لسة اجمل يوم مجاش - الفصل 19 | نور إسماعيل

قراءة رواية (لسة أجمل يوم مجاش) كاملة

تنشر حصريًا على مدونة رواية وحكاية قبل أي منصة أخرى


رواية: (لسة أجمل يوم مجاش)

رواية جديدة قيد النشر

الكاتبة: (نور إسماعيل ) | الفصل: (19 )



استيقظت مى مع أول خيط من ضوء الصباح، لكن عينيها كانتا مثقلتين أكثر مما لو أنها لم تنم أصلًا. الحلم الذى رأته قبل ساعات ظل عالقًا فى رأسها كشوكة لا تُنتزع. حاولت أن تقنع نفسها أنه مجرد حلم سخيف، لكن قلبها كان يرفض التصديق.

مدّت يدها إلى هاتفها واتصلت بوسام فورًا.

حين سمعت صوته النعسان، أغلقت المكالمة بعد دقائق قليلة بحجة الاطمئنان عليه، ثم ألقت الهاتف بجوارها وعادت للفراش. أغمضت عينيها ساعة كاملة، أو ربما أقل، لكنها لم تحصل على أى راحة حقيقية.

وعندما حان موعد العمل، نهضت وهى فى قمة ضيقها.

إن حكمة الله في هذه الأرض أعظم من أن تدركها أعيننا المحدودة. نحن لا نرى سوى صفحةٍ واحدة من الكتاب، بينما يعلم سبحانه نهاية الحكاية منذ بدايتها. ولذلك، كثيرًا ما نعترض على الطرق التي يسوقنا إليها القدر، ثم نبتسم بعدها بسنوات لأننا سرنا فيها. ونحزن على أشخاصٍ غادروا حياتنا، ثم نحمد الله أنهم رحلوا قبل أن يصبح بقاؤهم وجعًا لا يُحتمل.


ولعل أجمل ما في قصص الحب الحقيقية أنها لا تشبه القواعد التي يضعها البشر. فالحب ليس معادلةً ثابتة، ولا قانونًا يمكن حفظه. إنه ذلك الشعور الذي يولد في أكثر الأماكن غرابة، وبين أكثر الشخصيات اختلافًا، وفي أكثر اللحظات التي يستحيل أن نتوقعها.

ولهذا، لا تتعجبوا إن وجدتم أن أكثر العلاقات غرابة هي التي يُكتب لها الاستمرار. فحين يجتمع شخصان لا يشبه أحدهما الآخر، يكمل كل منهما النقص الذي يحمله الثاني، وتتحول الاختلافات إلى جسورٍ للمودة لا أسبابٍ للنفور. قد يلتقي الهدوء بالعاصفة، والعقل بالاندفاع، والصمت بالكلام، فيصنع ذلك المزيج حياةً لا يستطيع المتشابهان أن يصنعاها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

لأول مرة منذ شهور طويلة لم تقف أمام المرآة لتختار ألوانها المفضلة.

جمعت شعرها كله للخلف بإهمال، وارتدت كابًا أسود يخفيه بالكامل. ثم ارتدت تى شيرت واسعًا وبنطالًا عاديًا بلا أى لمسة أنثوية.

حتى هى نفسها لم تتعرف على انعكاسها.

فى الطريق إلى الشركة لم تشغل أغانيها المعتادة التى كانت تملأ السيارة كل صباح. اكتفت بالصمت.

صمت ثقيل.

مزعج.

كئيب.

وحين وصلت إلى المكتب، دخلت كأنها شخص آخر.

رفع الجميع رؤوسهم نحوها فى دهشة واضحة.

قالت غادة وهى تحدق فيها من أعلى لأسفل:

ـ إيه ده يا بشمهندس مى؟

نظرت لها مى بضيق.

ـ فى إيه؟

فتحت غادة ذراعيها باستغراب.

ـ أبدًا... ما شوفتيش نفسك فى المراية؟ ده انتى شبه عمال الغاز بالظبط! أومال فين فرد الشعر؟ والبينكات؟ والأصفرات؟ والفوشيات؟ والدلع اللى بنشوفه كل يوم و...

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

قاطعتها مى بعصبية.

ـ يووووه يا غادة... بجد مش فايقالك.

سكتت غادة فورًا.

جلست على مكتبها وهى تنظر إليها باستغراب.

اقتربت منة بحذر.

ـ فى حاجة بينك وبين ويسو؟

فتحت مى جهازها بسرعة.

ـ لا.

ثم أضافت بتكشيرة واضحة:

ـ لا يعنى لا.

رفعت منة يديها باستسلام.

ـ أوك...

وعادت إلى عملها.

بعد دقائق دخلت أمنية من الباب وهى تضحك فى الهاتف.

كانت تتحدث مع شريف.

ـ ماهو أنا موافقاك ماشى إنه يكون بعد سنة... خليته ليه بعد العيد؟

جاءها صوت شريف ضاحكًا.

ـ هتستعدى يا أختى. أنا بصراحة فكرت كده لقيتنى مش هصبر سنة.

ضحكت أمنية.

ـ يا سلام يا خويا! لا مش موافقة طبعًا.

ـ اتلكى يا بت فى حتة... عندى شغل دلوقتى ونشوف موضوع الفرح ده. وهيمشى اللى فى دماغى بردو.

أغلقت المكالمة وهى تضحك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

جلست على مكتبها قائلة:

ـ مش قادرة أتخيل! شريف اللى مكانش عايز يتكلبش بقى مسروع على الفرح وعايز يقدم المعاد!

ضحكت غادة.

ـ يا سيدى يا سيدى.

وأضافت منة بابتسامة:

ـ بيحبك يا بختك.

قالت أمنية بمشاكسة:

ـ مين الأخ ده؟

ثم نظرت نحو مى.

لكن مى لم تبتسم.

لم تضحك.

لم تنظر حتى إليهم.

قالت بحدة مفاجئة:

ـ بقولكم إيه... لو عايزين تضحكوا النهاردة أنا مش فايقة. وتقريبًا فى أجهزة كتير مطلوبة مننا تتبرمج وتتعدل ولا إحنا مالناش شغل؟

ساد الصمت.

نظرت أمنية إلى غادة فى دهشة وأشارت بعينيها.

"مالها دى؟"

هزت غادة كتفيها.

ـ طيب أوك يا مى.

انحنت مى فوق شاشة الكمبيوتر.

وبمجرد أن ابتعدت الأنظار عنها، امتلأت عيناها بالدموع.

حلم.

مجرد حلم.

لكن لماذا تشعر وكأنه حقيقى لهذه الدرجة؟

لماذا يؤلمها هكذا؟

❈-❈-❈

وعند وسام...

أكيد وحشكم.

أما نصف الفانز البنات فكانوا حاليًا يحقدون على مى كعادتهم.

كان وسام جالسًا فى مكتبه يعمل بهدوء.

وأمام شاشة الكمبيوتر مباشرة وُضع إطار صغير يحتوى على صورة مى.

الصورة التى التقطها معها يوم "الميوشى".

كل بضع دقائق يرفع عينيه إليها ويبتسم دون وعى.

ثم يعود إلى عمله.

وبعد أن انتهى من المهمة التى أمامه، أخرج ورقة بيضاء من أحد الأدراج.

نظر للصورة مرة أخرى.

ثم تنهد.

وشغل أغنية رومانسية هادئة فى الخلفية.

وأمسك القلم.

وبدأ يكتب.

كلمة.

ثم أخرى.

ثم سطرًا كاملًا.

كان يبتسم وحده.

هائمًا بالكامل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كأن العالم كله اختفى ولم يبقَ سوى تلك الورقة واسم مى المكتوب أعلاها.

لكن فجأة...

انفتح الباب.

ودخلت منى.

رفعت حاجبيها وهى تراه يخفى الورقة بسرعة.

ـ وسام!

انتفض من مكانه.

وخلع السماعة من أذنه.

ـ منى... تعالى اقعدى.

اقتربت وهى تبتسم.

ـ طب شكلى عطلتك عن حاجة.

ابتسم فورًا.

ـ إزاى؟ انتى تيجى فى أى وقت.

جلست أمامه.

لكن ابتسامتها لم تكتمل.

لاحظ ذلك فورًا.

فقال بهدوء:

ـ مالك؟

تنهدت منى.

ـ عارف... على قد ما فرحى خلاص قرب...

وسكتت.

نظر إليها باهتمام.

ـ بس زعلانة عشان إيه؟

خفضت عينيها للحظة.

ثم قالت بصوت خافت:

ـ مش مهم...

لكن وسام عرف من نبرة صوتها أن الأمر مهم جدًا... وأن ما ستقوله بعد لحظات ربما يغير أشياء كثيرة لم يكن يتوقعها.

❈-❈-❈

كانت أجواء المكتب أخفّ من المعتاد. فمع اقتراب موعد زفاف منى، صار الجميع يتعامل معها وكأنها ضيفة شرف مؤقتة ستغادر قريبًا. وبين الضحكات والمزاح المتبادل، كانت منى تجلس أمام مكتب وسام وهي تبتسم بسعادة واضحة.

قالت وهي ترفع كتفيها:

ـ ماهو أنا هفضل معاكم برضو حتى لو اتجوزت.

ابتسم وسام وهز رأسه مؤيدًا.

ـ بالظبط كده... ربنا يتم لكِ على خير ويسعدك يا رب.

تنهدت منى بسعادة قبل أن تسأله:

ـ عامل إيه مع مى؟

خرجت من وسام تنهيدة طويلة تبعتها ابتسامة هادئة.

ـ تمام بفضل الله.

ضيقت عينيها وهي تراقب تلك الابتسامة.

ـ هتتجوزوا إمتى؟

ضحك بخفة.

ـ مش قبل ما أطمن عليكي الأول... أجوز أختي وأطمن عليها وبعدين أشوف نفسي.

ابتسمت منى بتأثر وقالت:

ـ بس متنساش نفسك يا وسام... إنت بقالك كتير مفرحتش.

في تلك اللحظة ظهر شريف كعادته، وكأنه يمتلك حاسة سادسة تلتقط أي حديث جاد ليقلبه إلى ساحة مزاح.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

خصوصًا عند جملة "بقالك كتير مفرحتش".

وقف بجوارهما وقال فورًا:

ـ ولا هيفرح يا أختي طول ما إنتِ في وشه كده.

فتحت منى فمها بصدمة مصطنعة.

ـ يا باااااااااااي يا شريف!

ثم أكملت وهي تشير إليه:

ـ أديني واخدة أجازة من بعد بكرة لمدة أسبوعين عشان الفرح وشهر العسل... يارب ترتاح مني بقى.

ابتسم شريف ابتسامة شريرة.

ـ مانتي راجعة... هرتاح فين بقى؟ الكلام ده لو روحة بدون رجعة أفرح.

وصنع بوجهه تعبيرًا مرعبًا جعل وسام ينفجر ضاحكًا.

ـ يا شيخ لا قدر الله.

ثم أضاف:

ـ ولا هتستغنى عنها... ده كلام من ورا قلبك.

لوح شريف بيده.

ـ لا يا عم هستغنى ومن جوه قلبي كمان... وبعدين كل مرة كانت تقول كلمة هتجوز وماشية، تاني يوم ترجع. كلمة شوم وهي شوم وبومة وقاعدة في أرابيز اللي خلفونا برضو.

صرخت منى:

ـ إنت قاعد معانا ليه أصلًا؟ ما تروح تكلم خطيبتك!

رفع شريف ذقنه بكبرياء زائف.

ـ خطيبتي أحلى منك يا بتاعت أنور.

ثم مال للأمام قائلًا:

ـ تعرفي تقولي: أرنبنا فمنور أنور وأرنب أنور فمنورنا؟

انفجر وسام ضاحكًا بينما رمقته منى بنظرة قاتلة.

ـ لا... بس أعرف أقول إنك مريض.

رفع وسام يديه مستسلمًا.

ـ طب بقولكم إيه بقى؟ ما تروحوا تلعبوا بعيد عني عشان أنا مشغول دلوقتي.

وضع شريف يده على صدره وكأنه تلقى طعنة.

ـ بتطردني يا وسام؟

ثم تحرك للخلف ببطء درامي.

ـ ماشي يا وسام... ماشي يا وسام يا سنكري.

ضحك وسام أكثر، بينما وقفت منى تستعد للمغادرة.

ـ طيب أسيبك يا أحلى وسام.

فورًا قلدها شريف بصوت ساخر:

ـ أسيبك يا أحلى وسام!

ثم تابع:

ـ كلامك مبتذل وإنتي أوفر... روحي روحي الله يستر على ولايانا.

ودفعها بخفة من ظهرها نحو الباب.

خرجت منى وهي تضحك وتشتمه من بعيد، بينما عاد وسام إلى جهازه أخيرًا وسط هدوء نسبي.

فتح الملف الذي كان يكتب فيه.

الجواب.

ابتسم وحده وهو يقرأ السطور الأخيرة.

"سلمتلك ومعرفش إنتِ رايحة فين... رغم إني معرفش هتوديني على فين يا جنية إنتِ، بس أنا مبسوط عشان قابلتك... مبسوط عشان معايا... مبسوط عشان بحبك..."

توقف قليلًا.

ثم أكمل.

"نسيتيني كنت عايش إزاي... كنت محتاجك وإنتِ محتاجاني... وربنا وفقنا لبعض."

ضحك وهو يكتب السطر الأخير.

"معرفش إني في يوم البنت الشعنونة اللي كنت بخنق من شوفتها هتبقى كل حياتي كده."

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم أضاف:

"ومتحلميش... أنا مش هعيش طول عمري ملاك. أنا كمان كتبتلك حتة من عمرو أهو... ومحدش أحسن من حد."

وأخيرًا كتب:

"سلام يا أجمد مجنونة... مجنونتي إنتِ."

أغلق المظروف وهو يشعر براحة غريبة.

انتهى يوم العمل.

لكن شيئًا ما لم يكن طبيعيًا.

مى لم تتصل.

لم ترسل رسالة.

لا مكالمة.

لا حتى ميسد كول.

وهو أكثر شخص يعرف جنونها المعتاد.

ابتسم لنفسه محاولًا إيجاد عذر.

أكيد وراها شغل كتير.

حتى حين اتصل بها مساءً، ردت عليه.

لكن صوتها لم يكن صوتها.

مختصر.

هادئ أكثر من اللازم.

بارد أكثر من المعتاد.

أنهت المكالمة سريعًا.

ظل الهاتف بين يديه لثوانٍ طويلة بعد انتهاء الاتصال.

شعر بشيء غير مريح.

لكنه أقنع نفسه أن الأمر عادي.

في الصباح التالي، مر أمام منزلها ووضع المظروف أسفل الباب.

ثم أكمل يومه.

وبالفعل وجدته مى عندما استيقظت.

فتحته.

قرأته كاملًا.

كلمة كلمة.

سطرًا سطرًا.

لكن...

لم يحدث شيء.

لا رسالة.

لا تعليق.

لا ضحكة.

لا حتى قلب صغير كانت ترسله أحيانًا.

انتظر وسام طوال اليوم.

كلما اهتز هاتفه نظر إليه بسرعة.

ولم تكن هي.

ومع ذلك لم يشغل الأمر عقله كثيرًا.

فوسام بطبعه رجل هادئ وعاقل.

في ذلك اليوم جاءت منى لتودع الجميع قبل إجازتها.

ضحكوا معها.

التقطوا الصور.

وتحدثوا عن الزفاف المنتظر الأسبوع القادم.

ثم انتهى اليوم.

وجاء الليل.

جلس وسام في غرفته.

نظر إلى الساعة.

الحادية عشرة.

رفع الهاتف واتصل بمي.

رن الهاتف مرة.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ثم ظهرت الجملة التي جعلت قلبه ينقبض فجأة.

"الهاتف مغلق."

أبعد الهاتف عن أذنه ببطء.

وأعاد الاتصال.

مرة ثانية.

ثم ثالثة.

وفي كل مرة...

الهاتف مغلق.

عقد حاجبيه.

وشعر بقلق حقيقي يتسلل إلى صدره للمرة الأولى.

لأن مى...

مهما كانت مشغولة.

مهما كانت غاضبة.

مهما كانت متضايقة.

لم تكن تغلق هاتفها في وجهه أبدًا.

في اليوم الأول لم يأتِ وسام، وفي اليوم الثاني كذلك. لم يطرق باب مكتبها كما اعتاد أن يفعل كل مرة، فقد تأخر الوقت في ذلك اليوم، وظن أنها ربما كانت نائمة أو منشغلة، فآثر ألا يزعجها. غير أن غيابها عن باله لم يكن ممكنًا، بل على العكس، كانت حاضرة في تفكيره طوال الوقت.

مرّ اليوم الثالث، وكان قلبه مشغولًا بمي على نحو لم يستطع تجاهله. أما في عمله فكان حاله مقلوبًا رأسًا على عقب؛ شارد الذهن، مشتت الفكر، يحاول أن يراجع كل كلمة قالها لها مؤخرًا. أخذ يسأل نفسه إن كان قد ضايقها دون أن يقصد، أو صدر منه ما أزعجها وجعلها تتغير بهذا الشكل.

وبعد تفكير طويل، رأى أن أفضل وسيلة لمعرفة ما بها هي أن يرسل إليها باقة ورد.

التقط هاتفه واتصل بأحد محال الزهور، ثم طلب باقة خاصة، وأملى عليهم العنوان، وكتب بنفسه الكلمات التي أراد أن تصل إليها.

وبالفعل، وصلت الباقة إلى المكتب.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

وقف عامل التوصيل عند الباب وسأل عن الآنسة مي فهمي.

التفتت غادة إليه، ثم أشارت نحوها قائلة إنها هناك.

رفعت مي رأسها باستغراب، فتقدم الرجل نحوها وأخبرها أن هذه الزهور مرسلة إليها من الأستاذ وسام عاصم، ثم طلب منها التوقيع على الاستلام.

وقّعت بهدوء وأخذت الباقة بين يديها، قبل أن تقع عيناها على البطاقة الصغيرة المرفقة بها.

كانت الكلمات تقول:

«منذ ثلاثة أيام والقمر غير ظاهر، فقلت أسأل عنه بطريقتي. أتمنى أن تعجبك الزهور. وسام.»

أنهت القراءة، ثم أعادت البطاقة إلى مكانها وجلست خلف مكتبها من جديد.

لكن شيئًا لم يتغير.

ظلت ملامحها عابسة كما هي، ووجهها محتفظًا بنفس التجهم الذي لازمها طوال الأيام الماضية.

اقتربت منها أمنية وهي تنظر إلى الباقة بإعجاب واضح.

أبدت دهشتها من جمال الزهور، وأشارت مازحة إلى أنها تتمنى لو حصلت على وردة واحدة منها.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

فمدت مي يدها نحو الباقة وقدمت لها وردة دون اعتراض.

أما غادة فقد هزت رأسها باستنكار وهي تنظر إلى وجه مي المتجهم، متعجبة كيف يمكن لإنسانة وصلتها باقة ورد أن تظل بهذه الكآبة. ثم أطلقت مزحة ساخرة مفادها أن ممدوح لو أرسل إليها حزمة ملوخية بدلًا من الورد لربما كان الأمر أكثر ملاءمة.

انفجرت منة بالضحك على تعليقها، بينما اكتفت مي بهز كتفيها وكأن الأمر لا يعنيها كثيرًا.

في تلك اللحظة رن هاتفها.

كان المتصل هو وسام.

أجابت بهدوء، فبادرها بالسؤال إن كانت الباقة قد وصلت.

أخبرته أنها وصلت، وشكرته على اللفتة.

ساد صمت قصير، ثم طلب منها أن تضع إحدى الوردات في شعرها.

ولم يكتفِ بذلك، بل أخبرها أن تستعد بعد انتهاء العمل، لأنهما سيذهبان إلى المطعم الذي اصطحبها إليه في يوم احتفاله السابق.

سألته ببرود عن سبب ذلك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

فأجابها بنبرة لا تقبل الجدل، مؤكدًا أنه لا يحب أن يُسأل عن السبب في مثل هذه الأمور، ثم أخبرها أن تكون جاهزة في الثامنة مساءً.

وقبل أن ينهي المكالمة تذكر أمرًا آخر.

سألها إن كانت تملك فستانًا أحمر اللون.

أجابته بأنها تملك واحدًا.

فأخبرها أن ترتديه، وأن تضع الوردة في شعرها، ثم ودعها وأغلق الخط.

أما هي فأعادت الهاتف إلى مكانه وأسندت رأسها فوق المكتب.

كانت الفتيات يراقبنها بصمت.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

كل واحدة منهن كانت تفسر الموقف بطريقتها الخاصة.

منة ظنت أن بينهما خلافًا قديمًا، وأن وسام يحاول مصالحتها.

أما أمنية، التي كانت تعلم أنه لا توجد مشكلة حقيقية بينهما، فقد بدت حائرة أكثر من غيرها.

بينما كانت غادة مقتنعة تمامًا بأن مي تبالغ في عنادها وتفتعل الأمر بلا سبب.

ومع ذلك لم تستطع أي واحدة منهن معرفة الحقيقة.

عند الثامنة مساءً تمامًا، سُمع طرق خفيف على الباب.

كان وسام قد جاء.

وكانت مي جاهزة بالفعل.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

ارتدت فستانًا أحمر أنيقًا وهادئًا، يليق بها كثيرًا، وزينت شعرها بالوردة التي أرسلها إليها. كما وضعت أحمر شفاه بنفس الدرجة القانية، بينما تركت وجهها خاليًا من مساحيق التجميل.

أما هو فكان يرتدي بليزر أنيقًا مع قميص وبنطال مناسبين.

غادرا المكان معًا، واستقلا السيارة متجهين إلى المطعم.

طوال الطريق ظلت مي صامتة.

لم تفتح أي حديث، ولم تحاول كسر الصمت.

وكانت ملامحها العابسة ما تزال كما هي.

أما وسام فلم يعلق على ذلك، لكنه كان يراقبها ويلاحظ كل شيء.

وصلا أخيرًا إلى المطعم، ودخلا إلى الداخل، ثم جلسا إلى طاولة هادئة.

طلب وسام بعض المشروبات، وانتظر حتى ابتعد النادل.

بعدها مد يده ووضعها فوق يدها برفق.

ثم سألها مباشرة عما بها، ولماذا تبدو صامتة إلى هذا الحد.

أجابته بأنها بخير، وأن الأمر لا يتعدى بعض الإرهاق.

فسألها مرة أخرى إن كانت بخير حقًا.

أكدت له أنها بخير والحمد لله.

لكنه أخبرها بأنه يلاحظ تغيرها في الأيام الأخيرة.

فعادت تؤكد أن الأمر مجرد تعب لا أكثر، وطلبت منه ألا يشغل باله بذلك.

الأعمال الأصلية لرواية وحكاية

هز رأسه متقبلًا كلامها، ثم صمت للحظات.

بعدها التفتت إليه وسألته عن السبب الحقيقي الذي جعله يحضرها إلى هذا المكان الليلة، ويطلب منها ارتداء الفستان الأحمر والوردة.

تنهد وسام قليلًا قبل أن يجيب.

ثم أخبرها أنه طوال الأيام الثلاثة الماضية كان يصلي صلاة الاستخارة.

تجمدت ملامح مي للحظة.

ورغم أنها حاولت إخفاء دهشتها، فإن المفاجأة ارتسمت في عينيها بوضوح.

استخارة؟

كرر الكلمة بهدوء مؤكدًا ذلك.

ثم أكمل حديثه دون مقدمات طويلة.

أخبرها أنه ليس من النوع الذي يهوى المبالغات الموجودة في الأفلام العربية، وأنه لن يجثو على ركبة واحدة أو يخرج علبة خاتم بطريقة استعراضية.

كل ما يريده هو أن يقول لها الحقيقة كما هي.

ثم نظر مباشرة إلى عينيها.

وأخبرها أنه يريدها معه.

يريدها شريكة عمره.

شريكة حياته كلها.

في كل شيء.

بقيت مي تنظر إليه بذهول.

حدقت في عينيه وكأنها تحاول التأكد مما سمعته.

ثم تمتمت بعدم تصديق:

الزواج؟

ابتسم وسام وأكد لها الأمر ببساطة.

وظلت للحظات جامدة في مكانها، عاجزة عن استيعاب ما يحدث.

لكن فجأة...

ومن دون أي مقدمات...

انفجرت في نوبة ضحك قوية.


« السابق

جميع الفصول

التالي »

يتبع

إلى حين نشر الفصل الجديد للكاتبة (نور إسماعيل)، لا تنسى قراءة روايات وقصص كاملة أخرى على مدونتنا رواية وحكاية


رواياتنا الحصرية كاملة

إرسال تعليق

أحدث أقدم
متابعة القراءة
استكمل