قراءة رواية (أحفاد إلياس) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (أحفاد إلياس)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: ( زيب سعيد القاضي) |
الفصل: (الثالث عشر)
كل لحظة تمر علينا تحمل بين طياتها لغز جديد، فما بالك بهم أحفاد إلياس، وكل ما يمروا به، يجعلهم في كل يوم في مغامرة جديدة، وتحدي أكبر هم أبطاله بمفردهم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
يخطون نحو المجهول بقلوبٍ جسورة، لا تلتفت للوراء، ولا تهاب عواصف القدر. يحملون في عروقهم إرثاً لا ينطفئ، وسراً قديماً يهمس لهم في عتمة الليل أن الطريق وإن طال... فهم من سيصنعون نهايته.
لم يختاروا أن يكونوا فرسان هذه الحكاية، لكن الحكاية اختارتهم، لتثبت للعالم أن القوة لا تُقاس بكثرة الحلفاء، بل بعمق الإيمان الذي يسكن الصدور. إنهم يواجهون أمواج الحياة العاتية، يتقاسمون الصمت والدموع، ويصنعون من انكساراتهم دروعاً تخوض معارك الغد.
بين أيديهم تتشابك خيوط الزمن، وفي عيونهم يلمع بريق الأمل، ليعلنوا مع كل شروق جديد: أن أحفاد إلياس لا يسقطون، بل يولدون من رحم التحدي من جديد.
❈-❈-❈
توقفت السيارة الأجرة أمام الصرح العملاق لشركة إلياس، هبط آصف من السيارة، وتوجه إلى الداخل وهو يتلقى ترحاب شديد من كل العاملين بها، ولم لا فهو الحفيد المدلل والأقرب إلى إلياس باشا صاحب هذه الإمبراطورية العريقة.
خطا آصف داخل البهو الرئيسي بخطوات واثقة، يوزع ابتساماته الهادئة والمألوفة على الموظفين الذين اصطفوا يلقون عليه تحية الصباح باحترام شديد. كان للمكان هيبة تسري في العروق، جدرانٌ تحكي قصة كفاح إلياس باشا الذي بنى هذه الإمبراطورية من العدم، وجعل من اسمه رقماً صعباً لا يمكن تجاوزه في سوق المال والأعمال.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
توجه آصف مباشرة نحو المصعد الزجاجي الخاص، متجهًا إلى الطابق العلوي حيث يقع مكتب شقيقه الأكبر، ورغم علامات الترف والراحة التي تحيط به، إلا أن نظرات عيونه كانت تحمل بريقاً مختلفاً هذه المرة؛ بريقاً يخلط بين الشغف برؤية الرجل الذي يعشقه، وبين شعور غامض بأن خلف أبواب هذا الصرح لغزًا جديدًا ينتظر من يفك شفراته.
وصل إلى الطابق المنشود وما أن رأته السكرتيرة حتى وقفت في مكانها وهتفت بترحاب:
-أهلاً أهلاً يا آصف باشا نورت.
تبسم ابتسامة متكلفة، ورد باقتضاب:
-أهلاً بيكِ. أوس جوه؟
هزت رأسها بايجاب:
-أيوه يا فندم ثواني وأديه خبر إنك موجود.
أوقفها بإشارة من يده:
-خليكِ مكانك هدخله أنا.
لم يعطيها فرصة للاعتراض، توجه هو تجاه باب المكتب وقام بفتحه.
ضربت السكرتيرة كف بكف وقالت:
-لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم عيلة تجيب الشلل.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
جلست مرة أخرى تتابع عملها باهتمام شديد.
❈-❈-❈
بينما في الداخل انتفض أوس من مكانه ينوي تعنيف من اقتحم خلوته، ولكن ما أن أبصر شقيقه الأصغر. حتى توجه إليه بلهفة وهو يتفحص كل إنش به:
-آصف إنتَ كويس يا حبيبي حاجة حصلت طمني عليك؟
ربت على كتفه بلطف وقال:
-اطمئن أنا بخير يا حبيبي.
تنهد بارتياح، وطالعه بفضول شديد:
-طيب الحمد لله. طيب طمني إيه سر الزيارة الغريبة دي؟
ظل يطالعه بترقب في انتظار رده، حتى استمع إلى ما جعل الدماء تجف باوردته:
-أنا عايز اتجوز موچ.
ساد الصمت أرجاء المكتب الفخم، ولم يكن يقطعه سوى صوت أنفاس أوس المتلاحقة. تلاشت ملامح الارتياح من على وجهه وحلت مكانها ملامح الجدية والوجوم. خطى خطوة للخلف، ونظر إلى شقيقه الأصغر يحاول استيعاب الكلمات.
نظر أوس إلى آصف بنظرات حادة امتزج فيها الذهول بالغضب، وكأنه يحاول التأكد من أن شقيقه بكامل قواه العقلية ولم يجن بعد. ذلك الاسم وحده كفيل بإشعال حرب لا تنتهي داخل العائلة، فهي ليست مجرد فتاة عادية.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
كسر أوس حواجز الصمت، وخرج صوته جهورياً غاضباً يتردد صداه في أركان المكتب:
-إنتَ واعي للكلمة اللي نطقتها دي يا آصف؟! موچ؟ أنتَ بتلعب بالنار! جدي لو عرف لا، العيلة كلها لو عرفت، إنتَ عارف ممكن يحصل إيه؟!
حافظ آصف على بروده وثباته، رغم النيران التي تشتعل في عينَي شقيقه، وتقدم خطوة نحو مكتب أوس قائلاً بنبرة هادئة ولكنها صلبة كالصخر:
-عارف يا أوس، عارف كل حاجة. وعارف إن الخطوة دي معناها إني بقف في وش العيلة كلها.
مسح أوس على وجهه عدة مرات في محاولة بائسة منه في تهدئة حاله، دار حول شقيقه عدة مرات وفي لمح البصر قام بلكمه لكمة قوية في وجه، جعلته يتراجع عدة خطوات إلى الخلف وهو يئن بألم.
تجاهل أوس هذا وهتف من بين أسنانه:
-آسف بس كان لازم أعمل كده وافش غليلي.
❈-❈-❈
ظلت واقفة تطالعهم ببلاهة مما أثار استفزاز إلياس، وأشار إلى جده بالدخول قبل أن يفتك بتلك المخلوقة التي تثير استفزازه دون أدنى جهد منها.
تجاوزها الجد بخطواته الوقورة البطيئة دون أن يمنحها نظرة واحدة، في حين توقف إلياس أمامها مباشرة. كان طوله الفارع يلقي بظلاله عليها، وعيناه تشتعلان بفتيل من الغضب المكتوم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
انحنى قليلاً ليصبح بمستوى وعيها الغائب، وقال بنبرة منخفضة حادة كشفرة الحلاقة:
-أظن جدي دخل جوه، ولا مستنية عزومة ملكية مخصوص؟ اتحركي من قدامي قبل ما انفجر فيكِ.
استعادت وعيها دفعة واحدة، وابتلعت ريقها بتوتر وهي تراجع خطوة إلى الوراء. لم تنطق بكلمة، بل تراجعت بسرعة مفسحة له الطريق، وعيناها تلاحق ظهره وهو يدخل خلف جده بكبرياء وثقة كادت تقتلع ما تبقى من ثباتها النفُسي. أغلق الباب خلفهما بصوت خافت، لكنه وقع في أذنها كقنبلة موقوتة تعلن بداية عاصفة لن ترحمها.
طالع الجد إلياس المنزل بهدوء شديد، واتجه إلى أقرب مقعد كي يجلس فوقه، ولكن قبل أن يلمسه، توقف على صرخة مدوية.
-لا لا يا باشا الكرسي ده رجله مكسورة إحنا سيبينه بس عشان الديكور.
توجه بنظراته إلى حفيده، الذي يقف في مكانه يضع يده على وجه يتمنى أن تتشق الأرض إلى نصفين وتبتلع تلك المخلوقة الآن.
أطلق تنهيدة عالية، وتحرك تجاه جده وأشار إليه إلى الأريكة الموضوعة في أحد الجوانب:
-اتفضل أقعد هنا يا جدو.
في تلك اللحظة خرج فوزي من المطبخ بعد أن كان مختبئًا بداخله حتى يعلم هوية الطارق اقترب منهم معللاً بطريقة سوقية:
-يا أهلاً وسهلاً بالبشوات الكبار والله لو أعرف إنكم جايين لكنت فرشت ليكم الأرض ورد ورمل.
لكزته زوجته في كتفه بغيظ:
-ورد ورمل يا كحيان ده إنتَ بتستخسر تجيب ليّ حزمة النعناع إللي بحطها في الشاي.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تألم لفعلتها ورمقها بازدراء:
-يا ولية ميت مرة أقولك متضربنيش قدام حد غريب عايزة الناس تقول عليّ إيه مش راجل ولا إيه؟
تبسمت باستخفاف بعد أن طالعته من أعلى رأسه لأغمص قدميه:
-بلا وكسة هو إنتَ فاكر نفسك راجل؟ ده إنتَ من المخلفات الحرب يا أخويا.
-بس كفاية اخرسوا خالص إنتوا الأتنين وحد يروح ينادي وتين.
صاح فوزي بلهفة:
-أنا هروح أناديها وإنتِ يا ولية روحي أعملي عصير ليمون بالنعناع عشان البشوات.
تحرك كل منهم بجهة، مما جعل إلياس يسترد أنفاسه ويجلس جوار جده الذي نظر إليه مرددًا بعدم استيعاب:
-هما الناس دول طبيعيين؟ أنا حاسس إنهم خارجين من مستشفى المجانين؟! أوعى تكون هي كمان زيهم كده؟!
تبسم رغم عنها وقال:
-لا لا اطمئن هي حاجة تانية.
❈-❈-❈
انتفضت من مكانها أثر اقتحام عمها الغرفة، والذي صاح بها:
-قومي بسرعة يا وتين.
اعتدلت بوهن وقالت:
-خير يا عمي في إيه؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
-خير أوي إلياس باشا بره ومعاه جده.
ارتعدت أوصالها، وتساءلت بتردد:
-هو عايز إيه مني؟
مط شفتيه بحيرة:
-مش عارف مش يمكن جاي يشوفك مش هتبقي خطيبة حفيده؟
أغمضت عينيها بحزنٍ:
-الكلام ده لو جوازي أنا وإلياس جواز عادي.
تساءل ببلاهة:
-هو إنتوا هتتجوزوا جواز جديد أنا مش عارفه؟
صاحت بنفاذ صبر:
-إنتَ هتجنني يا عمي هو هيتجوزني عشان يصلح غلطة عمه مش أكتر ولا أقل.
لم يكد ينهي عمه كلماته حتى تبدلت ملامح وجهه من الحيرة إلى الضيق، فجلس على طرف الفراش وقال بنبرة خفت حدتها قليلاً:
-يا بنتي، ما هو جواز بردو في الآخر.. المهم تضمني مستقبلك وتخرجي من البيت ده والضيق اللي إحنا فيه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم تحتمل وتين استماع المزيد من عباراته التي تضع المصلحة قبل كل شيء، فنهضت بسرعة واندفعت نحو المرآة، تمسح آثار الدموع التي تجمعت في عينيها. نظرت إلى انعكاس وجهها الشاحب، ثم التفتت إليه وقالت بصوت يرتجف:
-مستقبلي؟ أنا ادمرت خلاص.
أشاح عمها بوجهه بعيدًا وهو يتمتم:
-كفاية رغي، إلياس بره ومعاه جده الجوازة دي لو باظت محدش هيبصلك افهمي ده.
خرج من الغرفة وتركها في صمت خانق، يتخلله صوت خفقات قلبها المضطرب. نظرت إلى فستانها البسيط في المرآة، وشعرت وكأنها تستعد لدخول ساحة معركة لا تملك فيها سلاحًا سوى كبريائها الجريح. تنفست بعمق، حاولت أن تستجمع بقايا قوتها، فهي تعلم أن إلياس لا يحب الانتظار، وأن مواجهته اليوم ستكون مختلفة تماماً عن أي لقاء عابر جمع بينهما من قبل.
❈-❈-❈
جلس أمام شقيقه الأكبر مطأطأ الرأس، والآخر يراقبه باهتمام شديد ينتظر حتى يتحدث. كان الصمت في الغرفة ثقيلاً، لا يقطعه سوى دقات الساعة المعلقة على الحائط، والتي بدت وكأنها تطرق فوق رأس الأخ الأصغر بمطرقة من توتر.
حاول أن يستجمع شتات كلماته، لكنه شعر بأن حلقه جفّ تماماً، وكأن الكلمات عالقة في ممر ضيق ترفض الخروج.
رفع عيناه ببطء، ليلتقي نظرات شقيقه التي كانت تمزج بين الحزم والشفقة، تلك النظرات التي طالما أرعبته بقدر ما طمأنته في طفولتهما.
فرك أوس جبهته، وتساءل بنفاذ صبر:
-هتفضل ساكت كده كتير ما تنطق.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تحدث ببراءة:
-انطق أقول إيه بس ما أنا قلت عايز اتجوز موج ومحتاج إنك تساعدني.
تهكم بسخرية:
-يا فرحة أمك بيك. سؤال بس معلش فهمني بقى جنابك عايز تتجوز موج؟ هي مش كانت مخطوبة لحازم وهتتجوز إيه إللي حصل؟
أجاب باختصار:
-فشكلوا الخطوبة.
-وجنابك عرفت منين؟ أوعى تكون لسه بتدور وراها وتعرف أخبارها تبقى اتجننت رسمي فعلًا.
هز رأسه بخفة، واسترسل بإبانة:
-لا مش بدور عليها أنا قبلتها صدفة.
تساءل أوس بنفاذ صبر:
-صدفة فين إن شاء الله؟ ما تنطق يا بني آدم إنتَ وقول جملة مفيدة. يا إما تقوم زي الشاطر تطلع بره وتاخد الباب في ايدك، وعارف بقى عايزك تروح فين؟ تروح عند أمك عارف أمك يا آصف الست الطيبة إللي قاعدة في البيت إللي لو سمعت كلامك الحلو ده هتفرح بيك أوي وتجري وراك بالشبشب زي زمان.
رمقه بإزدراء وظل على صمته، فاستأنف:
-إنتَ هتفضل قاعد تذغرلي كده كتير ما تنطق يا بجم.
ضغط على شفتيه بغيظ:
-على فاكرة أنا ساكت ليك مش محتاج ليك؛ لكن غير كده مكنتش هقبل بقلة القيمة دي، على رأي المثل إن كان عندك عند الكلب حاجة قله يا سيدي.
نظر أوس حوله حتى وجد ضالته منفضة السجائر قام بحملها وألقاها في وجه آصف الذي تفادها بمهارة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
-ولا إنتَ هتنطق ولا لا؟
-خلاص هتكلم بص بقى بصراحة كده أنا قابلتها في المستشفى وهي عندها كانسر وحازم فسخ الخطوبة .
تصلب أوس في مكانه، وابتلعت سخرية اللحظات السابقة فجأة، لتستقر غصة حقيقية في حلقه. تلاشى الغضب من عينيه وحل محله ذهول قاتم، بينما كان آصف يراقب رد فعله بصمت ثقيل، وقد زالت من ملامحه كل معالم العبث.
ساد صمت طويل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت أنفاسهما المضطربة. وضع أوس يديه على المكتب بقوة حتى ابيضت مفاصل أصابعه، وسأل بصوتٍ خافت، مُنكسر تماماً عن حدته السابقة:
-كانسر؟ بتقول إيه يا آصف؟ إنتَ متأكد؟
أومأ آصف برأسه ببطء، وعيناه زائغتان في الفراغ:
-أيوة، أنا شفت ملفها هناك، وشفتها بعيني ملامحها متغيرة، والبهجة اللي كنت أعرفها في عينيها مطفية، والأسوأ إنها لوحدها. حازم لما عرف حالتها انسحب فوراً وكأنها عبء مش شريكة عمر.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تنهد أوس بعمق، ومرر يده على وجهه في حركة يائسة، ثم نهض ببطء متجهاً نحو النافذة يراقب الشارع في شرود، قبل أن يلتفت إليه بنظرة حادة:
-وعايز تتجوزها الوقتِ؟ عايز تتجوزها وهي في الحالة دي؟ إنتَ فاهم يعني إيه؟ يعني وجع، يعني مستشفيات، يعني رحلة صعبة جداً ومحدش يضمن نتيجتها إنتَ مستعد لكل ده؟ ولا ده جنون اللحظة اللي بتمر بيه؟
وقف آصف، واستقامت قامته بجدية لم يعهدها أوس من قبل، وقال بصوتٍ ثابت:
-أنا مش عايز أتجوّزها عشان أشفى غليلي ولا عشان أثبت حاجة لحد.. أنا عايز أكون جنبها، حتى لو الأيام اللي فاضلة ليها كانت أيام قليلة، مش عايزها تحس إنها وحيدة في المعركة دي أنا جيتلك عشان تساعدني أوصل لأهلها، أو أعرف أقدر أقدم لها إيه في الوقت الحالي من غير ما أضغط عليها.
نظر إليه أوس طويلاً، ثم تنهد بقلة حيلة وأشار له بالجلوس مجدداً:
-اقعد يا آصف واضح إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد رغبة. احكي لي كل اللي تعرفه، بالتفصيل من غير ما تخبي أي حاجة، عشان نعرف الخطوة اللي جاية لازم تكون إيه.
❈-❈-❈
خرجت من الغرفة باستحياء شديد بعد أن ارتدت اسدالها وأحكمت الحجاب فوق رأسها، وجدت إلياس يجلس جوار رجل على الرغم من كبر سنه لا يزال يحتفظ بوقاره ويا للعجب كان إلياس نسخة مصغرة منه، من يراهم يظن أن أب ونجله، وليس جد وحفيده.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نهض إلياس واقترب منها وحثها على أن تتحرك تجاه جده، وأشار إليّها معرفًا:
-أعرفك يا جدي على عروستي وتين.
تبسم بهدوء وأردف:
-أزيك يا بنتي عاملة إيه؟
نظرت في الأرض بخجل وردت:
-الحمد لله.
التفت إلى حفيده، وتحدث بنبرة هادئة:
-ينفع اتكلم مع وتين شوية لوحدنا يا إلياس؟
تنحنح بحرج وقال:
-حاضر يا جدي هنزل أستنى تحت في العربية.
صاح فوزي بلهفة:
-تروح فين بس يا باشا تعالى نقعد سوا في التراس.
قالها وهو يتحرك نحوه، ويجذبه إلى الشرفة دون أن يعطيه مجال للرفض.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أشار إليها الجد بابتسامة:
-أقعدي يا بنتي. هتفضلي واقفة؟
جلست على استحياء، فتحدث هو بنبرة هادئة:
-عارف كويس إنك مستغربة أنا هنا ليه أنا هنا عشانك إنتِ يا وتين.
تعجبت من حديثه، فاسترسل هو بثقة:
-أيوه عشانك إنتِ يا بنتي. أنا عارف إن ابني فريد أذاكي أوي. عايزك تنسي إللي حصل وتقفلي صفحته للأبد. لأن من اللحظة إللي هيرتبط فيها اسمك باسم إلياس حفيدي هتبقى لحظة والدتك من جديد، إلياس مش بس حفيدي ده حته من قلبي مش هسمح لحد يزعله ولا يقف قصاده حتى لو كان الحد ده مين فهماني يا بنتي؟
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تبسمت بمرارة وقالت:
-اعتبر ده تهديد؟
هز رأسه بخفة، واسترسل بإبانة:
-لا مش تهديد أنا بس بلفت نظرك لأني بنفذ مش بهدد.
❈-❈-❈
كان يقف داخل الشرفة بقلق شديد يطوق لمعرفة ما يحدث في داخل، لكن مع ثرثرة هذا المعتوه بكلمات غير مفهومة جعلته يصيح بنفاذ صبر:
-كفاية مش عايز أسمع حاجة تاني أنا صدعت.
رد الآخر باستياء:
-الحق عليَّا كنت بحكيلك عن أمجادي وأنا في شبابي أنا كنت راجل ولا سيد الرجالة عارف كنت أمشي في الحارة أوقف نصب بناتها على رجل.
تبسم باستخفاف:
-بجد والنص التاني؟
صمت بحيرة، واستطرد مفسرًا:
-مش عارف بس هو المثل كده.
ضرب إلياس كل بكف، وهتف بنفاذ صبر:
-الصبر من عندك يارب. بدل ما ارتكب جناية.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
عدل فوزي من جلسته على الكرسي الخشبي المتهالك، وبدأ يلوح بيده في الهواء بحركات مسرحية وكأنه بطل في رواية ملحمية من تأليفه:
-بتقول جناية؟ دا أنا كنت أعمل جنايات في قلوب العذارى يا يا إلياس باشا! إنتَ لسه عيل صغير، متعرفش يعني إيه هيبة لما كنت أدخل القهوة العصافير كانت بتسكت، والرجالة كانت بتقوم تقف تقديرًا. تقديرًا بس، مش خوف!
زفر إلياس بضيق، ومال بجسده نحو الشرفة أكثر، عيناه لا تزالان معلقتين بباب الشرفة الموصد في الداخل، وكأنه يحاول اختراقه بنظراته. لم يلتفت حتى لفوزي وهو يتمتم بتهكم:
-يا راجل! طيب هعمل نفسي مصدقك.
قطع حديثهم نداء جده من الداخل، ولج سريعًا وردد باحترام:
-أيوه يا جدي؟
ردت على كتفه بحنان وقال:
-هسبقك على تحت خلص مع خطيبتك وتعالى.
❈-❈-❈
انتظر حتى غادر جده الشقة، واقترب من وتين وجلس في مواجهتها وهو يراقب صفحة وجهها البيضاء كما لو كانت تحاكِ الموتى.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
تأمل شحوبها الساكن لبرهة، كأنما يحاول قراءة تفاصيل معركة خفية دارت بين روحها وجسدها. مدّ يده ببطء شديد، كمن يخشى أن يكسر زجاجًا مهش أصلاً، ليلمس أطراف أصابعها الباردة التي كانت تستقر بلا حراك فوق المقعد.
انتفضت على فعلته وسحبت يدها، تقبل فعلتها وتسأل باهتمام:
-طمنيني يا وتين جدي زعلك؟
أغمضت عينيها لثوانٍ، واستطردت قائلة:
-لا .
قطب جبينه بحيرة وتساءل:
-طالما لا مالك فيكِ إيه؟
نظرت إليَّه بتردد وقالت:
-ممكن أطلب طلب وتنفذه؟
أومأ بايجاب:
-طلباتك أوامر يا وتين؟
نظرت إليّه بتردد وقالت:
-ممكن تشيل موضوع الجواز ده من دماغك خالص؟!
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (زينب سعيدالقاضي)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
