخ ثم تهدأ مناجية الله لإنقاذ ابنتها ثم تعاود الصراخ، وهكذا..
وعلى مسافة قريبة منها الأب، الدرع الحامي، والجدار الآمن، الذي كان قد وعد صغيرته سابقًا بأنها لايجب أن تخاف من أي شيء وهو على قيد الحياة، فهو أمانها، وحمايتها ضد أي مكروه، ولكن مشيئة الله أرادت هذا، فكيف له بحمايتها من قدر الله اللطيف بعباده.
ينتفض قلبه بين أضلعه اضطرابًا، وخوفًا من فقدان صغيرته، ولكنه يحاول التماسك ومواساة الأم راجيًا من الله أن يربط على قلبه بنجاة وحيدته.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انقضت ساعات الانتظار وكأنها سنوات عجاف، وجاء عام الغوث بخروج الطبيب يحيي الأمل فى قلوب محطمة، قائلًا بمعالم وجه غير مبشرة:
"الحمدلله، قدرنا ننقذها بس للأسف خبطة العربية كانت جامدة عليها طيرتها وخلتها وقعت على دماغها على الرصيف، إحنا مش هنعرف مدى الضرر اللى حصل للدماغ أو مدى تأثيره على جسمها إلا لما تفوق."
تركهم الطبيب بين رعب من مدى الضرر الواقع على الصغيرة، ومابين شعور الراحة لعناية الله لهم ولطفه بهم، فمهما كان حجم الضرر لن يوازي حجم ألمهم على فقدانها إذا ماقدر الله بهذا، فله الحمد على ماأعطى وقدر.
مرت الساعات على الأسرة بين دعاء، وتبتل إلى الله حتى خرج الطبيب للمرة الثانية من غرفة ابنتهم بعد علمه باستيقاظها ليخبرهم بما فجع قلوبهم:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
للأسف الحادثة كانت كبيرة أثرت على العصب البصري، أكمل متنهدًا بأسى:
"أنا آسف بنتكم اتصابت بالعمى."
انهارت الأم بالعويل على ما أصاب فلذة كبدها، صديقتها الصغيرة، وابنتها الوحيدة، وشعر الأب بفقدان جزء من روحه فغاليته وحيدة قلبه، ومؤنسة وحشته فقدت بصرها وهي في بداية العمر، صرخ الأب بداخله صرخة لو انطلقت من حنجرته لشقت سكون الليل، وأيقظت جميع المخلوقات، صرخة وجع كمن اُنتزع قلبه من صدره بقسوة، وقع أرضًا لاتقوى قدماه على حمله، يحاول النهوض ليخفف ألم زوجته، ويكون خير عون لابنته.
نهض بألم داخلى مذكرًا حاله بلطف الله، شاكرًا ربه على كل حال مرددًا اسم الله اللطيف والذي تجلى به لطف خفي شد من أزر الأب تاليًا قول المولى(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
فكيف تبدل الحال بين ليلةٍ وضحاها، فسبحان الذي يغير ولا يتغير.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في منزل ليان.. استيقظت صباحًا بألم شديد في جميع جسدها كمن دهسها قطار محمل بالبضائع، تشعر بخواء روحها، وضيق بلا سبب، تشعر وكأنها تعيش جسدًا بلا روح، أو أنها فقدت جزء من روحها في مكان ما، حاولت النهوض من على الفراش لتئن بوجع وألم لا متناهي، وتشعر بغليان الدماء في رأسها ولا تعلم السبب.
تحاملت على نفسها، مستعيذة بالله من الشيطان الرجيم تنفض عنها عباءة الكسل والمرض، لتأخذ حمامًا منعشًا يجدد خلاياها التالفة، وتخرج إلى أمها بابتسامة مصطنعة حتى لا تثير قلقها، تدعو الله أن يمر اليوم بسلام ويسر، وألا يصيبها هي أو والدتها أي مكروه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تناولت إفطارها بصحبة والدتها، ثم ودعتها تصحبها دعوات الأم بالتيسير، خرجت إلى الطريق تستنشق الهواء النقي وكأنها كانت سجينة قبو حيث لاشمس ولاهواء، دعت الله في سرها أن يكرمها وانطلقت في طريقها إلى مقر الشركة حيث بداية حياة مختلفة.
أوقفت ليان سيارة أجرة واستقلتها بهدوء، تخبر السائق بعنوان الشركة، وكانت طوال الطريق تذكر الله، وتقرأ سورة(الفتح) بنية أن يوفقها الله فيما هي مقبلة عليها.
وصلت ليان إلى مقر الشركة تلقي نظرة على واجهتها لتجدها ضخمة عصرية، تمتد على مساحة واسعة تغطي عدة طوابق، واجهة مصنوعة من زجاج عاكس يمتد من الأرض إلى السقف، مما يعطي المبنى مظهرًا حديثًا وأنيقًا، مصممة بخطوط بسيطة ونظيفة، مع لمسة من الحداثة في استخدام الأشكال الهندسية والزوايا الحادة، في وسطها يظهر شعار الشركة بحروف كبيرة ومضيئة، مما يجذب الأنظار من بعيد، تنسجم بشكل جميل مع المساحة الخضراء المحيطة بالمبنى، حيث تعكس الزجاجات الشفافة مشهد الأشجار والسماء.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
المدخل الرئيسي واسع يتميز بأبواب زجاجية أوتوماتيكية، يقف عليها فردي أمن، تفتح على بهو فسيح حيث يستقبل الزوار بترحيب، يواجهها مكتب زجاجي كبير يجلس عليه فتاة شابة، حسنة المظهر، تتوجه لها ليان بخجل متمتمة بهدوء:
"صباح الخير"، التفتت إليها الفتاة بابتسامة رقيقة ترد تحيتها، فتكمل الأولى برهبة داخلية محاولة عدم اظهارها:
"أنا عندى Interview النهاردة، اسمي ليان محمود فاضل."
اومأت فتاة الإستقبال ايماءة خفيفة وهى تنقر بأصابعها على جهاز الحاسوب الذي أمامها تبحث عن الاسم، لتقول بعد لحظات قليلة:
"أيوة حضرتك عندك معاد النهاردة مع المسؤول عن الشئون القانونية، هو النهاردة عنده ظرف ومحضرش فحضرتك هتعملي المقابلة مع النائب بتاعه، ومدير مكتبه"، ثم أشارت لها على الجانب اليسار من مكتبها مرددة:
"اتفضلي حضرتك الأسانسير من هنا، اطلعي الدور الخامس، آخر الطرقة قدام الأسانسير على طول مكتب الشئون القانونية."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
اومأت ليان بخفة مرددة كلمات شكر سريعة، متوجهة إلى المصعد تستقله بخوف من تلك المقابلة.
حاولت ضبط أنفاسها، واسترجاع ماقرأته عن أهمية الثقة بالنفس وعدم التوتر أثناء مقابلات العمل لتشعر ببعض الهدوء يتسلل إلى روحها، ألقت نظرة سريعة تقيميية على مظهرها العام في المرآة الخاصة بالمصعد حيث كانت ترتدي بنطال من القماش الأسود يعلوه قميص من اللون الأصفر الهادئ، وجاكت صيفى خفيف من اللون الفيروزي، وحجاب رأس يجمع مابين الأسود والأبيض والأصفر والفيروزي، نظرت إلى وجهها الخالي من مستحضرات التجميل ماعدا كحل أسود أبرز جمال عينيها، وملمع شفاه ذو لون وردي خفيف.
توقف المصعد في اللحظة التالية، وتسارعت دقات قلب ليان بخوف ثم استدركت حالها سريعًا مرددة فى نفسها:
"اللهم أدخلني مدخل صدق، وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانًا نصيرًا."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عند خروجها من باب المصعد وجدت أمامها ممر طويل في نهايته باب عليه لافتة بخط واضح(مدير الشئون القانونية)كما وصفته فتاة الاستقبال، توجهت إليه من فورها، طرقت الباب بخفة ثم دخلت بعد أن سمعت صوت يأذن لها بالدخول، تقدمت بخطوات بطيئة، تقدم قدم وتؤخر الأخرى، يقرع صوت حذائها على الأرض الرخامية، توجه أنظارها موضع قدميها، في أثناء خطواتها الخجلة، المرتبكة.
في تلك الأثناء، سمع الشاب الجالس على مكتبه صوت خطوات أنثوية ليرفع عينيه من على الجهاز الذي أمامه يستكشف هوية صاحبة تلك الخطوات، فلا يصدق ما تراه عينيه مرددًا بصدمة، وسعادة خفية:
"ليان، مش معقول أنتِ بتعملي إيه هنا."
رفعت ليان وجهها إليه لترى جارها الشاب الوسيم(مروان)الذي لطالما حلمت به، وتمنته زوجًا وحبيبًا، ومازالت ولكنها لم تتحدث معه مرة واحدة حتى، حيث أنه انتقل مع أسرته إلى السكن بجوارهم بعد فترة تضييق الخناق عليها من قبل والدها، ولكن هذا لم يمنعها من مراقبته يوميًا من خلال أسوار شرفتها، وتمنت أن يشعر بها يومًا، ولم تعلم أنه رآها أكثر من مرة عند ذهابها إلى جامعتها، وأعجب بها وحاول أكثر من مرة التقدم لخطبتها ولكن لم يكن الحظ حليفه في كل مرة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
استفاقت ليان من شرودها على صوته المتعجب، محركًا يديه أمام وجهها:
"ليان، فينك؟!"
شعرت بالخجل من نفسها حيث أطالت التحديق به، فأجلت حلقها ترد بخجل مرتبك من فرط مشاعرها تجاهه:
"أنا.. أهو مع حضرتك."
ضحك بقوة على مظهرها المرتبك، وخجلها البرئ يسأل من بين ضحكاته بذهول،وهو يشير لها بالجلوس على المقعد الذي أمامه:
"طيب مالك مرتبكة كده ليه، اتفضلي اقعدي. تشربي إيه؟"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
ثم نظر لها بحيرة مكملًا: "أنتِ جاية هنا صدفة ولا محتاجة حاجة، وبعدين إيه حضرتك دى.! أنتِ مش عارفاني؟"
نطق جملته الأخيرة بخوف، وقلب ينبض بألم يائس من كونها لم تتعرف عليه.
جلست بهدوء تدعو الله أن يهون الأمر عليها فإن رؤية معشوق القلب قد أطاحت بكل ثباتها الزائف، أجابته بارتباك وخجل:
"لا، ازاي أكيد عارفة إن حضرتك أستاذ مروان جارنا، وشكرًا أنا مش عايزة أشرب"،
وأكملت حديثها مسرعة، قبل أن يعارضها:
"أنا كنت جاية أقدم على الوظيفة اللي الشركة أعلنت عنها وكانوا طالبين خريجي كلية حقوق."
هل تسمع صوت دقات الطبول التي تقرع بسعادة، بل هل ترى الراقصات اللاتي يتمايلن بحسن، وفتنة تسلب العقول.
هذا ماشعر به قلب مروان عندما تأكد أنها تعلم هويته، وتمنى أن تشعر به، وأوشك على أن تخرج له أجنحة يطير بها عندما علم أنها تريد العمل في الشركة، ولحسن طالعه ستكون تحت يده، سيطر بصعوبة على مشاعر الفرح القوية التي أصابته متحدثًا بلهفة استعجبتها الأخرى:
"لا، يبقى كده لازم تشربي حاجة، لأني بعد كده مش هعزم عليكِ بما إنك هتكوني متدربة تحت إيدي."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظرت إليه بذهول، ليكمل مبددًا ذهولها الظاهر:
"زي ما أنتِ شايفة الشركة كبيرة وليها فروع في كل مكان، والمفروض إن العبدلله اللي قدامك نائب مدير الشئون القانونية محتاج ليه دراع يمين يعتمد عليه"،
نطق كلماته بغرور مصطنع، يرفع ياقة قميصه يحاول أن يظهر كشخص مزهو بحاله، لم تستطع ليان أن تكتم ضحكاتها على طريقته الساخرة، فشاركها الضحك ثم توقف ليكمل بجدية:
"ده غير إننا محتاجين أفراد جدد للاستفادة طبعًا من قدرات الشباب."
وأضاف بجدية وحسم: "بس أنا في الشغل معنديش ياما ارحميني زي مابيقولوا، هتستحملي الشغل معايا والضغط ولا لأ؟"
اومأت ليان بسرعة، وفرح غير مصدقة أنها قُبلت في الوظيفة التي كانت تتمناها، وفي أكبر الشركات لتستدرك شيئًا، لتتساءل بحيرة:
"أنا موافقة طبعًا، دي فرصة متتعوضش وإن شاءالله أكون عند حسن ظن حضرتك، بس حضرتك مطلبتش تشوف الورق بتاعي وتتأكد منه."
ثم أكملت بخجل، خوفًا من أن يمل من كثرة أسئلتها: "وممكن اسأل سؤال كمان!"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر لها مروان بهيام وعشق يراه الأعمى متحدثًا بوله:
"أولًا: إحنا جيران من زمان، ووالدتي ووالدتك أصحاب فاأنا عارف شهاداتك، وعارف كل الكورسات والتدريبات اللي أخدتيها مش محتاج أشوف حاجة."
وأكمل بجدية واهية لاتعكس دقات قلبه: وأكيد أنتِ جاية مقابلة عمل وأنتِ مجهزة ورقك، فكده كده هاخده، هاتي اللي معاكِ علشان يروح الشئون غير كده.. نظر في عينيها نظرة اقتحمت قلبها العاشق مكملًا بحب:
"أنتِ تسألي اللي أنتِ عايزاه براحتك."
اومأت بخفه خجلة تتمتم: "هي ازاي شركة كبيرة زي دي ماشاءالله مش طالبين ناس عندهم خبرة؟"
نظر لها بضع لحظات مستمتعًا برؤيتها، وتحدثها إليه ليحمحم بخشونة غير مقصودة:
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
"والله لو جه حد عنده خبرة خير وبركة طبعًا، بس لو مجاش نقول للشباب اللي لسه طالعين للحياة العملية لا محتاجين خبرة الأول"، ثم أكمل بلهجة عملية:
"صاحب الشركة راجل يعرف ربنا، وبيحب الخير وشايف إن لما كل مكان تروحيه يطلب منك خبرة، يبقى هتجيبي الخبرة منين أصلًا."
اومأت ليان متفهمة لوجهة النظر العظيمة تلك، داعية في نفسها لكل من يساعد الناس قاصدًا وجه الله ليس إلا.
انقضت المقابلة الكارثية على قلبيهما بعد وعد من مروان أنه سيبلغها مواعيد العمل في أقرب وقت وبعد الانتهاء من جميع المقابلات.
رجعت ليان إلى بيتها لا تسع السعادة قلبها، ولا تكفي أشعار الحب أن تصف أحاسيسها بعد مقابلة نصف القلب الآخر والذي لطالما أحبته سرًا، أخبرت أمها بكل ماحدث في يومها، ومقابلتها مع مروان وأنها ستكون متدربة تحت يديه، فرحت الأم بذلك فرحًا شديدًا حيث أنه ذو شخصية ناضجة، وقورة، رجل يُعتمد عليه بحق، اطمأن قلب الأم على ابنتها بوجودها قرب مروان وتمنت من قلبها أن يكون شريك حياة ابنتها الرقيقة، وعوضًا لقلبها من قسوة أبيها عليها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في المستشفى حيث ترقد أمينة بسكون فوق فراشها في إحدى الغرف تنظر إلى اللاشيء في محاولة منها للثبات، مرددة بقلب محاط بأسوار من لطف الله الخفي:
"اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلفني خيرًا منها."
تتذكر قبل ساعتين حينما استفاقت من بعد الجراحة تشعر بألم في جميع جسدها، حاولت أكثر من مرة فتح عينيها وإغلاقهما كي تعتاد الضوء، ولكن للصدمة الشديدة في كل مرة لم ترَ إلا اللون الأسود الذي لا يكسره حتى نجمة واحدة بيضاء، حاولت النهوض بفزع ليشعر بها والديها فيتقدما منها بسرعة الضوء، تشعر بيد والدتها تحاوطها بحب مرددة بلهفة:
"ياحبيبتي يابنتي، أنتِ فوقتي ياقلبي."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
وقبل أن تجيبها تلقاها أبيها بين أحضانه بحنان مراعيًا إصابات جسدها، مقبلًا رأسها بخفة متجنبًا الرباط الذي التف حول إصابة رأسها قائلًا بقلب وجل ينتفض من فرط سعادته:
"ألف حمدلله على سلامتك ياروح قلب أبوكِ، ثواني أنادي الدكتور يشوفك."
هرول الأب بسعادة مناديًا الطبيب المعالج لابنته، في هذه الأثناء تحدثت أمينة بخوف ظهر في صوتها محركة رأسها بإتجاه صوت والدتها:
"ماما أنا مش شايفة أي حاجه خالص، قوليلي إن اللي في دماغي مش صح."
لم تستوعب الأم ماقالته ابنتها واتسعت عيناها بصدمة، وقبل أن تجيبها دلف الطبيب مع والدها لتسرع الأم إليه بقلب ذبيح:
"البت بتقول إنها مش شايفة يادكتور، يعني إيه الكلام ده!"
صُدم الأب مما سمع، وقبل أن يبدي أي رد فعل أمر الطبيب بخروجهم حتى يستكمل الفحص، خرجا الوالدان تحت ضغط من الطبيب والذي استدعى طبيب المخ والأعصاب، وطبيب العيون للتأكد من مدى الضرر الواقع على المريضة، بعد كثير من الفحص والإشاعات وإدلاء كل طبيب بدلوه، خرج الطبيب المعالج من الغرفة ليخبرهم بما فجع قلوبهم:
"للأسف الحادثة كانت كبيرة أثرت على العصب البصري."
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
توقف الطبيب عن كلامه ينظر إلى معالم الصدمة، والخوف من القادم، تنهد بأسى عليهما مضطرًا أن يكمل:
"أنا آسف بنتكم اتصابت بالعمى."
انهارت الأم بالعويل على ما أصاب فلذة كبدها، صديقتها الصغيرة، وابنتها الوحيدة، وشعر الأب بفقدان جزء من روحه فغاليته وحيدة قلبه، ومؤنسة وحشته فقدت بصرها وهي في بداية العمر، صرخ الأب بداخله صرخة لو انطلقت من حنجرته لشقت سكون الليل، وأيقظت جميع المخلوقات، صرخة وجع كمن انتزع قلبه من مكانه بقسوة، وقع أرضًا لاتقوى قدماه على حمله، يحاول النهوض ليخفف ألم زوجته، ويكون خير عون لابنته.
نهض بألم داخلى مذكرا ًحاله بلطف الله، شاكرا ًربه على كل حال مرددًا اسم الله اللطيف والذى تجلى به لطف خفي شد من أزر الأب تاليًا قول المولى(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
احتضن الأب المكلوم كتف زوجته وكأنه يقول أنا أتحمل عنكِ، ألقي على عاتقي أوجاعك وأحزانك،ولا تنهاري.
واسى الأب الأم التعسة بعبارات الأمل بالله، والصبر عند المصائب طالبًا منها إزالة دموعها وأن يكونوا خير عون لابنتهم فى مصابها.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
في تلك الأثناء وبداخل غرفة أمينة كانت تحمد الله في ذاتها على ما أعطى، وعلى ما أخذ، تنزل دموعها بكثرة تزيل ألم قلبها متذكرة لطف الله فولاه لكانت تحت الثرى جراء الحادث، أزالت دموعها عند سماعها صوت فتح الباب وتساءلت عن هوية القادم ليرد أبوها مدعيًا الثبات: "ده أنا وأمك ياحبيبتنا"،
حاول الأب مواساة ابنته فلم يجد مايقوله سوى بعض الهمهمات والكلمات الغير مترابطة، لتبتسم أمينة ابتسامة عذبة تتمتم بصوت شجي:
"متقولش حاجه يابابا، أنا مستحيل أعترض على إرادة ربنا مهما كانت ومين عالم الخير فين ولو مكنتش فقدت نظري كان ممكن يحصلي إيه أصعب من كده."
هرعت إليها والدتها تحتضنها بقوة وكأنها تريد أن تسكنها بداخل قلبها لتكمل أمينة بدموع مبتسمة:
"هي المشكلة بس إني مش هقدر أبقى دكتورة زي ماوعدتكم."
ابتسم الأب من بين دموعه قائلًا بقلب راض بقضاء الله:
"كل اللي يجيبه ربنا كويس ياحبيبتي، تدخلي طب تدخلي زراعة، متكمليش تعليم خالص يكفينا إنك عايشة وسطينا منورة حياتنا."
اقترب الأب من ابنته وأخذها بين ذراعيه، ممسكًا بكف زوجته يشكر الله فى كل لمحة على نجاة وحيدته، وأن جمع العائلة لم يتفرق داعيًا المولى أن يعينه هو وزوجته على مراعاة ابنتهما بحب.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نونا أحمد)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
