قراءة رواية (موسى الحكمدار) كاملة
تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى
رواية: (موسى الحكمدار)
رواية جديدة قيد النشر
الكاتبة: (سهام محمود ) | الفصل: (السابع)
أستلقى غيث على السرير بعدما أخذ حمامًا دافئًا يُرخي جسده المتعب و يساعده على النوم بشكل أسرع، لكن عقله لم يتوقف عن التفكير و لو لـ ثانية بشأن ما حدث خلال ساعة سابقة.
أستحضرت مخيلته صورة للفتاة التي قبض عليها و هي تُجيب على أسئلته بوجه واضح الملامح تمامًا، عيناها البنية الفاتحة مثل العسل تشبه خاصته تمامًا و التي ورثها عن والده.
تنهد بيأس شديد يشعر أنه مُقيد بوعد قد يكون من المستحيل أن يوفيه، وعد قطعه على نفسه و جعله يسلك طريقًا غير الذي حلم به، غيث أو هاشم هما وجهان لعملة واحدة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
مسد وجهه بتعب يشعر بأن كل شيء بداخله عبارة عن فوضى فقط، كان يبحث عن أخته و الآن يجب عليه البحث عن رئيسه، و كان يبحث عن أبرتين في كومة قش كل واحدة منهما أصعب من الأخرى.
و قد أصبح السر بينه و بين موسى تعرفه تلك الفتاة التي لا يعرف أين، كيف و متى قابلت موسى، كيف علمت أنه ما زال على قيد الحياة في حين أن الجميع يعتقد أنه مات؟ كيف علمت أنه في غيبوبة؟.
لماذا كانت تتحدث مع نفسها؟ كيف علمت عن المكان السري الموجود في المرحاض و الممر السري للقصر؟ من هي؟ و من أين أتت؟! كل هذه الأسئلة عصفت بعقله دفعة واحدة.
شعر بالصداع ليدشر نفسه بالكامل حتى ينام سريعا.
❈-❈-❈
تم جره بقوة فجأة من الحراس ثم ألقوه أرضا أمام رجل مجروح كان وجهه مغطى بالدماء و ملامح وجهه أختفت غالبها، يديه و ساقيه مقيدة في الكرسي الجالس عليه أسفل أضواء خافتة باللون البرتقالي.
جسده مغطى بالدماء كذلك و لن تعرف أين الجروح بالتحديد لكثافة الدماء فوق ملابسه، حدق فيه موسى في رهبة من أمره بينما يقف على قدميه المرتعشة يبتلع ريقه بتوتر شديد.
كان قد رأى هذا الرجل عدة مرات بالقرب من جده
فتساءل لماذا هو مقيد هكذا ومليء بالجروح؟! أدار رأسه نحو جده الذي ظهر قبل وهلة قصيرة من الوقت يرتدي بذلة
سوداء صُنعت خصيصا له و يحمل عصاه الخاصة، ملامح وجه باردة و مسودة يراها نادرا أثناء تواجده في القصر، ليعلم أن الأمر الذي جاء من أجله غير محموداً.
أشار بسبابته إلى الحارس حتى يعطي موسى سلاحا، نظر الصبي إلى السلاح في خوف و تردد ليتحدث جده بهدوء:
"خذ المسدس يا موسى"
بعد تردد هز موسى رأسه في رفض مما جعل قبضة جابر على رأس الأسد تصبح أقوى، تحدث بنبرة أعلى جعلت جسده يرتجف رغمًا عنه و ازدادت نبضات قلبه عنفًا في خوف من القادم:
"قولتلك خُد المسدس منه"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أخذه منه بأيدي مرتجفة سريعاً يمسكه بكلا كفيه لثقل وزنه الذي لم يعتاد عليه قط، سار جابر نحو ذلك الشخص حتى وقف خلفه مباشرة يتحدث بصوت منخفض النبرة، شعر موسى بالقشعريرة تسير أسفل عموده الفقري من صوته المنخفض الشبيه بهمس الشيطان:
"محسن اللي قدامك ده أنت شوفته معايا قبل كدة كتير، بس النهاردة آخر مرة هتشوفه فيها"
"ليه؟!"
سأله بنبرة مرتجفة و هو ينظر إليه في حالة يرثى لها و في هذا اللحظة بالذات رأى مظهراً بشع يرأه لأول مرة في حياته.
ثلاثة أصابع من كلا الكفين كانت مفقودة تجعد وجهه في اشمئزاز من مظهر الجلد الممزق بقوة و الدماء الجامدة حول الأصابع المبتورة.
فـ أجاب جده ببرود شديد على سؤاله:
"عشان محسن خاين، و الخاين لازم يموت يا موسى، تعرف خاني ازاي؟!"
ابتسامة خفيفة ظهرت على فمه و زادت ملامحه رعبًا لـ يتراجع موسى خطوة للخلف رغمًا عنه بينما يهز رأسه لعدم معرفته السبب، هز جابر رأسه مرة و كان على وشك أن يجيبه قبل أن يستيقظ محسن من غفوته و يصرخ بصوت غير مفهوم.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر موسى إليه فجأة من صراخه الذي يصم الآذان و ندم لأنه نظر إليه، فما رآه كان بشعاً بمقدار بشاعة أنامله المبتورة، أسنانه الأمامية جميعها مفقودة و حتى لسانه كان مقطوعًا، أضطربت معدته بشدة لهذا المشهد الدموي الذي يراه لأول مرة في حياته.
لكن من كان يتوقع أن ما سيحدث تاليًا أصعب من أي وقت مضى! ضحك جده في سخرية بينما يجيب:
"محسن كان هيقول عنك لأهل امك، عشان يقتلوك يا موسى، لما نعرف ان في وسطينا واحد خاين لازم نقتله بايدينا عشان يكون عبرة لغيره، بس قبلها يتعذب و يعترف بكل حاجة عملها و كان هيعملها"
أشار نحو السلاح الموجود في يده و قال:
"و ده الدرس اللي هتتعلمه أول حاجة يا موسى، تقتل الخونة بايدك"
أشار ثاليا إلى محسن الذي عاد للصراخ من جديد في رعب و هو يهز رأسه مرارًا و تكرارًا، بأعين مرتعشة نظر موسى من السلاح إلى محسن ثم إلى جده في النهاية، هز رأسه رافضًا و عيناه ممتلئة بالدموع حتى أصبح صوته
متحشرج و الغصة تملئ حلقه:
"لـ لا مـ مـ مش هعـ ـمل كدة … أ أ أنا مش هقـ ـتله!!"
صرخ في نهاية كلماته بخوف شديد و بدأت دموعه تنهمر على وجهه الذي اكتسب نضارة و وزناً بعد الاهتمام بوجبات طعامه، نظر جابر إليه في سخط شديد و قال بنبرة صارمة مقتربًا منه:
"رجالة دُرغام مبيعيوطش زي العيال الصغيرة، أنت راجل فاهم ولا لا؟ اقتله يلا"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
"لا مش هقتله"
نفى موسى بإصرار ليزم جابر شفتيه و ترك عصاه تسقط أرضًا ثم صفع موسى بقوة على وجهه حتى سقط متأوهًا يرتطم بالأرض.
أصبح صوت بكاء الصبي واضحًا إلى جانب صراخ الرجل الذي أصبح أبكي في المستودع المهجور، أجهش موسى بالبكاء أكثر و قد أصبحت رؤيته ضبابية من دموعه، شعر برأسه يدور و طنين في أذنيه من قوة الصفعة ناهيك عن انتفاخ وجنته و اثار أنامل جده الغليظة ظاهرة بوضوح على بشرته.
رفع موسى رأسه نحو جده حينها شعر بطعم الحديد الصدئ في فمه ليعلم أن شفتيه قد تمزقت كذلك، لم يهتم بما حل في وجهه كما يهتم لأمر رفضه للقتل، لكن جده لم يتركه فقد أمسكه من ملابسه بقوة رغمًا عنه و رفعه عن
الأرض بينما يقول:
"هتقتله يعني هتقتله"
قاوم موسى بلا جدوى و هو يحاول إبعاد قبضته عن جسده الضعيف:
"لا مش هقتله!!"
"قولتلك إنك هتقتله غصب عنك"
أعطاه السلاح في يده و موسى يرفض الإمساك به، أدار جابر جسد موسى نحو محسن و وقف هو خلفه بينما يحيط بكفيه كفي موسى حول السلاح و يضع سبابته على الزناد.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
هز موسى رأسه عدة مرات في الثانية و توسل جده بينما الدموع تسير على وجنتيه لعله يثير شفقته:
"أرجوك يا جدي متخلينيش أقتله، أنا خايف مش عايز أعمل كدة"
خرجت شهقة منه رغمًا عنه ليسمع جده يقول ببرود غير آبه بدموعه و توسله:
"أعرف حاجة مهمة يا موسى، رجالة دُرغام مبيخافوش من حاجة ولا بيهابوا أي حد، كمان مش بيترجوا حد حتى لو كان اللي هيموت ده من لحمنا و دمنا طالما في حتة معفنة في الجسم لازم نقطعها قبل ما العفن يتمكن من الجسم كله"
ازداد بكاءه أكثر مع كلماته القاسية و الخالية من أي رحمة، نظر موسى إلى محسن الذي توقف عن الصراخ بسبب تعبه الشديد و يقينًا بأنه لن ينجو الليلة من أيدي جابر دُرغام.
ربت جابر على كتف موسى بلا اهتمام و قال بنبرة باردة مجددًا:
"يلا اقتله"
"لا"
"قولت اقتله"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
صرخ به ليرتجف جسد الصبي رغمًا عنه صارخًا بالرفض لكن ازدادت قوته حول المسدس مما جعل سبابته التي على الزناد تضغط عليه دون أي وعي منه ثم انطلقت رصاصة أخترقت جسد محسن.
ذُهل موسى بقوة مما حدث خلال ثواني قليلة و هو غير متعمد لأن يطلق النار عليه، سقط السلاح من يده أرضًا و لم تقوى يديه على حمله بعد الآن، نظر الى جده بذهول ليجد ابتسامة رضا على شفتيه بينما ينظر إلى جثة الخائن.
تحولت نظرة جابر من الجثة إلى حفيده الصغير الذي كان ينظر إليه بصدمة و عبراته على وجهه لم تجف بعد، جثى أمامه على ركبة واحدة يبتسم مُربتًا بكلا كفيه على كتفيه و هو يحتضنه:
"أيوة كدة براڤو عليك، هو ده حفيد عيلة دُرغام و رئيسها الجاي"
أيقن موسى في هذه اللحظة أنه سقط بين ايدي رجل مجنون و مريض عقليًا حتى يفخر بحفيده الذي قتل إنسانًا لا يعرف إن كان بريئًا أو خائنًا بالفعل.
❈-❈-❈
من ذكرى الماضي البعيد كانت روح قد رأت بضع لقطات سريعة لا تعرف كيف! لكن فجأة في حلمها تغير محيطها بالكامل لترى نفسها في فترة الطفولة عندما كانت تجلس على الرصيف تشاهد الأطفال بينما يلعبون.
كان بصرها يلتقط بعض الناس الغير طبيعيين إلى حد ما، فقد كانت ترى صبيًا يقف بجانب عمود الإنارة، و عيناه بها مشكلة تقريبًا، يمسك في يده كرة قدم صغيرة نسبيًا لكنها مهترئة.
ملابسه ليس بها أي عيب لكن ظهره ممتلئ بالدماء الداكنة و الجافة كما أن رأسه ممتلئًا بالدماء كذلك، بشرته شاحبة و ضبابية بعض الشيء حتى أن جسده تغلفه طبقة رقيقة من الضباب الأبيض، أمالت رأسها في استغراب و هي تراه ينظر إلى الأطفال بينما يلعبون مثلها تمامًا لتمسك بدميتها جيدًا بين ذراعيها تسير نحوه بخطوات بطيئة صغيرة.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
نظر الصبي إليها و هي تتجه نحوه، لم يكن يعلم أنها تستطيع رؤيته لهذا عاد إلى الزقاق الذي كان يتواجد به عادةً، و روح كانت تتابعه بخطوات صغيرة دون أن تنادي عليه حتى رأته يجلس في نهاية الزقاق بالقرب من مكب النفايات الصغير.
جلس القرفصاء أرضًا و الكرة بين يديه ينظر للأمام بفراغ شديد، وقفت روح أمامه و سألت بنبرة فضولية:
"أنت مبتلعبش مع العيال ليه؟!"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
لم يجب عليها فقط نظر إليها في صمت، أمالت رأسها باستغراب لأنه لم يرد عليها فاستمرت في السؤال:
"معاك كورة المفروض إنهم يلعبوا معاك مش كدة؟!"
لم يرد مجددًا، حتى جلست على ركبتيها أمامه و كانت تريد أن تلمس كفه لكن يديها عبرت من خلال جسده دون أن يحدث أي تلامس، فقد شعرت بموجة من الهواء الباردة تسير فيها عندما عبرت من جسده.
حركت أناملها عدة مرات بسرعة ثم سحبتها عندما فهمت الأمر بشكل تقريبي رغم صغر سنها، كما أخبرتها جدتها أن اتبعت أي شخص و عندما تحاول أن تلمسه لكن لم تنجح فستعلم أن هذا الشخص متوفي.
جلست روح القرفصاء أمام شبح الفتى الصغير تنظر إليه بحزن و غيرت سؤالها:
"أنت ميت مش كدة؟!"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أومأ الصبي مرة واحدة ثم طأطأ رأسه يلف الكرة بخفة بين يديه، فقد أصبحت الكرة جزءًا منه بسبب وفاته و هو متمسك بها، تنهدت روح بحزن عليه و قالت:
"مت و أنت بتلعب بيها؟!"
أومأ لها مجددًا؛ لتتنهد مرة أخرى و قالت بأسى:
"أنا محدش راضي يلعب معايا عشان بقدر أشوفك أنت و اللي زيك، عشان كدة بفضل أبص عليهم من بعيد لأنهم بيخافوا مني، حتى لو أنا حاولت أتكلم معاهم محدش هيرد عليا"
وقفت و قالت بابتسامة غريبة لطفلة في مثل عمرها:
"بيقولوا عليا وحشة و اني مش كويسة، عشان معنديش بابا ولا ماما زيهم محدش راضي يلعب معايا، عشان كدة أنا بلعب ووباكل و بشرب ووبنام مع جدتي بس"
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
أصبحت تلف جسدها يمينًا تارة و يسارًا تارة أخرى تضم الدمية إلى صدرها بشكل أقوى و تضحك بسعادة، نظر إليها الصبي في استغراب من سعادتها و استمرت:
"على فكرة أنا أشطر منهم كلهم في المدرسة دايمًا بكون الأولى على الفصل"
اتخذت خطوتين إلى الأمام حتى تغادر الزقاق فقالت بينما تلوح له:
"لما أفضى هبقى أجي و أبص عليك تاني، سلام"
و ركضت بخطوات سريعة تالياً تعود إلى الشقة.
❈-❈-❈
فتحت عينيها بخفة بينما تتنهد من هذا الحلم السخيف الذي يذكرها بالماضي، كانت أشعة شمس الظهيرة مرتفعة عاليًا في السماء لتنتفض روح سريعًا من الفراش و عندما كانت على وشك الهبوط من السرير تعثرت قدمها في طرف الملاءة لتستقر أرضًا على جانبها الايسر بقوة.
صرخت و شعرت بالخدر و الألم في جميع أطرافها و أجزائها من الجهة اليسرى، رفعت رأسها تنظر إلى قدمها العالقة في طرف الملاءة المرفوعة على السرير لتصفع فخذها بغضب بسبب تحركها السريع دون أن تنتبه.
الأعمال الأصلية لرواية وحكاية
حاولت النهوض من الأرض لترى موسى ينظر إليها ليتجمد وجهها باشمئزاز منه تدير وجهها بعيدًا عنه، وقفت بعد مدة دقيقة تفحص نفسها لتشعر أن معصمها الأيسر يؤلمها أكثر من أي جزء آخر.
ذهبت إلى المرحاض بخطوات متهالكة و غسلت وجهها بماء فاتر ثم جففته لتبدأ بعدها البحث عن علبة الإسعافات الأولية، وجدتها في رف أسفل الحوض الرخامي فأخرجت منه الرباط الطبي الضاغط ثم بدأت تلفه على معصمها بشكل جيد، بعد أن انتهت حركت أناملها الظاهرة بخفة لتجد أن الألم انحسر بشكل كبير.
تنهدت بارتياح لتخرج من المرحاض أخذت الهاتف و الأوراق متجهة نحو الباب لتتذكر أن الباب موصد من الخارج، ضيقت عيناها عابسة من هذه الحقيقة فاستدارت نحو موسى و سألته بأمر:
"مفيش مخرج سري هنا في السرايا دي؟!"
هز موسى رأسه نافيًا لتتنهد بعبوس أكثر، وضعت الأوراق في جيبها و هاتفها ثم أعادت ترتيب شعرها أثناء السير نحو الشرفة، فتحت الباب و خرجت ترى محيطها لتجد أن ارتفاع الشرفة عالي جدًا يعادل ارتفاع شقة
في الطابق الثالث رغم أنها في الطابق الثاني فقط من القصر.
لحسن حظها كانت الشرفة ذات محيط واسع حتى أنه تم وضع طاولة بمقعدين داخلها، كانت تتواجد شرفة غرفة أخرى بالقرب منها لكنها على بُعد متر واحد إن كانت تريد أن تستخدمها يجب عليها أن تقفز من هذا العلو.
| « السابق |
جميع الفصول |
التالي » |
يتبع
إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (سهام محمود)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية
