لسة اجمل يوم مجاش - الفصل الأخير | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (الأخير )



أجاب شريف الهاتف على مضض، وقد بدا الضيق جليًا في نبرته:


- نعم يا هانم؟


تنهدت مي في الطرف الآخر، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ يحمل شيئًا من الندم والانكسار:


- بص، أنا عارفة إني غلطانة، وحقكم كلكم عليّا.


أطلق شريف زفرةً ساخطة وقال:


- بعد إيه؟ بعد ما نيلتي الدنيا وزعلتي خطيبتي وويسو؟ ده أنا كنت هكلمك أظبطك دلوقتي شتايم، بس الحقيقة مش فاضي.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قالت مي باستعطاف:


- خلاص بقى، حقكم عليّا. أنا كنت عايزة أعرف وسام فين؟ مش بيرد عليّا.


عقد شريف حاجبيه وقال بتهكم:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

- ليه؟ هتكملي الفيلم بتاعك يا ست هانم ولا إيه؟ بقولك إيه، هو مش ناقص... روحي لحالك بعيد عنه.


هزّت رأسها سريعًا وقالت:


- والله أبدًا... أنا كنت هصالحه وأفهمه إني كنت فاهمة غلط. وحياة أمنية، قولي هو فين.


صمت شريف لحظة، ثم قال مستسلمًا:


- لولا بس إنك حلفتيني بحبيبتي... بصي يا خالتي، تلاقيه في البيت بيغير هدومه ونازل معايا.


تنفست مي الصعداء وقالت:


- أوك يا شيري، شكرًا... باي.


وما إن أغلقت الخط حتى اندفعت سهر قائلة:


- اجري روحي له... متضيعيش وقت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

طبعت مي قبلةً سريعة على خدها، ثم انطلقت كالسهم إلى سيارتها. كانت تسابق الوقت كما يسابق الغريق آخر أنفاسه، وكأن قلبها قد سبقها إلى هناك قبل أن تصل قدماها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وصلت إلى البناية مسرعة، ووقفت أمام باب شقة وسام. ألصقت أذنها بالباب تتحسس أي صوتٍ ينبئ بوجوده، ثم همّت بالضغط على الجرس، غير أن الباب انفتح فجأة.


خرج وسام.


تجمدت في مكانها لحظة، ثم اندفعت الكلمات من فمها اندفاع السيل:


- وسام! حقك عليّا... كنت غبية ومتخلفة وحمارة ومبفهمش. والله ما كان قصدي ولا كلمة.


رفع عينيه إليها للحظة واحدة. كانت نظرة باردة، جافة، خالية من أي أثرٍ للود القديم. ثم تجاوزها كأنها غير موجودة، واتجه نحو المصعد وضغط زره دون أن ينطق بحرف.


شعرت مي بوخزةٍ حادة في صدرها، لكنها أسرعت خلفه قائلة:


- عارفة إنك متضايق مني، لكن أنا مش هسيبك غير لما أصالحك... إن شاء الله أعملك قرد حتى!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وصل المصعد، فدخله وسام في صمت. لحقت به، لكنه ما إن رآها حتى خرج منه فورًا.


قالت بدهشة:


- طيب مش نازل بالمصعد؟


ولم يجب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اتجه مباشرةً إلى السلم وبدأ يهبط بخطوات سريعة. فقفزت مي من المصعد قبل أن يغلق بابه، ثم لحقت به وهي تصرخ:


- وساااااااااام! استنى!


كانت تنزل أمامه درجةً بعد أخرى محاولةً إيقافه، بينما كان هو كالصخرة الصماء؛ لا يلتفت، لا يتوقف، لا يكترث.


قالت وهي تكاد تبكي:

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

- والله ما كنت أقصد... عارفة إني زعلتك أوي، بس اعذرني، كنت في حالة وحشة والله.


ظل يهبط محدقًا في الأرض، ثم قال ببرود:


- ابعدي عني.


رفعت رأسها بعناد:


- لا، مش هبعد... وهتسمعني. والله بحبك، وماليش في الدنيا غيرك.


ضحك بسخريةٍ مريرة وقال:


- بقول لحضرتك إيه... الفيلم كتبوا عليه "جيم أوفر" ولا لسه في فصل قولتي تكمليه يا حضرة الأكتور؟


ابتلعت مي غصتها وقالت:


- عندك حق ما تصدقنيش. أنا عملت كده عشان تسيبني... لكن كنت غبية وبهيمة وحمارة.


وظل الاثنان يهبطان السلالم، وهي تتعثر في كلمات الاعتذار، وهو يتعثر في غضبه الذي لم يخمد بعد.


حتى وصلا إلى مدخل البناية.


هناك توقف وسام فجأة، واستدار إليها بعينين تقدحان شررًا وقال:


- أقسم بالله ما بعدتي هتهور وأفتح دماغك... غوري من وشي.


اقتربت منه خطوة وقالت في إصرار:


- افتحها فداك... بس مش هسيبك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

نظر إليها غير مصدّق وقال:


- إنتِ إيه؟ معندكيش كرامة؟


فابتسمت ابتسامةً صغيرة، امتزج فيها الألم بالأمل، وقالت:


- أيوة... معنديش.


مرر يده في شعره بعصبية وقال:


- طب حلي عني بقى بدل ما أرتكب جريمة والله.


قالت بثبات:


- ارتكب... برضه مش هسيبك.


تنهد ساخرًا ثم قال:


- بقولك إيه، إحنا في الشارع... وتمثيليتك بقت فيك أوي. يعني إنتِ ممثلة فاشلة، والحبتين دول مش عليّا. غوري بقى عشان ما أنكّدش عليكي، والمصحف.


هزت رأسها بعنف وقالت والدموع تترقرق في عينيها:


- نكّد عليّا زي ما إنت عايز... والله ما بكدب. أنا بحبك، ومستعدة أقول لكل الناس إني غلطانة... بس سامحني.


عندها نظر إليها نظرةً قاسية، كأنها سيفٌ جُرِّد من غمده، ثم قال بحدة:


- وأنا بكرهك... بكرهك... بكرهك.


كانت الكلمات كالسياط تنهال على قلبها بلا رحمة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

استدار بعدها، وفتح باب سيارته، ثم جلس خلف المقود. دار المحرك، وانطلقت السيارة مبتعدة، بينما ظلت هي واقفة في مكانها كتمثالٍ من حزنٍ ووجع.


تراقب أثره حتى ابتلعته الطرقات.


عندها فقط انهمرت الدموع من عينيها، وسقطت آخر محاولاتها عند قدميها. لكنها، رغم الانكسار الذي يعتصر قلبها، لم تكن مستسلمة.


صعدت إلى شقتها بخطواتٍ مثقلة، يحملها الحزن حينًا ويحملها الأمل حينًا آخر. كانت متضايقةً إلى حدٍ يكاد يخنق أنفاسها، لكن في أعماقها بقي يقينٌ صغير يرفض أن يموت، ويهمس لها بأن هذه الحكاية لم تصل بعد إلى فصلها الأخير.

❈-❈-❈

مضى الليل طويلًا على مي، ثقيلًا كأن ساعاته من حجر، بطيئًا كأن عقاربه أبت أن تتحرك. كانت تتقلب فوق فراشها ذات اليمين وذات الشمال، بينما الأفكار تعصف برأسها عصف الرياح بالأغصان اليابسة. لم تكن تجهل أنها أخطأت، بل كانت تعلم أنها تجاوزت الحد وأوجعت قلب من أحبته أكثر مما ينبغي. وكانت تعرف وسام جيدًا؛ تعرف ثقله حين يغضب، وعناده حين يُجرح، وصمته حين يقرر العقاب.


لكنها كانت تعرف شيئًا آخر أيضًا...


أنها تحبه.


تحبه حبًا جعل الاستسلام مستحيلًا، وجعل فكرة خسارته أشبه بالموت البطيء.


ولذلك قررت أن تتحمل صدّه، وأن تحاول مرة واثنتين وعشرًا، حتى يلين ذلك القلب الذي أغلق أبوابه في وجهها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كانت تحفظ عاداته كما يحفظ المرء تفاصيل وجهه في المرآة. تعلم أنه يستيقظ لصلاة الفجر، ثم يجلس قليلًا في الشرفة يتلو ما تيسر من القرآن، وبعدها يحتسي قهوته ويرتدي ثيابه وينطلق إلى عمله.


وما إن أذن الفجر حتى وقفت تراقب من شرفتها.


تعجبت حين لم تره يذهب إلى المسجد كعادته.


همست لنفسها:


لعلّه يصلي في البيت اليوم.


انتظرت.


وانتظرت.


وظلت واقفة تحت لسعات الهواء البارد حتى جف حلقها وتيبست أطرافها.


لكن وسام لم يظهر في الشرفة.


ورغم ذلك لم تيأس.


جلست قرب باب شقتها مترقبةً أي صوت يدل على خروجه.


وفجأة...


سمعت صوت الباب يُفتح.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قفزت من مكانها مسرعة.


خرج وسام.


وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجاهل وجودها تمامًا، كأنها هواء لا يُرى، واتجه نحو المصعد.


أسرعت خلفه وهي تقول:


- وسام... وسام، أنا بحبك، اسمعني.


التفت إليها أخيرًا وقال ببرودٍ لاذع:


- إنتِ إيه؟ مش بتتعبي؟ والله هناك في المطعم فاكرة! نزلوا كلمة النهاية والناس سقفتلك... خلاص الفيلم خلص.


ارتجفت شفتاها وهي تتوسله:


- حقك عليّا... أنا آسفة، ولو أديتني بشوزتك أستاهل، بس اسمعني طيب.


وفي تلك اللحظة خرجت والدة وسام من الشقة.


كان قد نسي ربطة عنقه الخاصة بالعمل.


قالت وهي تناديه:


- وسام.


ثم لمحَت مي، فرأت الاحمرار الذي ملأ عينيها وآثار السهر المرتسمة على وجهها.


ناولته ربطة العنق قائلة:


- نسيت الكرافتة يا حبيبي.


أخذها منها وقال:


- تسلم إيدك يا أمي.


ابتسمت الأم بحنان وقالت:


- معرفش مالك اليومين دول، مرة الكرافتة ومرة الـID.


رمقها وسام بنظرة سريعة يريد منها أن تصمت، ثم قال:


- خلاص يا ماما.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

فالتفتت الأم إلى مي مبتسمة:


- صباح الخير يا بنتي.


أجابتها مي بصوت خافت:


- إزيك يا طنط؟


وصل المصعد.


دخله وسام وأغلق الباب وهو عابس الوجه، تاركًا خلفه قلبًا يتهاوى شيئًا فشيئًا.


وقفت مي مكانها متخشبة.


لم تكن تتصور أن غضبه قد يبلغ هذا الحد.


أما والدته، فقد أدركت أن خلف هذه العيون الحمراء حكاية طويلة من الدموع.


اقتربت منها وسألتها برفق:


- مالك يا بنتي؟ فيكي إيه؟ شكلك تعبان.


وكأن مي كانت تنتظر هذه الكلمات منذ زمن.


ارتمت في حضنها فجأة وانفجرت باكية:


- معلش يا طنط... مخنوقة... ومحتاجة أتكلم معاكي.


فزعت الأم أول الأمر، ثم ضمتها إلى صدرها بحنان أمومي جارف وقالت:


- سلامتك يا بنتي... تعالي ادخلي نتكلم جوه.


❈-❈-❈


دخلتا الشقة.


وجلستا.


وانطلقت مي تحكي.


حكت كل شيء.


من أول خلاف بينهما، إلى أول ضحكة جمعتهما، إلى كيف نما الحب بين قلبيهما رويدًا رويدًا، حتى صار جزءًا من أنفاسهما.


ثم تحدثت عن الحلم، وعن كلمات والدها، وعن الطبيبة، وعن مخاوفها وأوهامها وكل ما دار داخل روحها.


وكان حديث النساء بحرًا لا ساحل له.


مرت الساعات دون أن تشعرا.


من السابعة صباحًا حتى الثانية عشرة ظهرًا، والكلمات تتدفق بلا توقف.


وخلال ذلك كانت والدة وسام تعد الطعام، بينما تساعدها مي في المطبخ، وتكملان الحديث بين تقطيع الخضار وتقليب الأواني.


ومع كل كلمة كانت الأم تفهم أكثر.


أدركت أن هذه الفتاة لم تكن سيئة كما ظنت يومًا.


بل فتاة قاسية عليها الظروف حتى تركت آثارها على شخصيتها.


أما قلبها...


فكان طيبًا، هشًا، وممتلئًا بالحب.


ورأت بعينيها أن مي تعشق ابنها بصدق.


وأي أم لا تتمنى أن ترى ابنها سعيدًا مع من يحب؟


❈-❈-❈


وبعد تفكير طويل قالت لها الأم:


- بصي يا بنتي... هو النهاردة رايح حنة منى زميلته. مش هيغيب، رايح بس عشان ما يزعلهاش.


هزت مي رأسها:


- أها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أكملت الأم:


- أول ما ييجي من برة هتصل بيكي، وتيجي على طول. وربنا يهدي ما بينكم. وأنا من ناحيتي هعمل اللي عليّا عشانك، ما تقلقيش.


قفزت مي من مكانها وقبلتها بحب:


- يا حبيبتي يا طنط.


ثم ترددت قليلًا قبل أن تقول:


- هو أنا ممكن أقولك يا ماما؟ بقالي تمن سنين محرومة منها.


تأثرت المرأة بشدة وربتت على خدها:


- طبعًا يا حبيبتي. ده إنتِ بنتي... ومرات ابني إن شاء الله.


اغرورقت عينا مي بالدموع.


فقالت الأم:


- يلا ادخلي نامي. عيونك تعبانة خالص. اصحي بعدين وفوقي كده، وربنا يحلها من عنده.


❈-❈-❈


عادت مي إلى شقتها.


أخذت حمامًا دافئًا، ثم ألقت بجسدها المنهك فوق الفراش.


وسرعان ما غلبها النوم.


استيقظت مساءً.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أمسكت هاتفها واتصلت بصديقاتها جميعًا، وطلبت منهن الحضور فورًا.


وقبل أن يفعلن، اتصلت بأمنية واعتذرت لها عما بدر منها، ووعدتها أن تصلح كل ما أفسدته.


ثم اجتمعت الفتيات حولها.


حكت لهن ما حدث.


تعاطفن معها جميعًا وأخذن يفكرن في حلول بديلة إذا فشلت خطة والدة وسام.


أما منة، فكانت مشاعرها متضاربة؛ غاضبة من مي لأنها جرحت وسام، وفي الوقت نفسه تغار منها، لأن هذا الغضب كله لم يكن إلا دليلًا على عمق الحب الذي يكنّه لها.


وبعد نقاش طويل وعدنها أن يبقين على تواصل معها حتى يجدن حلًا مناسبًا.


❈-❈-❈


ما إن غادرن حتى رن هاتفها.


كانت والدة وسام.


أخبرتها أن وسام عاد من الحفل.


لم تضيع مي لحظة واحدة.


ذهبت مسرعة.


طرقت الباب.


فتحت لها الأم وأجلستها في غرفة المعيشة.


وبعد دقائق خرج وسام.


قال وهو يدخل:


- مين يا أمي؟


ثم وقعت عيناه عليها.


فتجمد للحظة قبل أن يقول بضيق:


- إنتِ برده؟ هو أنا مش هرتاح منك بقى؟


قالت والدته بحزم:


- إيه يا وسام؟ من إمتى بتعامل ضيوفك كده؟ اسمعها يمكن عايزة تقولك حاجة.


تنهد بضيق:


- أنا ولا عايزها تتكلم، ولا أشوفها في وشي أصلًا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ردت الأم:


- مدام جت بيتك اسمعها.


نظر إلى مي وقال ساخرًا:


- إنتِ إيه؟ تلزيقة؟


رفعت رأسها نحوه وقالت بصوت مرتجف:


- أنا بحبك... وبموت في النفس اللي بتتنفسه. ومش عايشة وإنت زعلان مني.


رد ببرود:


- يا ستي شيء ميخصنيش. إحنا مبقيناش مع بعض خلاص. اصحي من النوم.


اقتربت خطوة وهمست:


- لا... لسه بتوع بعض. فاكر اللي بينا؟ فاكر تنطيطي حواليك في الشارع وإنت تقولي يا مجنونة؟ فاكر كلامنا عن صورنا اللي محفورة في السما من كتر سعادتنا؟


تجمعت الدموع في عينيها:


- معقول نسيت؟


بدأ قلبه يلين رغمًا عنه، لكنه تشبث بقسوته.


وقال:


- لا، مش فاكر... ومش عايز أفتكر.


شهقت باكية:


- نسيت مشمش؟ ونسيت لما اتفقنا أعلمك الجنان وتعلمني الأدب والهدوء؟ فاكر لما أكلتني بإيدك؟ فاكر الجوابات؟ فاكر لما كنت تمسك شعري؟ طب لمسة إيدينا؟ طب بوسة إيدي كل يوم قبل ما تدخل شقتك؟ طب صورتنا عند الكورنيش؟


انهمرت دموعها وهي تكمل:


- استحلفك بالله تسمعني... أنا غلطانة، بس حتى اللي محكوم عليه بالإعدام بيسألوه نفسه في إيه قبل الحكم. وأنا نفسي في حاجة واحدة... تسمعني. يمكن أكون تعبت... يمكن اتجننت عليك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم أمسكت يده وهمست:


- بحبك يا وسام... وهموت من غيرك. فراقك والموت عندي واحد.


تجمد في مكانه.


وبرقت الدموع في عينيه للحظة.


لكن كبرياءه كان أقوى.


سحب يده منها بعنف وقال:


- يبقى الله يرحمك.


ثم أضاف ببرود موجع:


- واسمعي يا بنت الناس... لا عايز أشوفك ولا المحك. وبما إن ده مش بيتي، ده بيت بابا، فأنا همشي لحد ما تغوري من هنا. ولو كان بيتي كنت طردتك فورًا.


ثم استدار.


دخل غرفته.


وأغلق الباب خلفه بقوة هزت أرجاء المكان.


أما مي...


فبقيت واقفة في منتصف الغرفة، كأن الصدمة قد سلبتها الحركة والكلام.


تحدق في الباب المغلق أمامها، بينما كانت آخر خيوط الأمل تتأرجح داخل قلبها بين الانكسار والرجاء.

❈-❈-❈

نظرت مي إلى والدة وسام بعينين غارقتين في الدموع، ثم قالت بصوتٍ مكسور كغصنٍ يابسٍ عصفت به الرياح:


- خلاص كده... راح مني وسام يا ماما؟


ربّتت المرأة على يدها بحنانٍ أمومي دافئ، وقالت:


- متخافيش يا بنتي. ربنا هو المدبر، ولو مكتوب لكم تكونوا لبعض، هتبقوا لبعض مهما حصل.


ابتسمت مي ابتسامة باهتة لا حياة فيها، ثم أومأت برأسها.


- ماشي يا ماما... سلام.


وغادرت الشقة بخطواتٍ متثاقلة، تجر خلفها خيبة أملها كما يجر الأسير قيوده. كانت تمسح دموعها بين الحين والآخر، وقد استنفدت كل ما تملك من محاولات، فلم يبق لها إلا أن ترفع أمرها إلى الله.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ألقت بنفسها فوق وسادتها، وأخذت تتقلب بين الذكريات والصور. تفتح هاتفها فتقع عيناها على صورة وسام، فتبتسم لحظة ثم تبكي طويلًا. تتنقل بين صورهما القديمة ومنشوراته، وتستمع إلى الأغاني التي كان يحبها، وكأنها تبحث في كل شيء عنه.


أما في الجهة الأخرى، فقد دخلت والدته إلى غرفته.


كان واقفًا يرتب بعض ثيابه بصمتٍ ثقيل، بينما ظهره يواجه الباب.


قالت الأم بهدوء:


- ليه كده يا ابني؟


أجاب دون أن يلتفت:


- ليه إيه يا أمي؟


- اللي بتعمله في البنت.


تنهد بعمق وقال:


- الموضوع انتهى، وأنا مش حابب أتكلم فيه.


اقتربت منه الأم وقالت:


- بس إنت بتحبها يا وسام. فاكراني مش واخدة بالي؟ من يوم ما اتخانقتوا وإنت لا بتاكل كويس، ولا بتنام كويس، ولا حتى بقيت زي الأول. بطلت تروح الجامع زي عادتك، وقاعد طول الوقت سرحان. ده أنا أمك، وشيلتك تسع شهور، وعارفاك أكتر من نفسك.


ظل صامتًا.


فأكملت:


- كنتوا مع بعض سنتين يا ابني... مش كام يوم. يعني بتحبها ولا لأ؟


توقف عن ترتيب الثياب أخيرًا، ثم استدار نحوها.


كانت في عينيه مرارة رجلٍ انكسر من حيث لم يتوقع.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وقال:


- وبعد ما حبيتها... أهانتني. أصدقها تاني إزاي؟ دي واحدة لعبت بمشاعري.


قالت الأم:


- بس ندمت، وجت اعتذرت.


رد بحزم:


- وأنا قفلت الموضوع.


ثم أضاف بصوتٍ منخفض:


- بعد إذنك يا ماما... مش عايز أتكلم.


فخرجت الأم وهي أكثر حيرة من ذي قبل.


---


وجاء يوم زفاف منى.


ارتدت القاعة ثوب الفرح، وتلألأت الأضواء، وتعالت الموسيقى والضحكات.


أما وسام فكان جالسًا وسط كل هذا الصخب كغريبٍ لا ينتمي للمكان.


وجهه شارد.


وقلبه أبعد من القاعة كلها.


وصل شريف مبكرًا وجلس إلى جواره، بينما كانت أمنية والفتيات قد أخبرن مي بمكان الحفل.


حضرت مي.


دخلت القاعة وقلبها يرتجف بين الخوف والرجاء.


لم يلحظها وسام في البداية.


أما شريف، فقد كان يعلم القصة كاملة، ورقّ قلبه لهما معًا، فاتفق مع الفتيات على منح تلك الحكاية فرصة أخيرة.


تقدمت مي نحو منصة الـDJ.


وقالت:


- ممكن المايك؟


نظر إليها الرجل متعجبًا.


- ليه يا فندم؟


قالت بتوتر:


- دقيقة واحدة بس... أرجوك.


ولأن الإصرار كان واضحًا في عينيها، أعطاها الميكروفون.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

توقفت الموسيقى.


والتفتت الأنظار كلها نحوها.


أما وسام، فما إن سمع صوتها حتى انتفض من مكانه.


أمسكت الميكروفون بكلتا يديها وقالت:


- مساء الخير.


ثم التفتت نحو العروس.


- ومبروك لمنى.


سادت القاعة لحظة صمت.


وأكملت بصوتٍ مرتجف:


- أنا آسفة إني هاخد دقايق من وقتكم... بس جيت أدور على قلبي قدام الناس كلها. يمكن يسمعني.


ثم نظرت مباشرةً إلى وسام.


- وسام عاصم...


ارتبك الحضور.


وتبادلت الوجوه النظرات.


بينما ثبتت هي عينيها عليه.


- أنا آسفة ليك قدام كل الناس. غلطت لما رفضتك بالطريقة دي، وغلطت لما جرحتك، وغلطت لما خلتك تشك في حبي ليك.


امتلأت عيناها بالدموع.


- إنت أبويا وأخويا وصاحبي وحبيبي. حاولت أصالحك لوحدنا وما عرفتش، فقلت أصالحك قدام الناس كلها يمكن تصدقني.


ابتسمت رغم دموعها.


- طول عمرك كنت بتقولي إني مجنونة... أهو المجنونة واقفة قدام الناس كلها بتقول إنها بتحبك.


ساد الهدوء.


واختنقت الكلمات في حلقها قبل أن تكمل:


- بعشقك... ولو رجع بيا الزمن ألف مرة هختارك إنت ألف مرة.


كانت القاعة بأكملها تتابع المشهد.


حتى منى نفسها كانت تبتسم فوق منصة الزفاف.


أما شريف فمال على وسام وهمس:


- روح يا ابني... بعد الكلام ده كله.


ظل وسام صامتًا.


قلبه يذوب شيئًا فشيئًا.


لكن جرحه لم يكن قد التأم بعد.


وبعد لحظات طويلة، نهض من مكانه.


فحبست مي أنفاسها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكنه اتجه إلى منى أولًا، هنأها على زفافها، ثم غادر القاعة دون أن يتحدث إلى مي.


---


شعرت مي وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها.


وكانت تلك المرة أقسى من كل ما سبق.


لكن صديقاتها أحطن بها سريعًا ومنعنها من الانهيار.


وقالوا لها إن الأمر لم ينته بعد.


---


في تلك الأثناء، جلس شريف مع وسام خارج القاعة.


وتحدث معه طويلًا.


حكى له كل ما عرفه.


وحاول أن يشرح له حجم المعاناة التي عاشتها مي، وأن أخطاءها لم تكن نابعة من كرهٍ أو استهانة، بل من مخاوفٍ وعقدٍ قديمة سيطرت عليها.


وكان وسام يستمع هذه المرة.


لأول مرة منذ أيام.


يستمع حقًا.


وفي الوقت ذاته، اتصلت الفتيات بأمنية وطلبن منها أن تستدعي وسام بسرعة بحجة أن مي انهارت نفسيًا بعد ما حدث في الحفل.


انتفض وسام من مكانه فورًا.


- مالها مي؟


قالت أمنية بقلق:


- تعبانة جدًا ومش راضية تهدى.


لم ينتظر أكثر.


وانطلق نحو شقتها.


---


فتح الباب على عجل.


ودخل.


فوجد الجميع مجتمعين حول مي.


كانت جالسة بصمت وعيناها متورمتان من كثرة البكاء.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اقترب منها بسرعة.


- مي!


رفعت رأسها نحوه.


وحين رأته أمامها، ارتجفت شفتاها.


قال بلهفة لم يستطع إخفاءها:


- إنتِ كويسة؟


عندها فقط ابتسمت رغم دموعها.


وأدرك الجميع أن قلبه لم يغادرها يومًا.


تبادلا النظرات طويلًا.


حتى ضاقت المسافات بينهما.


وقالت بصوتٍ خافت:


- بحبك يا وسام.


أغمض عينيه لحظة وكأنه يستسلم أخيرًا.


ثم فتحهما وقال:


- وأنا برضه بحبك... بس تعبتيني معاكِ.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضحكت وسط دموعها.


فجذبها إلى حضنه بقوة، كأنه يستعيد شيئًا خشي أن يفقده إلى الأبد.


تعالت صيحات الفرح من الجميع.


وقفز شريف وهو يلوح بيده قائلًا:


- أيووووه! أخيرًا!


ثم نظر إلى أمنية وأشار إلى خده بمكر:


- طب وأنا ماليش جايزة؟


فضحكت أمنية وقالت:


- امشِ من هنا يا شريف.


وانفجر الجميع ضاحكين.


وفي تلك الليلة، لم يكن الانتصار للحب وحده...


بل كان للصدق بعد الخوف، وللاعتذار بعد الخطأ، وللقلب الذي عرف طريق العودة بعد طول ضياع.


فبعض الحكايات تتعثر كثيرًا، لكنها لا تموت ما دام أصحابها ما زالوا يؤمنون بها.

« السابق

جميع الفصول

التالي »

تمت بحمد الله 

إلى حين نشر الرواية الجديدة للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل