لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 20 | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (20 )



ولهذا، لا تتعجبوا إن وجدتم أن أكثر العلاقات غرابة هي التي يُكتب لها الاستمرار. فحين يجتمع شخصان لا يشبه أحدهما الآخر، يكمل كل منهما النقص الذي يحمله الثاني، وتتحول الاختلافات إلى جسورٍ للمودة لا أسبابٍ للنفور. قد يلتقي الهدوء بالعاصفة، والعقل بالاندفاع، والصمت بالكلام، فيصنع ذلك المزيج حياةً لا يستطيع المتشابهان أن يصنعاها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

إن العلاقات التي تبدأ بصورة غير مألوفة، أو تأتي على غير ما خطط لها أصحابها، كثيرًا ما تحمل في داخلها صدقًا لا تصنعه المقدمات المثالية. فالمشاعر الصادقة لا تسأل عن توقيتٍ مناسب، ولا عن ظروفٍ كاملة، ولا عن تشابهٍ مطلق، بل تبحث عن روحٍ تشعر معها بالأمان، وقلبٍ إذا حضر هدأت الفوضى كلها.


وربما لهذا السبب ستجدون أنفسكم خلال الفصول القادمة تعيدون النظر في كثير من أحكامكم السابقة. ستتعاطفون مع من لُمتموه، وتغضبون ممن وثقتم به، وربما تكتشفون أن البطل الحقيقي لم يكن من توقعتموه يومًا.


لا تتعجلوا إصدار الأحكام، فكل شخصية تحمل داخلها قصةً لم تُحكَ بعد، وكل قرارٍ اتُّخذ كان خلفه سببٌ خفي، وكل دمعةٍ سالت كان لها موعدٌ مع ابتسامةٍ مؤجلة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية



كان الضيق يزحف إلى ملامح وسام زحفَ الظلِّ في آخر النهار، ويكسو وجهه بعبوسٍ ثقيل، ما إن انفجرت مى بالضحك حتى ازداد تكشيره واشتدّ انقباضه. أما هي، فكانت تضحك بصوتٍ عالٍ متواصل، ضحكةً لفتت الأنظار واستدعت التفات الجالسين من حولهما.

قال وسام بضيقٍ ظاهر:

إيه اللي بيضحك؟

لكن مى لم تُجبه، بل واصلت ضحكها حتى كادت تفقد أنفاسها.

ههههههههههههههههه!

اشتدّ اختناق صدره، وأعاد السؤال بنبرةٍ أكثر حدّة:

قلت إيه اللي بيضحك؟

ثم أضاف وهو يحاول السيطرة على غضبه:

تقريبًا بقولك إني عايز أرتبط بيكي، مش بقولك تعالي ألعبك في السيرك!

رفعت مى حاجبيها وهي تضحك، ثم قالت ساخرة:

إنت صدقت ولا إيه؟

عقد وسام حاجبيه وقال باستغراب:

صدقت إيه بالظبط؟

أجابته وهي ما تزال تبتسم:

صدقت إني بحبك؟!

في تلك اللحظة، انطفأت آخر شرارةٍ من الطمأنينة في عينيه. ترك يدها ببطء، وكأنما ألقى جمرةً أحرقت كفّه، ثم أخذ يتنفس بصعوبة بينما تتصاعد داخله مشاعر الصدمة والغضب.

قال بصوتٍ متحشرج:

أومال؟

ابتسمت ابتسامةً باردة وقالت:

دي كانت لعبة! كنت عايزة أثبتلك إني أقدر أجيبك في أي وقت. وده أكبر مقلب ممكن أشربهولك يا سعادة البيه. البنت اللي إنت ما كنتش طايقها في يوم، دلوقتي بقيت هتموت عليها وهي بترفضك. وبصراحة، أنا ممثلة جامدة جدًا.

مالت للأمام قليلًا، وأردفت بثقةٍ مستفزة:

فضلت أسقيك نقطة نقطة لحد ما أدمنتني وطلبت الجواز...

ثم ضحكت بسخرية قاسية:

ههههه... لعبت بيك!

كان وقع الكلمات أشبه بسكاكين تُغرس في صدره واحدةً تلو الأخرى. شحب وجهه شحوب المريض، وتصبب العرق على جبينه رغم برودة المكان. ارتجفت يده دون إرادة، فنزع نظارته ومسح عينيه سريعًا، ثم أعادها إلى مكانها، بينما كانت أطراف أصابعه قد تجمدت كأن الدم هجرها.

نظر إليها غير مصدق وقال:

إنتِ تلعبي بيا أنا؟!

ثم تابع وقد تكسرت نبرته:

يعني حبك ليا كان مقلب؟ مشاعري في إيدك كانت مقلب؟ كل اللي بينا كان مقلب؟

لوّحت بيدها بلا مبالاة وقالت:

هدي أعصابك يا كابتن، مش كده. إنت بالنسبة لي كنت يومين وخدتهم خلاص... بالشفا.

وأردفت وهي ترمقه بنظرةٍ حادة:

اعتبر الموضوع خلص.

نهض وسام واقفًا دفعةً واحدة، حتى اهتزّ الكرسي خلفه.

كابتن؟! وبتقولي عني كنت يومين؟

ضحك ضحكةً قصيرة خالية من الفرح، ثم قال:

تصدقي؟ إنتِ بني آدمة حيوانة، وما تستاهليش غير إنك تتعاملي معاملة زبالة. وأنا الغلطان إني سلمتك مشاعري تلعبي بيها.

ثم صفق بكفيه تصفيقةً خفيفة ساخرة وقال:

بس برافو... لعبتي الجيم صح.

واقترب خطوةً وهو يحدق فيها بعينين مشتعلتين:

والشاطر اللي يضحك في الآخر. إن ما جيتيش راكعة يا مى، أبقى مش وسام.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ألقى بعض النقود فوق الطاولة ثمن المشروبات، ثم استدار وغادر المكان بخطواتٍ سريعة، تاركًا خلفه جوًّا من الصمت والذهول.

خرج إلى الشارع وقد ضاق عليه الهواء واتسعت داخله العاصفة. فكّ الأزرار العليا من قميصه كمن يحاول النجاة من اختناقٍ خفي، ثم جلس خلف مقود سيارته وأسند رأسه إلى عجلة القيادة.

ظلّ للحظاتٍ ساكنًا، بينما تتلاطم في صدره أمواج الصدمة والخذلان. ثم أدار المحرك وانطلق بسرعةٍ جنونية، لا يدري إلى أين يقوده الطريق، ولا ماذا يفعل بهذا الألم الذي مزق قلبه تمزيقًا.

في الداخل، بقيت مى جالسةً مكانها لا تتحرك، كأنها تمثالٌ من حجر. كانت العيون تتجه نحوها من كل صوب، وبعض الحاضرين قد شاهدوا ما حدث أو التقطوا أطرافه.

شعرت بنظراتهم تثقل كتفيها، فنهضت وهي عابسة الوجه، بينما كانت الدموع تتجمع في عينيها رغم محاولتها التماسك.

غادرت المقهى واستقلت سيارة أجرة، ثم اختفت في زحام الطريق.

أما وسام، فكان يقود كالمسافر الهارب من نفسه. دموعه تنهمر بلا توقف، لأول مرة يبكي بهذه الصورة، لأول مرة يشعر أن قلبه يُنتزع من بين ضلوعه انتزاعًا.

ظلّ يقود بلا وعي حتى وجد نفسه أمام منزل شريف.

أوقف السيارة على جانب الطريق، ثم ترجل منها واتجه نحو الباب. رفع يده المرتجفة وطرق الباب عدة مرات.

بعد لحظات، فتح شريف الباب، وما إن وقع بصره على وسام حتى اتسعت عيناه دهشةً.

أشق! حبيبي!

رفع وسام رأسه بصعوبة، وكانت الدموع لا تزال تنحدر على خديه.

تجمدت ابتسامة شريف في مكانها.

في إيه يا ابني؟ مالك يا وسام؟

نظر إليه وسام بعينين مثقلتين بالألم وقال بصوتٍ متهالك:

مش قادر أقف...

وما إن أنهى كلماته حتى خانته قدماه، فترنح وسقط إلى الأسفل، لا فاقدًا للوعي تمامًا، ولا قادرًا على التماسك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أسرع شريف نحوه والتقطه قبل أن يرتطم بالأرض، وقد ارتسم الذعر على وجهه.

إيه يا وسام؟! مالك؟!

رفع وسام عينيه إليه، وكانت نظراته تحمل وجعًا يفوق قدرة الكلمات على الوصف، ثم تمتم بصوتٍ مكسور:

اتكسرت يا شريف... اتكسرت.

هبطت كلمات وسام على مسامع شريف هبوط الصاعقة على الأرض اليابسة، فشهق شهقةً طويلة وقال وهو يضرب كفًا بكف:


يا نهااااااااااااااااااار أسود!


ثم أسرع إليه وأمسكه من ذراعه قائلًا:


طب ادخل... ادخل جوه.


أدخله إلى المنزل في هدوءٍ حذر، فقد كان أهل شريف غارقين في نومهم، ولم يصل إلى أسماعهم شيء مما جرى.


جلس وسام على الأريكة، بينما كانت الدموع تملأ عينيه حتى تكاد تفيض، شارد الذهن، غائب التركيز، كأن روحه قد انفصلت عن جسده وتركت له مجرد قشرةٍ فارغة.


اقترب منه شريف وقد ارتسم القلق على وجهه، وسأله بصوتٍ مضطرب:


في إيه يا بني؟!


ثم ازداد خوفه وأضاف:


أمك وأبوك فيهم حاجة؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

رفع وسام رأسه ببطء، وحدق فيه بعينين مثقلتين بالوجع، ثم قال:


فيا حاجة غلط يا شريف؟


انعقد حاجبا شريف دهشةً وقال:


حاجة غلط إزاي يعني؟ ده إنت، ما شاء الله عليك، مفيش فيك حاجة.


لكن وسام انتفض من مكانه فجأة، وارتفع صوته كمن انفجر بعد طول كتمان:


لا! فيا!


راح يخطو في المكان بعصبيةٍ ظاهرة، ثم أكمل:


لما كل ما أجي أرتبط بواحدة وترفضني يبقى فيا حاجة. لما أبقى مخلص للي بحبها وترفضني عند الجواز يبقى فيا حاجة. لما أعمل كل اللي يرضيهم وبرضه يرفضوني يبقى أنا الغلط!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اتجه نحو النافذة، وأسند يده إلى رأسه بينما وضع الأخرى على خصره، وكأن أفكاره تضغط على جمجمته حتى تكاد تحطمها.


اقترب منه شريف محاولًا تهدئته وقال:


طيب اهدى... حصل حاجة بينك وبين مى؟


ما إن سمع اسمها حتى اشتد غضبه، وأجاب بسرعة:


مش عايز أسمع سيرتها!


ثم التفت إليه بعينين حمراوين من كثرة البكاء وقال:


إنت صح يا شريف... هما ما يستاهلوش غير اللي زيك. تمثل على كل واحدة وتلعب بيهم، فيموتوا فيك. لكن المستقيم؟ لأ... كخة! وحش! زبالة! ما يتعاشرش!


هز شريف رأسه نافيًا وقال بأسفٍ صادق:


لا... أنا مش صح يا وسام.


صمت لحظةً ثم تابع:


أنا متضايق من اللي كنت بعمله قبل ما أعرف أمنية. كنت نفسي كل طاقة الحب اللي جوايا تبقى ليها هي وبس. لكن للأسف وصلت لحد الإنسان الكويس وأنا مستنزف نفسي ومستهلك قلبي، ومقدرتش أديها كل اللي تستحقه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ضحك وسام ضحكةً قصيرةً يائسة وقال:


لا... جنس حوا كله زبالة... كله.


ثم هتف بغضب:


أنا مش عايز أتجوز، ولا أرتبط، ولا أتنيل! إيه يعني لما أبقى ابن ناس وأحب واحدة وأطلبها في الحلال ترفض؟ لكن لو قلت لها تعالي نقضي يومين...


لم يتركه شريف يكمل.


وضع يده على فمه بسرعة وقال بحدة:


وسسسسسسسسسسسسسام!


ثم نظر إليه بصدمةٍ حقيقية:


إيه اللي بتقوله ده؟! ده مش إنت خالص اللي قدامي. اهدى... واحكيلي حصل إيه؟


انكسرت ملامح وسام فجأة، وكأن كل ما تبقى لديه من قوة قد نفد دفعةً واحدة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قال بصوتٍ متهدج:


دي غلطة...


ثم أطرق رأسه وأضاف:


وأوعدك مش هكررها... أوعدك.


تنهد شريف وقال:


طيب افهمني بس.


لكن وسام لم يستطع المقاومة أكثر.


انهارت دموعه من جديد، وانحنى رأسه وهو يقول بصوتٍ مخنوق:


مش قااااااااااادر...


اقترب شريف منه دون كلمة، ثم ضمه إلى صدره في صمت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

تركه يبكي كما يشاء، فقد أدرك أن بعض الجراح لا تعالجها النصائح، وبعض الآلام لا يطفئها الكلام.


واكتفى بأن يربت على ظهره وهو يحدث نفسه:


"سيبه يهدى الأول... وبعدها أفهم منه كل حاجة."


❈-❈-❈


في الجهة الأخرى من المدينة، كانت مى تعود إلى شقتها وقلبها مثقلٌ بما لا تقدر على حمله.


دخلت مسرعة، فتحت خزانتها، وأخرجت حقيبةً صغيرة وضعت فيها بعض ملابسها وأغراضها الضرورية. ثم بدلت فستانها على عجل، قبل أن تقع عيناها على الوردة التي أهداها لها وسام.


تجمدت للحظة.


ثم ألقتها على الأرض بعنفٍ وكأنها تحاول أن تلقي معها شيئًا من ألمها.


التقطت مفاتيح سيارتها وغادرت.


طوال الطريق كانت الدموع تنهمر من عينيها بلا توقف. وبين الحين والآخر كانت تضرب المقود بقبضتها في قهرٍ مكتوم.


وزاد الطين بلّة أن جهاز التشغيل أخذ يذيع أغنيةً تلو أخرى من تلك الأغنيات التي كان وسام يحبها.


كأن الدنيا كلها قد تآمرت عليها لتذكرها به.


أخيرًا وصلت إلى منزل شقيقتها سهر.


فتحت سهر الباب، وما إن رأت وجه أختها الشاحب والحقيبة في يدها حتى انتابها القلق.


في إيه؟


قالت مى بصوتٍ مكسور:


معرفتش أقعد لوحدي... محتاجاكي.


ثم ارتمت في أحضانها باكية.


ضمّتها سهر بسرعة وربتت على ظهرها قائلة:


طب ادخلي... ادخلي.


أجلستها في الداخل وأعدت لها كوبًا من النسكافيه الساخن.


مرّت الدقائق، ومى صامتة كأن الكلمات هجرتها.


وأخيرًا سألتها سهر:


في إيه؟ شكلك في حاجة مضايقاكي.


أجابت مى وهي تتجنب النظر إليها:


لا... مفيش.


ثم أضافت:


عايزة أقعد عندك يومين... هتتحمليني ولا أمشي؟


ابتسمت سهر رغم قلقها وقالت:


بطلي عبط. ده بيت أختك، ومفتوحلك في أي وقت.


نهضت مى فجأة وقالت:


أنا هدخل أنام.


قالت سهر محاولةً استبقائها:


طب خليكي شوية ندردش.


هزت رأسها نفيًا:


مش عايزة أتكلم... عايزة أنام.


دخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها.


لكن النوم كان أبعد ما يكون عنها.


راحت كلمات وسام تتردد داخل رأسها كصدى لا ينتهي:


"إنتِ بني آدمة حيوانة... وما تستاهليش غير إنك تتعاملي معاملة زبالة... وأنا الغلطان إني سلمتك مشاعري تلعبي بيها... بس برافو... لعبتي الجيم صح... والشاطر اللي يضحك في الآخر... إن ما جيتيش راكعة يا مى أبقى مش وسام."


اختنق صدرها.


اقتربت من النافذة وفتحتها على اتساعها، ثم وقفت أمامها لعل الهواء البارد يخفي دموعها أو يبدد شيئًا من وجعها.


أغمضت عينيها وهمست في سرها:


"يومين... يومين بس وهتنساني يا وسام."


لكن قلبها كان يعلم أن النسيان ليس بهذه السهوله.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عاد المشهد إلى منزل شريف.


كان وسام قد قصّ عليه كل شيء... كل حرف، وكل كلمة، وكل لحظة حدثت بينه وبين مى.


وحين انتهى، جلس شريف في مكانه مذهولًا، كأن أحدهم قد سكب فوق رأسه دلوًا من الماء المثلج.


ظل ينظر إلى وسام صامتًا، عاجزًا عن استيعاب ما سمعه، بينما كان ثقل الحقيقة يهبط على صدره ببطءٍ موجع.

ظل شريف يستمع إلى كلمات وسام، وكل كلمة كانت تزيد اشتعال الغضب في صدره، حتى ضرب كفًا بكف وقال بانفعال:


كانت بتلعب بيك؟! بنت المفكوكة! طب والله ما حد هياخد حقك غيري. إن ما سحلتلها أمها، أبقى مش أنا شريف!


لكن وسام هز رأسه في هدوءٍ مكسور، ذلك الهدوء الذي يأتي بعد العواصف لا قبلها، وقال:


لا يا شريف... أنا لو عايز أنتقم لكرامتي هنتقم بنفسي.


ثم تنهد طويلًا وأردف:


بس هي أقل من كده. ما تستحقش حتى إني أحطها في دماغي. منها لله... أنا مش عايز منها حاجة.


وسكت لحظةً، ثم ابتسم ابتسامةً موجوعة وقال:


أصل أقول إيه؟ واحدة لعبت بمشاعري!


رفع عينيه إلى السقف وكأنه يحاكم القدر نفسه، ثم تابع:


تخيل... الأول أحب وأخطب وأجهز شقة وعفش وبيت وفرح، وفي الآخر أسمع: "مبقتش أحبك يا وسام... خد شبكتك وحاجتك."


ابتلع غصةً حادةً واستكمل بصوتٍ متعب:


والتانية عملتلها اللي ما يتعملش. ادتها مشاعر كانت نايمة جوايا بقالها سنين. حركت قلبي من جديد، وفجأة تقولي: "كنت يومين وخلصوا!"


أطبق على أسنانه بقهرٍ ظاهر وقال:


نفسي أفهم ليه؟ ليه الانتقام الظالم ده؟ ليه أنا بالذات؟ أنا أذيتها في إيه؟!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم ضحك ضحكةً خالية من الفرح وأضاف:


عارف؟ والله كنت أتمنى ترفض الارتباط من الأول، ولا إنها تقول الكلمتين دول.


وانخفض صوته حتى صار أقرب إلى الهمس:


يعني إيه حتة بنت تلعب براجل بالشكل ده؟ حد يفهمني... دماغي هتتفرتك.


اقترب منه شريف وربت على كتفه بقوة وقال:


وأنا بقولك سيبها لي. إن ما خليتها تلحس تراب جزمتك، والله ما أكون أخوك.


ابتسم وسام ابتسامةً باهتة وهز رأسه نفيًا.


لا تراب جزمة ولا غيره.


ثم أطرق رأسه وأضاف:


المرة دي كانت جامدة أوي...


وسكت لحظةً، وكأن شيئًا داخله قد نضج قسرًا في ساعاتٍ قليلة.


بس اتعلمت أوي كمان... وشكرًا كده أوي.


ثم رفع رأسه وقال بمرارة:


الدنيا لعبت بيا جامد... وخلاص، كفاية.


نهض من مكانه وبدأ يرتدي حذاءه استعدادًا للرحيل.


نظر إليه شريف باستغراب وقال:


هتسوق وإنت بالحالة دي؟


رد وسام دون أن يرفع عينيه:


هيحصل إيه يعني؟


قال شريف بحدة:


ممكن تعمل حادثة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

أجابه وسام ببرودٍ مرعب:


ده أكيد... مش ممكن.


ثم مد شفتيه للأمام بلا مبالاة وقال:


عادي... مبقتش تفرق.


شعر شريف بقشعريرةٍ تسري في جسده من نبرة صديقه، فقد كانت تلك أول مرة يراه بهذا الانكسار.


اقترب منه وسام وربت على كتفه ربتةً خفيفة، ثم غادر المنزل.


خرج إلى الشارع وهو كمن يسير في عالمٍ لا يراه. كانت الضوضاء من حوله بعيدة، والأضواء باهتة، والوجوه بلا ملامح.


أما قلبه فكان يخوض حربًا لا تنتهي.


جزءٌ منه يهمس:


"دي بتحبك... مستحيل كل اللي عاشته معاك كان تمثيل."


وجزءٌ آخر يصرخ:


"افتكر اللي عملته... افتكر كلامها... افتكر ضحكتها وهي بتكسرك."


كان قلبه يجمع الذكريات الجميلة، وعقله يجمع الطعنات، وبينهما يقف هو ممزقًا لا يعرف إلى أيهما يصدق.


وأخذ يلعن كل لحظةٍ أحبها فيها، وكل ثانيةٍ منحها فيها شيئًا من قلبه.


وصل أخيرًا إلى البناية التي تسكنها.


وما إن وقعت عيناه على شقتها حتى انقبض صدره بشدة.


أدار وجهه سريعًا، وكأن النظر إلى المكان يؤلمه.


ثم صعد إلى شقته وفتح الباب ودخل.


وبمحض المصادفة، كانت والدته لا تزال مستيقظة.


التفتت إليه فور دخوله وقالت بحنانٍ أمومي:


ليه يا حبيبي التأخير ده كله؟


أجابها بصوتٍ خافت:


متقلقيش يا أمي... ادخلي إنتي نامي.


لكنها لم تقتنع.


حدقت في وجهه مليًا ثم قالت:


إنت فيك إيه؟ إنت معيط؟


سارع بمسح عينيه وقال:


لا... ده عيني اتطرفت من النظارة مش أكتر.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هزت رأسها وقالت كعادتها:


ما قلتلك كذا مرة يا وسام اعمل ليزك وريح نفسك من النظارة دي.


تنهد بتعبٍ شديد وأجاب:


إن شاء الله... إن شاء الله.


واتجه نحو غرفته بخطواتٍ بطيئة.


لكن صوتها أوقفه قبل أن يدخل:


عامل إيه مع مى؟


توقف مكانه.


وأغمض عينيه للحظة.


وقال في نفسه بمرارة:


"يعني يوم ما تحسي إنك عارفة اللي بينا، يبقى هو نفس اليوم اللي أنا مش طايق أسمع سيرتها فيه."


ثم التفت إليها وقال:


بكرة أقولك يا أمي... عشان ابنك مش ناقص.


ضيقت عينيها بقلق وقالت:


متخانقين ولا إيه؟


زفر بقوة وقال:


أمي... والله مستوي. سيبيني دلوقتي.


رفعت يديها مستسلمة وقالت:


حاضر يا ابني... ربنا يطمني عليك بالخير دايمًا.


دخل وسام غرفته أخيرًا وأغلق الباب خلفه.


ثم خلع حذاءه بلا اهتمام، وألقى بنفسه على السرير كمن أنهكه السير في صحراءٍ طويلة.


ظل محدقًا في السقف.


وسرعان ما بدأت الذكريات تتدفق عليه تباعًا.


الخروجات...

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

المكالمات الطويلة...


الضحكات المشتركة...


الكلمات التي لم يفهمها سواهما...


حركاتها الصغيرة التي كانت ترسم الابتسامة على وجهه دون قصد...


كل شيء مر أمام عينيه كفيلمٍ يعاد عرضه للمرة الأخيرة.


وظل ينظر إلى الفراغ طويلًا، حتى خرجت منه همسةٌ باردة، كانت أشبه بإسدال الستار على حلمٍ كامل:


خلصت المسرحية... خلاص.

°°°°°

ذهب وسام إلى عمله في صباح اليوم التالي كما يذهب المرء إلى قدره؛ بخطواتٍ ثابتةٍ ظاهرها التماسك وباطنها الانهيار.


كان يومًا عاديًا في نظر الجميع، لكنه لم يكن كذلك بالنسبة إليه.


ارتدى الأسود من رأسه حتى قدميه، وكأن الحزن قد اختار له ثوبه بنفسه. جلس في مكتبه صامتًا، واجمًا، لا يشارك أحدًا حديثًا، ولا يطلق مزحةً كما اعتاد زملاؤه منه في الآونة الأخيرة.


كانت عيناه حمراوين من أثر السهر والبكاء، وما زالت الدموع حبيسةً خلف جفنيه، تنتظر فرصةً جديدة للانفجار.


كل من رآه شعر أن شيئًا ما قد انكسر داخله، لكن أحدًا لم يجرؤ على سؤاله.


أما مى...


فلم تذهب إلى العمل ذلك اليوم.


وكعادتها كلما صدمتها الحياة أو طعنتها الأيام، لم تواجه الألم، بل هربت منه.


أغلقت هاتفها، وأغلقت معه أبواب العالم كله.


حاولت الفتيات الاتصال بها مراتٍ عديدة، لكن الهاتف ظل صامتًا لا يجيب.


وفي مكانٍ آخر، كان شريف قد أخبر أمنية بكل ما رواه له وسام، لكنه استحلفها ألا تنقل حرفًا واحدًا إلى أحد.


وقد حفظت أمانته كما وعدته.


إلا أن قلبها امتلأ بالأسى على وسام، ولم تستطع الجلوس مكتوفة اليدين.


كانت تعرف أن الصمت أحيانًا خيانة، وأن بعض المواقف تحتاج إلى مواجهةٍ لا إلى مراقبة.


وحين انتهى دوام العمل، استقلت سيارة أجرة واتجهت مباشرةً إلى شقة مى.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

صعدت مسرعة وضغطت الجرس أكثر من مرة.


لكن لا إجابة.


انتظرت قليلًا ثم تأكدت أن الشقة خالية.


هبطت السلالم بسرعة واتجهت إلى منزل والدها.


هناك أيضًا لم تجدها.


لكن والد مى بدأ يشعر بالقلق فور علمه بالأمر.


أخرج هاتفه واتصل بابنته الكبرى سهر.


وما إن ردت حتى أخبرته أن مى موجودة لديها.


تنفست أمنية الصعداء، ثم استأذنت وانطلقت إلى هناك دون تأخير.


وصلت بعد قليل.


فتحت لها سهر الباب، ورحبت بها قبل أن تسمح لها بالدخول.


وما هي إلا لحظات حتى خرجت مى من الداخل.


كانت شاحبة الوجه، مرهقة الملامح، وعيناها تحملان آثار ليلةٍ طويلة من البكاء.


نظرت إلى أمنية وقالت ببرودٍ متعمد:


اسمعي... لو جاية تسألي عليا، أهلا وسهلا. لكن لو جاية تتكلمي في أي حاجة تانية، فأنا معنديش كلام أقوله.


عقدت أمنية ذراعيها أمام صدرها وقالت بضيقٍ واضح:


يا سلاااااام!


ثم اقتربت خطوة وأضافت:


طب أنا جاية أعرف عملتي ليه كده مع وسام؟


أشاحت مى بوجهها بعيدًا وقالت:


معنديش رد.


في تلك اللحظة دخلت سهر وهي تحمل كوبًا من المشروب الساخن ووضعته أمام أمنية.


ثم سألت باستغراب:


مين وسام؟ جارها؟


لكن أمنية لم تلتفت إليها، بل واصلت النظر إلى مى وقالت:


ردي يا مى.


هزت مى رأسها بعناد وقالت:


بقولك مافيش. ودي حاجة متخصكيش.


ازدادت حيرة سهر وقالت:


هو في إيه؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

التفتت إليها أمنية ثم عادت تنظر إلى مى بعينين ممتلئتين بالاستياء.


وقالت بصدقٍ لم تعرف المجاملة طريقًا إليه:


على فكرة... إنتِ وحشة.


ساد الصمت لثوانٍ.


ثم تابعت:


ولو لفّيتي الدنيا كلها، مش هتلاقي واحد زيه.


وأردفت بمرارة:


إحنا افتكرنا إنك اتغيرتي...


لكن للأسف...


إنتِ طول عمرك هتفضلي كده.


لم تنتظر ردًا.


استدارت وغادرت المكان وهي تشعر بخيبة أملٍ كبيرة.


أما سهر فبقيت واقفةً في منتصف الغرفة لا تفهم شيئًا مما يجري.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

بينما دخلت مى غرفتها بصمتٍ كامل.


ثم أغلقت الباب خلفها بعنفٍ حتى اهتزت الجدران.


حاولت سهر التحدث معها وإقناعها بالخروج، لكنها لم تحصل على أي استجابة.


وظلت الأبواب مغلقة، والكلمات محبوسة، والدموع وحدها هي التي تتكلم.


انتظرت سهر حتى انشق نور الصباح عن خيوطه الأولى.


ثم اتصلت بوالدها وأخبرته بكل ما حدث.


ولم يتأخر.


فمع انتصاف النهار تقريبًا وصل إلى منزلها.


دخل مسرعًا وقلبه مثقلٌ بالقلق.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اتجه مباشرةً إلى غرفة مى وطرق الباب.


مرة...


ومرتين...


وعشر مرات.


لكن لا رد.


تنهد الأب وقال بصوتٍ مليء بالحنان:


في إيه بس يا بنتي؟ ليه بتعملي كده؟


ظل الباب مغلقًا.


فعاد يطرق من جديد.


وبعد محاولاتٍ طويلة، انفتح الباب أخيرًا.


ظهرت مى أمامه.


كان شعرها مبعثرًا، وعيناها متورمتين من كثرة البكاء، ووجهها شاحبًا كأن الحزن قد سرق منه الحياة.


نظر إليها والدها بقلقٍ شديد وقال:


مالك يا بنتي؟


رفعت عينيها إليه.


وكان في نظرتها عتابٌ عمره سنوات.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم قالت بصوتٍ مرتجف:


بسببك.


تراجع الأب خطوةً من شدة المفاجأة.


وأشار إلى نفسه مستغربًا:


أنا؟!


ثم أردف بحيرة:


ليه يا بنتي؟


أجهشت مى بالبكاء من جديد، وقالت وهي تنظر إليه بعينين ممتلئتين بالألم:


مش عارف؟

نظرت مى إلى والدها بعينين متورمتين من البكاء، ثم انفجرت الكلمات من صدرها انفجارًا، كأنها حُبست سنواتٍ طويلة خلف جدارٍ من الصمت، حتى آن لها أن تخرج.


قالت بصوتٍ مرتجف امتزج فيه الغضب بالألم:


مش عارف؟!


ثم أضافت وهي تشير إليه:


أقولك بقى... إنت يا بابا من زماااااان أوي، ما كانش بيهمك غير راحتك ومصلحتك. والباقي يولع!


انعقد حاجبا الأب من شدة الصدمة.


أنا يا مى؟


وتدخلت سهر بسرعة:


مى! عيب تكلمي بابا كده.


لكن الأب رفع يده يمنعها من التدخل وقال بهدوء:


سيبيها... خليها تخرج اللي جواها.


ثم عاد ينظر إلى ابنته:


وإيه تاني يا مى؟


مسحت دموعها بعنف وقالت:


بص يا بابا... الكلمتين دول هقولهم وبعدها هسكت خالص. بقالي تمن سنين شايلّاهم جوايا.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

سألها بهدوءٍ مؤلم:


هما إيه؟


تنهدت طويلاً ثم قالت:


عملت كل حاجة إنت عايزها.


وانفجرت الدموع من جديد.


أول ما ماما تعبت وجالها المرض، وإنت كنت مقضيها خروج وفسح وقعدات ومقابلات... وحاجات كتير. وكنت فاكر إننا ما نعرفش.


ثم أشارت إلى نفسها وإلى سهر:


بس كنا عارفين... أنا وسهر... وحتى ماما كانت عارفة.


واختنق صوتها وهي تتابع:


ماما اللي كانت كل شوية تغيب عن الدنيا، كانت حاسة بكل حاجة. عارف ليه؟ عشان كانت بتحبك... وكانت حاسة بيك.


حاول الأب الرد:


بس أنا عمري ما قصرت ناحيتكم، وإنتِ فاهمة غلط يا بنتي.


لكن مى قاطعته بصوتٍ مرتفع:


لا! قصرت!


ثم أكملت وقد بدأت أعصابها تنهار:


لما تبقى مش عارف أمّي كل يوم كانت بتعاني إزاي، ومجرد إنك بتجيب الدوا وخلاص، يبقى قصرت.


لما سهر تتجوز أي جوازة والسلام عشان تهرب من اللي كانت شايفاه، يبقى قصرت.



لما أوصل لسن ستة وعشرين سنة وأرفض كل اللي يتقدملي، يبقى قصرت.


ظل الأب صامتًا للحظات قبل أن يقول:


يعني كل حاجة وحشة مريتوا بيها كانت بسببي؟


أجابته فورًا:


أيوة!


ثم أضافت وهي تكاد تفقد توازنها:


وأنت عارف ده كويس.


وأشارت إلى صدرها:


أول امبارح ضيعت أجمل حاجة حصلت في حياتي بسبب غلطة إنت عملتها... وأنا اللي بدفع تمنها!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

شعرت بدوارٍ شديد من شدة الانفعال، فسارعت سهر تمسكها قبل أن تسقط.


نظر إليها والدها بقلق وقال:


وإيه بقى اللي ضيعتيه بسبب غلطتي يا مى؟


رفعت رأسها إليه والدموع تنهمر على وجهها.


واحد عوضني اهتمامك...


ثم أشارت إلى قلبها:


وعوضني حرماني من ماما...


وعوضني الصديق اللي بيستحمل غلطاتي...



وعوضني الأخ الكبير اللي كنت بحتاجه لما أبقى تايهة...


وأكملت بصوتٍ مبحوح:


شاب كل بنت تحلم بيه... وجالي هدية من ربنا على طبق من فضة.


تنهد الأب وقال:


وأنا قلتلك ارفضي يا مى؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم سألها:


وبعدين مين الشاب ده؟


ردت بعصبية:


مش مهم مين!


ثم أكملت:


ما هو راح بسببك.


ساد الصمت للحظات.


ثم تابعت وهي تبكي:


عشان كرهت شكل الرجالة منك.


ارتجف صوتها أكثر.


كنت معاه أسعد واحدة في الدنيا.


لما قال لي بحبك كنت طايرة من الفرحة.



طلب مني ألبس الحجاب؟ وافقت.


قال لي ما تعمليش كذا؟ حاضر.



بلاش كذا؟ حاضر.


ثم ابتسمت وسط دموعها ابتسامةً موجوعة.


أنا... أنا اللي محدش كان بيعرف يقولي أعمل إيه.


كنت خاتم في صباعه عشان كان حنين عليا... وبيفهمني.



سألتها سهر برفق:


طب سيبتيه ليه يا مى؟


أغمضت مى عينيها وقالت:


عشان في يوم من الأيام وأنا سعيدة معاه...


حلمت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


صمتت لحظة.


حلمت كابوس.


ثم نظرت إليهما وأضافت:


كأن حد بيصحيني وبيقولي: خليكي بعيدة عن الرجالة كلهم... زي باباكي.


مهما حبوا بيخونوا.



مهما كانوا كويسين أنانيين.


ومهما وعدوا بيدوروا على راحتهم.



تنهد الأب بمرارة وقال:


وطبعًا أنا السبب في الحلم ده برضه؟


أجابته فورًا:


أيوة.


ثم تابعت:


شفت نفسي لابسة فستان فرح وفرحانة.


وشفت واحد بيقدمهولي.



افتكرته وسام.


لكن لما بصيت كويس لقيتك إنت.



ارتعش صوتها أكثر.


وقعدت أقول: مش وسام... مش وسام اللي جابلي الفستان.


ثم شهقت وهي تسترجع المشهد:


وبعدها بصيت في المراية...

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وسكتت.


وشفت نفسي ماما.


ماما وهي تعبانة.



بنفس التعب... ونفس الصرع اللي كان بيجيلها.


وشفت نفسي مرمية على الأرض وإحنا محتاسين بيا.



وإنت مش موجود.


انفجرت بالبكاء.


وقررت بعدها أرفضه.


ثم أضافت بندمٍ قاتل:


لا... وكمان هنته.


عشان ما يفكرش فيا تاني أبدًا.



ساد الصمت.


صمتٌ ثقيل كالجبل.


كانت سهر تنظر إلى أختها بذهول، بينما جلس والدهما صامتًا يفكر فيما سمعه.


وأخيرًا قالت سهر وهي تمسح دموع أختها:


أكيد ليه تفسير يا مى.


مش يمكن مجرد حلم عادي؟



هزت مى رأسها بعناد.


لا.


دي رسالة.



معنى من ربنا إني ما أكملش.


وأفضل رافضة الارتباط زي ما أنا.



تنهد الأب طويلاً.


ثم قال بصوتٍ هادئ لأول مرة منذ بداية الحديث:


أنا معنديش حاجة أقولها غير إنك كنتِ قاسية عليا أوي يا بنتي.


رفعت عينيها إليه.


فأكمل:


عمري ما سيبت والدتك.


وعمري ما خنتها بالمعنى اللي في دماغك.



أيوة، كان ليا معارف وصديقات.


لكن في حدود.



ثم ارتجف صوته قليلًا.


كنت بحب أمك زي عيني.


بس كنت بهرب شوية من المرض والتعب والنكد.



مش لأني ما قدرتش أشيلها.


بالعكس... كنت محتاج حد أتكلم معاه وأفضفض له.



وأشار إلى قلبه.


كنت متابعها لحظة بلحظة.


وعارف إنها تعبت بسببي.



ثم نظر إليهما وقال:


سألتوا نفسكم ليه اتجوزت طنط سميرة بالذات؟


لو أنا زي ما إنتوا فاكرين... كنت اتجوزت أي واحدة وخلاص.



ساد الصمت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم أكمل:


قبل ما أمكم تتوفى بدقايق...


وصّتني عليها.



شهقت سهر بدهشة.


وأردف الأب:


قالت لها: خدي بالك منه ومن البنات.


وطلبت مننا نتجوز.



وقالت لي: إنت هتضيع بعدي يا فهمي.


ثم ابتسم بحزن.


وأنا رفضت سنين.


لكن بعد وفاتها بوقت طويل...



كنت كل شوية أحلم بيها وهي بتعيط.


ولما سألت شيخ، قال لي: لو طالبة منك حاجة اعملها.



فنفذت وصيتها.


مش عشان فراغ عين.



ولا عشان ستات.


عشان هي طلبت.



ثم أطرق رأسه.


كنت أخرج وأتكلم مع الناس.


لكن ما كنتش بخون.



وكنت كل ليلة أدخل أكلم والدتك وهي نايمة.


أحكيلها يومي كله.



زي ما كنت متعود طول عمرنا.


حتى لو مش سامعاني.



وحتى لو مش هترد.


سكت الجميع.


وبدأت الصورة التي رسمتها مى طوال السنوات الماضية تتشقق أمام الحقيقة.


فهمت أنها ظلمت أباها.


وفهمت أنها ظلمت وسام.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكن الخوف من الحلم ظل جالسًا داخل قلبها لا يريد الرحيل.


نهض الأب أخيرًا وقال:


أنا همشي يا بنتي.


ثم ابتسم ابتسامةً متعبة.


وابقي صلحي غلطتك مع وسام.


لأنه شاب يستاهل كل خير.



ولو ضاع منك... مش هتلاقي زيه تاني.


ثم فتح الباب وأضاف:


وبالنسبة لي... إنتوا أغلى حاجة في حياتي.


لأنكم ريحة أمكم.



ومش زعلان منك يا بنتي.


وغادر.


وما إن أغلق الباب خلفه حتى ارتمت مى في أحضان سهر باكيةً بحرقة.


ضمتها سهر بقوة وقالت:


قومي البسي.


رفعت مى رأسها باستغراب:


ليه؟


هنروح لواحدة صاحبتي دكتورة نفسية.



هتفهمك موضوع الحلم ده.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

اتسعت عينا مى.


أنا مش مجنونة يا سهر!


ضحكت سهر رغم دموعها.


وإمتى اللي بيروحوا لدكاترة نفسيين بقوا مجانين؟


ثم أمسكت يدها.


كلنا عندنا حاجات محتاجة تتصلح.


بس الفرق إن في ناس بتعالجها وناس بتكابر.



يلا بينا.


وبالفعل اصطحبتها إلى صديقتها الدكتورة وفاء، علّها تجد تفسيرًا يبدد ذلك الخوف الذي سيطر على حياتها.



وفي الوقت ذاته...


كان وسام يعيش أيامًا ثقيلة كأنها أعوام.


كان يحاول إقناع نفسه أن ما يؤلمه مجرد كرامةٍ مجروحة.


لكن الحقيقة كانت أوضح من أن ينكرها.


لقد أحب مى أكثر مما ظن.


أكثر مما اعترف.


وأكثر مما كان يتخيل.


ولهذا بدا الفراغ بعدها مخيفًا.


وفي أثناء العمل، كانت أمنية قد أخبرت شريف بما حدث بينها وبين مى قبل أيام.


فازداد غضب شريف عليها، وأقسم بينه وبين نفسه أنه لن يتركها تمر من كل هذا بسهولة.


أما وسام فكان جالسًا أمام شاشة الحاسوب يؤدي عمله بصعوبة.


رن الهاتف.


رفع السماعة وقال بصوته المهني المعتاد:


أيوة يا فندم، فودافون مع حضرتك.


جاءه صوت العميل غاضبًا:


حضرتك إيه بس! إنتوا شركة نصابة وعالم زبالة بصراحة!


أغمض وسام عينيه للحظة.


ثم قال بهدوء:


ليه حضرتك؟ في مشكلة عندك؟


رد الرجل بانفعال:


يا عم بلا حضرتك بلا زفت! شاحن بخمسين جنيه راحوا كلهم على القرف اللي عندكم ده!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

شعر وسام أن ما بداخله لم يعد يحتمل كلمةً إضافية.


فأنهى المكالمة سريعًا.


ثم نادى أحد زملائه ليكمل مكانه.


فهو لم يعد يملك طاقةً لمواجهة أحد.


اقترب منه شريف وجلس جواره.


ثم قال:


هتروح لمنى؟


حنتها بكرة وفرحها بعده.



تنهد وسام وقال:


والله هروح الفرح بالعافية.


ربنا أعلم بحالي.



ربت شريف على كتفه وقال محاولًا انتشاله من حزنه:


يا عم فكك.


دي واحدة ما تسواش تلاتة جنيه.



ثم ابتسم وأضاف:


سيبك منها وتعالى نهيّص شوية في فرح منى الفقر دي.


لكن وسام لم يبتسم.


واكتفى بالنظر أمامه في صمتٍ طويل، بينما كان قلبه ما يزال عالقًا في مكانٍ آخر... عند فتاةٍ حاول أن ينساها، فلم يستطع.

نظر شريف إلى وسام طويلًا، وقد ضاق صدره من حال صديقه الذي لم يعد يشبه نفسه، ثم قال محاولًا انتشاله من بحر الكآبة الذي غرق فيه:


وبعدين بقى؟ أنا مش هسيبك كده.


ثم أشار إليه بإصرار:


هنخرج. نروح بلياردو، بينج، أي داهية... المهم نخرج. مش هسيبك النهارده لوحدك.


رفع وسام عينيه إليه ببطء، وكانت ملامحه شاحبة كأن النوم هجره منذ أيام.


وقال بصوتٍ خافت:


صدقني... مش هقدر يا شريف.


لكن شريف لم يكن من النوع الذي يستسلم بسهولة.


فضربه بخفةٍ على كتفه وقال:


هو أصلًا الشيفت فاضل عليه ربع ساعة ويخلص.


ثم أردف بحماسٍ مفتعل:


حضر نفسك، وروح خد دوش، وتعالى نخرج. أهو تغيير جو بدل النكد اللي إنت غرقان فيه ده.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لكن وسام لم يرد.


ظل جالسًا في مكانه صامتًا، شاردًا، كأن بينه وبين العالم حائطًا سميكًا لا يرى ما وراءه ولا يسمع ما يدور حوله.


منذ ذلك اليوم المشؤوم وهو يعيش بجسده فقط، أما روحه فما زالت عالقة عند تلك الطاولة التي تحطم فوقها قلبه.



وفي الجهة الأخرى...


كانت مى تجلس أمام الدكتورة وفاء، بعدما قصّت عليها كل شيء.


حكت لها تفاصيل الحلم حرفًا حرفًا.


وحكت لها عن والدتها.


وعن والدها.


وعن الخوف القديم الذي نما داخلها عامًا بعد عام حتى صار عقدةً تتحكم في قراراتها دون أن تشعر.


استمعت إليها وفاء باهتمامٍ شديد، ثم بدأت تجمع خيوط الحكاية أمامها.


قالت وهي تبتسم ابتسامةً هادئة:


بصي يا ستي...


ثم أسندت ظهرها إلى المقعد وأكملت:


إنتِ عندك عقدة قديمة مرتبطة بالحب والخيانة.


والعقدة دي كان بيمثلها باباكي في دماغك.



هزت مى رأسها موافقة.


مظبوط.


قالت وفاء:


وبالتالي، عقلك ترجم الفكرة دي بشكل بسيط جدًا.


باباكي راجل...



إذن كل الرجالة شبهه.


وإذا كان هو غلط، يبقى كل الرجالة ممكن تغلط زيه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


أومأت مى من جديد.


أيوة.


تابعت وفاء:


وعشان كده رفضتي كل عريس جه.


وكل شخص قال إنه معجب بيكي.



لأنك من جواكي كنتِ خايفة.


قالت مى:


صح.


ابتسمت وفاء وقالت:


لحد ما جه وسام.


وتغيرت ملامح مى تلقائيًا عند سماع اسمه.


لاحظت الدكتورة ذلك، فأكملت:


ولما جه وسام، لقيتي فيه حاجات كتير كنتِ مفتقداها.


حنية افتقدتيها من أمك.



واهتمام افتقدتيه من أبوكي.


وعقل كبير وقدرة على الاحتواء.


الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم أشارت بإصبعها قائلة:


وفي نفس الوقت، كان أول شخص صدّك في البداية وما عاملكيش المعاملة اللي كل الناس كانت بتعاملهالك.


وده خلاه مختلف.



تنهدت مى في صمت.


فأكملت وفاء:


هنا بقى بدأ الصراع.


إعجابك بيه من ناحية.



وعقدة الماضي من ناحية تانية.


ثم أضافت:


ولما قربتي منه أكتر وأكتر...


وعرفتي إنه شخص جاد.



وإنه أكيد هيطلب الجواز في يوم من الأيام...


عقلك الباطن خاف.



فحاول يرجعلك العقدة القديمة تاني.


ويفكرك بيها قبل ما تنسيها.



كانت مى تستمع بكل تركيز.


أما وفاء فأردفت:


فعقلك صاغ كل مخاوفك في صورة حلم.


حلم بيقولك إن كل الستات هما أمك.



وكل الرجالة هما أبوكي.


وإن إنتِ ووسام هتعيدوا نفس الحكاية من جديد.



ثم أشارت إليها بحزم:


رغم إن الحكاية أصلًا مبنية على اعتقاد خاطئ.


وده اللي اكتشفتيه بعد كلام باباكي.



ظلت مى صامتة للحظات.


ثم سألت بصوتٍ متردد:


يعني يا دكتورة...


وتوقفت قليلًا قبل أن تكمل:


وسام مش هيعمل فيا زي بابا لو تعبت؟


لو حصلي حاجة... مش هيتخلى عني؟

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


ابتسمت وفاء ابتسامةً واثقة وقالت:


بالعكس.


ثم أردفت:


من كلامك عنه، هو شكله شاب متحمل مسؤولية نفسه واللي حواليه.


والدليل على ده إنه طلب الارتباط بيكي رسمي.



لأنه لو شخص مستهتر كان اكتفى بالحب والكلام وخلاص.


وأكملت:


كمان إنتِ بنفسك قولتي إن آخر تجربة ارتباط عنده كانت من سنتين.


وده معناه إنه شخص بيفكر كويس قبل ما يدخل أي علاقة.



وبيعرف قيمة الإنسان اللي مرتبط بيه.


ثم نظرت إليها مباشرةً وقالت:


بصراحة؟


أنا شايفة إنك ظلمتيه.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


انهمرت الدموع من عيني مى.


لكنها كانت دموع ارتياح هذه المرة.


دموع شخص وجد أخيرًا تفسيرًا لما كان يطارده.


وقفت فجأة من مكانها وهي تبتسم لأول مرة منذ أيام.


متشكرة يا دكتورة...


ثم قالت بحماسٍ طفولي:


أنا مبسوطة أوي!

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ولم تنتظر أكثر.


بل اندفعت نحو الباب كالإعصار.


ضحكت سهر وهي تراقبها وقالت:


هههههههههه... معلش، أصلها طقّة!


ثم التفتت إلى صديقتها وأضافت:


ميرسي ليكي يا وفاء.


وقفت وفاء واحتضنتها مودعةً.


على إيه بس؟


إحنا أخوات.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية


ثم ضحكت وهي تشير ناحية الباب الذي خرجت منه مى قبل لحظات.


ويارب بقى تصلح الدنيا اللي بوظتها دي.


وبينما كانت مى تسرع إلى الخارج وقلبها ينبض بالأمل لأول مرة، كان هناك في مكانٍ آخر شابٌ يجلس مثقلًا بالحزن، لا يعلم أن الحقيقة التي انتظرها بدأت أخيرًا تجد طريقها إليه.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل