قراءة رواية (بين دروب العقل ومتاهات الروح) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
ارفعي الصورة
رواية: (بين دروب العقل ومتاهات الروح)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( نونا أحمد) | الفصل: (الأول)
- بسم الله، الحمدلله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور..
كان هذا أول ما نطقت به الفتاة الشابة بعد أن فتحت عينيها البنيتين، نفضت عنها رداء الكسل وقامت من فراشها برشاقة غصن البان، تتمايل بنعومة فطرية.
توجهت بخطوات واثقة نحو مرحاض غرفتها لتغتسل، ثم خرجت لتؤدي فريضتها، مهيئة نفسها لما ينتظرها خارج أسوار (قلعتها الحصينة)، كما تحب أن تطلق على غرفتها التي تعتبرها ملاذًا آمنًا يحميها من ضجيج العالم الخارجي.
الغرفة كانت متوسطة الحجم يغلب عليها الطابع الأنثوي، حيث تداخلت ألوان الوردي مع رسوم لزهور اللاﭬندر على الجدران، مما أضفى إحساسًا بأنك في بستان ساحر.
أرضية الغرفة كانت مغطاة بسجادة من الفراء الناعم، تكمل الجو الحالم وتنسجم تمامًا مع الباب الأبيض الناصع للغرفة.
في منتصف الغرفة، كان هناك فراش متوسط الحجم بتصميم عصري يجمع بين اللون الأبيض ودرجات الباستيل الهادئة.
مقابل الفراش، وبجوار الباب، كانت تقف خزانة للملابس بنفس لون الباب، مزينة بنقوش وزخارف لورد اللاﭬندر، مما أضفى على المكان تنظيمًا وانسجامًا.
على يمين الغرفة، وقفت مرآة كبيرة تضفي لمسة من الفخامة وتعكس أناقتها.
وعلى الجانب الآخر من الفراش، كان هناك مكتب من خشب MDF وأرجل معدنية، يحتوي على درجين أماميين مطليين باللون الأبيض.
وإلى جانبه مقعد بتصميم مشابه، محاط بطبقة من الإسفنج المقوى لراحة الجلوس.
أمام المكتب، وعلى الجهة الأخرى من الزوايا، كان هناك باب يؤدي إلى شرفة تطل على منظر خلاب، لكنها بقيت واحة هادئة بعيدةعن أعين المارة بفضل الحاجز الزجاجي الأنيق الذي يحيط بها.
كان الحاجز شفافًا بما يكفي ليمرر أشعة الشمس الذهبية، التي تنساب من خلاله بنعومة، تعكس بريقًا هادئًا يحافظ على خصوصية المكان.
يمنح الحاجز إحساسًا بالعزلة والهدوء، دون أن يشعر المرء بالانفصال عن الطبيعة المحيطة.
في منتصف الشرفة، وُضعت طاولة صغيرة مستديرة، مصنوعة من الخشب الفاتح، تزينها مزهرية زجاجية تحوي باقة من الزهور البرية المتنوعة.
المقاعد المحيطة بالطاولة كانت مبطنة بوسائد ناعمة بألوان باردة، تضفي شعورًا بالاسترخاء التام.
أرضية الشرفة كانت مغطاة بسجاد من العشب الأخضر الصناعي، مما يضفي شعورًا طبيعيًا عند المشي عليه، ويكمل الوحة المثالية لمكان مصمم للراحة.
وعلى جانب الشرفة، استقرت مكتبة صغيرة مدمجة في الجدار، تضم مجموعة مختارة من الكتب المفضلة والروايات التي تفتح آفاق الخيال والأحلام.
رف صغير بجانب المكتبة يحتضن نباتات منزلية صغيرة، تضفي لمسة من الحياة واللون، وتكمل أجواء المكان بأناقة.
بمجرد خروج الفتاة من باب غرفتها، شعرت وكأنها انتقلت إلى عالم وحشي لا يعرف سوى القهر والإذلال.
نظرت حولها إلى أركان المنزل الذي بدا متوسط الحجم، مركزة على مركز غرفة المعيشة بدلًا من زواياها.
كانت الغرفة تحتوي على بابين يفتحان إلى الخارج، أحدهما فى مواجهة مباشرة لباب المنزل، بينما البابان الآخران كانا متقابلين على الجانبين.
في الغرفة الكبيرة، كان هناك مطبخ بجانب الباب إلى اليمين، وباب آخر يؤدي إلى غرفة الطعام.
في الجهة الأخرى، يوجد باب غرفة يطلق عليها(صالون)، وهي مخصصة لاستقبال الضيوف.
في هذا المكان، تم وضع بعض الأشياء المثيرة للاهتمام لتشكل مشهدًا خلابًا في الغرفة.
على الجدار الأيمن، توجد خزانة كبيرة تحتوي على مقتنيات ثمينة ولوحات صغيرة متقنة الصنع، تعلوها لوحة ضخمة تمثل معركة في العصور الوسطى.
على الجدار المقابل، تمتد نافذة كبيرة تطل على الطريق الرئيسي، مما يغمر الغرفة بضوء طبيعي مذهل من أشعة الشمس الصافية، مما يزيد من رونقها.
تحت النافذة، وُضعت أريكتان مريحتان باللون البيج.
على الجانب الأيسر، يُعلق تلفاز على الحائط بجانب خزانة صغيرة تحتوي على كتب وأشياء شخصية.
في المستوى الثاني من الغرفة، توجد مائدة طعام كبيرة(سُفرة) تكفي لستة أشخاص، وأمامها مرآة ضخمة أنيقة تضفي لمسة من الفخامة.
بجوار المرآة، تقف خزانة كبيرة ذات تصميم مميز تحتوي على الكثير من الأشياء الثمينة.
تشجعت كعادتها كل يوم، ورددت في داخلها ما تحفظه من أذكار تعينها على مواجهة الحياة، ثم خرجت لتجد والديها جالسين على المائدة يتناولان الإفطار.
لم يكن الصباح إلا بداية لوصلة من التقريع من والدها الذي قال بتهكم وسخرية:
"آهي البرنسيسة صحيت، على رأي المثل(أكل ومرعى، وقلة صنعة)! أصل الهانم وراها إيه تعمله من بعد ما اتخرجت غير إنها مرزوعة ليل ونهار في أوضتها.."
واصل والدها سيل السباب اللاذع اليومي على مسامع ابنته التي شعرت بالخواء من الداخل، متألمة من طريقته الجافة والقاسية. حاولت الأم، مجيدة، التدخل بضعف وقالت:
"مالك بس يا حاج على الصبح؟ ما لسه ياخويا الساعة 6 والبت بتصحى بدري كل يوم.
وكمان والله ما بتخليني أشيل قشاية في البيت، ده مفيش غير لقمة الفطار بس اللي بحضرها، وباقي اليوم هي شايلة البيت كله على دماغها.
مش كفاية إنها كان نفسها تشتغل وأنت منعتها، واهي ليها ست سنين من بعد ما اتخرجت قاعدة في البيت."
زمجر الأب بغضب، ناهرًا الأم المكلومة على حال ابنتها الرقيقة: "جرى ايه يا ولية؟ مش كفاية سيبتها تكمل تعليمها أصلًا، كمان عايزاها تخرج وتروح وتيجي؟ وفيها إيه لما تشتغل في البيت؟ ما هي بنت! المفروض نجبلها شغاله تخدمها.."
نهض الأب بغضب، يسب جميع الفتيات على وجه البسيطة ومن يتمنى إنجابهن، فهو رجل ذو عقلية متحجرة انقرضت منذ عصر الماموث، ويرى أن البنات لا فائدة منهن إلا جلب الخزي والعار.
نظرت الأم إلى ابنتها ليان بضعف، وقلة حيلة، محاولة مواساتها ولكن دون جدوى.
ردت ليان النظرة بدموعٍ حبيسة، هزت رأسها بلا معنى، ثم نهضت لتكمل أعمالها المنزلية، وعادت إلى غرفتها قبل عودة والدها، لتتجنب مواجهته وكلامه القاسي.
في المساء..
خرجت ليان من مرحاض غرفتها، تغطي شعرها الأسود الطويل بمنشفة قطنية رقيقة.
نظرت في المرآة، تتأمل ملامحها الرقيقة كرقة اسمها.
كانت تتميز بوجنتين محمرتين كالورد، وشفاه مكتنزة بلون الفراولة الناضجة، وعينين كقدحين من القهوة اللذيذة، عطرة وغنية بالذوق عند النظر إليهما.
عند تسليط أشعة الشمس عليهما، تشع العينان بسحر يغرق الناظر في رقتها.
جسدها المثالي كما يقال لا يشوبه شائبة، وشخصيتها رقيقة وقلبها مصنوع من ماس.
لكن نظرتها في المرآة كانت حزينة، تشعر بأن لا شيء من اسمها (ليان) ينطبق عليها.
ليان، الذي يعني الرخاء والعيش الهنيء، شعرت بأنها ألم للكون وكمده.
جلست على فراشها وبدأت تقرأ في أحد الكتب التي تتحدث عن كيفية التخلص من الوحدة والاكتئاب.
كانت ليان من محبي القراءة، خصوصًا الروايات الخيالية التي تجذبها إلى عالم وردي خالٍ من المشاكل والصراعات.
تعمقت في القراءة بحثًا عن كيفية التخلص من وحدتها المفرطة، رغم وجود أسرتها.
وجدت الحل في جلسات التأمل لتهدئة ذاتها وتنقية عقلها.
غرقت في صفحات الكتاب، تقرأ بنهم، وترردت في ذهنها كلمات واظبت على قراءتها منذ عدة أسابيع كجزء من روتينها اليومي.
قامت بعدها بممارسة تمارين التأمل، واستغرقت فيها أكثر من خمس ساعات حتى وصلت إلى مرحلة عالية من الشفافية، مما سمح لها بطرق أبواب جديدة ومختلفة داخل عقلها.
كانت ساعات النوم هي الملاذ الوحيد لها من قسوة أيامها، تحلق خلالها في عالم بعيد كل البعد عن والدها، وعالمها الواقعي.
تستيقظ كل صباح بأحاسيس ومشاعر متغيرة، لتسأل نفسها أول سؤال يخطر ببالها: "من أنا؟"
في صباح يوم جديد، تحت شمس مشرقة تضيء العالم بإشراقتها المبهجة، تنتشر أشعتها الدافئة في كل مكان، وعلى أرض غنّاء تزينها الألوان المريحة والجذابة كجنات عدن.
هنا، تندفع المياه بنعومة من شلال يتدفق من ربوة ليصب في بحيرة صافية تعوم فيها طيور الأوز بفرح، وسط هذه الجنة المحاطة بأسوار من الورود والأشجار الكثيفة النادرة التي تحجب رؤية من بداخلها.
قرب البحيرة، تجلس فاتنة بجمال أخّاذ، تضع حول عنقها سلاسل ذهبية تنسدل بنعومة الحرير، وترتدي ثوبًا من الحرير الأبيض المزدان بخيوط فضية لامعة.
ثوب طويل يتبختر بذيله مع كل حركة، وكأنه فخور بملامسة جسدها البديع.
أكمام الثوب الواسعة تكشف عن ذراعين كالمرمر كلما ارتفعت، وفي تلك اللحظة، تحرك يدها بمرح في المياه، تتأمل انعكاس وجهها على سطحها اللامع، فلا تستطيع التفريق بين وجهها وضوء الضحى الصافي.
بينما هي مستغرقة في هذا الجمال، تسمع خطوات معشوقها تقترب. تلتفت إليه وترفع زمردتي عينيها لتلتقي بملامحه الرجولية الحادة؛ جبهته العالية، حاجباه المتصلان، أنفه القوي، وفكه الحاد المغطى بلحية وشارب خفيفين.
جسده الرياضي، كتفاه العريضان، وصدره القوي، كل ذلك يضفي عليه مظهرًا مهيبًا، يزيده وسامة.
لكن، ما يجذبها إليه أكثر هي عيناه الرمادية اللتان تعكسان مزيجًا من القوة، الذكاء، وعشق لا ينضب، عشق يظهر فقط لها.
يجلس بجانبها، يضمها إليه، ويسألها بوله:
"زمردتي، فيمّ تفكرين؟"
أراحت رأسها على صدره العريض، تجيب بصوت كالبلبل الشجي: "وهل لي أن أفكر في سواك، يامولاي."
نظر لها بعينين متقدتين بالعشق قائلًا بصوت أجش:
"منذ أن أنشأت لكِ هذه الجنة، وأنتِ لا تفارقينها لحظة. إنني حقًا أشعر بالغيرة منها."
وأكمل حديثه بحزن مصطنع، ورقة تناقض هيبته: " لم تأتِ حتى لاستقبالي عند عودتي اليوم، يبدو أنكِ تغرقين في عالم حديقتنا، حتى تنسين الدنيا وما فيها."
رفعت زمرد رأسها ونظرت فى عينيه، تلتقط كف يده تقبله بعشق:
"لا أحد يستطيع أن يحل محل مولاي، ولن يستحق شيء أن يجعل مليك قلبي يشعر بنار الغيرة.
وجودي هنا ليس إلا لاستعادة ذكرياتنا ولحظاتنا السعيدة، بينما أنت منشغل بفتوحاتك التي ستجلب لنا الوحدة والرخاء."
ثم ابتعدت عنه بدلال، تعاتبه بمكر أنثوي:
"ومن ذا الذي يحق له الحزن سواي، لقد كنت منشغلًا عني منذ عودتك من الحرب الأخيرة، ولا أراك إلا لوقت قليل"، وأكملت بحزن حقيقي:
"آتي إلى هنا لأستعيد لحظاتنا معًا، لتنعم روحي بالسكينة"
كلما استمرت في حديثها، ازداد شغف معشوقها بها وبسماع كلماتها التي تطرب آذانه، وتحيي فؤاده كعنقاء خرجت من الرماد، في كل يوم، وكل لحظة يزداد عشقه لتلك الحورية التي وكأنها هربت من أحد البحار لتنير عتمة قلبه، وتؤنس وحشة لياليه، فهي تثير في نفسه جنون العشق، وهو لا يتمالك نفسه، فيأخذها معه في جولة سرية، خاصة بهما، لا يرافقهما فيها إلا أصوات الكناري يغرد بحالمية.
في القاهرة الجديدة، حيث منزل أسرة ليان، تستيقظ من نومها بنشاط وسعادة، تحفز نفسها على تحمل تقريع والدها اليومي.
تؤدي فروضها الدينية، وتخرج من غرفتها مسرعة حتى لا تمنح والدها فرصة للسخرية منها.
لحسن الحظ، أخبرتها والدتها أن والدها قد خرج قبل آذان الفجر بسبب مشكلة في العمل، لتشعر ليان بفيض من السعادة يغمر قلبها. تدعو لها والدتها بدوام السعادة، وأن يصلح حال والدها.
يمر اليوم بهدوء، وسكينة على قلب ليان حتى حان وقت عودة الوالد إلى منزله فلا يعود إلا خبر وفاته متأثرًا بأزمة قلبية حادة بعد اتهامه بالسرقة وهو بريء.
انهارت الزوجة بالبكاء، وسقطت ليان في صدمة لاتعرف ماذا تفعل، رغم كل ما عانت منه، فهو والدها، هو جدار البيت الذي تهدم.
عند هذا الحد صرخت ليان صرخة جمعت فيها كل قهرها وألمها، صرخة عبرت بها عن أوجاعها ومخاوفها، صرخة انطلقت شقت سبات الكائنات كانت بمثابة صحوة جديدة.
لتسقط بعدها في عالم اللاوعي على أمل أن تصحو وتكتشف أنه كابوس.
لم تخلو غيبوبتها من استعادة ذكرياتها مع والدها، تتذكر أوقاتها السعيدة معه عندما كانت طفلة.
كانت جنة أبيها وواحته الخضراء كما كان يصفها.
فماذا حدث بعد أن كبرت.؟
تتذكر كيف تغير حاله معها بعد سماعه قصة فتاة من الجيران هربت مع صديقها.
منذ ذلك الحين، أصبح والدها صارمًا معها، ظنًا منه أنه يحميها.
تتقلب الذكريات في عقل ليان كشريط سينمائي طويل، شعرت بقلبها يتمزق كغزالة ضعيفة وقعت فريسة لأسد جائع.
أحست بقبضة قوية على صدرها، وكأنها أقسمت على ألا تهدأ. شهقت ليان شهقة قوية، تلتقط أنفاسها بصعوبة، تشعر بأنفاسها كحمم بركانية تحرق مابداخلها، تلتفت حولها وتتذكر وفاة والدها، فتجهش ببكاء مرير على حالها وحال والدها.
بعد مرور أكثر من شهر..
وفي صباح يوم جديد.. في المنزل الذي ما زال يعاني من أثر فقدانه لركيزته القوية، على الرغم من مرور فترة قصيرة لا تكفي لتجاوز الحزن على الفقدان، حاولت أجواء المنزل التخلص من تلك الغمامة الثقيلة.
خرجت ليان من غرفتها، كما تفعل كل صباح، بوجه مشرق يضفي نورًا على المكان، ولكن داخلها كان يشتعل بمزيج من الحزن والراحة، اذ كانت تشعر بفرح خجول؛ فقد زال عن قلبها العبء الثقيل المتمثل في نظرات والدها اللائمة على أمور لم تكن تستحق، فلامت نفسها سريعًا على تلك المشاعر القاسية.
تذكرت كيف كان والدها يحبها ويدللها في طفولتها رغم كل ماجرى.
نعم، هي سعيدة بأنها لن تُلام بعد اليوم على اللاشيء، لكنها حزينة لفقدانها حصنها القوي وحاميها من العالم المجهول، اتجهت إلى والدتها بخطوات مشوشة، وحيّتها بصوت صباحي دافئ.
ردت الأم بلمسة من الحنان والتفهم:"بقولك يا بنتي، أنا عارفة إنك طول عمرك بتحلمي تشتغلي بشهادتك، وتحبي تطلعي وتيجي زي البنات.
قومي يا بنتي، دوري على مستقبلك، وشوفي وظيفة تخرجي بيها من البيت.."
وقفت ليان مصدومة، ونظرت إلى والدتها بدهشة: "أنتِ يا ماما اللي بتقولي كده؟ أول مرة تتكلمي في الموضوع ده أصلًا!"
أطرقت الأم بنظرات حزينة وأجابت بخزي من ضعفها: "حكم القوي، يابنتي.
للأسف، مكنتش أقدر أقول لأبوكِ لا. عارفة لو حد غيره، ولا لو جه حد دلوقتي يحاول يتحكم فيكِ، أنا أكله بسناني. أنا واثقة فيكِ، وعارفة أنا ربيتك إزاي. بس للأسف، هو كان أبوكِ، ومحدش يقدر يعارضه."
وضعت الأم يدها على كف ابنتها برفق، وقالت بحنو:
"قومي يا بنتي، شوفي حالك، ومتضيعيش باقي عمرك في حبسة وضيقة."
امتلأت نفس ليان بحماس جديد، وهرولت إلى غرفتها لتبدأ البحث عن وظيفة تناسب شهادتها في الحقوق.
كانت الأم تراقبها، تدعو في قلبها أن يديم الله سعادة ابنتها.
مضى اليوم وليان مازالت تبحث، حتى انتهى بارسال سيرتها الذاتية إلى عدة شركات، بانتظار الرد.
شعرت بالتعب، ونظرت إلى ساعة الحائط التي أشارت إلى الثامنة والنصف مساءً، فشعرت بالذنب تجاه والدتهاالتي لم تقضِ معها الكثير من الوقت اليوم.
نهضت من مكتبها بظهر متصلب، واتجهت إلى حيث تجلس والدتها، وجلست معها تتبادل الحديث بود. بعد ذلك، ذهبت الأم إلى غرفتها لتخلد إلى نوم عميق، متمنية لابنتها أحلامًا سعيدة، بينما اتجهت ليان إلى طقوسها الليلية، تشعر بمزيج من السعادة، والخوف، والأمل والترقب بانتظار ماقد يخبئه لها الغد.
على صعيد آخر، وفي قصرغاية في الرقي والفخامة، تحيطه أسوار عالية كحصن منيع، أبوابه الخارجية من الصلب الذي لا يُقهر، تمشي في مساحة شاسعة محاطة بالزرع من كلا الجانبين، وممر رخامي طويل لتصعد عدد من الدرجات الرخامية العالية وتدخل من الباب الكبير، فتجد بهو فسيح على الجهة اليسرى منه باب غرفة المعيشة.
غرفة تتميز بسقف عالي مزين بثريا كريستالية تتدلى برقة من الأعلى، الجدران مغطاة بأقمشة مخملية غنية، تتخللها لوحات فنية تاريخية مؤطرة بإطارات مذهبة.
الأرضيات من الرخام اللامع، مفروشة بسجاد فاخر يمتد عبر مساحة الغرفة.
الأثاث كلاسيكي مزخرف يتألف من أرائك مريحة مكسوة بالحرير، مع وسائد مزخرفة، توجد طاولات خشبية منحوتة بدقة، تعلوها تحف فنية نادرة ومزهريات من الكريستال، ممتلئة بزهور نضرة.
نوافذ ضخمة تطل على حديقة واسعة، مغلقة بستائر ثقيلة من الحرير، تضفي على المكان شعورًا بالدفء والرفاهية.
في زواية الغرفة موقد ضخم، مزين بالرخام والنحاس، يضفي أجواءً دافئة وملكية على المكان.
على إحدى الأرائك تجلس امرأة أرستقراطية الملامح، ترتدي عباءة منزلية باللون الفيروزي مزينة بنقوش ذهبية تتناسب مع عمرها الستيني.
نظارتها الطبية الشفافة تعكس جمال عينيها الذي لم يتغير على مر السنين.
كانت تقرأ الجريدة اليومية، حتى سمعت خطوات قوية وثابتة تنزل بشموخ من الطابق العلوي.
رفعت عينيها لترى ابنها، شابًا في أوائل الثلاثينات، بملامح وسيمة، ونظرات حادة، يرتدي زيه العسكري.
قبل يدها بحب وقال بصوت حاد بطبيعته:
"صباح الخير يا أمي، أخبار صحتك إيه النهاردة؟"
ابتسمت له الأم بابتسامة دافئة : "صباح الورد يا حبيبي، أنا بخير طول ما أنت بخير."
ثم سألته بفضول: "أنت نازل من غير مراتك ليه؟ مش هتفطروا مع بعض؟ وبعدين دي لازم تتغذى كويس."
تنهد سليم بقلق:
"والله يا أمي، طول الليل ما نامت من الألم، وكل شوية تقولي حاسة إني هولد النهاردة.
وطول الليل متعصبة ومش طايقة نفسها، ومش عارف أعملها إيه، اتفقت معاها هخلص شغلي ونعدي على الدكتور بتاعها نتطمن."
ضحكت والدته بخفة، وقالت:
"يا سليم، ده طبيعي. هي في الشهر السابع، والجنين بيتحرك أكتر، وكمان تحس بألم في بطنها وضهرها، وكمان متعرفش تنام بسهولة ده غير حالتها المزاجية تبقى صعبة، اطمن يا بني وروح شغلك، وأنا شوية كده وهطلع اطمن عليها."
استجاب سليم لكلام والدته، وودعها متوجهًا إلى مقر عمله، ترافقه دعواتها بسداد خطاه.
في الطابق العلوي.. في غرفة فسيحة، جدرانها مزينة بألوان هادئة ونقوش رقيقة تليق بالفخامة الملكية، السقف العالي مزدان بثريا كريستالية تتلألأ كنجوم الليل، تضيء الغرفة بأجواء سحرية.
النوافذ الضخمة تغطيها ستائر حريرية شفافة، تتراقص مع نسمات الهواء العليل القادم من الحديقة الخضراء بالخارج.
في منتصف الغرفة، يقبع فراش ملكي واسع، يغطيه غطاء من الساتان الناعم بألوان الباستيل الهادئة.
الوسائد مرتبة بعناية، بألوان متناغمة تعكس جمال المكان.على هذا الفراش الراقي، تستلقي فتاة جميلة كالقمر في ليلة اكتماله، شعرها الحريري منسدل على الوسادة كصفائح من ذهب، عيناها مغلقتان بهدوء، كأنها في حلم ساحر داخل هذه الغرفة التي تبدو وكأنها جزء من حكاية خيالية.
استيقظت بتململ من نومها لينفرج جفنيها عن عينين اتخذتا من عيون المها رسمًا، ومن زرقة البحر لونًا، أهدابًا كثيفة تزيدها جمالًا، ونعومة.
استفاقت كليًا مع صوت الطرقات على باب الغرفة، تأذن للطارق بالدخول بصوت رقيق لايخلو من أثر النوم، لتدخل حماتها الغالية إلى الغرفة قائلة بابتسامة مشرقة:
"إيه يا ست مها، البيبي بتاعنا تاعبك للدرجة دى؟ علشان كده حرمني أشوف ضحكتك الجميلة أول حاجة النهاردة."
ابتسمت مها برقة، مجيبة بصوت ناعم: "والله يا طنط، تعبني جدًا، طول الليل مش مبطل ضرب في بطني، بس كله يهون علشان خاطر هو حتة من سليم."
ضمتها حماتها إلى صدرها بدفء أمومي، تدعو الله أن ينجيها هي وجنينها ويجعله ذرية طيبة، مباركة، قضت معها بعض الوقت تنصحها، وتقويها، وتحفز من همتها لتحمل ماتبقى من أشهر الحمل، متمنية لها الفرح، والراحة الدائمة.
مرت الأيام مملوءى تعب مها ومحاولات سليم التخفيف عنها، حتى جاء اليوم المنتظر.
في السادسة صباحًا، استيقظ الجميع على صوت صراخ مها، معلنًا اقتراب ولادة فرد جديد للعائلة.
سارع سليم بنقل زوجته إلى المستشفى، مخالفًا كل قواعد السير. حاول السيطرة على نفسه، والانتباه على الطريق مع صرخاتها التى تمزق أوتار قلبه حتى وصل إلى المستشفى، فتح الباب الجانبي للسيارة يحملها مسرعًا، وضغط بعدم صبر على أزرار الطوارئ، فتحركت عربة معدنية وضعها فوقها لتدخل غرفة العمليات.
بعد مرور مايقارب الساعة كان سليم يحاول مرارًا أن يسترد أنفاسه الهاربة ، مع محاولات عديدة من والدته لطمأنته، فلم يستجب، ولم يشعر بأنه مازال على قيد الحياة إلا عندما خرج الطبيب يقول مبتسمًا:
" ألف مبروك، المدام جابت ولد زي القمر"
ارتجف سليم من الفرحة والخوف، وسأل بلهفة عن حال زوجته:
" ومها يادكتور، طمني عليها!"
ربت الطبيب على كتفه، وطمأنه مبتسمًا: " اطمن، هي كويسة. البيبي هيطلع دلوقتي، والمدام هتخرج حالًا من غرفة الإفاقة"
بمجرد أن أنهى الطبيب كلامه، هرع سليم إلى غرفة مها ليكن فى استقبالها بعد خروجها من الإفاقة.
بعد مرور ساعتين على نقل مها إلى غرفتها بالمشفى في انتظار أن تسترد وعيها، تململت على الفراش بألم، وفتحت عينيها بضعف لتقع عينيها على سليم يجاورها ويحيط كفها بين كفيه مقبلًا إياه باستمرار ليقول بصوت حنون هامس:
"ألف حمدلله على سلامتك يا أم ياسين."
ابتسمت مها بحنو متناسية جميع الآمها، وأجابته بعذوبة: "الله يسلمك يا أبو ياسين، هو فين عايزة أشوفه، طالع شبه مين."
ليضحك بقوة مقبلًا جبينها براحة: "لسه يا قلبي ملهوش شبه، كان نفسي أقول عايزه يطلع شبهك بس ولد بالجمال والرقة دي مينفعش خالص."
ليكمل غامزًا إياها: "الجمال والرقة اللي وقعوني أنا على جدور رقبتي في هوى وعشق بنت الجيران، وبرغم إني سباح ماهر إلا إني غرقت في بحر عينيكِ."
لتقبل مها كفه بحب: "أنا أصلًا عايزاه شبهك أنت بشخصيتك وهيبتك، وحنيتك على أهلك، ووقوفك دايمًا في صف العدل ولو على رقبتك."
في تلك الأثناء دخلت والدة سليم إلى الغرفة تحمل الصغير بين كفيها تحاوطه بكل كيانها، تبارك لمها لتكتمل ملحمة العشق بوجود أصغر أفراد العائلة الجديد.
تقدمت والدة سليم من فراش مها، تسأل بحب وعينيها تحتضن الصغير بسعادة:
" فكرتوا هتسموه إيه، ولا لسه؟"
قام سليم يحمل منها الصغير يقبل جبينها بحنان أب، واقترب من زوجته يضع الصغير بين يديها ويلف ذراعيه حولها، أدار عينيه بين أفراد أسرته مبتسمًا، ليغمغم بفخر:
" أنا ومها كنا متفقين إنه لو ولد هنسميه ياسين على اسم والدي الله يرحمه"
امتلأت عيون والدة سليم بالدموع من الفرح، واقتربت منه تقبله هو وزوجته، لينحني سليم يقبل يدها بتوقير، تحت نظرات مها السعيدة والمعتزة بزوجها، تنظر لوليدها تدعو في سرها أن يكون نسخة من والده وأخلاقه العالية.
في صباح اليوم التالي.. استيقظت ليان بخفة ونشاط، وأول ما سمعته كان صوت هاتفهايرن بجوارها.
حاولت ضبط صوتها لتفيق من أثر النوم، ثم ردت بصوت هادئ:
"السلام عليكم"
أجابها صوت أنثوي هادئ من الطرف الآخر: "آنسة ليان؟"
همهمت ليان بالموافقة، لتكمل الصوت: "مع حضرتك رانيا من العلاقات العامة لشركة...."
اومأت ليان بقلب مضطرب، وغمغمت: "أيوة، أهلًا بحضرتك."
تابعت رانيا بنفس النبرة الهادئة: "أهلًا بيكِ. حضرتك عندك Interview بكره الساعة 11 صباحًا."
اتسعت عينا ليان من شدة السعادة.
حيث وافقت إحدى الشركات على سيرتها الذاتية التي أرسلتها، شكرت محدثتها بسعادة غامرة، وأغلقت المكالمة بعد أن وعدت بالحضور في الموعد المحدد.
طارت ليان فرحًا وخرجت من غرفتها تحمل البشرى إلى والدتها، التي دعت لها بالتوفيق.
جلست ليان بجانب والدتها متسائلة بحيرة:
" ماما، هو المفروض البس إيه بكره؟"
نظرت لها والدتها بتفكير عميق، ثم أجابت بعقلانية:
" أكيد لبس فورمال بما إنها مقابلة عمل. وبرضه لازم يكون لبس شيك كده بما إنها شركة كبيرة، فأكيد هيكونوا مركزين على المظهر الخارجي"
أومأت ليان موافقة، ثم طلبت برجاء:" طيب ما تيجي ننزل شوية، نشتري شوية حاجات ونغير جو؟"
ضحكت والدتها، وهزت رأسها بالنفي:" لا، أنا ليا زمن مخرجتش من البيت. قومي اتصلي بالبت مرام وخديها معاكِ، وغيروا جو براحتكم".
أومأت ليان بالإيجاب وهرعت إلى غرفتها لتطلب صديقتها مرام مرافقتها.
اتفقتا على الخروج في الحال دون إضاعة المزيد من الوقت.
مر اليوم بسعادة غامرة على ليان، خرجت مع صديقتها الوحيدة وجارتها، تسوقت بكل ماتحتاجه ليوم الغد، وقضيتا النهار بالخارج حتى حلول الليل.
عند عودة ليان، استقبلتها والدتها بفيض من الحب الأمومي، تثني على ذوقها ورقيها فى اختيار الملابس.
مازحتها ليان وقبلتها تشكرها بحب، ثم تركتها متمنية لها ليلة سعيدة ودخلت إلى فراشها، تحلم بلقاء الغد وما قد يحمله من تطورات في مجرى حياتها.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نونا أحمد)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
